الثلاثاء 29 تموز

أنت هنا: الصفحة الرئيسية قصة ودراسات ادبية دراسات ادبية ونقدية

عيد مبارك سعيد ، وكل عام وأنتم بخير .أنفاس

الخصائص الدلالية والجمالية في "الحرف الثامن"،للشاعر بوعلام دخيسي ـ سعيدة الرغـيوي

hu-lettre(( في زمن نحن أحوج ما نكون فيه إلى الإرتواء،إلى التخلص من عنت الحياة ورتابتها، يكون الشعر هو الملاذ والملجأ...)).
شبـه تقديـم:
إذا كانت لغة الضاد الرشيقة حروفها الثمانية والعشرون قد تميزت بكل صورها وإيقاعاتها وجمالية رسمها، فإن لـ: " بوعلام دخيسي"[1]، " الحرف الثامن"[2] الذي أفرده لجملة من النصوص الشعرية عددها 37 نصا.

تناسلت الحروف تِباعاً مُعلنة عن خلخلة شعرية، ليُباغثنا "الحرف الثامن" وهو الإبداع الشعري الثاني للشاعر.

الحرف الثامن هو العنوان الذي وَسَم به الشاعر نِتَاجَه الإبداعي،وقد جاء عبارة عن مركب إسمي( صفة وموصوف) متبوعا بنقط الحذف التي تختزل ثغرات سكت عنها الشاعر أو تركها قصدا للمتلقي لتيولَّى مسؤولية تأويلها انطلاقا من قراءاته الواعية، والحرف إذا ما عُدنا إلى لسان العرب"لابن منظور"ج.حروف و أحرف، والحرف لغة : طرف كل شيء وشفيرهُ وحَدُّه، كما يعني أيضا اللغة واللهجة ومنه الحديث الشريف: " نزل القرآن على سبعة أحرف" ...،أما الثامن،فهي صفة عددية دالة على الترتيب محصورة بين العدد سبعة وتسعة ( تمييز عددي)...ولتلافي كل الغموض والمتاهة التي قد يخلقها العنوان لدى القارئ أرفقه الشاعر بصورة " أيقونة " لعازف على آلة موسيقية" القيتارة" ،ولعل انتقاء الشاعر لهاته الصورة تعبير منه عن موسيقية الحرف الشعري،الشيء الذي حذا بنا للتساؤول عن طبيعة العلاقة التي تربط العنوان بالصورة؟.

هو ولاريب الحرف الشعري ينْكتب موسيقى نُبْحر من خلالها عبر زورق اللغة الباذخة التي تتغلغل إلى أعماق الروح والوجدان لتستقر بها. فالشاعر يعزف على أوتار الحروف أنغاما عِذاباً..

 والحرف الثامن إذن، يُعْلِنُ عن موجة الحروف التي سبقته،إذ يفسر أنه أتى بعد سبعة حروف موسيقية ليرسُم معالمه المائزة ويُحْفَرُ شعرا بهيا، إذ كما هو معلوم العلامات الموسيقية والأصوات الموسيقية تتكون من سبع علامات والصوت أو الحرف الثامن مكرر للصوت الأول: ( دو- ري- مي- فا- صول- لا- سي- دو)، أو ما يعرف أيضا بالأوكتاف، في حين الحرف الثامن ضمن الحروف الهجائية هو حرف" الدال" الذي يتميز بمجموعة من الخصائص والسمات، ولا غرو أن الشاعر ضمَّنَ ديوانه نصا بعنوان " أ ب ج د" ، وفي طيات أسطر القصيدة إشارة إلى مكانة حرف الدال إذ يقول في الصفحة 17:

 تأخُذْ درْساً منْ دال
يُغْنيك عن الدُّون ِ
وكُلِّ دَنِيَّةْ

 وبعيدا عن العنوان والأيقونة كعتبات نصية، يُصَدَّرُ الديوان بمقدمة لشاعر مقتدر تعجز حروفي البسيطة أن تخْتصره في كلمة " شاعر"، فهو الإنسان ،المثقف، والأديب المتفرد "الدكتور محمد علي الرباوي"،وعندما نقول محمد علي الرباوي تتلعثم ألسنتنا وتَخُونُنا المفرادات فنقف عاجزين في شبه شلل،لا لشيء إلا لفرادة هذا الإنسان وتواضعه.

بعد هذا التقديم نكون مُلْزَمِين بأنْ نُنْصِْتَ للغة القوافي التي تَتَضَوَّعُ بالحسن والبهاء.لِنُعانِقْ موج القصيد الذي يعبر عن مكنونات ذات الشاعر المتوارية خلف الكلمات غير آبهة بصعوبة المسالك، فإليكم بعضا من نبضه الذي اصطبغ بصبغة الحلم حينا وبصبغة الشجن حينا آخر فانساب وتدفق ليروي من ينبوعه الفيَّاض العطشى الذين تستهويهم الكلمة الشعرية.

 // إبـاء //
التي مطلعها:

تُقاطعني القصيدة حين أكتبها
وتَسْاَلُـوني الرجـوع
اَعُود إلى الحروف أعُدُّها
أجْثـو على ألمي أُلَمْلِمُـهُ
إلى أن يقول.. في تتمة القصيدة:
تأبى حروفي أن أحَرِّفَ شكلها
تَأبى حروفي مثل صاحبها الخنــوع.

 فالشاعر في هذا النص الشعري يتماهى مع القصيدة التي كتبها ،وكأنها شخص،فيُخاطِبُها ،ويعبر من خلالها عن إبائه وعدم خنوعه ،فالقصيدة تأبى التحريف، كما يأبى هو الإذعان والاستسلام. من هُنا يتبدَّى لنا بجلاء أن الشاعر والقصيدة كيان واحد غيرُ منفصم.

وفي قصيدة "استقالة شاعر"، يُعْلنُ الشاعر أنه اسْتقال الشعر،لم يَعُدْ راغبا فيه، يكفيه أن يُصْبح إنْسانا حيث يقـول:

 مَزَّقْتُ قصيـدي
كسرت الريشة وكتبْتُ بياناً:
ما عُدْتُ لأرسم شِعرا ً
كُنْ أنْتَ كمَا ترْجُـو
كْنْ أنت الشاعـر
بُحْ بوحي وجروحي..
إلى أنْ يقول :
كُنْ أنْت الشاعر
واتْرُكْ لي أنْ أصْبِح إنْساناً.

