خصائص جماعة القسم وانعكاساتها على سير العملية التعليمية التعلمية ـ د. عبد اللطيف الركيك

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

anfasse03107تقديم:
جماعة القسم هي نوع من أنواع الجماعات الصغيرة، وهي جماعة رسمية نظامية، بحيث لم يختر أفرادها بمحض إرادتهم التواجد جماعيا بداخل جماعة الفصلية معينة. إن قيادة وتسيير وتوجيه هذه الجماعة الصغيرة-الذي هو من مهام المدرس-يقتضي مراعاة جملة اشتراطات تتعلق أساسا بخصائص هذه الجماعة.
 
I-خصائص جماعة القسم وتأثيراتها:
إن مهام قيادة هذا النوع من الجماعات الصغيرة لا يمكن أن يكون ناجعا إذا اعتقد القائد بأن الأمر يتعلق بجماعة ذات نسق انفعالي وسلوكي وتربوي وتعلمي واجتماعي وثقافي موحد وثابت وقار، وأن أفرادها منسجمون تماما ومتطابقون على تلك الصعد كافة. فلعل ما هو ثابت هو بالذات طابع الدينامية والحركة والحركية والتفاعل والتغيرات العرضية والمفاجئة والمتسارعة، الشيء الذي يعد من الخصائص المميزة لمثل هذه الجماعات. ولا غرو أن إدراك وتمثُّل هذه السمات يعتبر من مفاتيح النجاح بالنسبة للقائد الرسمي لجماعة القسم.
يتمايز أفراد جماعة القسم فيما بينهم على عدة مستويات:

1-اختلاف الاستعداد والرغبة والقابلية للتعلم:
على هذا المستوى، نجد أفرادا مستعدين للانخراط بشكل تام وطوعي وإرادي في العملية التعليمية التعلمية قبليا(التحضير) وحاضرا(المشاركة في البناء) وبعديا(المراجعة والتتبع). وعلى خلاف ذلك، فإنه يكون من الطبيعي أن يوجد من بين جماعة القسم أفراد غير معنيين بالعملية، فينزعون تلقائيا نحو الإهمال واللامبالاة وعدم الاكتراث. وهذا يقودنا إلى ذكر خصائص لجماعة القسم، ومن أهمها القيم الثقافية التي يأتي بها المتعلم من المجتمع الكبير(الشارع) والمجتمع المصغر(الأسرة).


2-تباين القيم الثقافية:
تضطلع القيم التي يحملها الأفراد معهم بدور هام وحاسم في شكليات انخراطهم في جماعة القسم والإقبال على التعلمات. وتبعا لذلك، نجد أفرادا يحملون معهم قيم التنظيم الذاتي وفق أهداف محددو تخص الغاية من تواجدهم أصلا بتلك الجماعة، بينما-وعلى العكس من ذلك-نجد أفرادا آخرين لا يحملون نفس القيم، فتطغى العشوائية وعدم الاهتمام وسوء التنظيم على تعاطيهم مع فعل التعلم سواء بداخل الأسرة أو في فضاء التعلم المدرسي.

3-الاختلافات الفيزيولوجية والوجدانية:
يفترق أفراد جماعة القسم أيضا من الناحية الفيزيولوجية والانفعالية ومستوى تقييم الذات والثقة بالنفس، مع ما يترتب عن ذلك من تفاعل قد يكون سلبيا أو إيجابيا داخل الجماعة بما يفرزه من أحاسيس ومشاعر وجدانية وانفعالات حسية وحركية قد تجنح في غياب التأطير الناجع إلى مسلكيات التنافر والاشتباك أو التنافس أو الرغبة في القيادة والزعامة. ولكل ذلك في حال إغفال التعاطي معه من طرف القائد الرسمي تأثيرات أكيدة على أجواء التعلم ونظامية الجماعة. ولعل هذه التفاوتات هي من الأسباب الأساسية للدينامية السلبية غير المرغوب فيها لجماعة القسم، والتي تجعل من الصعب نُشدان جماعة نظامية مثالية ثابتة انفعاليا ومستقرة ومنضبطة سلوكيا وتربويا ومنخرطة في التعلمات. فإلى جانب الأفراد الهادئين حركيا وحسيا والمنضبطين سلوكيا والخجولين انفعاليا، نجد الأفراد الحركيين الميالين لصنع الحدث وإثارة الانفعالات السلبية جراء الرغبة الجامحة-بحكم عامل السن-في إثبات الذات والتعبير عنها والتموقع الجيد بين الأتراب بداخل الجماعة، وحتى الثوق إلى التمرد على القائد الرسمي للجماعة وإزاحته متى ما وُجدت في شخصيته الثغرة التي تسمح بذلك.

