الخميس 23 آذار

أنت هنا: الصفحة الرئيسية قصة ودراسات ادبية

حكاياتٌ موشومةٌ(1) : أعراسُ النّهر البَارِدِ ـ قصة : عبد الرّحيم دَوْدي

anfasse17031 أيُّ لغزٍ هذا الذي يَدفعني الآن، وبعد مرورِ ردحٍ طويلٍ من الزّمن، على انطفاءِ جدّي "السّي عبد السّلام الطّيب" وسطَ الشّموع البيضاءِ، للبحث في حكاياتهِ المدموغةِ؟ أتكونُ هذه العودةُ ضرباً من رغبة الذّاتِ للبحث عن كينونتها التي ضاعت منها وسطَ زَحْمةِ الحياةِ المعاصرة؟ هل كانَ جدّي يعلمُ أنّ كلّ أعراس ومراثي الجبلِ تنامُ في أصغر خلاياه؟ يبدو أنّ حياتهُ كانت مسرحيّة تتذابحُ في تفاصيلها الأسطورة بالدّين تذابحاً مُخيفاً؟ جدّي الذي كان يحفظُ القرآن، كانَ يؤمن، أيضاً، بضربٍ من المصادرةِ التقريريّة، أنّ العينَ المتدفّقة بين فَخِذَيْ جبل "بوعادل"، سَبَبُها قوةٌ ميتافيزيقيّة خارقةٌ عصيّة على الفهم: أيّ فقيهٍ هذا الّذي استطاعتِ الخُرافة بفتنتها الصاعقةِ أن تَنْسِفَ، في غفلةٍ منه، كلّ ما بناهُ يقينُ الدّين؟
    لقد كانَ جدّي "السّي عبد السّلام" رجلا ًكثير التِّرحال والسّفر، بحكم مهنةٍ كانتْ تستدعِي منه السّفر الدّائم لإحضار الصّوف، الذي يشكّل مادّته الأوليّة لصناعة جلابيب "الحبّة" المعرُوفة بجودتها وقُدرتها على مقاومة قَرِّ جبال الرّيف القاسيّة. كان يقطع المسافةَ الفاصلة بين قبيلته "ولاد أزام" ومدينة تاونات على أَقْدَامِهِ، هُناك سيستقلّ الحافلة صوب مدينة وزّان. وغالباً ما كان يصحبُ معه في رحلةِ سفره صديقه ومُساعده في العمل "سيّ محمد دْيامنة".

اِقرأ المزيد...

الخيال والمشابهة في البلاغة العربية ـ العربي الذهبي

anfasse11036تمهيد عن المفهوم الأولي للخيال:
على الرغم من أن الشعراء في الجاهلية وما بعدها، كانوا يعزون مصادر إبداعهم إلى كائنات غير إنسية (جن، شياطين) توحي لهم بالكلام الشعري، فإنهم لم يكونوا ليركزوا على هذه المظاهر وتنظيرها. لم تكن إشاراتهم تلك، سوى محاولة لتفسير غوامض التكوينية الإبداعية الخيالية لديهم بنفس مقاييس الذوق السائد على مستوى بنيات التلقي وتناولية الخطاب الشعري. بل إن ذلك قد يدخل، فقط، في باب "الميتولوجيا الشخصية" للشاعر؛ لم يكن هو ذاته ليحفل بها ويتأملها أكثر من الإشارة إليها عابرا؛ أمام سيادة الوظيفة الاجتماعية والثقافية للشعر ومقتضيات الإنتماء القبلي للشاعر.
لذلك، لم يتبلور التفكير النظري في الخيال بما هو آلية اشتغال للخطاب الشعري. ولم يكن للفظ "الخيال" سوى معناه المعجمي المتداول؛ والذي يدل على توهم شيء غير موجود أصلا. أما الشعر، فإن له وضعه المعرفي المتميز ولم يكن ممكنا ربطه بالخيال كوهم لأن الشعر كان "علم قوم لم يكن لهم علم غيره" كما يتواتر عن عمر بن الخطاب.
مقابل الإنصراف عن الاهتمام بالجانب التخيلي الذي يحيل مباشرة على إنتاج خطاب ما وراء إبداعي؛ أي ميتافيزيقا للخطاب الشعري، انصب التركيز في المراحل الأولى للشعرية العربية القديمة، على المعطى المادي والحسي والمعيش للنص الشعري؛ أي صنعته وبناءه ودرجة تأثيره في المتلقي وكذا قدرته على تبليغ رسالته ضمن الشروط المتحكمة في المجال الذهني والثقافي للإنسان العربي، ذي البناء القبلي أساسا.
ونجد استعمال كلمة "خيال" في بعض نصوص الشعراء الجاهليين، بمعنى الشيء المدرك في غيابه وخاصة في المقاطع الغزلية حيث يشير إلى "طيف" المحبوبة يقول طرفة بن العبد(1):
فقل لخيال الحنظلية ينقلــــب إليها، فإني واصل حبل من وصل
سما لك من سلمى خيلا ودونها سواد كثيب، عرضه فامايلـــــــه

اِقرأ المزيد...