 وبعيدا عن الإستقالة الشعرية، يُغازل الشاعر صوت الحزن في قصائد عدة منها: لاَتَبْكي" وإلى ابنتها"
وفي نص آخر اجْترح له عنوان :" لكِ حين تَغِبين" ، نلْمسُ أن أن الموضوعة الطاغية هي الفَقْد،إذ تُشارك الشاعر كل الأشياء شعوره بالشوق والحنين جراء فقدانه لعزيز عليه، وكأن به يقول:

لَكِ حين تَغِبِين شَوْقُّ وحنين، وتعززت هذه الموضوعة/ التيمة في النص الشعري الموسوم بـ"عُدْ أبي" في الصفحات من 41 إلى 43 من الديوان.
وما بين الشعر العمودي والتفعيلي نَرْتحل بذائقتنا لِنُعانِقَ شِعراً، أو بالأحرى بَوْحاً تدَفِّق سلسبيلا،دونما إحساس بالضجر والغثيان،إذ الكثير من الأشعار تُصيبُنا أو لنَقلْ تخلق لدينا الوهم بالغثيان.

أما "استمارة عاشق" فتُغْوينا بالترحال والسفر في رحابها الظليلة وآفاقها الحالمة، إذ يَفْتَتِحُها الشاعر بقولــه:
- الاسم:
مذكور في كُتُب التاريخْ..
أحيانا أُدْعى قَيْساً وأُكَنِّى بـ " المجنون"
ويُتَرْجِمُني الآخر " روميو".
ويَنِمُّ هذا على حضور قاموس العشق في الحرف الثامن من خلال هاته المفردات:( عاشق،أحب،حبيب،هوايْ،العشق،حبيبي...الخ).
والعشق عند الشاعر مراتب ودرجات: عشق الطفل وعشْقُ القادر وحب الشيخ، ولكل عِشْقٍ ملامحه وخصوصياته.
وتتوزع أربع قصائد في شكل إهداءات وهي: " أريدك للنسيان " إهداء إلى الشاعر " الطيب هلو"، " نسيتُ العنوان" إهداء إلى الباحث د. محمد الدخيسي، و" دوار " إهداء إلى الشاعر" سامح درويش" ،و" حديث البحر" إهداء إلى الشاعر" سعيد ساجد الكرواني".

ويُسافر الشاعر بنا في شُطآن بَوْحِهِ المُتاخم لحنايا الروح، حينما يحلم بوطن مكتمل الصورة ،بيد أن حلمه لم يتحقق فغذا مجرد حلم وقصيد ترسمه فُرشاتُه ،وهذا ما تشي به قصيدة " الفرشـاة ".
وأنا أتجول بين لوحات الديوان أسرتني قصيدة " مع الله " التي تتوزع بين الصفحات 91 إلى 97 من الديوان.

وهي دعوة من الشاعر إلى الاستمساك بحبل الله ،لأنه السبيل الأوحد والأمثل لتحقق الصفاء والنقاء، والنأي بالنفس عن كل أسباب الكدر والشقاء،وهذا ما نستشفه من خلال قوله في الصفحة 97 من الديوان:

مع الله إِنْ أنْتَ رُمْتَ الصِّفا
وليس سوى الله
...غير الكدر
كما يُعْزي معايير الجمال والفن البديع الأصيل إلى عدم خدش الحياء بالتعرِّي، لأن جوهر وكُنْه الجمال الحق الاكتساء والسَّتر.
ويشير إلى أن تجليات الجمال والحُسْن تكمن في ما أبدعه البارئ سُبحانه من ملكوت:(السحائب،البحر،الجبال،السهول ،النجوم...الخ). وهذا ما يتأكد من خلال الأبيات الشعرية الآتيــة:

مع الله كان الجمال وما
يزال عَصِيِّا أصيل الدُّرر

 ويطول سفرنا الماتع في حدائق الشعر الغنَّاء مع كل إطلالة نُبحر من خلالها في يم القصيد الذي يرتسم في غَنَج ودَلالٍ، ويجعلك تغتسل من أدران الكلمات الجوفاء التي تُمْطرنا بها  سحابة الحياة اليومية.
ويَسْتشعر الشاعر بأنه كان وحيدا، بعيدا، شيئا زائدا، لطُغيان اللون الرمادي الذي يرْمزُ إلى الحياد في النص الشعري المُعَنْون بـ: " اللوحة" ص 67 من الديوان.
وبصيغة الأمر يفتتح الشاعر قصيدته:

" كُنْ حُلما "
كُنْ حلماً وكفـى
كُنء شِعْراً يتدفَّقْ
كُنْ ماءً وهواءً في هذا الموج الأزرق

فهو فقط يرنو لأن يصير حلما،شعرا ينساب يتدفق، ويؤشر على أن الحلم يُصبح دونما معنى إِنْ صَدَرَهُ الصبح، فالصبح وأدٌ للحلم،قَتْلٌ له وما القتل هنا إلا قتل رمزي: ( عدم التحقق).

والإمتاع يتحقق أكثر فأكثر كلما غُصنا في دُرر القصائد التي ضمَّها ديوان" الحرف الثامن".
ويتحقق البعد الجمالي والدلالي من خلال ما يلي :

على المستوى الإيقاعي :
 نجد أن الشاعر نظم بعض قصائده على بحر" الخبب " وهو من الأوزان المستدركة ،وصورته التفعيلية:
فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن  //  فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن، أو الصورة الأحدث له :

فعِلُن فَعِلُن فعلن فعلن // فعلن فعلن فعلن فعلن.

وما يَمِِيزُ هذا الوزن الذي أكثر الشعراء من ركوبه أنه إلى الإيقاع الجميل والرقة أمْيَل،وهو إلى الرقص والخفة والسرعة في الحركة أقْرب،وقد قال العروضيون أن تفاعيله تُحاكي وقع حوافر الخيل.

