جان بول سارتر: الوعي الذاتي ووعي الآخرين - تقديم وترجمة: أحمد رباص

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

Anfasse19115مؤلف هذا الدراسة الفلسفية هو غيون ليجي..نشرها بالموقع الالكتروني "iPhilo" يوم 2016/12/03. يمتهن الكاتب تدريس الفلسفة، ويهتم بالفيلسوفين أبقور، مونتاني، وبالفيلسوف سبينوزا على الخصوص. صاحب مدونة فلسفية هذا رابطها: http://chemins-de-philosophie.over-blog.com/.
ماذا نكون حقا، وماذا نعلم حقا عن أنفسنا دون الآخرين؟ بكل عفوية، نحن نميل إلى اعتبار أنفسنا ككيانات مغلقة على نفسها، مشكلة (بفتحة مشددة على الكاف) ذاتيا ومشكلة (بكسرة مضعفة تحته) ذاتيا إذا جاز لنا القول. ولكن ألسنا أمام نظرة مجردة للعقل، أمام وسيلة لتجاهل حركة الوعي بما هو توتر خالص نحو ما لا يكونه؟ وفوق كل شيء، ألا نتجاهل دور الآخرين في وجودنا؟ في هذا المقتطف من (كتاب) "الوجودية نزعة انسانية""، الذي كان في الأصل نص محاضرة ألقاها في عام 1946، يدعونا جان بول سارتر (1905-1980) إلى إعادة النظر في وجهة النظر الساذجة هاته. لأننا لسنا مثل روبنسون كروزو، الذي تقطعت به السبل على جزيرة، والذي فصل عن أشباهه بكثافة المحيط الزرقاء.

