"ثورة الأمل. نحو تكنولوجيا مؤنسنة" لإريك فروم ـ د. حميد لشهب

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

erich-frommألف إيريك فروم "ثورة الأمل. نحو تكنولوجيا مؤنسنة" عام 1968، و أعيد طبعة في المجلد الرابع من أعماله الكاملة: "النظرية الإجتماعية"، سنة 1989 بمدينة ميونيخ الألمانية؛ إلى جانب أحد أهم كتبه الأخرى: "سبل الخروج من مجتمع مريض" (1955). و الكتاب هو رد فعل منه على وضع أمريكا عام 1968، اقتناعا منه بأن الإنسانية توجد في مفترق الطرق: الأول يقود إلى مجتمع آلي تقني، يكون فيه الإنسان جزء من آلة و يكون القضاء عليه وارد و واقعي. أما الثاني فيتتوق إلى بعث النزعة الإنسانية والأمل في الحياة، بوعي كون التقنية لابد أن تكون في خدمة رفاهية الإنسان و ليس العكس. و هدف الكتاب هو التنبيه إلى المنعطف الخطير الذي تمشي الإنسانية فيه و ضرورة الفعل في المجتمعات الإنسانية، و بالخصوص المصنعة منها، من أجل إيجاد بدائل تقوم على العقل و حب الحياة، عوض اللاوع و اللامعقول حيث يسبح العالم الحالي، المليئ بالكراهية و الإقصاء و التدمير. و الكتاب موجه لجمهور عريض بغض النظر عن المواقف السياسية المختلفة لهذا الجمهور و انتماءاته العقائدية و الثقافية و الجغرافية، من أجل تحقيق حدا أدنى من الكرامة الإنسانية للجميع و العيش معا في سلام.


ينبه فروم إلى أن المجتمع الصناعي الحالي خاضع للإنتاج و الإستهلاك بطريقة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية و بأن الإنسان لم يعد له أي دور يذكر باستثناء اعتباره جزء من تلك الآلة الصناعية الضخمة. و عاقبة كل هذا هو كون الحرية كقيمة أخلاقية و مثال سامي، تتراجع باستمرار في هذه المجتمعات، ذلك أن المرء طور طرقا شتى و معقدة للتحكم في الإنسان و توجيه، ليس فقط في رغباته، بل في طريقة تفكيره. و الطامة الكبرى هو أن هذا النظام الذي يتطور بسرعة، لم يجد جامحا له و تصعب مراقبته، و بهذا تنزلق الإنسانية إلى نوع جديد من الديكتاتورية، يمكن تسميتها ديكتاتورية الآلة. إن في هذا تنبأ بزوال، بل اختفاء الديمقراطية كما نظرت لها الثورات الغربية في عصر الأنوار و تطورت إلى أن أصبحت من أهم بنود منظومة حقوق الإنسان. تَمَّ إذن حسب فروم، تعويض هذا الإرث الثقافي و السياسي إلى بيروقراطية، تطحن كل ما يعترض سبيلها، مستعملة في ذلك طرقا و مناهج تتحكم بها في وعي و لاوعي البشر. و بما أن التركبة النفسية و الوجودية للبشر جد معقدة و من الصعب بكثير التحكم فيها مطلقا بآلات و بأدوات علم نفس "تقني"، فإن أغلبية البشر يحسون بأن هناك شيئ ليس على ما يرام، و بأن هذا التطور الهائل للتقنية لا يتماشى مع الطبيعة الإنسانية. و ما يُلاحظ عند الأفراد و الجماعات هو هذا النوع المقلق من عدم الرضى و السأم و ضياع الشخصية. فإنسان المجتمعات المصنعة، الذي يملك كل ما يحتاجه و الغني باكتفاء مادي شامل، قد اكتشف بأن فردوس المستهلك لا يوفر له الرضى الموعود. و النتيجة هي أن الأيديولوجيات والمفاهيم فقدت الكثير من جاذبيتها، و لم يبق للكليشيهات التقليدية كالـ "يسار" والـ "يمين" أو "شيوعية" و "رأسمالية" أي معنى. هناك بحث مستمر عن اتجاه جديد، عن فلسفة جديدة، تهتم بأولوية الحاجات المادية والروحية و الفكرية للإنسان لا بالموت عن طريق التقنية، و بالخصوص في أكبر خطر لها، المتمثل في القنبلة الذرية و الهيدرولوجية. هناك إذن أمل لتصحيح مسار الإنسان في نظر فروم، لكنه أمل من الضروري وعيه، لكي لا يسقط المرء في خيبة الأمل.

