الخميس 22 شباط

أنت هنا: الصفحة الرئيسية قصة ودراسات ادبية

المدلول الشعري في السيميائيات الدلائلية ـ البخاري نعيمة

Anfasse11034تأتي دراسة جوليا كريستيفا  Julia kristevaللمدلول الشعري في إطار أنه يحيل على مدلولات خطابية مغايرة، حيث إننا يمكن أن نقرأ خطابات متعددة داخل الملفوظ الشعري، بشكل يجعلنا نخلق فضاء نصيا متعددا حول المدلول الشعري. وإذا ما أخذنا الملفوظ الشعري داخل هذا التعدد أو التداخل، سيشكل مجموعة صغرى لمجموعة أكبر هي فضاء النصوص الموجودة في محيطنا الثقافي.
هذا ما يضفي على المدلول الشعري طابعا تعدديا، فهو مجال للتقاطع، ولعلاقات متبادلة. وهذا التقاطع بين عدة خطابات داخل النص في اللغة الشعرية، قد أشار إليه دوسسيرDe Saussure في  “الجناسات" التي تساهم في بناء خاصية أساسية لاشتغال اللغة الشعرية، يعني امتصاص نصوص متعددة داخل الرسالة الشعرية التي تقدم نفسها من جهة أخرى باعتبارها موجهة من طرف معنى معين. ومن الواضح أنه لا يمكن اعتبار المدلول الشعري نابعا من سنن محدد إنما هو تقاطع لعدة شفرات تجد نفسها في علاقات متبادلة.
        يسمح السيميائي بهذه التحولات داخل الممارسة النظرية ، بخرقه للنظري، وهذا ما تسميه جوليا كريستيفا بالإبداع. يبدو هذا الفيض السيميائي في اللغة الشعرية حيث تعاد نمذجة النظام الرمزي. إن اللغة كممارسة اجتماعية تستدعي صيغتي السيميائي والرمزي، التي تتركب لأجل تكوين أنماط للخطاب. فالخطاب العلمي يميل إلى اختزال السيميائي، بما أنه يستلهم الميتالغة.
     ترى جوليا كريستيفا أنه عند امتلاك اللغة وممارستها عند البالغ يتمركز التلفظ على اعتباره يمثل تكونا للوحدة الذاتية من جهة، يعني انفصال الأنا عن جسد الأم ومرحلة المرآة، ووضعية الآخر كموضوع ومرسل إليه، وإدماج للسيرورات الغريزية السيميائية من جهة أخرى. فالإسناد أو التلفظ، يظهر كممارسة تناقضية، وهذا التناقض يوجد مع التناقض الذي يمثل الذات المتكلمة انطلاقا من الجسد. فالجسد هو نفسه يصبح حمولة توليدية متحركة، واستبدالا اجتماعيا، وموقعا للتغييرات الطبيعية والاجتماعية، بما أن الحمولة التوليدية هي تشكل تمفصلا سيميائيا لإجراء الذات، ومنطقا توزيعيا، يتجاوز الجسد داخل الفضاء الاجتماعي، ليخلق ذلك التحول في المواضيع وفي العلاقات بالآباء وبكل الشريحة الاجتماعية.

اِقرأ المزيد...

الحمامة و الحَيدَوَان ـ قصة : الحسين لحفاوي

Anfasse11026كان غضا، و كانت سنواتها الخمسون تزحف بها نحو النهاية، فقد أعمته ثروتها عن تجاعيد وجهها     و عن يديها المعروقتين، جذبته إليها سيارتها الفارهة و أسورة الذهب التي يضج بها معصماها، و قلائد العقيق المتناثرة فوق جيدها. أما ما جذبها إليه فقوته و سمرته الكالحة. كان جريئا و كانت تبحث عن تلك الجرأة و تتمناها، كان جامحا و عنيدا، و كانت تفتش عمّن يحكم شد لجامها و يسوسها و يركبها، كانت تبحث عمن يميتها ببطء ثم يحييها، و كان هو ذاك الجواد الذي ظلت ترسم صورته في ذهنها، و حين عثرت عليه لم تفرّط فيه. لم تجد قبله سوى الذين أشارت إليهم بسبابتها فمدوا إليها رقابهم فداست عليها ضاحكة ساخرة مستهزئة. لكنها عندما وجدته أدركت معنى أن تكون مسحوقة. شد طرف حبلها بيده         و ترك لها العنان تركض كما تشاء فاسحا لها البرية تنعم فيها باطلاق قوائمها غير مكترثة بالصخور المدببة الناتئة، و كلما عن له أن يدنيها منه جذب الحبل، فأدار عنقها إليه، فتأتيه  متمسحة على أعتابه صاغرة ذليلة سلسة الركوب...