شعر الأطفال في التّراث العربي القديم : الترقيص والهدهدة ـ يوسف عمر

anfasse11034مدخل:
      يكاد يجمع الباحثون على أنّه لا وجود لشعر مكتوب للأطفال في تراثنا العربي فليس فيه ''ما يمكن أن نسمّيه: أدب أطفال. ويبدو أنّ الصّغار كانوا يتداولون القصص والحكايات الشّعبية التي يتناقلها الكبار، وما (ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة) إلّا حكايات وضعتها مخيّلة القصّاصين لأبناء الشّعب في عهود كان فيها الشّعب قليل المعرفة، يؤمن بوجود الجنّ والعفاريت ويجد متعة في أخبار الكنوز المطمورة والقصور المسحورة، التي تنقله إلى عالم خيالي رحيب ينسيه مرارة الواقع ومتاعب العيش''[1] غير أنّ هذا التّراث يحتوي على ما سمّي ''بشعر ترقيص الأطفال، وهو ليس مكتوبا من أجل أن ينشده      أو يحفظه الأطفال بل هو شعر مكتوب بإيقاع راقص، يناسب من يرقِّص الطّفل، فيعبّر عن عاطفته من ناحية، ويؤثّر في الطّفل بالصّوت والحركة المرافقة للغناء''[2] حيثّ صُبّ هذا النّوع الشعري في قالب الرّجز، وتشكّلت نواته شفويا على ألسنة الجدّات والأمّهات  في الأدب الشّعبي، فكان له ''دوره الحيوي في تكوين الشّعور الوجداني للطّفل. إذ إنّ تأصيل العلاقة المميّزة بين الأدب والطّفل تقوم على مدى قدرة الفنون الأدبية     في التأثير على الطّفولة كوسيلة وغاية''[3] لذلك جاءت أدبيات الطّفل المتناثرة في كتب التّراث العربي أجل تحقيق الوظائف التربوية والجمالية واللّغوية لهذا اللون الشّعري.     وقد تفطّن القدامى إلى أنّ الطّفل يجد راحته مع الأناشيد والأغاني الخفيفة، فيطرب ويهتزّ مع وقع صوت الجدّة أو الأم وهي تلقي تلك المقطوعات الخفيفة.
 

اِقرأ المزيد...

كم راودتني الأحلام ـ قصة : لمياء الآلوسي

anfasse11031كم راودتني الأحلام، كم مرة تملكتني وطافت بي بعيدا حتى تصبح الحدود الفاصلة بينها وبين الواقع، كالحدود الشفافة التي تخطها الغيوم،  فتصبح جدران الغرفة الضيقة التي تضمني  تحت سقفها الواطئ، أوسع من أن يلمها قلبي الصغير . 
فأنا ابنة رجل عجوز يدفعني إلى الشوارع كي استجدي ما يعيننا على العيش، وبعض النقود، ليشتري بها مشروبه الذي يحوله منذ الرشفة الأولى إلى رجل رقراق كماء النهر.
في لحظات صحوه والتي لا اعرف متى تأتيه، يرسلني إلى المقهى في زاوية الشارع البعيد، كان يرسلني لأقطع كل تلك الأميال للوصول إلى المقهى كي أشتري له مشروبه، وبعض ما يجود به صاحب المقهى، الذي كان يعرف إن أبي  يبتز طفولتي، ويعيث بحياتي فسادا، ولست قادرة على الرفض فهو أبي على أي حال، كنت أتطلع إليها كي تمنعه من إجباري على قطع كل تلك المسافات،  في ذلك المساء تحت نثيث المطر البارد، بكل الوسائل التي لم تتعلمها جيدا، تحاول أمي أن تردعه، تمارسها بكل ما فيها من رغبة في أن تكون امرأة مرضية، لكنها تقع صريعة ضعفها فلا تتمكن من منعه، أمي المتعبة حد الإعياء، كانت تنظر إلي دون أن تقول شيئا، أو تفعل ما يجنبني تلك المشقة .
 