 على المستوى الأسلوبي:
يَنْهض الأسلوب في هذا الديوان بوظيفة جمالية،إذ يجعلنا نقترب أكثر من الدلالة / الدلالات التي يتغيَّها الشاعر لكلماته/ لحروفه، ويبرز هذا في العديد من قصائده ،إذ أورد أساليب كثيرة ،كما في " أريدك للنسيان" الصفحات من 28 إلى 31.

إذ يحضر النهي " لاَ تَعْبُرني" ، الأمر " ارْحمني" " أمْسكْ طيفك" / النفي: " لمْ تُسْعفني/ لمْ أقْدِرْ...ناهيك عن التوسل بالتكرار كتلوين أسلوبي كذلك :
-       حاولت أتَرْجِمُ نصوص اليونان
-       حاولت أغَيِّرُ مفهومَ
الإنسان.
-       حاولتُ أحِبُّك في صَمْت

        لَمْ أقْدِرْ.
إلى أن يقول:

حاولت فكُنْتُ مُدَاناً..
فالشاعر من خلال هذه التنويعات الأسلوبية يُترجم لنا ما يختلج لواعجه من أحاسيس تتوزع بين روحين، روح الوَصْلِ وروح الهَجْر، وقد أعلن في بداية النص الشعري ص: 28 عن عاطفته، إذ قال: لا أتْقِنُ إلاَّ حُبَّكَ فاهْجُرْني...الخ.

إضافة إلى حضور أساليب أخرى كالاستفهام والنداء...والصور الشعرية كالتشبيه:" كَأنَّ فراشة
على الزهر تَهْفُو ..والمجاز نحو: طفل خرج الأمْسَ يقود حجارته/ ثوبك البُنِّيُّ يتلو بعض ذِكْرِ...

ومن التنويع الأسلوبي إلى التنويع المُعجمي:

التنويع المعجمي:
لقد ارتشف الشاعر مفرداته من كل الحقول وهذا ما تعكسه الحقول الدلالية الآتية:

  •    معجم الكون: وتؤشر عليه المفردات الآتية: "يا سيدة الكون" ،" الآيات الكونية"، " النور...
  • - معجم السياسة :" ( القومية/ الرِّجعية/ الثورة/ القبلية...).
  • - معجم العشق: ( عاشق/ حب/ هواي...)، ثم المعجم القرآني من خلال تضمينه النصوص الشعرية بعض القصص القرآني: كقصة النبي يوسف عليه السلام في قصيدة" طفل يُحَرِّرُنا " ص 83 إلى 86، ليرسُم لنا من خلال ذلك ملامح الطفل العربي في زمن الغدر الذي يسعى إلى التحرر منْ ربقة الظلم والحصار،وتؤشر على ذلك جملة من القرائن منها على سبيل المثال: (- طفل خرج الأمْسَ يقود حجارته/ طفل يتكلم كل لغات الدنيا،طفل خرج اليوم ويخرج كل غدِ...).
  • - معجم الحج: إذ يُوظف الشاعر مفردات مُمتاحة من هذا الأخير:( طُفْتُ / سعَيْتُ( الطَّواف والسَّعي) ،وهي من شعائر الحج ..وصُولاً إلى رمي الجمارات .. وهي ترمز إلى مُقاومة الشيطان ، إذ يقول في نص " العودة " ص:( 39-40 )


لبستُ الكَفَنَ وقالوا:

خُذْ واعتبرِ الثوب قِماطاً
وشقَقْتُ طريقي نحْو العَوْدة
(...).
طفت ثلاثاً
وسعيت ثلاثاً
..

فالنص حافل بجملة من الإيحاءات والدلالات،منها : أن الشاعر مؤمن أشَدَّ الإيمان بأنه ليس سوى مجرد ضيف في هاته الحياة،ومُوقِنٌ أن مصيره هو العودة إلى الثرى..
وخليق بنا أن نُلمع أنه دائما في قصيدة " خيرُ الشعر عاجله" ، نقف عند الاتساق والانسجام الإيقاعي الذي يتمظهر من خلال الأفعال والأسماء التي فيها حضور بارز لحرف اللام :( تُطاول- تُجادلُ- يُغازل- يحاَوِلُ- يُناضل ..) وهي أفعال بدلالة الزمن المضارع ،في حين :( الرسائل/ الأنامل / البلابل..) كلها جاءت على صيغة منتهى الجموع ،وعندما تتأملها جيدا تحس وكأنك أمام توليفة موسيقية لأن النبرة الصوتية تُوَلِّدُ جرْساً موسيقياً ملحوظاً.(ص:11 إلى 15من الديوان).

وكل هذا يدفعني للقول بأن التنويعات الأسلوبية هي طاقات تعبيرية كامنة معبرة عن رؤية فنية..ومن ثمة فالنص الشعري في نهاية المطاف انْبِعاث ذكي عن ذات شاعرة استلهمت حروفها بكل ذكاء، وهو الشيء الذي يَحُولُ دون إمْسَاكِنا بالمعنى بِيُسْرِ مما يجعل من النصوص الشعرية نصوصا زئبقية/ منفلتة )).

على المستوى الصوتي:

 نلْحظُ أن الأصوات والكلمات والجمل في البناء الشعري وحدات غير منعزلة عن غيرها، فالشاعر يعمل على جعل أنظمته وأنساقه اللغوية، أنظمة رمزية ،انطلاقا من موقع كل تشكيل صوتي،وصولا عند الجمل والصور الشعرية مما  يؤدي إلى جعل السياق الشعري يَتَنامى في اتجاه تشييد تواز رمزي للواقع.
بناء على ذلك، فالسياق « contexte »  أيضا ينضاف إلى المستويين الصوتي والأسلوبي لتشكيل بنائية النص الشعري.
وهذا ما نُلامسه كذلك  من خلال الاتساق الحاصل بين أصوات وكلمات وجمل نحو:
هذا المصباح يُحاوِرُني/ هذا الصَّمْتُ يحاورني، ص: 48 (تساوق بين الجمل)، والتساوق والتناغم الدلالي يتبدَّى لنا أيضا من خلال جملة عنوان إحدى القصائد المُشار إليها آنفاً" خير الشعر عاجله"، والبيت الشعري منها: " فخيْرُ الشعر كالبر العاجل"، وهو توظيف مزدوج ،إذ أثرى الشاعر نصه بالمأثور الشعبي، فالشعر الأخْيَرُ والأجود في نظره هو الذي يأتي دونما تصنع وتكلف،عجولاً..بيد أن هذا الأمر ينبغي أن لا يُعَمَّم إذ ينبغي التأنِّي وعدم العجلة في الكثير من الأمور.