اِقرأ المزيد...

قصّة "فنان الجوع" لكافكا - بسمة الشوالي

Anfasse11023كوجيطو المعدم: أنا أموت إذن أنا موجود
الجوع أيضا أسلوب في مقاومة الموت، تقنية في البقاء حيّا. في رواية " في بلد الأشياء الأخيرة " لبول استر، كتبت آنّا بلوم لصديقها :" .. لولا جوعي لما استطعت أن أستمرّ. على المرء أن يتعوّد على الاكتفاء بأقلّ قدر ممكن. فكلّما قلّ ما يريده، رضي بالقليل، وقلّت حاجته، وأصبح في حال أفضل. هذا ما تفعله المدينة بك.." تلك المدينة الأوروبيّة التي خرّبتها الحرب العالميّة الثانية وصار فيها الجوع " لعنة تحلّ في كلّ يوم. والبطن حفرة لا قاع لها، بحجم العالم"، ممّا جعل عدد النحيلين جدّا يتكاثرون حدّ أنّهم "أحيانا تذروهم الريّح، والرّياح في المدينة شرسة" ممّا يجعلهم "يتجوّلون في جماعات من اثنين أو ثلاثة. وأحيانا عائلات بأكملها ترتبط معا بحبال وسلاسل لكي يدعم بعضهم بعضا في وجه الهبّات القويّة".
والجوع قبل ذلك، فنّ من الفنون التي عرفت في عصور خلت فترة ازدهار. في قصّته "فنّان الجوع" يرصد كافكا سيرة حياة أحد فنّاني الجوع العظماء في عصره. لكن، بأيّ معنى يكون الجوع فنّا استعراضيّا؟ أيّ جماليّة في عرض جسد أخواه السّغب المنظّم حتى قبّحه؟ ما وجع السّعادة في التقاط صورة تذكاريّة إلى جانبه؟ أيّ نفعيّة من هذا النّمط الفريد من الفنّ؟

اِقرأ المزيد...

امرأةٌ، طِبٌّ، وحِذاء ـ قصة : د.فراس ميهوب

Anfasse11022قرَعْتُ الباب بهدوءِ الحَذِر، انتظرْتُ لثواني مَضَتْ بطيئةً كدَّهْرٍ، صوتٌ دَعَانِي للدخولِ، اعتقَدْتُ سبقَ سماعه، كان المدير جالساً على كرسيِّه الفَخْمِ ، يشاهد التلفاز ويعبث بجهاز التَّحكم، رافعاً قدميه فوق مكتبه، فعَادَتْ ذاكرتي خمْسَةَ عشرَ عاماً إلى الوراء.
جاء الطبيب المُقِيمُ الجديد، أنيس، خِرِّيجُ إحدى الجامعات الروسيَّة، أذناه كبيرتان بشكلٍ مُلفِتٍ، شفتاه غليظتان قليلاً،  بوجهه  بعض الشحوب مع طيبةٍ ظاهرةٍ.
مرَّتْ أسابيع قليلة على وصوله إلى المشفى الجامعيِّ، بدَتْ الحقيقةُ مؤلِمةً، فالطبيب الجديد رغم شهادته المُعترَفِ بها، ومُعَدَّلهِ المؤَهِلِ لاختيار اختصاصٍ كالأمراض الباطنة، إلَّا إنَّ معارفه الطبيَّة تعادل مستوى جدِّيَّ الفلاح بذات الموضوع.
أثار أنيس للأسف سُخريَّة الجميع، أساتذةً و زملاء، مع ذلك كان متماسكاً بشكل واضح، أبدى الجديَّة في العمل، وما تخلى يوماً عن مظهره الأنيقِ.
الحقائقُ القاسيَّةُ بدأتْ بالظهورِ، فوالده التَّاجر مُفْرِطُ الغِنَى أبى على ابنه إلَّا أنْ يدرس الطبَّ في روسيا رغم أنَّ شهادته الثانويَّة أدبيَّة.

اِقرأ المزيد...