اِقرأ المزيد...

جزيرة الصمت ـ قصة : محسن العافي

anfasse04034لم يكن منا من يجرؤ على الكلام ،ولكن لسبب ما لم ينبس أحدنا بكلمة،ولم يحاول أحد قط فعل ذلك .
التثاؤب يعلن حالة من العياء والإجهاد والشرود،وأحدهم يسترق الكلمات والحروف،يغترف لنفسه مما ليس له.
شيء غريب يجعل الكلمات تغيب عنا،وتنجلي معاجم اللغات عن هذا العالم، لتتحدث إلينا خفية بلسان متثاقل،وبنفس متقطع ،ثم تعلن صمتها من جديد.
كان صمتا ينسي العالم الكلمات والجمل ،وحوله صمت يخرج منه صوت يتحايل على  نسيم الأمكنة  الهادئة ،ويعبث بالأعشاب والنباتات ذات السيقان الهشة فيكسرها ،فيهيم الصدى في الفضاءات، يعلو ويهبط ثم يتلاشى، كأن جنبات الدنيا تمتصه على مضض ، ثم يغيب عن الأركان والزوايا، وكأن للصمت أيادي خفية تخرج الصمت عن صمته .
كان أحدهم  يقطع أشجارا خفية ليبني له كوخا،دون أن يعرف رفاقه ، يهوي بفأس على سيقان الأشجار بضربات متتالية، ثم يتوقف ليعاود الكرة كعفريت مارد ،يرسم داخل الصمت موجات صوت مفتعلة، تسرق من ذلك العالم صمته البهي .
لما رآه أحدهم قال :

اِقرأ المزيد...

اسماعيل خُطوطو ـ قصة : العياشي ثابت

anfasse04033     وحدها كلاب "الكونت دوباري" كانت تُدمي ذيولَها وأرجلها من فرط الهياج إزاء كلاب ضالة، تمنعها السلاسل من ملاحقتها، وبث سموم القيد في جلدها الموبوء... كانت "الشيخة طامو" ذات السبعين خريفا أو يزيد، تسكن إحدى الشقق البديلة عن عشوائيات المدينة، غير بعيدة عن حانة الصعاليك، تطل كل يوم من نافذتها الضيقة، لتتابع فصلا من جنوح ابنها، فقد كانت ترى فيه ضربا من جنون كلاب " الكونت دوباري"...تعيش وساكنة الزقاق أفلام رعب متكررة، بطلها اسماعيل خطوطو، كل يوم في ذات المكان... لم تكن سلاسل الشيخة طامو سوى أبواب حديدية موصدة، يخبطها ساعة الهياج بقوة، حتى إذا بلغ اليأس مداه، استل من حزامه مدية يتلألأ بريقها فيعمي عيونا مشدوهة، ويربك قلوبا خائفة، تترقب حركات المعتوه وسكناته. ساعتها يبدو الزقاق خاليا من المارة ، موصدا في وجه السيارات والدراجات دون علامات المنع، حيث يتحول اسماعيل خطوطو إلى قانون جديد يلغي كل علامات التشوير...ينزع ملابسه في بلادة وعجرفة مقيتة، ويرسل وابلا من السب والشتم لكل العيون المراقبة من خلف النوافذ، تتأمل خطوط جسده البادي مثل خريطة متشابكة المفاتيح...

اِقرأ المزيد...