4-تمايز الانتماءات الاجتماعية والتنشئة:
 تشكل الانتماءات الاجتماعية ونوع التنشئة التي تلقاها الأفراد في الأسرة والتي يأتون بها إلى داخل أسوار المؤسسات التعليمية وحجرات الدرس إحدى الافتراقات الأساسية المؤثرة على سير جماعة القسم وشكليات التعاطي مع عملية التعليم والتعلم. ففي الوقت الذي يتشبع فيه بعض الأفراد بتربية أسرية تقوم على تحديد الأهداف الواضحة من التوجه أصلا إلى المؤسسة التعليمية، وتغرس في أفرادها فكرة أن جماعة هي جماعة نظامية تقوم على الانضباط واحترام أنظمة محددة قانونا، فإن هذا الجانب التربوي قد يكون غائبا تماما في التنشئة الاجتماعية لأفراد آخرين لا يميزون في سلوكاتهم داخل المجتمع والأسرة وبين اشتراطات جماعة القسم التي تؤطرها قواعد نظامية، وهذا ما يقودهم إلى محاولة التمرد على القواعد السلوكية والتربوية التي يشترطها التواجد بداخل جماعة
القسم، وهي القواعد التي لم يألفوها ولم يتشبعوا بها.

5-الاختلافات الذهنية والعقلية:
لعل من بين أهم الاختلافات الجوهرية التي تميز جماعة القسم هي الاختلافات الذهنية والعقلية، خاصة على مستوى درجة استيعاب التعلمات، فهناك من المدرسين من يعتقد بأن بناء تعلمات معينة ينبغي أن تقود بالضرورة إلى نفس التقييمات ونفس الأثر على جميع أفراد جماعة القسم، وأنه لا داعي لتبني مقاربة فارقية تراعي التفاوتات الموجودة بين المتفوقين والمتعثرين، وأن التعلمات قد تسير على منوال جيد حتى مع تغافل هذا الجانب. والحقيقة أن هذا الأمر من شأنه إرباك العملية التعليمية التعلمية والاستغراق في الجانب الضبطي السلوكي، ويقود حتما إلى تفاوت تقييم الأفراد لجدوى العملية برمتها بين انخراط فئة وإعراض وتبرم أخرى مع ما يترتب عن ذلك من انزياحات وانزلاقات قد تتمظهر على شكل جنوح الأفراد الذين يعتبرون أنفسهم مقصيين من عملية التعليم والتعلم نحو إثارة الفوضى والشغب وتفويت الفرصة على أترابهم من المسايرين.
وبناء عليه، يتوجب أن يراعي إيقاع بناء التعلمات هذه التفاوتات، وبالتالي تلافي الافرازات غير المرغوب فيها جراء إقصاء جزء من أفراد الجماعة كنتيجة للاختلافات الذهنية والعقلية التي لا تخلو منها أي جماعة فصلية.

6-تباين المكتسبات المعرفية:
يتبان أفرد جماعة القسم كذلك على مستوى رصيدهم من المكتسبات والمدارك المعرفية التي راكموها طيلة مسارهم الدراسي، وذلك لأسباب عديدة. ولا غرو أن هذا التفاوت يؤثر بشكل سلبي على مستوى جدية انخراط الأفراد في العملية التعليمية التعلمية. ذلك أن بعض الأفراد الأقل نصيبا من هذا الزاد المعرفي سيكونون حتما أقل قدرة على مسايرة إيقاع التعلمات، وأقل إقبالا على الانخراط فيها. ولا شك أن إغفال هذا الجانب من شأنه إفشال العملية برمتها.

II-استنتاجات:

1-تدبير الجماعة الفصلية أسبق من تدبير التعلمات:

إن السيطرة الإيجابية من قبل قائد الجماعة على الانعكاسات المحتملة لهذه التفاوتات التي تحبل بها والتي بسطناها أعلاه، هو بالذات ما يضمن شروط دنيا للسير العادي لهذه الجماعة التي يعد التناقض طابعا مميزا لها رغم وجود هدف أسمى يوحد الجميع(التعلم)، ويوفر الأجواء المناسبة للعمل الفصلي الناجح والناجع.
إن دور المدرس في القسم ليس مجرد بناء تعلمات وحسب، إن الداعي لوجوده أصلا ومقدما هو إحكام التعامل مع دينامية الجماعة التي وُضع على رأسها بشكل نظامي. فهذا هو الشرط الذي لا محيد عنه، والعتبة التي لا بد من عبورها للانتقال إلى الجانب الديداكتيكي. إنه بمثابة مسير اجتماعي تربوي لمجتمع صغير، ليس بالضرورة مجتمع مثالي متطابق ومتشابه قبل أن يكون مصدرا بناء المعارف والمهارات والقيم. إن أول ما يقوم به المدرس ربطا بما ذكرناه من اختلافات في صفوف جماعة القسم هو بناء علاقات اجتماعية طبيعية يسودها التساكن والعمل والنظام داخل الجماعة الفصلية. إن بناء التعلمات هو أمر ثانوي في نظرنا بالنظر لجسامة هذه العملية التي تأتي في المقام الأول وتسبق الجانب الديداكتيكي، لأنه يُبنى عليها، وفي غيابها يستحيل العمل الديداكتيكي إلى مجرد عملية عديمة الجدوى ومنزوعة ومعزولة بالتأكيد عن المجتمع الذي تتوجه إليه وهو جماعة القسم.