صورة الآخر في الرواية المغربية : صيف في ستوكهولم لعبد الكبير الخطيبي نموذجا ـ سكينة عبد اللوي علوي

Anfasse29019إشكال كبير يمكن أن يطرح في هذا المحور ألا وهو لماذا اختار الجنس الروائي الحديث عن الآخر وجعله موضوعا للكتابة ، وحينما نتحدث عن الآخر هاهنا فنحن لا نقصد به الغريب الغربي وإنما أيضا الآخر في الجنس –ذكر في مقابل أنثى- ولماذا انصب اهتمام الكثير من المبدعين على موضوع الآخر.تفيد ماجدة حمود بقولها:"إن هذا الفن يستطيع عبر إمكانياته السردية والجمالية ،أن يفضح أوهام الذات وانحرافاتها الفكرية والشعورية.خصوصا حين تسجن الآخرين في انتماءات ضيقة (مذهبية أو عرقية إلخ...)مثلما يستطيع التغلغل إلى أعماق الروح الإنسانية، ليبرز قدرتها على تجاوز هذه الانتماءات ، والدخول إلى عوالم رحبة تحرر الإنسان من إكراهات تربى عليها "[1]

جاءت رواية صيف في ستوكهولم تحمل في طياتها حوارا مع الآخر.انفتاحا على تقافته وتقاليده وعاداته.بالرغم من أن كاتب الرواية مغربي الأصل والنشأة إلا أن بطل الرواية وساردها إيطالي الجنسية.فكان الخطيبي حذقا في محاولته لتبني أفكار وديانة الآخر الغربي لكن ألا يخلو هذا التقمص من نفحات شرقية عربية يظهرها لا شعور السارد؟هل فعلا نجح الخطيبي في إيهامنا بأن بطل روايته شخص غربي يمثل الآخر بالنسبة لنا ؟ أم أن نزعة الأنا العربية ظلت حاضرة تجابه الآخر الغربي؟ما الذي يحاول الخطيبي إيصاله من خلال هذا النص الذي اعتمد فيه على شخصية من وسط غربي لتروي أحداث روايته؟ كل هذا سنحاول اكتشافه من خلال الحوارات التي ضمها المتن المدروس.
تفيد ماجدة حمود دائما في هذا الخصوص على أن الاهتمام بالذات يخلف نوعا من التضخم وعدم قبول الآخر مما يترتب عنه من رفض وإقصاء فتدلي بما يلي "إن دراسة هذه الإشكالية ،تتيح لنا فهم خصوصية الأنا التي تتشوه حين تقوم على تعظيم الذات ،وتنطلق من نظرة واحدة إقصائية تحتقر كل ما يختلف معها.مثلما تتيح لنا فهم خصوصية الآخر المختلف الذي يبدو ديموقراطيا في حياته الخاصة وفي إبداعه الروائي .لكنه في ممارسته السياسية يقهر المختلف عنه، خاصة العربي والمسلم ويصبه في قالب واحد(الإرهاب ،الكسل ،القذارة ،اضطهاد المرأة...)[2] .

اِقرأ المزيد...