عباس الحلاوي ـ قصة : رشيد تجان

anfasse04032تنتظم براريكنا1  في مجموعة من الأزقة يجمع شتات أطرافها حيٌّ صفيحي يدعى "الكاريان"، يضم مهاجري القرى القريبة من مدينة الدارالبيضاء والبعيدة عنها. تختلف لهجاتهم وعاداتهم وتقاليدهم، ويجمع البؤس بينهم على حد سواء. يظهر القهر على وجوههم الشاحبة، يشتغلون بعضلاتهم القوية طيلة اليوم، متفرقين في مشاغل مختلفة، ويعودون مساء. تختلف بهم السبل بين من دخل بيته وأغلق الباب خلفه، وبين من اطمأنَّ على حال أسرته ثم انصرف عند الحلاق لمعرفة أحوال الأصدقاء وتبادل أطراف الحديث وتدخين "الكيف"، وبين من ابتُلِي بأشياء أخرى فينصرف إليها، فتجده قابعا في فرن "الدرب" يلتمس الدفء شتاءً.
عباس واحد من كل أولئك الناس، يبعد عن كوخنا بخمس أزقة في اتجاه الشرق، يعرفه الجميع، يصنع الحلويات ويبيعها للزبائن في الشارع العام، عبر عربة يدوية، بعجلتين. كلما حل بالساحة التي تتفرع عنها كل الأزقة إلا وخلق الفرجة. رجل محبوب من الجميع، صاحب نكتة ويمتاز بخفة دم. في السراء والضراء حاضر، يساعد على بناء الخيمة لاستقبال المعزين ويتأسف لضياع الفقيد الذي كان شُعلةً يستنير بها كل من عرفه، إن كانت هناك وفاة ما، ينعي مع الناعين ويشهد الجنازة ويصلي عليها سيرا على الحديث النبوي :" مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ"، ويعظ من معه بما تيسر له معرفة بالدين، ويعود مع الناس من المقبرة ليأكل ما لذ من كسكس الجيران المُعَدِّ لهذه المناسبة، ويتخشع لقراءة القرآن ليلا، يأخذ الموعظة من أفواه الفقهاء، حَفَظَةِ القرآن، ويتصدق عليهم بعد العَشاء مما تيسر من رزق حلال.

اِقرأ المزيد...

جلب الحبيب ـ قصة : ماهر طلبه

anfasse04031قال يعقوب ليوسف: أخفِ حُلمَك حتى لا يَقتلك.
 لكن إخوة يوسف كانوا دائمي التفتيش في ذاكرته ومذكراته وموبايله حتى عثروا بالصدفة أو بلعبة القدر الغادرة والتي يمارسها دائمًا الآلهة على الحُلم الجنين؛ فألقِيَ يوسف في البئر حتى يَغرق حُلمه.
***
أَخرجَ السقا يوسفَ من البئر ونسى حُلمَه فيه، وذهبَ به إلى عزيز مصر عارضًا بضاعتَه عليه، فضَمّه عزيز مصر إلى قصره خادمًا أمينًا.
***
ما كان يوسف دونَ حُلمِه ليصير خازن مصر، ولا كانت لتطمع فيه زليخة وتُقطَّع الأيدي من أجْله، لذلك كان دائمًا ما يذهب إلى بئره المذكور في القرآن كل صباح، يَنظر جثة حلمِه الملقاة في قاع البئر أمامَه، يسأل كل مَن يُلقي دلوَه فيه أن يساعده على انتشاله.. لكن مَن يرغب في الحصول على جثةٍ في بداية نهاره؟. لذلك كان لا يَلتفِت إليه أحد، ولذلك ظَل يوسف على جدار البئر مرسومًا تمثالا للحزن والآسى والأمل.
***

اِقرأ المزيد...

تودوروف أو الدفاع عن الأدب إلى أبعد مدى ! ـ الصادق بنعلال

anfasse24028" إن معرفة الأدب ليست غاية لذاتها ، و إنما هي إحدى السبل الأكيدة التي تقود إلى اكتمال الإنسان . و الطريق الذي يسلكه اليوم التعليم الادبي الذي يدير ظهره لهذا الأفق ، يجازف بأن يسوقنا نحو طريق مسدود " :  تزفيتان تودوروف ( 1.3.1939 / 7.2.2017 )

ما فتئ المؤلف النقدي “الأدب في خطر ” للكاتب الفرنسي” تزفيتان تودوروف “يثير اهتماما ملحوظا وملفتا، لدى المشتغلين في المجال الأدبي والمعرفي على وجه العموم، وذلك لما استعرضه من قضايا محورية ذات الصلة بالشأن الثقافي والبيداغوجي، وللنظرة المتجددة التي حملها كاتب طالما أغنى المكتبة الأدبية العالمية بدراسات نقدية بالغة الأهمية، اتخذت من البنيوية والمقاربة الشكلانية منطلقا لمساءلة منطوق النص الإبداعي، واستجلاء محدداته الأدبية المخصوصة. وعلى الرغم من صغر حجم المؤلف قيد المعاينة “الأدب في خطر” الصادر سنة 2007 عن دار فلاماريون، إلا أنه أحدث رجة غير منتظرة في ميدان الإبداع والنقد الأدبيين، أعادت الاعتبار من جديد للقول الأدبي المسكون بهاجس البحث والسؤال عن الإنسان في الأدب بحصر المعنى!

