الثلاثاء 02 أيلول

أنت هنا: الصفحة الرئيسية فلسفة وتربية علوم التربية جون ديوي ..رائد التعلم بالخبرة ـ ذ. حميد بن خيبش

علوم التربية

جون ديوي ..رائد التعلم بالخبرة ـ ذ. حميد بن خيبش

интересные фильмы в хорошем качестве онлайн
Joomla скачать
ANFASSE

تكاد لا تخلو منظومة تربوية من أثر لآراء جون ديوي و تعاليمه , فهذا الأمريكي القادم من فرمونت أعاد للفلسفة نضارتها , وأرجعها إلى أصلها الطيب باعتبارها محبة للحكمة . و ذلك حين اشترط أن يدور فعل التفلسف حول التربية من جهة كونها تاج الاهتمامات الانسانية ! وميز من خلال هذا الموقف بين نوعين من الفلسفة : نوع متصل بالحياة , يستمد منها شرعيته ووظيفته , وهو التربية , و نوع منعزل عن الحياة و تمثله الفلسفة اللفظية (1).
في كتابه " عقيدتي الفلسفية" يلخص ديوي مرتكزات نظريته التربوية  كما يلي : 1- التربية سمة بشرية بفضلها تتوارث الاجيال ما حصلته الانسانية من حضارة 2- الفعل التربوي  فعل لا شعوري يتحقق من خلال محاكاة الفرد لمجتمعه 3- ينبغي أن تكون التربية الحديثة ثمرة علمين هما : علم النفس و علم الاجتماع , فالأول يُجلي     نفسية الطفل , و الثاني يحدد مطالب المجتمع ! وبذلك يكون ديوي سباقا إلى التعبير عن روح التربية الحديثة في دعوتها إلى تبني التجريب العلمي , والقطع مع مباديء التربية التقليدية التي لم تفلح سوى في " قتل روح الابتكار لدى التلاميذ و تحولهم الى نوع سيء من المواطنين , ذلك النوع الذي لا يصلح إلا لكي يؤمر فيطاع , أو توضع له الخطط فينفذ , لأنه يعيش وهويفكر على فتات أفكار الآخرين .." (2)
وحتى تحدث النقلة النوعية المطلوبة على نحو عملي , أنشأ ديوي في فترة رئاسته لقسم الفلسفة بجامعة شيكاغو , مدرسة أولية للتعليم تخالف, من حيث المنهج و المقررات الدراسية , ما هو سائد , وسميت "المدرسة المعملية " لأنها لم تقتصر على تدريس الفلسفة و التربية و علم النفس بل أُلحقت بها معامل لعلوم الطبيعة و الكمياء . كما حرص على إنشاء حلقة من طلاب الدراسات العليا تتردد فيها آراؤه و مبادئه , وتواكب التغيير المذهل الذي هز كثيرا من الثوابت في المجتمع الامريكي آنذاك . بنى ديوي عقيدته التربوية , بل حتى الفلسفية , على مفهوم الخبرة , وهو مرتكز جوهري في مجمل نتاجاته ,و يقصد به ديوي عملية التفاعل بين ذات المتعلم و بين العوامل المحيطة به في بيئته سواء المادية منها أو الاجتماعية (3)  فيكتسب من خلال هذا التفاعل أساليب التفكير و المثل و العادات . و بالتالي فالتربية هي " ذلك التكوين أو التنظيم الجديد الذي يزيد في معناها -أي الخبرة- و في المقدرة على توجيه مجرى الخبرة التالية " (4)  بمعنى أن التربية مع ديوي تتولد من خلال الاحتكاك الدائم مع المحيط عن طريق سلسلة من الاختبارات مما يمكنه من تنمية معارفه ومهاراته و اتجاهاته , و بالتالي تحقيق التكامل في شخصيته .
و يؤكد ديوي على الصلة الوثيقة بين الخبرة و التجريب , فالتعلم في نظره ما هو إلا ثمرة التجريب المستمر الذي يمكن الطفل من التعاطي الايجابي مع المواقف العملية التي تعدل من سلوكه و أفكاره . كما يشير إلى أن للخبرة جانبين : أحدهما هو التجربة ذاتها و الثاني هو الأثر الناجم عن هذه التجربة .
ولكي تكون الخبرة مفيدة و ذات مدلول تربوي ينبغي أن تقود إلى مزيد من الخبرات مما يضمن استمرارية عملية التعلم وهو ما يتطلب مراعاة الخطوات التالية في كل موقف تعليمي : 1- أن يشعر المتعلم أنه يواجه مشكلة جديدة في الموقف التعليمي 2- أن يبادر إلى تحديد المشكل و تعرف ابعاده مما قد يولد لديه إحساسا مبدئيا بالحل 3- أن يستحضر الخبرات السابقة و المعلومات التي تمكنه من صوغ الفرضية من جديد 4- أن يضع فرضياته موضع الاختبار فيقبل ما أثبتته التجربة و يرفض ما سواه .
و بالرغم من التاثير الهائل الذي أحدثته فلسفة الخبرة في الفكر التربوي المعاصر إلا أن هناك عددا من المؤاخذات التي سُجلت حولها أهمها تلك المتعلقة بخصوصية الفكر الامريكي الذي يعتبره د.سعيد اسماعيل علي  نسيجا من الخامات المستوردة ! فقد وُلدت النزعة الفلسفية البراغماتية في أمريكا منذ أواخر ق19 من خلال تفاعل قوي بين الافكار التي حملها المهاجرون الأوربيون و سمات البيئة الجديدة  التي نشأوا فيها , و أهم هذه السمات أن البيئة الامريكية تؤمن بالنجاح الفردي و الإرادة الحرة و المغامرة ,  فلا مجال فيها للألقاب أو الأنساب أو روح الجبر المعطلة للإرادة . لكنها في الآن نفسه بيئة تفتقد لرصيد تراثي و حضاري تستمد منه مقوماتها و ملامحها. فكان البديل هو الاندفاع إلى الأمام , و التقليل من جدوى الماضي في البناء الحضاري .
ولهذا يُصرح ديوي دون مواربة في كثير من مؤلفاته أنه ليس للتاريخ قيمة تربوية إلا بمقدار ما يعرض من أوجه الحياة الاجتماعية , وأن التخلص في الفكر و العمل من تراث الماضي الغامض - خاصة الاديان التي يعتبرها  ميراثا ثقيلا من الطقوس الغيبية -  شرط أساس في التربية الحديثة !. وهذا الموقف يفسر لنا رفض ديوي تضمين المنهاج الدراسي مواد تعليمية تقع خارج خبرات الطلاب .
إن النجاح الذي لقيته تعاليم جون ديوي في أمريكا لا يعني بتاتا التسليم بعالميتها  ,لأن في ذلك رفضا وطرحا للحقائق التي لا يمكن إخضاعها للتجريب وفي مقدمتها الحقائق الغيبية .كما أن دعوة ديوي إلى اعتماد التجريب في التربية , و إخضاع مجالات الفكر الانساني للمنهج العلمي يُلغي خصائص النفس الانسانية التي لا يمكن بأي حال أن تُعامل كقطعة فحم أو حجر! 
و لايخلو حديث ديوي عن الخبرة كمفهوم مركزي في عقيدته التربوية من غموض يعزوه بعض الباحثين (5) إلى رفض ديوي التسليم بوجود حقائق ثابتة . فهو يرفض في كتابه " الديموقراطية و التربية" أن تتولى هذه الأخيرة حراسة التراث و القيم , أو الإعداد للمستقبل , بل يريدها سلسلة متصلة من الخبرات . فالخبرة عنده وسيلة و غاية في الآن نفسه ! وهنا لا تلبث أن تستفزنا المفارقة اللاذعة بين موقفه الرافض لفعل التفلسف المنعزل عن الحياة و الواقع ,ودعوته الصريحة إلى عزل الطفل عن قيمه و تراثه و عقيدته ليُلقى به في أحضان الخبرة ! يقول د. سعيد اسماعيل علي " هل معنى أن التربية ينبغي أن تأخذ مادتها من الخبرة الحاضرة  أن نتجاهل الماضي ؟ كلا , ولقد وقعت يعض المدارس التقدمية في هذا الخطأ,  و خُيل إليهم أن فصل الحاضر عن الماضي أمر ممكن . إن تراث الماضي يُمدنا بوسيلة ناجحة حتى نستطيع فهم الحاضر " و يضيف " إن أهداف التعليم توجد في المستقبل , وإن مواده المباشرة توجد في الخبرة الحاضرة , هذا القول يكون مبدأ سليما إذا مددنا الخبرة الحاضرة ووصلناها بالماضي " (6)                    
لقد أحدث جون ديوي انقلابا جوهريا في حقل التربية , وقد يبدو الأمر طبيعيا – هناك-  في ظل عالم يتغير بسرعة مذهلة, ويواجه تدفقا معرفيا و تكنولوجيا هائلا ..لكنه – هنا- حرك سبات المشهد التربوي , و أتاح للنظم التعليمية العربية إطارا فلسفيا وتربويا يمكنها من الفكاك من الجبرية المقيتة , ويعيد للعقل الفردي اعتباره و للارادة الحرة مكانتها .
و إذا كنا نعيب على ديوي إيمانه المطلق بالعقل و العلم و ربطه للخبرات بالحياة الدنيا ..فبإمكاننا تكييف مقولاته مع المعطى الديني/ الحضاري  لتكون الخبرة قيمة مضافة تحقق سعادة الدارين !

ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : جون ديوي . د.أحمد فؤاد الأهواني . دار المعارف .ط 3  / 1978 . ص41
(2) : د.سعيد اسماعيل علي . فلسفات تربوية معاصرة .عالم المعرفة. عدد 198 / يونيو1995  .ص 94
(3) : د. عبد الرحمن صالح عبدالله. المنهاج الدراسي ..أسسه و صلته بالنظرية التربوية الاسلامية.مركز الملك فيصل للبحوث و الدراسات               ط 1 1986  . ص 17 
(4) : جون ديوي. الديموقراطية و التربية .ترجمة متى عقراوي و زكريا ميخائيل .لجنة التأليف القاهرة.ط 2 / 1954. ص 79
(5) : د.عبد الرحمن صالح عبد الله . مرجع سابق .ص 22- 23    
(6) : د.سعيد اسماعيل علي . مرجع سابق .ص 89

التعليقات  

 
0 # لبنانمجرد تعليق 2011-07-16 12:27
ذكي هو من يتعلم من تجاربه والأذكى من يتعلّم من تجارب الغير
ان نجاح التجربة الأميركية في بلوغ مركز الصدارة دليل على نجاح التجربة التربوية
وهذا الصوت الأميركي المدوي مدين لـ ديوي الذي آمن بالتربية القائمة على التجربة بعيدا عن المحمولات اللا عقلانية المتوارثة
إلام سنبقى غائبين عن ضوءالتجربة في غياهب الغيبيات؟!
رد | تقرير إلى المدير
 

أضف تعليقا

يرجى ان يكون التعليق ذا علاقة بالموضوع دون الخروج عن إطار اللياقة، سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض لشخص الكاتب.
نتمنى ان تعمل التعليقات على إثراء الموضوع بالإضافة أو بالنقد ....

كود امني
تحديث