 أما على مستوى الكلمات  نأخذ كأنْموذج :" الرسائل/ البلابلْ/ وصالاً/ بِعَاداً، وهو تناغم واتساق يضْفي بعداً جماليا على المقروء ،وهو ضرب من ضروب المحسنات اللفظية، أو ما يصطلح عليه " بالسَّجْع" .

إشارات لا بد منها:
لكل نص في الحرف الثامن قِوامه،ومعماره الخاص به الذي يشد القارئ إليه،وأنا أستنطق كل نص على حدة وأحفُرُ فيه وقفت على ما يلي:
- تماهي الذات الشاعرة مع النص المُنْتَج.
- تعبير الشاعر عن مواقف حياتية معينة.
- أن النصوص الشعرية يمكن أن توسم بالإنفعالية أو شعرية الإنفعال ،إذ الشعر عند "بوعلام دخيسي" تعبير عن الذات وعن الوجدان.
- الشاعر ظمآن للحرف السامق ،الباذخ ،فهو يتنفس شعراً، لذلك استهل قصائد ديوانه بنص شعري اجترح له عنوان " أول شعري" ،إليكم منه بعض الإشارات:
وأنا ابنُ العام ونَيِّفْ
قُلْتُ قصيدا في بضعة أحرف
ماما..با با....
كانتْ أجْمل أشعاري..
الشيء الذي يكشف لنا أن شاعرنا جُبل على نظم الشعر وهو لازال في طور تهجي أولى الكلمات ..

كما أن التنويع الحاصل على مستوى زمن الأفعال " (الماضي / المضارع) يوحي بالتحول وعدم السكونية في مواقف الشاعر وهذا ما نستشفه في أول نص شعري ص: (9 و10 ): (( قُلتُ قصيداً ../ كانت أجمل َ أشعاري/ كنتُ كبيرا ساعتها..

الآن أنا
....
أتحاشى كلَّ العالمِ
كي أضْمِرَ ما أذرفْ.
==========================================================
وصفوة ما أختم به ورقتي هاته الكلمات التي دَبِّج بها الشاعر ظهر الغلاف:
عطشان هذا الشعـر
لا يتردد في الزحف
يشرب من يابسة الأرض
يتوعدنا بالطوفان
هو ذاك الشيء
الكامن في صدري
حين يمد يديه
إلى أبيض شعري
ليُخضِّبه
هو لازمتي في السفر
في النوم وفي السهر
هو من يمْخُر في
حرفي
الآن.

لا محالة أن الشاعر "بوعلام دخيسي" كما ألمعت سالفا  ينحث نصوصه الشعرية بتماهٍ تام مع ذاته وبتفاعل مع المحيط ،وهذا ما نستشعره من خلال القصائد التي تُبْطنُ شجون ذات الشاعر الذي اكتوى بفراق الأحبة،ومن ثمة هي مرايا للنفس والروح أبَتْ إلا أنْ تَمْلك فؤاده فارتسمت حروفا بهياتٍ كاشفة عن القيمة الشعرية والشعورية.

وفي ختام هذه الوقفة الماتعة المليحة،ماذا عساي أقول – سوى أنني- انْتَشَيْتُ بالحرف الثامن ،وبالسفر في كل حرف فيه،وبكل همسة ونبضة شاعرية، بعيدا عن تلك القراءات الجامدة التي تُقْصي وتستبعد الذات القارئة وتجعلها مجرد آلة خرساء وتقنية لتطبيق معايير ومناهج بعينها على نص ما،لأن شعر " بوعلام دخيسي" يمْلك الفؤاد قبل الأُذن.

إنها الموسيقى الشعرية تتوغل بنا في جسد النصوص لتُطْرب وتُشَنِّف أسماعنا بعذاب إيقاعتها وجرْسها الموسيقي، وهذا ما يوحي به توظيف الأسلوب الإنفعالي الموسوم بنبرة الشجن.

من هذا المُنطلق أمكننا القول أن النصوص الشعرية انْكتبت عن انفعال عاطفي لتخليد لحظات بعينها كان لها وقع وتأثير خاص على نفسية الذات الشاعرة،والنص موغل أيضا في بحر من الدلالات الوجدانية، التي تنبثق عن أحاسيس حُبْلى بمشاعر متناقضة انعكست نصوصا شعرية معبرة عن تلك اللحظات والمشاعر ،وكأن بالشاعر مسكون بقصص وأحداث..

هو حتماً الشعريُصَيِّرُ الواقع وقصصه نصوصاً ذات روح وكيان فتنبري الكلمات الأنيقة لخدمته فترتسم لوحات شعرية معبرة عن خبايا النفس وخلجاتها وضجيجها وقلقها الوجداني.

وعموما يمكن الجزم بأن متون القصائد تنم عن تجربة شعرية تَسْتَقِي أسسها من الواقع والحياة ..وعلى أي فلكل شاعر نبرته وصوته الخاص الذي نتلمَّسه في نصوصه التي تكشف عن هويته ومساره الخاص.

وأشعار " بوعلام دخيسي" تحتاج من قارئها أن يكون ذو اطلاع واسع على المعجم القرآني حتى يحْفل بمعانيها ويقف على مدلولاتها وأغوارها،وأن يمتلك عين الناقد الفاحص المدقق.

لأن نصوصه كما أسلفت الإشارة هي سنابك الروح تبلورت في قالب شعري،وأؤكد هاهنا أنه مسكون بلغة الضاد وإلا لم " أ ب جـ د "،القصيدة الفخمة البناء الثرية بالمعاني التي تتخلل الديوان،فهو رَصَّع حروفها بكلفه ووجده وشعريته فجاءت وشاحا مخْمليا بديع الصنع يُنْسِينا كل الغثاء الشعري التي تشهده الساحة الإبداعية في الآونـة الأخيرة.