1-  ماهية الأدب و ... رسالته :
ومهما تنوعت تعريفات الأدب عبر مختلف العصور والثقافات الإنسانية المتنوعة ، يظل في المحصلة الأخيرة ذلك التعبير اللغوي الجمالي عن جوهر الإنسان وتطلعاته وأحلامه وحقيقته الأزلية ، إنه بوتقة تنصهر فيها مختلف المعارف البشرية الحاملة للقيم المثلى من خير وحق وجمال.. مما يستدعي في أي مقاربة نقدية للنصوص النثرية والشعرية إطارا مرجعيا ومفاهيميا ، يؤلف بين الجديد في عالم الألسنية والمناهج الأدبية الحديثة، وبين الرؤية الإنسانية العميقة، والمدركة للرسالة الأدبية الرفيعة للأدب؛ رسالة البوح بكينونة الإنسان في الزمان والمكان. وما من شك في أن الأعمال الأدبية العظيمة منذ اليونان فد لعبت دورا مفصليا في التمهيد لبناء الحضارات والرقي بالأفراد والمجتمعات.. فكيف يجوز الاقتصار على النظر إلى المنجز الأدبي العظيم داخل “محبس″ شكلاني محكم الانغلاق، وإهمال إيحاءاته اللامتناهية  ومحتوياته الرؤيوية غير المحدودة!؟

اِقرأ المزيد...

مملكة الإسلام من خلال الأدب الجغرافي العربي ـ عبد الحق بلقيدوم

anfasse24027مقدمة:
    احتلت الحضارة الإسلامية(*) مكانة مرموقة بين الحضارات العديدة التي عرفتها البشرية، تبوأتها بما أسهمت به على مدى تاريخها الطويل في تطوير الفكر والعلوم والآداب، وكل النشاطات الإنسانية التي أدت إلى تحسين حياة الإنسان. ومثَّل هذا الإسهام نصيبا وافرا وأساسيا في تراث الإنسانية، كان إشعاعه في بيئته العربية الإسلامية، وامتد تأثيره إلى غيرها من البيئات الأخرى(1).
    لم تبلغ هذه الحضارة ما بلغته من المجد إلا بمجيء الإسلام، بمبعث النبي محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) سنة (622م) في قلب الصحراء العربية(2)؛ إذ لم يكن للعرب قبل هذا الحدث ذكر ذو شأن في التاريخ، أو موطئ قدم بين الأمم المتحضرة آنذاك؛ من حيث القوة والنفوذ كالروم والفرس، أو من حيث الفكر والعلوم كاليونان والهنود، بل كانوا بدوًا رُحَّلا، يتتبعون منازل المطر ومنابت الكلأ لرعي مواشيهم وسقايتها. أما أهل القرى منهم كأهل مكة، فكان مَبْلغ مجدهم تجارة يزجونها شمالا إلى الشام، أو جنوبا إلى اليمن، في رحلتَيْ الشتاء والصيف(3) التقليديتين. أما ملوكهم فكانوا أتباعا لأقوى الدول في ذلكم العصر؛ فولاء أهل الحيرة من المناذرة للفرس، وولاء أهل الشام من الغساسنة للروم(4).
     فلما بعث الله محمدًا (صلى الله عليه وسلم) بدين الإسلام، اعتنقه الناس وتـحلَّــــوا بتعاليمه، فبث فـــيهم روحا جديدة، روح الأخوة في الإسلام(5)، التي ترقى فوق أخوة النسب؛ قال الله تعالى:﴿ وَاعْتَصِمُوا بِـحَبْلِ اللهِ جَـمِيعًا وَلَا تَفَرّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُـنْـتُـمْ أَعْـدَاءً فَـأَلَّـفَ بَـيْـنَ قُـلُـوبِـكُـمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْـوَانَـا وَكُـنْـتُـمْ عَـلَى شَـفَـا حُـفْـرَةٍ مِـنَ الـنَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونْ﴾(6).

اِقرأ المزيد...