"من خلال" أنا أفكر "، خلافا لفلسفة ديكارت، نتواصل مع أنفسنا في مواجهة الأخر، ونحن على يقين بوجود الآخر كما بوجودنا. وهكذا، فإن الإنسان الذي يتواصل مع نفسه مباشرة بالكوجيتو يكتشف أيضا الآخرين، ويكتشفهم كشرط لوجوده. يدرك أنه لا يمكن أن يكون أي شيء (بالمعنى الذي بحسبه يكون روحيا، أو شرسا، أو غيورا) ما لم يعترف الآخرون بكونه كذلك. للحصول على حقيقة ما عني، يجب المرور عبر الآخر. والآخر لا غنى عنه لوجودي، فضلا عن معرفتي بنفسي. في هذه الظروف، اكتشاف حميميتي يكشف لي في نفس الوقت عن الآخر، كحرية موضوعة أمامي، الذي لا يفكر، ولا يريد سوى من أجلي أو ضدي. وهكذا، دعونا نكتشف في وقت واحد عالما سندعوه بالبيذاتية وفي هذا العالم يقرر الإنسان من هو ومن هم الآخرون.
- نقد الكوجيتو
وبعد أن وصل ديكارت إلى نهاية التجربة الفكرية التي اقتضت الشك بمنهجية في جميع الحقائق التي تلقاها عن رضاه منذ طفولته، وصل إلى هذه الحقيقة الراسخة في الكوجيتو:
"لكن، بعد ذلك مباشرة، حرصت، لما أردت هكذا أن أعتقد أن كل شيء كان خاطئا، على أنه من الضروري أن أنا، الذي اعتقد ذلك، كان شيئا ما. وإذ ألاحظ أن هذه الحقيقة: أفكر، إذن أنا موجود، كانت من الحزم والاطمئنان بحيث أن أكثر الافتراضات البشاذة للمشككين لم تكن قادرة على زعزعتها، قررت أنه من المكن الحصول عليها، بدون تردد، كمبدإ أول للفلسفة التي كنت أبحث عنها ".
بالنسبة إلى ديكارت، يبدو أن الكوجيتو شرط لا غنى عنه للوصول إلى الوعي الذاتي. إن الحضور المباشر للذات أمام نفسها، خلال الانسحاب للتأمل الانفرادي، هو السبيل الوحيد لادراك الأنا كذات مفكرة وموجودة، لأنه في هذه التجربة، يصبح الفكر المبدأ الذي يجعل من الممكن التحقق من وجود "أنا" باعتباره صانع أفكاره وحياته.
مع ذلك، إذا ثبت أن هذا الشرط ضروري، هل يكون لذلك كافيا؟ سارتر لا يعتقد ذلك، وهذا هو السبب في كونه ها هنا يباشر ليس اعتراض ديكارت وانما استكمال وإثراء كوجيتوه الشهير. بالتأكيد، يقول لنا سارتر، لا يزال صحيحا أن الكوجيتو هو لحظة حاسمة في ظهور الوعي الذاتي، لأنه لا يمكن لأحد أن يفكر بالنيابة عنا، ولا أحد يمكن أن يتملص من حريته ومسؤوليته عن المسار الذي يسلكه وجوده. على كل ذلك، لا أحد يشكل جزيرة (معزولة). أن يدرك الانسان وعيه الذاتي يمر حتما عبر اللقاء بكل الآخرين خارج نفسه وفي نفسه:
"الإنسان الذي يتواصل مباشرة مع ذاته بالكوجيتو يكتشف أيضا جميع الآخرين، ويكتشفهم كشرط لوجوده".
ماذا ينقص اذن كوجيتو ديكارت؟ في الواقع، سارتر يعتمد على مساهمات هوسرل في الفينومينولوجيا. لم ير ديكارت خاصية أساسية للوعي، ألا وهو قصديته. وعليه، فكوجيتوه لا يستطيع تفادي الاصطدام بالسوليبسيسم، وهو تصور يمثل الذات حبيسة جسدها و كينونتها، منفردة بنفسها ومفصولةعن الآخرين بشكل لا رجعة فيه. بيد أن "كل وعي هو بالضرورة وعي بشيء ما". ، كما أكد هوسرل، في هذه الصيغة التي أصبحت مشهورة، لقد حدد المفهوم على النحو التالي:
"كلمة القصدية لا تعني شيئا آخر غير هذه الخاصية الأساسية والعامة التي يملكها الوعي بوصفه وعيا بشيء ما، حاملا، من حيث نوعيته ككوجيتو، لكوجيتاتوم في حد ذاته."
ذلك يعني أن الوعي هو قبل كل شيء دينامية وانفتاح على ما ليس إياه. وبعيدا عن كونه حقيقة جامدة، جوهرا ثابثا، محددا مرة واحدة وإلى الأبد، فهو،على العكس من ذلك، نشاط يتجه باستمرار نحو العالم الخارجي. وبعبارة أخرى، لا وجود لوعي "في حد ذاته"، لا وجود لوعي خالص، منغلق على نفسه: لا وجود لوعي دون موضوع. الوعي لا يمكن أن يوجد وحده؛ هو علاقة، رابطة مع ما هو ليس إياه، أو لا وجود له على الإطلاق.
وهكذا، بشكل عام، يصطدم الوعي بمقاومة يواجهه بها العالم على وجه العموم (قوانين الطبيعة، وقواعد الحياة الاجتماعية ...). ولكن على وجه الخصوص، يلتقي الوعي بضمائر أخرى؛ وعلى وجه التحديد في هذا اللقاء - وفي الحركة الانعكاسية التي يولدها هذا الأخير - يصبح الوعي البسيط وعيا بذاته؛ فهو يقوم باكتشاف وجوده وفرادته. لهذا السبب، يلعب الآخر دورا أساسيا لا غنى عنه في يقظة وتنمية الوعي الذاتي: الوعي الذاتي يكشف عن كل واحد منا كذات متفردة، أمام نفسها وأمام الآخر. إذن، لا يتأتي الوعي الذاتي فقط - ولا حقيقة - عن عزلة التأمل كما قد يتصور المرء وكما قال ديكارت، ولكن عن علاقة حيوية، نشطة، أساسية مع ضمائر أخرى . حتى في عزلة وسرية التأمل أو الاستبطان، يكون الآخر "دائما هناك بالفعل" في أذهاننا وقلوبنا. الآخر يسكن باستمرار في أفكارنا ومشاعرنا، في أحلامنا وكوابيسنا ، في رغباتنا ومخاوفنا، مثلا عندما نتوجه إليه في صمت، للتعبير عن رغبة، عن صلاة، عن توقع أو عن ندم.