*    - استنتاج عــام:
مادام أن لكل فنان أداوته، فإن للشاعر أيضا عُدَّته التي من خلالها يقدم للقارئ المُفترض/ المتلقي، أو ذاك الذي سيكتب النص مرة أو مرات انطلاقا من مدى قدرته على جَسِّ  نبض النصوص والقدرة على النفاذ إلى أغوارها وسبر مسالكها.

(( وأقول كل مرة أقرأ نصا واحدا أخرج بقراءة مختلفة عن سابقتها، وكأن بالنص يُراكم جيوبا بداخله تستدعي مني مهارة عالية للتنقيب عن محتواها الدفين..هو الشعر دفقات شعورية إنسانية انكتبت حروفا طرزتها ريشة الشاعر بإيحائاتها وتنويعاتها الأسلوبية ومشاربها المتعددة.
إذن نحتاج للحفر في ثنايا النصوص، لاستكناه مجاهلها،ورموزها...لأن الشعر كما قال صاحب بصمة " الحرف الثامن " يتوعد بالطوفان".
لذلك  تضافر الدلالي والجمالي والرمزي أيضا ليضطلع بمهمة صناعة جمالية هذه النصوص الشعرية)).


[1] - بوعلام  دخيسي ،شاعر مغربي من مدينة وجدة، عضو رابطة الشعراء الشباب والمقهى الأدبي و الصالون الأدبي بوجدة، بدأ كتابة الشعر في أواخر 2005، نشر نصوصه بمختلف المنابر الإعلامية، شارك في عدة مهرجانات شعرية بالمنطقة الشرقية. صدر له عن مطبعة  الجسور ديوان بعنوان" هديل السحر" سنة 2012 و " الحرف الثامن سنة 2014.

[2] -  الحرف الثامن،بوعلام دخيسي، شعر، الطبعة الأولى 2014، مطبعة الجسور ش.م.م





التلازم الوثيق بين الأدب و اللسانيات : الشعريات البنيوية ـ ذ. مراد ليمام

linguistiqueتستهدف هذه الدراسة الكشف عن علائق الأدب واللسانيات بكيفية ضمنية ، وخاصة علاقات الدراسات الأدبية بتحليل الخطاب. فلقد استطاعت اللسانيات أن تحقق شرطي العلم الأساسيين:
تحديد الموضوع، وصياغة المناهج الملائمة لدراسة الموضوع قصد استنباط القوانين وإرساء القواعد الضابطة لمضمار هذا العلم. إذ تناسلت النظريات، وتميزت اتجاهاتها، تحدو أصحابها الرغبة في الاستئثار بمنهج يدلل صعوبة وصف نظم الأسس وصفا علميا. "ولعل ذلك ما يبرر الاحتفال الكبير الذي حظي به علم اللغة في مضمار النقد الأدبي. قياسا بالعلوم الإنسانية المختلفة، لاشتراكها في الاهتمام ب (اللغة) سواء باعتبارها منظومة تجريدية أم باعتبارها ممارسة كلامية، ورفد علم اللغة للنقد الأدبي بمفاهيم وقوانين لغوية مدققة. مما أتاح إمكانية تمييز خصوصية الخطاب الأدبي والنصوص الأدبية"[1].فالتفكير في الأدب يستحيل دون التفكير في اللغة. فيكون المجال الذي تقترب فيه اللسانيات من الأدب هو تحليل الخطاب الأدبي، عندما تريد إنارته بالبحث المفصل عن وسائل التعبير التي دبج بواسطتها. كما يتمثل الهدف في صياغة فرضية تفسيرية أو تأويلية حول الخطاب الأدبي وبيان كيف أن الوسائل اللسانية تدعم التفسير أو التأويل .

إن الخطاب وعلم تحليل الخطاب هو ممثل هذا المشغل الذي يتخذ من اللسانيات منطلقا، ومن الأعمال الأدبية مادة للدرس للخروج بنظرية في الخطاب الإبداعي على أسس ثابتة.
من هذا المنطلق، تسعى اللسانيات –وهي تطمح- أن تكون علما في تناول كل ما يخص الخطاب الأدبي، إلى تحديد ثلاثة عوامل على الأقل:

اِقرأ المزيد...

سفر شعري لاكتشاف " شعراء فرنسيون من القرن التاسع عشر" من إعداد وترجمة سعاد التوزانــي ـ سعيدة الرغيوي

سفر شعري لاكتشاف " شعراء فرنسيون من القرن التاسع عشر" إذا كان فهم اللغة وإتقانها هو السبيل للإطلاع على ثقافات وآداب الشعوب الأخرى،فإن الترجمة أيضا تبقى مفتاحا ولو نسبي للعديدين لتذوق النتاجات الأدبية التي ليست لديهم إمكانية الإطلاع عليها.
تمهيد :
((في رحلة أثيرية عُنوانها الشعر والسيرة،ارتحلت بنا الشاعرة والمترجمة "سعاد التوزاني"* إلى عبق الحرف الفرنسي المدبج بلغة عربية رقراقة،ترجمتها روحها الشفيفة،فأنكتبت سطورا شعرية مُتَرْجمة بين دفتي كتاب موسوم بعنوان:" شعراء فرنسيون من القرن التاسع عشر/ سيرة وشعر" **.
فوجدتني أستحث يراعي وروحي للسفر معها في ما أعدته وترجمته)).
============================================================
أن تُترجم من لغة إلى أخرى،وأن تتفوق في ذلك،يستلزم منك ذلك أن تكون متمكنا من اللغة ،خبيرا بدهاليزها،قادرا على مرواغتها،ممتلكا ناصيتها.
هي جولات مع بعض الشعراء الفرنسيين في باحاتهم الشعرية وسيرهم بدء بـ:" بألفونس دو لامارتين" وانتهاء بألبير سامان"،لقد حاولت" المرتجمة أن تقربنا من سيرة وشعر عشر شعراء كانت لهم بصمتهم في الشعر الفرنسي خلال القرن التاسع عشر.
 

اِقرأ المزيد...