الرفض في الشعر الحديث ـ إبراهيم مشارة

Anfasse29018إذا كان لا بد من كلمة تقال في شعر التفعيلة أو الشعر الحديث كما يحلو للبعض تسميته تكون مفتاحه أو تلخص مساره أو مضمونه فلن تكون تلك الكلمة غير كلمة الرفض، إنه شعر استهل مشواره الإبداعي بالتمرد على عمود الشعر الكلاسيكي، ولئن حاول بعض الشعراء المحدثين التجديد في الشعر باطراح التقليد والتكلف اللغوي بانتقاء اللفظ البراق والحرص على الصدق الفني والتأكيد على التجربة الوجدانية شأن الرابطة القلمية وجماعة الديوان وجماعة أبولو فإن رواد الشعر الحديث رفضوا هذا الموقف مصرين على الثورة حريصين على سلوك مسلك في الشعر فريد من نوعه لا يكتفي من التجديد بما سلف ذكره، بل يرفض عمود الشعر ويتمرد على القافية لأنها تخنق روح الإبداع وتؤكد تبعية الشاعر للغة فضلا على الإصرار على روح التقليد و رتابة الماضي.
وهكذا فالشعر الحديث استهل رفضه بالثورة على القالب الشعري زاعما أن القالب التقليدي لا ينسجم مع روح العصر و لا يلبي الاحتياجات الفكرية و الجمالية المستجدة خاصة و عصرنا هو عصر العلم والديموقراطية والحرية الإنسانية – حرية الفكر و المعتقد – وعصر حصلت فيه المرأة على حقوقها ناهيك عن تأثير الإحتكاك بالثقافة الأوروبية التي تدمر روح الجمود لحساب روح الإبتكار وتؤكد على المضمون الإنساني و تحرص على احترام فردية الإنسان وتميز كيانه الفكري و الإيديولوجي والتي هي في النهاية خلاصة التجربة الديموقراطية المنبثقة عن الثورة الفرنسية و إعلان حقوق الإنسان هذه القيم التي تمثلها شعراؤنا المحدثون وتبنوها كقناعات فكرية ومن ثمة تبلور الرفض وتحتمت الثورة كصرخة عميقة تزلزل الروح موقظة إياها من سبات عميق وخدر فكري زين للإنسان العربي أوهام الماضي على أنها حقائق وفي مقدمتها فكرة تاريخية عميقة تداولتها الأجيال على أنها مسلمة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها وهي فكرة المركزية ونعني بها اعتقاد العربي أنه مركز التاريخ ودرة الوجود وحامل لواء الحقيقة وما عداه فذيل أو هو على الهامش، لا هو في العير و لا هو في النفير وقد انتهت تلك الأفكار بالعربي إلى إدانة العقل و تبني التقليد وانتشار الثقافة الفقهية على حساب الثقافة العلمية ووئدت الحرية و أجهز على الروح الإنسانية في المرأة وهمشت أحقابا طويلة كما استبد الحاكم وعبث بالإنسان وبالمال العام فعمت الجهالة وانتشرت الفوضى وترسخت الطبقية و أصبحت الحياة العربية إلى تاريخ الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 حياة عبثية مجردة من القصدية انتهت بالعالم العربي إلى الوقوع فريسة سهلة بين مخالب القوى الاستعمارية الفرنسية و الإنجليزية خاصة كنتيجة حتمية لتراكمات العصور السابقة بظلالها القاتمة.

اِقرأ المزيد...

ولدٌ وبنت ـ قصة : ذ .رشيد سكري

Anfasse29014 1.
      رذاذ رُضابي يلف بيوتا داكنة ، مشرئبة بأفاريزَ مغلفة بالقماش ، تثقلها الحجارة . في المكان ضريحٌ ومقبرةٌ و مُغُرٌ بحرية مهجورة. صيَّادون ، كلما اشتد هدير الامواج ، ينبعثون من هنا وهناك ، وحتى من سديم الضباب الكثيف . يحملون متاع صيدهم  وقفافهم ، ويغيرون الامكنة ، صاعدين صخورا ضخمة ؛ تعلو هاماتها المياه الزرقاء .
     بنت ، بشعرها الكستنائي المنسدل على طرف الظهر ، تعبث بالرمل المبلل على الشاطئ ؛ ترسم دوائرَ تضيق بإصبعها الحليبي الجميل . وتحاصر سلطعونا و قَفَّازا رمليّا ، تضع لهما حواجزَ من الرمل المبلل ، و تصيح :
ـ   لا مَنَاصَ لكما ...
ـ  لا مَنَاصَ لكما ، الآن ...
لما فرغت من مغازلة كائنيها ؛ تذوب الرمال ، وتعود الغنيمة حرة طليقة . تتبعها ؛ فتحيطها بقدمها الغضِّ في دورات غُنْجِية ، كراقصة البالي على الكعب الذهبي .

اِقرأ المزيد...