جون ماري لوكليزيو: حينما تصير الرواية مصدرا أنثروبولوجيا ـ مولاي عبد الحكيم الزاوي

anfasse24026   ينطبع التفكير في كتابات الروائي الفرنسي جون ماري لوكليزيو بمفترضات شكية غارقة في متاهات أسئلة الوجود الانساني، كاشفا لمضمونات وترميزات الحياة المعقدة، ممخوضة بتساؤلات وبلاغات الوجوديين، راسمة لإسهاماته الروائية وراثة شرعية لعرش أب الوجودية الأدبية ألبير كامو، كتابات تنهجس بالخوف والمعاناة والألم، تعانق لقاء عالم الواقع بعالم الطبيعة، تحكي عن اللغة والموسيقى، عن الأنا والآخر البدائي، تصير اللغة عند لوكليزيو موسيقى عليها أن تلتحق بأغنية الريح والبحر والعالم، وتغدو جزءا من مملكة الصمت.
   سَتَعْبر رواية المحضر le procès-verbal بلوكليزيو نحو علياء الأدب العالمي وقمته، لتنال حظا من الشهرة والألق ضمن خارطة الإبداع العالمي، جعلته ينال جائزة نوبل للآداب سنة 2008، باعتباره كاتبا مُجددا، يقتحم عالم الرواية بنفس شاعري متدفق من عمق الطبيعة، مُبتعدا بتخييله عن فلكية الحضارة الغربية وهيمنتها، ولسوف يعتبر النقاد رواية المحضر أقرب رواية كتبت إلى رواية الغريب لألبير كامو، وهي التي كتبها وهو في ريعان الشباب، لم يتعدى سنه وقتئذ 23 سنة. وتظل اللحظة الفارقة من مساره الروائي، وفي حمأة اكتشاف القراء لجون ماري لوكليزيو سيتزامن حصوله على جائزة نوبل للآداب مع صدور رواية غاية في الإبداع بعنوان لازمة الجوع Ritournelle de la faim
   سيكتشف القراء روائيا من دفق مغاير، يكتب عن الوجودية بعد أن تخلى عنها الرفاق، ولم يعد أحد بمقدوره أن يحشر اسمه في فلكها، ففي روايتي الصحراء le désert والباحث عن الذهب le chercheur d’or ترتدي الرواية لحاف الأسطورة والهذيان، وتضحي أفصل وسيلة لفهم العالم المعاصر، وفي رواية l’africain، تلبس الرواية رداء السيرة والذات، إذ يقول "عندما تكتب وأنت تنظر إلى الآخرين، وهم يعيشون تستطيع بقوة الأشياء أن تأتي من جديد".

اِقرأ المزيد...

الفضاءالطقوسي في القصة القصيرة المغربية ـ د. فاطمة تامر

anfasse24025يتشكل الفضاء السردي من مجموع المكونات والعناصر التي تنضاف إلى الأمكنة ،مساهمة بذلك في بناء النص وتلوين أجوائه ،وتخطيط مسار أحداثه ، ورسم شخصياته وأبعاده الدلالية والجمالية.
وبما إن الإنسان -كما تحدد هويته الانثروبولوجية الانكليزية ماري دوكلاس - كائن طقوسي بامتياز فإننا سننطلق من المعنى العام للطقوس باعتبارها أنشطة عفوية أو شعائر مناسباتية،وإجراءات منظمة وفق ضوابط مكانية وزمانية،فردية وجماعية، ذات بعد احتفالي رمزي لغايات معينة(دينية-نفسية-روحية-اجتماعية-الخ)-
وسنقف عند تجليات الفضاء(1) الطقوسي (2)في بعض القصص المغربية القصيرة التي وفرت لنا مجالا خصبا لاستجلاء هذا البعد -من خلال مظاهر وحالات تتجاوز حد المألوف لتجاور الخارق و لتتاخم  أحيانا الغرائبية(3)و حتى العجائبية (4).وذلك من خلال العوالم الآتية:

-1-عالم الإبداع:

ايكاروس: لمحمد زهير
حكاية ا لشاعر فاضل المطري ،الناسك المعتكف في محراب القراءة والكتابة، يرويها صديقه/السارد:
(هناك أكثر من علاقة تجمع بين فاضل المطري والشموع )  بهذا الاستهلال وقبله العنوان(ايكاروس) يثير النص فضولنا لنلج عالمه المثير، الحافل بأسرار الكتابة وحالات الإبداع، وما يكتنفها من طقوس.
يضعنا المشهد القصصي العام والذي يضم شخصية السارد/الصديق، والشاعر فاضل المطري مدار الحكاية أمام أربع لحظات:

اِقرأ المزيد...