- ازدواجية صورة الآخر
ومع ذلك، بالنسبة لكل وعي، يبدو الآخر ككائن مزدوج أساسا، كأنا آخر وكآخر غيري في نفس الوقت. أنا آخر؛ أي كائن يتمتع بوعي مثلي تماما، باعتباره كائنا إنسانيا، ثم آخر غيري؛ أي كائن ذو قناعات ورغبات ومشاريع مختلفة عن قناعاتي ورغباتي ومشاريعي : "الآخر هو الغير، أي الأنا الذي ليس أنا "، أو أيضا،" الآخر، هو من لست أنا إياه ومن ليس هو إياي "، إذا ما استعرنا مرة أخرى بعض الصيغ الشهيرة من سارتر في كتابه "الوجود والعدم".
لكن، هذا التشابه، هذه الهوية، وفي الوقت نفسه، هذه الغيرية، وهذا الاختلاف، كل ذلك ضروري وأساسيي للوصول إلى الوعي الذاتي. ما معنى أن تكون روحيا، أو شرسا، أو غيورا، دون مقارنة ممكنة مع الآخرين، دون مواجهة نظرتهم؟ إن حقيقة الذات تمر عبر المواجهة مع ضمائر أخرى، مع وجهات نظر أخرى. وباختصار، كما يعلمنا سقراط، تبدأ الحقيقة مع فردين، في المواجهة بين وجهات نظر محتملة؛ هذه هي الفضيلة التكوينية - البناءة والنيرة - للنقاش والحوار. الآخر هو الكائن الذي بواسطنه يأتي كل واحد منا إلى العالم، ينمو، يتعلم، وبدونه لن يكون بإمكاننا ماديا أن نوجد؛ ولكن أيضا، الآخر هو هذا الوعي الآخر الذي بالنظر اليه يتعلم كل واحد منا أين يتموقع، على المستوى الأخلاقي والفكري والروحي. أن تصير ذاتا لا يكون ممكنا الا إذا - لأنك كنت أولا على اتصال مع ذوات أخرى. وهذا هو السبب في أن سارتر لا يخشى من أن يؤكد، في "الوجود والعدم"، أن الآخر هو "الوسيط الذي لا غنى عنه بيني وبين نفسي".
من وجهة النظر هاته، يبدو لي أن النص يجعل من الممكن الرجوع إلى النزعة الطائفية والتعددية الثقافية. تؤكد النزعة الطائفية أن الأفراد والجماعات لا يمكن أن يكتسبوا وعيا بذواتهم - ويبنوا هويتهم - إلا في ظل التماثل والتشابه، مع اعتبار الغيرية والاختلاف كعائق، بل كتهديد.. وفي المقابل، تدعي التعددية الثقافية أن الأفراد والجماعات، حتى يوجدوا بوعي، يجب عليهم أن يكونوا قادرين على الاندماج في بعضهم البعض، من أجل بناء مجتمع تذوب فيه الخصوصيات والاختلافات وتمحى، أو تلغى، مجتمع يعيش في ظل غيرية معيارية. لكن، في هذين التصورين، أعتقد أني اكتشفت فشل العلاقة؛ في الأول بافتراض، وفي الآخر بافراط. ولكي يكون هناك تبادل وتقاسم، يجب أن يكون هناك تشابه، وهذا هو السبب في كون الانطواء الطائفي عقيما. ولكن أيضا لا ينبغي أن يوجد هناك اختلاف، تمسك بالهويات المحترمة من قبل الأطراف المشاركة في التبادل، وإلا ليس هناك شيء مرغوب فيه أو يتم تبادله، وبهذا تكون التعددية الثقافية قاتلة، اللهم اذا رغبنا في تنميط كوني للأفراد والثقافات.
- اعتراف الذات بالآخر واعتراف الآخر بالذات
قرينة الاعتراف هنا جوهرية. أن تكون إنسانا لا يعني فقط أنك ولدت لأبويين آدميين (ينتميان إلى الجنس البشري)، بل يعني، فضلا عن ذلك وقبل كل شيء، أن يعترف بك كإنسان من قبل إنسان آخر، أي كوعي من قبل وعي آخر. من حيث الجوهر، يعتمد سارتر على هيجل، الذي عرض للعملية التي يتأتي عنها الوعي الذاتي من خلال مجابهته لضمائر أخرى. بالنسبة إلى هيجل، الصراع هو طريقة تأسيسية للتواصل بين الضمائر، لأن كل وعي/ضمير ينشأ ويؤكد نفسه فقط من خلال مواجهته لضمائر أخرى. اعتراف الذات بالآخر واعتراف الآخر بالذات هو شرط أساسي للوصول إلى الوعي الذاتي، ولو في خضم الصراع والمواجهة. أن توجود كإنسان، ضمن ناس آخرين، هو أن ترغب في الوجود كوعي حر، وأن تتجشم عناء ترويض هذه الحرية وتأكيدها في نظر الآخرين. "ما دام أنه من الضروري أن كل واحد من الوعيين الذاتين، المتعارضين فيما بينهما، يسعي إلى إظهار وتأكيد ذاته أمام الآخر، ومن أجل الآخر"، (كما يقول هيغل).