الكُوخ.. (ج 1) ـ نص : محمد العيساوي أبوزرة

Anfasse29015عدتُ إلى النهر، جلست عند ضفته وفتحت الكتاب لأقرأ ما تيسّر منه.
رميته جانبا -الكتاب- بعد بضع دقائق من مباشرتي له.. لم أعلم ما دفعني إلى ذلك؟ ربما لأني كنت مالّا..! على صفحة الماء طفت صورتكِ التي ارتسمت ذات صيف قائظ في ذاكرتي..
لا أدري هل كنتِ تبتسمين حين كنت أتأمَّل وجهكِ!؟ أم كنتِ زامّةً شفتيكِ فحرك الماءَ نسيمٌ رسم تلك الابتسامة التي تراءت لي!؟
عندما أتذكر تلك اللحظة ألعن السماءَ التي لم تجد وقتا أنسب لها، وأسوء لي، من تلك اللحظة التي كنت فيها أهُمُّ باحتضان صورتك..! أو ربما إن السماء كانت تعلم أنكِ ستحتضينني إلى الأبد..! فأشفقت علي..؟
أدخلت يدي في جيبي سروالي الأسود الأماميين، قذفت بقدمي اليمني زهرة، كانت هي الوحيدةُ هناك.. بعد بضع خطوات، بدا وكأني أسمع نحيبا.. التفت خلفي، فكان النحيب نحيبَ الزهرة الصفراء.. انتابني شعور بالذنب.. من عينيَّ تسربت عبرات رغما عني.. أدركت خلالها أنيَ هش كورق الشجر اليابسِ.. تقدمتُ نحوها وحملتها بلطف شديد..

اِقرأ المزيد...

وتشرق الشمس من جديد ـ قصة : هشام ناجح

Anfasse29012" إنك تتحسس طريق الذين عبروا قبلك. يالك من أحمق أيها الشقي، كم يلزمك من حيوات لمعرفة الطريق؟"      
   كاتب سها البال عن ذكر اسمه.
حين توقع مارشينا أنه منذور لشيء عظيم، رفع بصره إلى السماء ليتلمس وجهة الغروب، فهذا النذر يرتبط في ذهنه أو قواه النفسية بالأشعة الوردية على الساحل الباسكي ببياريتز. كانت الأشعة قد مرت على معصمه، منزلقة على ساعته المتوقفة عند الساعة السابعة. كان بإمكان هذا النذر أن يكون سباقا، ويلقي بثقله عنوة وسط النهار. لكنها مسألة مبنية على مشاورات حسية، تسعفها عوامل خارجية كذلك؛ كيوم خال من الغيوم، وشمس لذيذة الملمس تخترق العصب الحركي، وجلال الصمت المنغمر بين ثنايا الموج حين يصدح، ويرجرج كسوة مده إلى شريط الرمل، أو نباح كلب السيد باستيان المتواصل، المؤشر على ميعاد خروجه بغية إلقاء حاجاته الطبيعية، وجريه ودورانه على نفسه، متوهما أنه يشاكس كلبا آخر بحركة من طقمه بتهديد لطيف. وحتى يقف عند القصد الذي لا يخذله، فقد أحس أنه لا يملك القدرة على تحمل جسده، إن لم تقل: إن ثمة خلطا في فهم الإحساس بين النذر والصدف الغامضة والحلم الصاحي، بعبارة أدق؛ إنها مرحلة تخطي القنوط والرتابة وديمومة الشعور إلى ذلك الحشد المنسجم مع الحواس كنوبة موسيقى أو مخدر يدب دبيبه إلى مراكز السعادة و موطن الأسرار عقب انتعاشة يرشح  معها عرق بارد، تتدحرج حبيباته على ظهره حد المفرق.

اِقرأ المزيد...

قراءة في المجموعة القصصية و الشعرية : همس الروح ـ د.المصطفى سلام

anfasse2107انطلاقا من العنوان الذي  اختارته  الكاتبة لهذا المنجز الشعري القصصي عنوانا شاعريا و شعريا " همس الروح " و الهمس نمط من الكلام بصوت لا يكاد يفهم ؛ قال تعالى : " وخشعت الأصوات للرحمان لا تسمع إلا همسا "... طه 108.  و كأن هذا المنجز اتخذ الهمس نمطا وصيغة من صيغ التعبير، فهو لم يتخذ الصراخ ولا العويل ولا الغناء ....بل الهمس . كما يكشف هذا النمط من الكتابة و الإبداع صيغة التلميح والتعريض، وليس التقرير و التعيين، وبالتالي كان الرهان على نوع من القراءة أو على نمط خاص من القراء، أي ذلك الذي يدرك الهمس و يفكك شفراته ويرصد معانيه الخفية ...هو قارئ تحرر مسبقا من تأطير إيديولوجي أو نزعة فكرية أوعقيدة دينية تبررله ما تجب قراءته وما لا يجب . هذه النصوص تقرأ بعيدا عن أية إيديولوجيا ودون تأطير من أية عقيدة دينية أوقومية أوعلمية. إنها نصوص تأتيك همسا وتهمس في أذن القارئ معنى وترسم له دلالة وتلمح له على أجوبة ممكنة لأسئلة يطرحها الإنسان في وجوده ، وفي علاقاته ،وفي صيرورته ...
       في هذا العمل الإبداعي نوعان من الهمس: أول شعري وثان قصصي. وسننظر في الهمس القصصي لنرى ما فيه من مدارات دلالية وخصائص فنية وجمالية .