في مفهوم الخطاب ـ مراد ليمام

في مفهوم الخطابكل  رحلة  استكشافية – في محاولة  لضبط  مفهوم الخطاب وتحديد مؤشراته القياسية -  ارتحال دائم ومطرد عبر الاتجاهات والمقاربات المعرفية  المتنائية. إذ أن هذا المفهوم  وهو يترسخ ويستنبع أصوله ومقولاته من اللسانيات الجنيفية ( سويسرا)، لم يلبث أن تشقق إلى اتجاهات  وانتظم له ركم من المصطلحات يشتغل بها، وتناءت  حدوده ومفاهيمه ضيقا واتساعا تبعا للمنطلقات الفلسفية والاجتماعية والثقافية التي كان حبل السرة  بينها وبينه موصولا.

فمن خلال تعاملنا مع الخطاب، لا  نغالي إن قلنا أنه  في اغتراب دائم عن جسده  المصطلحي، فله في  كل أرضية لغة  مخصوصة. والمفهوم  الحقيقي له هو  مشروع مفهمة نسبية، فالخطاب  الذي نتكلمه ونحيا به وفيه ، عبارة عن سراب يكتنفه الغياب والنقص.

ولعل هذا الأمر ، جعلنا نحدو حدو  جيل دولوز (  Gille Deleuze) حين قوله : "  لا وجود لمفهوم بسيط، كل مفهوم يملك مكونات، ويكون محددا بها، للمفهوم إذا رقم، إنه تعددية، حتى وإن لم  تكن  كل تعددية مفهومية " [1]. إن  المفهوم بحسب التعريف كل متشظ يحيل  بدوره إلى  مفاهيم أخرى . فالخطاب عامر بأسر متنوعة من المفاهيم الناقصة، شبه المنفتحة، المعروفة، والمحدثة . والطريقة  الوحيدة لفهمه هي متابعة مسيرتة والتقاءه اختلافيا بعد كل حالة  ينخرط فيها .والمهم في كل حالة هو أن  يستوفي عناصره، بحيث أن كل تغيير يطرأ في الزيادة أو النقصان يغير من كثافته عينها. فما يحتويه من مركبات وما يصاحبه من علاقات مع  غيره هو بالضبط ما  يحدد شبكيته الاصطلاحية.

اِقرأ المزيد...

لعبة السرد ورهان التناص : دراسة في رواية شباك الهوى لمحسن أخريف ـ عبدالسلام ناس عبدالكريم

chirak-akherifeالسرد بالمخاطب: لم يعرف السرد بالمخاطب إلا متأخرا مع بروز تيار الرواية الجديدة،  وبالذات من خلال أعمال الرواد المؤسسين لهذا المذهب في أوروبا منذ رواية التعديل لميشيل بوتور، وروايتي (الثمار الذهبية) و(الحياة والموت)  لناتالي ساروت . ثم تطور هذا المذهب السردي بعد ذلك على يد كتاب زاوجوا بين كتابة الرواية وإنتاج السينما من أمثال جورج بيريك صاحب رواية الرجل الذي لاينام. ثم برز بعد ذلك في أدب أمريكا اللاتينية ممثلا في بعض أعمال الروائي المكسيكي كارلوس فوينتس. وأما في الأدب العربي فبرز مع رواية (سماء نائية) للروائي الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل  و(صوت الكهف) للأكاديمي  الجزائري عبد الملك مرتاض، ورواية (الخيوط) للناقد الفلسطيني وليد أبوبكر. وفي المغرب فاجأنا الشاعر محسن أخريف مؤخرا من خلال روايته شراك الهوى، باعتماده هذا الملمح المميز، في سياق ما عرف عنه من حس إبداعي مغامر.  فباستثناء اسماعيل فهد اسماعيل الذي انصرف للكتابة الروائية على نحو مكثف، نرى غيره من هذه الفئة اتجهوا إلى ترويض حدوس الإبداع عبر تجريب كتابة الرواية. وقد ترك ذلك أثرا بالغا في التعبير السردي ومن بين مظاهره البارزة توظيف تقنية الضمير المخاطب. ومن  الفرضيات التي قد تصاغ للأفق الإدلالي  لهذه التقنية النصية، فرضية السخرية القاتمة وفرضية التطهيرالنفسي الموصولة بالمونولوج الأوتوبيوغرافي.

اِقرأ المزيد...

قراءة حالمة في الديوان الأخير " قصائد واجمة " للشاعر بلعيد توفيقي حلم على ضفاف "قصائد واجمة " ـ عبد المطلب عبد الهادي

abstract-389a" سأنصت الآن لحفيف الريح وللحن الكمان
ولسيدة تنسج من صمت الكلمات رداء الألوان ..
... وأعاود السير إلى حيث لا ينتهي الخطو والزمان ..(من قصيدة:"لدي أشياء أخرى" ص 9 )
1 ـ مفتتح ..
بإهداء شاعري رقيق، تسلمت من الشاعر والروائي بلعيد توفيقي ديوانه الأخير الموسوم ب " قصائد واجمة " .. تطواف سريع بين لوحة الغلاف والعناوين و البياض الذي تسبح داخله القصائد ومسح سريع لبعض الصور الشعرية فتح لي مدارج الحلم كالذي دخلته يوما محمولا على جناح " منعطفات سائبة " و " ذاكرة الجراح " و مسارات حادة جدا " ..
2 ـ باب الحلم ..
أشرعت للحلم أبوابه وأسرجت للحرف مراكب وهيأت للجمال مقامات أغزل من البوح أسرارا لدخول عالم " الشيخ "(1) المُسيّج بالعشق العصي على القبض..رغم أنكتكاد تقرأ القصيدة على قسمات وجهه الأسمر وهي تناوش القوافي " في منعطغات سائبة " وقصائد واجمة" وغيرهما المنثور هنا وهناك، كما تناوش الحكي في "ذاكرة الجراح" و"مسارات حادة جدا"(2) المندورة للحزن ..للتمرد.. للإبحار بعيدا حيث يشرق الحزن لحنا يتوهج شوقا وألقا ..كما تناوش القبح المتواري داخل تجاويف الذات والمعيش .. والآني والآتي ..
وحده الحلم يفتح للقصيدة أصواتا " تنسج من صمت الكلمات رداء الألوان " ..