- البيذاتية
في الواقع، يظهر النص، بشكل متناقض، أن البيذاتية تسبق وتشرط الذاتية. ذلك لأنه إذا لم يكن هناك وعي ذاتي آخر، لا يمكن للوعي الذاتي أن يتشكل. الآخر هو دائما بالفعل داخل الذات نفسها، والذات هي دائما - وبأكملها - خارج نفسها. الاعتقاد بالعكس هو انسياق مع وهم حي بن يقظان. هذا التواصل بين الضمائر يعني بالضرورة المواجهة، لأن كل وعي ذاتي حريص على إثبات وجوده ويريد أن يكون معترفا به من قبل وعي آخر. ويسمى هذا البعد من الوجود الإنساني بالبيذاتية. ذوات تجتمع، تتمايز، تتنافس، تتعاون، تتبادل الأشياء من كل نوع: الأفكار، المشاعر، الوعود واللكمات أحيانا ..

ولأن كل الضمائر مختلفة، فإنها تؤكد نفسها كحريات، معها من الضروري أن نتآلف أو، على العكس من ذلك، ضدها يتعين إثبات الذات. مثلا، أن تكون من "اليسار"، من "اليمين"، "مؤمنا" أو "ملحدا" فأنت تقدم قيما وقناعات. يعني ذلك أيضا أنك تعرف نفسك في إطارهذه القيم وتسعي إلى أن يتم الاعتراف بك من قبل الآخرين باعتبارك وعيا حرا. ومن الطبيعي أن ذلك يعني الاعتراف بحرية الوعي، بالتعددية السياسية، بالحياة الديمقراطية. ولكن يعني ذلك أيضا أن الاجماع ليس مرغوبا فيه ولا ممكنا في الديمقراطية. الأساسي موجود في مكان آخر، أي في تشكيل وتكوين فضاء مشترك يمكن بداخله للضمائر أن تتواجه وتفرض اختلافها باحترام متبادل.

في هذا النص الموجه لجمهور غير متمرس على الفلسفة، يقدم لنا جان بول سارتر نظرة تركيبية عن الأطروحات الأصلية التي أفردها بشكل خاص للقضية الفينومينولوجية الخاصة بالعلاقة مع الآخر، والتي تقدم صفحات مثيرة للدهشة عن الوضع الاعتباري للنظرة، للخجل أو للحب.

 

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