اِقرأ المزيد...

النزعة الصوفية في الشعر العربي المعاصر بين تخطي المحسوس والانعطاف نحو الباطن ـ بغاديد عبد القادر

anfasse2106توطئة:
   إنّ التلازم الطبيعي بين الأدب والثقافة أوجد أديب الحداثة العربية أمام انفجار معرفي هائل الكثرة والتعدد والتعقيد، فاختلط بتجربته الخاصة وانعكس هذا المزيج الفريد والغني على النص الشعري، فأصابه بالعمق والبعد المضموني، كما أصاب تقنياته الإبداعية بالتعقيد، وهذا لا يعني أنّ الأديب يتحرك في أفق مُزدحم بهذه الثقافات فحسب، وإنّما يعني ازدحاما دلاليا فيه من الضبابية والتعدد ما يُصيب المتلقي بالحيرة والذهول أمام النص الشعري.
      ومن ثم وجد الشعراء في المنحى الصوفي منفذا إلى عالم المُثل في محاولة للهروب من عوالم محيطة بهم أملا في الخلاص وبحثا عن المعادل الوجداني لكياناتهم المفعمة بالسُّمو والامتلاء« فالصوفية استنباط مُنظّم لتجربة روحية، ومحاولة للكشف عن الحقيقة والتجاوز عن الوجود الفعلي للأشياء.» (1)
    وبهذا فالشاعر يحاول أن يلج الأعمق ويرتقي إلى الأسمى والأنبل، واعتلاء العوالم الأبدية المتعاقبة وحقائق الروح المُثلى بكل معانيها وتجلياتها، ذلك « أنّ الإنسان في الفكر الصوفي لا يعيش حالة من اللاوعي أو السلبية، بل إنّ الإنسان هو الحقيقة الأكثر حياة في هذا الوجود.» (2)
    لقد أراد الخطاب الصوفي أن يتوغل بالوعي الإنساني نحو أعمق معاني السُمو على تفاهة الحياة وماديتها ويتخلص من سجنه ويخرج من هشاشة الواقع ويُحلق به في سموات المُطلق اللامتناهي وارتقاء أعلى درجات السمو نحو المتعالي، هذا ما يُعبّر عن قمة الحس الصوفي المثالي، يقول أدونيس:

اِقرأ المزيد...

باب الموتى ـ قصة : عبد الرحيم اجليلي

anfasse2105- كان ذلك قبل عشرين عاما، عندما كانت تأتي لباب الموتى، يتأهب الناس لصلاة الجنازة.
استعاد أنفاسه و زفر متأوها، فتحرك ضوء الشمعدان و تحركت معه ظلال الحاضرين. بلل الطبيب منديل القطن في طست الماء، ثم وضعه على جبهة الوزير، تمتم بصوت مترهل، لا تجهد نفسك يا سيدي، حاول أن تنام قليلا. كالأصم، تجاهل صوت الطبيب و تطلع في خادمه الواقف عند رأسه مبتسما،
- هل تتذكرها، لقد كانت كثيرة الوقوف بأبواب الجامع الكبير، جلبابها الأخضر و لثامها الأبيض، لا تغيرهما و لا يتسخان. لطالما وجدتها تحدق في بيتي العامر بمكناسة، وأنفت أن أكلم مجذوبة و أنا  الوجيه ابن عثمان. صمت للحظة كمن يريد أن يوفر ما تبقى له من الكلمات. بإشارة من سبابته،  طلب من طبيبه أن يزيح الغطاء عن صدره. بدت الدمامل على ضوء الشموع متقرحة و بشعة، و بدا الألم مشوبا بالحيرة على ملامح الخادم الحزين، و هو يرى رفيقه ينازع سكرات الموت. كيف تصيب العدوى وزير السلطان و تترك خادمه، صاحبه الذي لا يفارقه. تبدد السكون البارد الكئيب، على بحة سعال قبيح، أفلته المكناسي، كأنه يخرج من بين الأشواك، أما حكايته، فلا تصدر إلا عن شجن، في سلاسة و عذوبة.

اِقرأ المزيد...