2-جماعة القسم جماعة متحركة:
كما يستفاد مما سبق أن إصدار حكم على جماعة عام على جماعة القسم على فرض أنها ثابتة سلوكيا وانفعاليا وتربويا ومعرفيا واجتماعيا وذهنيا وفيزيولوجيا هم حكم مجانب للصواب، وقد تترتب عنه تداعيات في الجانب الانضباطي ليس أقلها افتقاد زمام المبادرة والقدرة على التحكم في اتجاهات الجماعة من ناحية، ومن ناحية أخرى بروز انشقاقات بين صفوف الجماعة بين مسايرين مقبلين على العملية التعليمية التعلمية، وآخرين معرضين عنها لا يهمهم سوى إيجاد الثغرة المناسبة لتعكير الأجواء وعرقلة بناء التعلمات على الآخرين بإثارة المشاكل لاعتقادهم بأنهم منبوذين ومقصيين من طرف قائد الجماعة.

3-إدراك التفاوت سبيل للتخفيف الظواهر المشينة:
إن إدراك واستيعاب وتمثّل التفاوتات الموجودة داخل جماعة القسم هو أمر أساسي يتغافل عنه البعض، ولعله من الممكن البحث عن أسباب ظواهر الشغب والفوضى التي تعيشها أقسامنا في إفرازات إهمال هذه الاختلافات الجوهرية وأعراضها ونتائجها. إن الثابت الذي يتوجب مراعاته في التعامل مع هذا النوع من الجماعات الصغيرة، هو أن أفرادها مختلفون تماما في قدراتهم على عدة مستويات، وهذه الاختلافات لها انعكاسات على سير العملية التعليمية التعلمية، وبالتالي ينبغي أن يأخذها قائد الجماعة بعين الاعتبار، ويعمل على تنويع أساليبه الضبطية، بالخصوص، بتنوع خصائص الأفراد، وهو أمر ينسحب ايضا على طرق بناء التعلمات. إن عددا من الظواهر المشينة التي تعرفها أقسامنا لا ترتبط بالضرورة بضعف الجانب المعرفي والمهاري والقيمي لدى المتعلمين بقدر ارتباطها بالخلل الاجتماعي العلائقي الذي يسود بين أفراد الجماعة وبين قائدها. ذلك أن تلك التفاوتات التي عرضنا إليها قد تنتصب لوحدها لتجعل قائد الجماعة قائدا شكليا غير مرغوب فيه، وهذا من شأنه تعطيل العملية التعليمية التعلمية وجعلها غير ذات جدوى أو مردودية جراء انصراف كل مجهود قائد الجماعة للجانب الضبطي إذا جاز استعمال هذا المصطلح. إن مبعث هذا الاعتلال إنما يكمن بالضبط في عدم استيعاب قائد الجماعة للانعكاسات والافرازات والتحولات التي تقع كنتيجة لإهماله للتفاوتات المحركة للانفلاتات الغير مرغوب فيها طيلة أطوار العملية التعليمية التعلمية. كما أن تفسير ظواهر الشغب فقط بالانحرافات السلوكية والتربوية لأفراد الجماعة الفصلية ليس موفقا على الإطلاق، ويمثل نزوعا تعميميا وتبسيطيا لأسباب تلك الظواهر. إن الأمر راجع في اعتقادنا لتشابك عوامل عديدة، أهمها صعوبة التحكم في المتغيرات التي تفرزها جماعة القسم، وعدم ثباتها بفعل جملة الأسباب التي ذكرناها سابقا.
على سبيل الختم:
لا مناص من الإقرار كاستنتاج عام من أن تدبير تحولات جماعة القسم وأعراض وإفرازات التفاوتات الموجودة بين أفرادها عبر مختلف اشكال التواصل هو عملية تسبق الجانب الديداكتيكي وأنشطة التعلم والتقويم نظرا لأن حسن التدبير الاجتماعي الانساني لهذه الجماعة الصغيرة هو ما يقود إلى توفير الأجواء المناسبة لعملية التحصيل. كما أن تلك الإفرازات ليست كلها سلبية، فانضباط جماعة القسم لا يعني بالضرورة سيادة الجمود وانعدام الفاعلية والنشاط.

المراجع:
-وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، مصوغة التواصل والتنشيط ودينامية الجماعة، أبريل 2006.
-وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، دليل التواصل البيداغوجي وتقنيات التنشيط التربوي، غشت 2009.
- وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي- قطاع التربية الوطنية - مصوغة سوسيولوجيات المدرسة وسيكولوجيات المراهق.
-الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة عبدة دكالة، المركز التربوي الجهوي، شعبة علوم التربية، مصوغة علم النفس الاجتماعي ماي 2012. 
-عامر رضا، أساليب التعليم النشط ودورها في إدارة الصف، المركز الجامعي ميلة، مجلة الدراسات والبحوث الاجتماعية، جامعة الوادي، العدد2، نونبر 2013.
- العربي اسليماني، التواصل التربوي. مدخل لجودة التربية والتعليم.2005.
- عبد اللطيف بن يوسف المقرن، التعامل مع المراهقين من خلال خصائص النمو، صفر 1429هـ.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