هو الحب ـ نص : إحسان شرعي

anfasse24022عودة الحلم اللامنتهي، منتهى الحلم، إحساس بأن العيش فوق غيمة منعشة ممكن. أن أراك في كل مكان حتى إن لم تكن، أن أعيد ترتيب المشاهد لأقحمك فيها.  الحب حمى لذيذة، هلوسة. أن أحدثك في غيابك، أن أريك أثر الشمس على بشرتي بعد يوم على الشاطئ.
ان انتظر الصباح نجمة نجمة لأراك، أن أشتري أحمر شفاه من أجلك، أن أنظر للمرآة لأراك، أن أضع العطر على كفي حتى يبقى شيء مني عندك. أن أكشف لك عن دهاليز قلقي السرمدي، وأشتم القدر الذي لم يجعلني لك و لم يلاقني بك. وأحب كل التفاصيل المتعلقة بك: مقعدك وزندك ونظرتك التائهة في. وأردد أغنيتنا المكتومة، في السر، أن أتمنى قهوة الصباح على الشرفة الصغيرة معك، أنت ترتشف القهوة تتطلع في المدى وأنا تائهة في مدى انتصاري بالحصول عليك. أجمل الصباحات تلك تبتدئ من ذراعك وأجمل الأمسيات ما انتهت على سريرك، لا سر بيننا بعد انتهاء الليل، تكشف الرؤى المشبعة، لا عطش بعد ذلك ولا رغبة مستعصية التحقق ولا أنثى بعدي على هذه الأرض.

اِقرأ المزيد...

استراتيجية الموقف السخري عند أبي نواس ـ علي كرزازي

anfasse17028قل لمن يبكي على رسم درس
واقفا، ما ضرّ لو كان جلس؟!
أبو نواس (الديوان، تحقيق الغزالي، ص 134)
 
تعود السخرية في معناها العام إلى العصور القديمة، أي منذ أن تنامى لدى الإنسان/المبدع، الإحساس بذاتيته، فتبين عيوب خصمه وصب عليها جام نقده، وهي غالبا ما تقترن بظاهرة الهزل والعبث لذلك حفلت الآداب القديمة بأنواع مختلفة من السخرية،منها الكوميديا والهجاء الانتقادي (Satire).
وفي الثقافة العربية ترد لفظة السخرية في القرآن الكريم غير ما مرة، وهي غالبا ما تأتي في سياق استهزاء الكفار بالمقدسات الدينية سواء كانت معجزات أو أنبياء أو مومنين. أما في لسان العرب فتأتي مرادفة للهزء والضحك والاستخفاف(1).
ومن الشعرية الحديثة ننتخب التعريف التالي لهنري موريي (H.Morier) :
"السخرية هي تعبير ضمير مأخوذ بالنظام والعدل عن سخطه إزاء انقلاب وضع يخاله طبيعيا، عاديا، واضحا ومعقولا. وقوام هذا التعبير هو الضحك باستخفاف من مظهر الخلل أو الضعف هذا، عن طريق التنديد به وفضحه بطريقة انتقامية ترتكز بدورها على قلب دلالة الكلمات (Antiphrase) أو على وصف لوضعية متعارضة كلية مع الوضعية الواقعية (Anticatstase) وبذلك تتم إعادة الأمور إلى نصابها"(2).
تتلبس السخرية بالعديد من المفاهيم التي تقوم مقامها أحيانا مثل الفكاهة (Humour) أو المحاكاة الساخرة (Paradie)، أو تلك التي تعين درجة من درجاتها مثل الضحك والابتسامة أو الفكاهة السوداء، وهي كلها شكلت مركز جذب للعديد من الدراسات، بحيث تمت مقاربتها من وجهات نظر متعددة: فلسفية، بلاغية، لسانية وتداولية وتأويلية.
وسنعمل من جانبنا ضمن هذه الدراسة على الإفادة من بعض وجهات النظر هاته في تناولنا لبنية السخرية وأبعادها داخل المتن الشعري لأبي نواس، ونحب أن نصرح مبدئيا، أن السخرية لدى أبي نواس(3)، لا تقف عند حدود كونها صورة بلاغية أو تنميقا أسلوبيا، وإنما هي في الحقيقة عكس لموقف الشاعر من مجتمعه، ذلك الموقف الذي وصل فيه الشاعر جمالية الشعر بمغامرة الفكر، مما جعل السخرية عند أبي نواس "تصبح مفهوما للعالم ونظرة، كأنما أراد لها أن تحل محل الفلسفة والأخلاق"(4).

اِقرأ المزيد...