"المشرط"1 لكمال الرياحي بين مكر الرّاوي وكابوسيّة المشهد ـ الناصر بوعزة رياحي

anfasse2104افتتاح: كي لا نقع ضحيّة لسخرية الرّاوي
      لا يزال "المشرط" لكمال الرياحي يتعهدنا استفزازا، موقعا في روعنا أنّنا إزاء نصّ تقوى فيه زاوية الانحراف لا عن سائد الكتابة الروائية فحسب، وإنّما حتّى عن مألوف انزياحاتها، بما يجعله نصّا اقتحاميّا اختراقيّا يستنهض فعل قراءة من جنسه، يناوش المعتاد للوقوف على ما تَخَفّى في تضاعيف النّصّ من جماليّات ودلالات لا تمنح نفسها إلّا بعد مناورة ومداورة، إغراءً بتدبّر فراغات، الصّمت ومن ثَمّ بالاستقصاء السّرابيّ الفاتن لغائر الأدبيّة وروغان المعنى، وإلّا وقعنا ضحيّة لسخرية الرّاوي ومن ورائه الرّوائيّ بداهة.
     فالنّصّ برمّته خطاب ساخر يستهزئ بكلّ الثّوابت والمستقرّات، ويوقعها تحت سطوة سخرية لاذعة ينهض بها راو موغل في مَكرِه الفنّي حدّ التّلاعب بكلّ ما يطاله من العوالم والنّصوص تفكيكا وتركيبا وتشظية لعناصرها، دفعا للمماثلة وبحثا عن المغايرة، سعيا نحو الإخصاب عبر المؤاخاة بين المتناقضات. ومن أشدّ ألاعيب الرّاوي فتنة ههنا الزّج  باليوميّ المعيش في دائرة العجائبيّ والكابوسيّ. ولعلّ تلك مفارقة النّصّ الجوهرية في تركيب مُتُونه المقامة أصلا على حشد المتنافرات وتدَبّر مثير علائقها، باعتبار ذلك استراتيجيّة خطاب تستهدف قراءة ساخرة يقوى فيها البعد التّداولي المنبثق عن جدل المفارقة (ironie)، بما هي "لعبة...ماهرة وذكيّة بين طرفين: صانع المفارقة وقارئها على نحو يقدّم فيه صانع المفارقة النّصّ بطريقة تستثير القارئ وتدعوه إلى رفضه بمعناه الحرفيّ لصالح المعنى الخفيّ الّذي غالبا ما يكون المعنى الضّدّ" ، وهو المعنى العريق للسّخرية في قيامها على منطق الضّدّية.
الواقعيّ والحكائيّ: المشهد والخلفيّة:

اِقرأ المزيد...

ثنائية الحياة والموت في قصص إيفان بونين ـ جودت هوشيار

Anfasse06022نبذة عن حياة وأعمال بونين
إيفان بونين (1870 ـ 1953) أحد الأعلام البارزين في الأدب الروسي الكلاسيكي، وقد بدأ حياته الأدبية شاعراً ، ولم يكن قد تجاوز العشرين من عمره حين نشرت مجموعة أشعاره الأولى، التي نال من أجلها " جائزة بوشكين "، ثم منح الجائزة ذاتها للمرة الثانية حين ترجم عن الشاعر الأمريكي (لونغفيلو) ملحمته الشعرية " هياواثا ".
بيد أن بونين معروف في المقام الأول ككاتب نثر ممتاز، ويعد أهم كاتب للقصة القصيرة بعد تشيخوف. ويتميز أسلوبه بالثراء اللغوي والعمق السيكولوجي. بونين شأن تشيخوف يأسر القارىء في قصصه بوسيلة أكثر من أي متعة أخرى، إن قصصه مواقف آسرة وشخوص فريدة، فالكاتب يجذب إنتباهنا فجأة لما هو عادي تماماً ومألوف عندنا في خبرتنا اليومية والحياتية، ولما مررنا به في الماضي مرات عدة دون أن تصيبنا الدهشة لولا ذاكرته الفنية.
في عام 1909 ـ عندما كان في التاسعة والعشرين من العمر ـ منحته أكاديمية العلوم الإمبراطورية الروسية لقبا أكاديميا تقديراً لإبداعه الأدبي، وهو شرف لا يحظى به، إلا القلة من العلماء والمبدعين.
نال بونين جائزة نوبل في الآداب لعام 1933، عقب صدور روايته " حياة ارسينيف " . و كان أول كاتب روسي يحصل على هذه الجائزة. وجاء في نص قرار منح الجائزة ما يلي: " بقرار من الأكاديمية السويدية تمنح جائزة الآداب لإيفان بونين لقاء الموهبة الفنية الحقة التي تمكن بواسطتها من إعادة خلق الشخصية الروسية بقالب نثري جميل " .
عندما تقرأ قصص بونين لا يمكنك إلا أن تفكر في لغز الوجود الإنساني ومواجهة الإنسان لمصيره المحتوم .