اِقرأ المزيد...

حين يحمل الفضاء الهم الإنساني : قراءة في رواية " طوق الحمام " لرجاء عالم ـ عبد المطلب عبد الهادي

حين يحمل الفضاء الهم الإنساني " من يجرؤ على كتابة زقاق كأبو الرووس غيري أنا، أبو الرووس نفسه، برؤوسه المتعددة. أنا الزقاق الصغير ... " (ص : 7 )
-    بعد القراءة ..
رواية " طوق الحمام " رغم عدد صفحاتها التي تجاوزت 560 صفحة، ورغم التعب والإرهاق والتيه الذي خلفته قراءة هذه الصفحات .. إلا أنها وضعت الأصبع على حالة هي تيمة الرواية، تمر علينا نعتبرها تغييرا أو توسيعا أو إضفاء جمال على مكان، وهي في حقيقتها زجُّ إلى النهاية والمحو..
" طوق الحمام " علامة تجرأت لتقف فوق أرض بدأ يزحف إلى فضاءاتها الهدم والتيه والنسيان، وهي التي عرفت خطوات من القداسة ما يجعلها محجا ومزارا..
" طوق الحمام " أتعبتني وأنا أجوب فضاءاتها وأتتبع سيرها وأفك أسرارها وعلامة إكس الحمراء لا تفارق خطوي، بل تجعل السؤال وخزا يعيدني إلى حقيقة  الحكي: الهدم  والنسيان والمحو..
-    العلامة ..
علامة إكس حمراء، بداية لمحو فضاء تهدده كاسحات وألات ضخمة تجوب عوالمه لتحيله عدم .. هباء.. في حين يسعى آخرون في الجهة الأخرى من البحر المتوسط حيث ينام الفردوس المفقود هادئا مطمئنا يحكي تاريخا يجر أسرارا وأحلاما، إلى إحياء فضاءات ـ لا تحمل ذواتهم حين يضعون علامات غير التي تُغرق أجواء مكة،ليضفوا عليها ـ من الجمال كما يزعمون ـما يطمس عبقها العربي والإسلامي لتُصبح فردوسا آخر غير الذي كان..

اِقرأ المزيد...

المختار السعيدي الشاعر الذي يستنطق أزيز الصمت من خلال لغة القوافـي ـ سعيدة الرغيوي

peintuer-abstraiteعندما ننسلخ عن العالم الطوباوي، ونلتصق بجدار الواقع ونأبى إلا أن نمسك بانفلاتاته وصوره المتنوعة والمتابينة، يكون صوت الشاعر المكبل بقضايا أمته وبمحيطه أقرب إلى استنطاقه بريشة مبدع،وعين مصور فني،وحرف يصدح في سماء الصمت ليقتل ارتباكات الوقت الذي تبدو مرآته في الغالب خادعة كاذبة.

أَزيزُ الصًمْتِ

عندما يستحث الشاعر الصمت على الكلام والبوح ويُدبجُ لوحاته بأبهى الحُلل، وينقش حروفه رغم كل المحن،وينفلت من قبضة الصمت أزيز بحجم الجبال،وينطق شعرا فصيحا يرتحل بين المعري والمتنبي وأبو تمام وصولا إلى بلاغة الواسطي،نشد رحالنا بدورنا للرحيل في عرصات الشعر مع الشاعر المغربي المُختار السعيدي*، من خلال حروفه المضمخة برائحة العشق حينا والصراخ والزئير حينا آخر من خلال ديوانه الشعري" أَزيزُ الصمت"**.

اِقرأ المزيد...

قراءة في المجموعة القصصية القصيرة جداً " فخاخ الكلام " ل " عمر حمّش " ـ وفاء ابريوش

1788772336" فخاخ الكلام " عنوان يصطاد الوعي و اللاوعي لدى القارئ .. فيحثّه على اليقظة و التركيز على هذا النوع من القصة الومضة .. التي تخطف البصر كبرق و تترك له صوت الرّعد لتمطر سماء المعنى مطراً سحّاً غدقا ؛ لينجح الكاتب في عكس الأدوار ففي حين يقع الكاتب تحت مجهر العين القارئة و الناقدة .. في فخاخ الكلام تركَ " عمر حمّش " القارئ في مواجهة مباشرة مع نصوصه في غياب كُلّي لحضور الأنا الكاتبة مقابل الفضاء الفسيح للقضايا الوطنيّة و الإنسانيّة التي تطرّق لها .
هو قبطانٌ خفيّ يتركك للإبحار العميق مشترطاً عدم مرورك بأيّ ميناء إلا مروراً عابراً ،يمنحك فرصة التكهّن و التدقيق و الإعادة .. فسرده عمليّة ذهنيّة عالية المستوى تجعلك تتقافز بين الحين و الآخر على فخاخ الكلام .
في مجموعته القصصيّة تسير على الأرض و في السماء .. مستكشفاً الطعنات الخفيّة و الظاهرة في جسدها الشريف .. متدرّجاً من هموم المثقّف فيها كما في قصة " شاعر " ص9 إلى دور الإعلام الذي شرحه بـ " بيان ".. يشتدّ به الاضطرام حين ينقلك لمأساة المخيّم كأنك تسمع أزيز الحسرة بين جنبات النص .. حلم العودة للأرض المحتلة عام 1948 و التذكير بالمجازر التي قامت عليها ذات يوم .. يروي لك الواقع الغزيّ بفقره و شظف العيش به في نص " الظهيرة " ص38 كما يحكي عن الاغتيالات البشعة في " صباح مشمس" ص43 .. و عذابات الأسرى و انتهاك حياتهم .

اِقرأ المزيد...

الرسالة الكاشفة عن الأسرار : قراءة في فيلم "روك القصبة" ـ نورالدين بوخصيبي

     rock-alkasbahيتبنين المحكي الفيلمي في "روك القصبة" (الشريط المطول الثاني للمخرجة ليلى المراكشي)، من خلال الحضور المتنامي لمجموعة من الدوال التي تحيل إلى بعضها البعض. اخترنا الوقوف هنا عند دال الرسالة لنبرز من خلاله كيف ينكشف السر الخاص بنكاح المحارم في الشريط، و كيف يكون هذا النكاح هو الفضيحة التي يكون من شأن العمل على إخفائها بلورة الخطاب الفيلمي.