ضَمِيمَةُ الإيقاعِ في شرح الزوزني للمعلقات السبع ـ د. يماني مبيريك

anfasse17024ملخص:
بعد قراءتي شرح الزوزني للمعلقات السبع، تبين أنه  تعرض إلى توضيح ما علق في هذه القصائد من مغلق اللفظ ومبهم المعنى ، من حيث مستوياتها اللسانية سواء أكانت تركيبية  ، دلالية  ،معجمية أم صوتية،وكان اختياري لهذا الأخير ، وفقا لما احتوى عليه من ظواهر صوتية تقارب الدراسة اللسانية المعاصرة.
الكلمات  المفتاحية:  اللفظ ، المعنى ، اللسانيات ، التركيب ، الدلالة ، المعجمية، الصوتيات...الخ

مقدمة
قال ابن فارس في لفظة "الصوت" والصوت من الصاد والواو والتاء أصل صحيح وهو الصوت وهو جنس لكل ما وقر في أذن السامع[1]
  ونحن حينما نتناول عنصر الصوت فإنما نتناوله في ظل الشعر وبالخصوص الشعر العمودي،ومن نماذجه البدائية وصوره الإبداعية الأولى متمثلا في الشعر الجاهلي وقصائده الغر الطوال،فاكتسب ذلك الشموخ الفني الذي أشار إليه عز الدين منصور بقوله:(و ظل الشعر العربي العمودي شامخا يؤدي رسالة بأنماطه القديمة والجديدة التي لها أصالتها في الأداء الشعري)[2] ،وهذه الأصالة نابعة من العلاقة بين الشعر وموسيقاه.
اقترن الشعر في العصر الجاهلي بإيقاع خطوات الإبل وبخاصة إيقاع بحر الرجز وأصله(مأخوذ من البعير إذا شدت إحدى يديه فبقي على ثلاث قوائم،وأجود منه أن يقال مأخوذ من قولهم ناقة رجزاء .
لذلك فان أوزان الشعر التي نظمت فيها الأعاريض جميعا مع حركة من حركات الإبل في السرعة والأناة،ومما جاء من الحركات المتمهلة قولهم: ارتعشت عند قيامها لضعف يلحقها أو داء)[3]

مَا لِلْجِمَالِ مَشْيُهَا وَئِيدا           أجنْدلًا يَحمِلْن أَمْ حَدِيدا.

إذا كانت الأصوات ظاهرة كونية تتآلف وتتخالف تسرع وتتئد،فان ما بهمنا منها مسألة الإيقاع فحاجتنا إلى الموسيقى تجعل أرواحنا تميل ميلا عجيبا إلى الأصوات والألحان دون إدراك كنهها،وهي تهتز لقصف الرعد ولخرير الماء،ولحفيف الأوراق، لكنها تنكمش من الأصوات المتنافرة وتنبسط بما تآلف منها[4]

اِقرأ المزيد...

لعنات ـ قصة : الحسين لحفاوي

anfasse10026كل مولود يولد في قريتنا تتأكد مع قدومه تفاصيل اللعنة التي سكبها علينا أحد الشيوخ الذين مروا يوما عبر بيوتنا، لم يكن مرور ذلك الشيخ عاديا و لا كان اِستثنائيا، كان مرورا بهيجا، مربكا، مخيفا، مفرحا، داوى أثناء مروره المرضى و أطعم الجوعى و أطفأ ظمأ الأجساد المتعطشة لنفحاته بتعاويذه، لكن المريب المحير أن لا أحد شفي و لا أحد شبع و لا خمدت ألسنة اللهب المتصاعدة من الأجساد المحترقة، لامست راحة يمناه كل الأجسام بلا استثناء، تحسس التفاصيل المخبأة تحت الأثواب و اختلى بالأطفال يريد تعميدهم، و رافق بعض النساء إلى أماكن كان يختارها و في مواعيد كان يضبطها حسب مزاجه أو استجابة لأوامر جنياته اللواتي لم نكن نراهن و لا نحس بوجودهن و لا نسمع هسيسهن، لكنه كان يحادثهن و يأمرهن و يطعنه.
دخل كل البيوت بلا استئذان، و بلا تردد أدلج في الظلام الحالك، دخل المغارات المظلمة المحيطة بالقرية و نام داخلها وحيدا في العراء و البرد، صلى برجالنا في المسجد و أزاح الإمام عنوة، و ذبح أضاحينا بيديه، و حرم آباءنا من إراقة الدماء، تلقى الصدقات و طاف في الحقول خلال الصباحات الندية و خلال الأماسي المنعشة، كان يمشي مدققا النظر في الأرض كمن يتبع آثارا أو يفتش في ثقب قد يقوده إلى كنز أو يلج عبره باطن الأرض.

اِقرأ المزيد...