ثنائية الحياة والموت في قصص إيفان بونين
ثنائية الحياة والموت ، كانت واحدة من اهم الثبمات الرئيسية في ابداع ايفان بونين . وقد عالجها الكاتب بطرق مختلفة ، ولكنه في كل مرة توصل الى إستنتاج مفاده أن الموت جزء لا يتجزأ من الحياة.و ليس للأنسان عزاء أو سلوى ، لا في العمل ، ولا في الحياة الأسرية . الحياة اليومية روتينية ومملة، والعمل مرهق ، والناس غرباء بعضهم عن بعض . عندما يأتي الإنسان الى الحياة ، فأنه يندفع على الفور الى نهايته . العالم – هاوية ، مستنقع ، والموت مسألة صدفة . حياة الأنسان لا شيء بالمفارنة مع العالم .

اِقرأ المزيد...

كلمات مبعثرة في حب الإله ـ نص : صفاء ياسمين

Anfasse06016إلهي أتعبد في محراب حبك كل يوم
أنحني لقدسية جمالك و أراك في كل زهرة و كل نملة
ملأت روحي حتى فاضت بمياه العشق و سكنت كل حجرة في قلبي و كل شريان
أيقظت مياه إحساسي الراكدة و أذبت جليد الكبر و اللامبالاة
رويت قلبي بحبك بعد أن تشقق من فرط العطش حتى بت لا أشتهي بعدك شرابا
حبك أخرجني من العدم و أنقذني من التوهان
حبك أسكن أمواج أفكاري المتلاطمة و أغناني عن الدنيا فأصبحت لا أرى إلاك و لا يزاحم حبك في قلبي أحد
تحايلت الدنيا علي بزخرفها فدفعتها و صددتها صدا
مذ عرفتك ألجمت وحوشي و جمعت أجزائي و مدي و جزري في كأس حبك

اِقرأ المزيد...

بلاغة الإقناع في النص الشعري: قراءة في ديوان "عودة الخريف" للشاعر المهدي لعرج* ـ د. محمد أبحير

Anfasse060141 – تقديم :
ينخرط هذا العمل في إطار إعادة النظر في المنجز الشعري قديمه وحديثه ومحاولة قراءته من جديد باعتماد آليات تحليلية جديدة ، فـ" متى غيرنا زاوية النظر وطورنا أدواتنا المعرفية في دراسة هذا التراث الأدبي وتجاوزنا الشرح البلاغي و اللغوي البسيط للقصائد أدركنا عمقها وثراءها وقد نقف على منطق خفي يحكم بنيتها ويصل بدقة بين أجزائها المتنافرة في الظاهر " [1].
لهذا فنحن في أمس الحاجة الى مسايرة التطورات الطارئة في أدوات النقد و مناهجه، من أجل قراءة القصائد قراءة جديدة. كما أننا نطمح إلى تأويل جديد للنصوص ،فقد سجنتها مقاييس الدراسات التقليدية، مما أدى الى تشابه نتائج التحليل عند العديد من الدارسين .
وهكذا تصبح القراءة الحجاجية للنص الأدبي ولادة جديدة أو إعادة إنتاج له ، عن طريق استثمار طاقة التأويل، التي ستمكن من الكشف عن الجوهر المكنون الثاوي في الأعماق ،لأنه ليس مطروحا في الطريق ، إنما يحتاج إلى الغوص مرات و مرات إلى أن نظفر به أو بمثله .
إلا أنه لا بأس من التذكير في ختام هذا التقديم، بأن موضوع تحليل الخطاب الشعري من زاوية حجاجية ، ما زال يتلمس طريقه معرفيا و منهجيا ، لهذا فهذه المحاولة لاتعدو أن تكون اجتهادا في هذا المجال الفسيح و الرحب .

اِقرأ المزيد...