  قبل أن تتقدم صوفيا (مرجانة العلوي) لتقرأ رسالة أختها ليلى على أبيها الميت مولاي الحسن (عمر الشريف)، كان الفيلم قد قدم لنا ثلاثة دوال أساسية للرغبة من الضروري استحضارها لنقرأ أو لنفكك من خلالها دال الرسالة. الدال الأول هو شجرة التين التي تتقدم نحوها يد الأب في أول لقطة بالشريط لتقطف تينة يتناولها الأب بينما هو يتقدم نحو داخل البيت ليتفرج على نفسه ميتا. سنعرف فيما بعد أن شجرة التين هذه هي أول شجرة يقوم بغرسها داخل البيت الذي يسميه جنته. شجرة التين إذن هي شجرة الجنة بالنسبة للأب.
 و رغم موت الأب تبقى الشجرة شاهدة على شموخه و لكن أيضا على بذله و كرمه. تبقى شاهدة على خلوده في الزمن.

اِقرأ المزيد...

وظائف الحكي وجمالية اللغة في (قاعة انتظار) للقاص هشام حراك ـ السعيد أخي

    4707958 IMG 0690قاعة انتظار مجموعة قصصية للمبدع القاص هشام حراك ، صادرة عن الرباط نت ، بتاريخ 2012 ، تتكون هذه الأضمومة  من تسع وعشرين قصة ، جاءت في إحدى وخمسين صفحة من الحجم المتوسط.
  من خلال هذا الإصدار أمكن القول إن المكتبة المغربية ازدانت بروائع من الحكي القصصي السردي ، ولم تكن (قاعة انتظار ) وحدها عقد إصدارات هشام حراك ، بل كانت مولودا أخيرا آخى به إصدارين متميزين هما: (السوق اليومي) و( السيلان) ، بالإضافة إلى مسرحيتين لا معتين في جنس المسرح هما : (الانتظار) و( المستنقع ).
  إن الناظر في المجموعة القصصية ( قاعة انتظار) يحس برغبة كبيرة في امتلاك الأدوات النقدية لسبر غور الإبداع القصصي للمبدع الراقي ، حيث حكي عنده يختزن مجموعة من الرؤى الراصدة لواقع ماثل وموجود تتحرك بداخله شخوص تكتوي بلظى الانتظار والمرهونة بالتهميش القسري ، داخل أمكنة وأزمنة تتفاوت من حيث درجة البعد والقرب من تحقيق الآمال البعيدة . هكذا أمكن القول:إن التعامل مع البعد السردي لهشام حراك تقتضيه الضرورة الموضوعية  من خلال مستويات متعددة ، بحيث يمكن رصده سياسيا و اجتماعيا واقتصاديا و إبداعيا.

اِقرأ المزيد...

"ديكتاتـــور" الروايـــة العربيـــة ـ عباس بيضون

dicta111إذا تذكرنا «حفلة التيس» لماريو فارغاس يوما و«خريف» البطريرك لغارسيا ماركيز والسيد الرئيس لفوانتس امكننا أن نلاحظ أن الروايات الثلاث، وبينها اثنتان لحائزي نوبل وثالثة لكاتب لا يقل وزناً عنهما، هي روايات ديكتاتور، وإذا بحثنا عن مقابل لها في أدبنا فإننا لن نجد رغم تسييسنا الذريع والوبائي روايات ديكتاتور كثيرة ولعلنا إذا كنا متطلــبين لن نجــد سوى واحدة هي عالم صدام حسين، الروايــة الــتي تموّه اسم مؤلفــها ولم يعد لها ثانية رغــم ان الروايــة جزء أول وكان يؤمل ان يليه ثانٍ.

نعرف بالطبع أننا لا نعدم في أدبنا روايات سياسية، وأن الزعيم والسياسي حاضران في هذه الروايات، من الحجاج حتى أيامنا هذا نجد الوحشية والتدليس والاعتداء ملازمة لنفر من الحكام، وتنتهي أخبار موثقة في تراثنا بعبارة «فأمر به فقتل». بعض آثار هذه التراث تتحدث عن ألوان من الوحشية نادرة ومختلقة. وبطبيعة الحال فإن الظلم باد فيها ولا ننتظر من القارئ والسامع والعارف تجاه ما ذكره ابن بطوطة من خوزقة الناس وسلخ جلودها وحشيها بعد ذلك قشاً سوى شعور بهذا الظلم، غير ان ما يثير العجب هو أن هذه الأخبار تروى عادة بلا تعليق، فحق الملك أو الرئيس في أن يظلم ويعنف ليس بحد ذاته موضع سؤال. قد يُستفظغ الأمر لكن لا يُجادل في حق الخليفة أو الملك. العدل شرط لكن قلما يوضع كحد ورادع وقلما يحاسب الملك او الخليفة عليه، من الواضح أن لعبة القوة غير محدودة وأن حق القوة أيضا غير محدود، لذا نخرج من مطالعة التواريخ العربية بشعور أن الحكم يعادل القتل والقوة تعادل العسف والرضى بالحكم والسياسة والدولة رضا بذلك كله. حياد التواريخ هذه تجاه العسف والظلم لا يمكن تفسيره الا بأن الكاتب او المراقب لا يرى في الحكم سوى لعبة القوة والعنف، ولا يأخذهما عليه ولا يجادل في حقه فيهما. فالتسليم بهذا الحق يجعل المؤرخ يتسقّط أخبار القتل والتدمير بدون أن يرى في ذلك سوى «طبيعة جارية» وبدون أن يتساءل عما خلف ذلك وما يفسّره، أي ان عسف الحاكم وجنونه ليسا ســوى «واقــع» بحت لا يخفي سراً ولا يحتاج إلى تحقيق وتحر شأن الأمــور الطبيــعية الواقعية التي هي من قبيل الحيـاة الــسيّارة الدارجة ولا تحتاج إلى تعليق.

اِقرأ المزيد...