 الأمل عند فروم ليس هو أمنية لتحقيق الرغبات، كيفما كان نوعها، بل هو لحظة يستولي فيها الوعي اليقظ الكامل على المرء ليتحرر من السأم، أي أنه شرط الثورة. إنه ليس انتظارا سلبيا و تقوقعا على الذات في انتظار أن تتغير الأمور بمحض إرادتها. و لهذا الإنتظار علاقة وثيقة بالزمن، و بالخصوص بالمستقبل. فالمنتظر السلبي لا يفترض حدوث ما ينتظره الآن، بل فيما بعد. يصبح المستقبل بهذه الطريقة وثنا يعبد و يقدس، بدأ مع الثورة الفرنسية عند روبسبيير مثلا، الذي كان يقدس المستقبل في اعتقاده بأن الأجيال القادمة قادرة على تحقيق مستقبل أفضل. لكن هذا النوع من الأمل في عرف فروم هو نوع من الإستيلاب للإنسان، لأنه يحرمه من كل قدراته و يوكل تحقيق أمله إلى المستقبل و إلى أناس آخرين. في مقابل هذا هناك أمل المخلصّين أو الثوار المزيفين، الذين يبهرون و يؤثرون في الآخرين بهذا النوع من الشجاعة الزائدة عن حدها، و هي شجاعة تخفي في العمق يأسهم و عجزهم، و في أحيان كثيرة هي تعبير عن كراهيتهم للحياة. من هذا المنطلق، يؤكد فروم بأن ضعاف الأمل إما أنهم يركنون إلى الراحة و إما يلتجؤون إلى العنف.
يقول فروم: "إن فعل أَمَلَ هو حالة وجودية. إنها حيوية داخلية، حيوية الفعالية الشديدة الموجودة بالقوة". لكنه ينبه بأن مفهوم "الفعالية" هو من أكثر الأوهام الإنسانية انتشارا في المجتمع الصناعي الحديث، لأنه يعني بقاء الإنسان نشيطا على الدوام، حتى في أوقات فراغه. و المشكل الذي يراه فروم هنا هو أن نمط الحياة الصناعية يستغل هذا المفهوم لتكبيل الإنسان، بفرض مثيرات لا حصر لها لا يكون في وسع الإنسان إلا الإستجابة لها، و لا تتاح له الفرصة للتفكير في جدواها. و يتمظهر هذا بالخصوص في صناعة الوقت الثالث، لأنه الوقت الذي يمثل خطرا على المنطق الصناعي، لأنه كان يتيح للبشر فيما مضى التفكير في أوضاعهم فرادى و جماعات و العمل على محاولة تغييرها.

 

للأمل علاقة وثيقة بالإيمان عند فروم. و لا يتعلق الأمر هنا بالإعتقاد الأعمى في شيئ أو في شخص، بل يتأسس على معرفة جيدة للواقع، و تكون هذه المعرفة مؤسسة على التحليل العقلي و على الوعي التام بظروف الواقع المفكر به في كل جوانبه. هدفه ليس المستقبل، بل الحاضر الآني. و الإيمان ليس يقينا لا رجعة فيه لما هو مفارق و غير مؤكد، أي بما يمكن تسميته عالم أو وضع قد يوجد أو قد لا يوجد: "المقصود هو اليقين في حدود الإدراك والرؤية الإنسانيين لا اليقين في حدود نهاية حقيقية الواقع". و يميز فروم في هذا الإطار بين الإيمان العقلي والإيمان اللامعقلي. الأول هو نتيجة ديناميكية داخلية لفكرنا وعواطفنا، أما الثاني فهو خضوع لشيء مُعَيَّن، يُقبل كأنه حقيقي، دون التحقق من ذلك. للإيمان العقلي علاقة وثيقة بالشجاعة الفكرية، أو كما سماها سبينوزا "قوة الروح/الفكر". و بهذا فإن الشجاعة الفكرية و قوة الفكر هي القدرة على مقاومة إغراء المخاطرة بالأمل وبالإيمان العقلي، عندما يتحولا إلى تفاؤل فارغ أو إلى إيمان لاعقلي. و الشجاعة الفكرية هذه، هي التي تقود إلى البعث، ليس في المفهوم الثيولوجي، لكن في معنى "الصحوة" و الإستيقاظ هنا و الآن، وعيا بأن طبيعة أوضاع الحياة هي التغير المستمر، و ليس ربط الواقع بأوتاد عميقة في وضع أو زمن محدد، بل تركه يمشي مع الحياة و في الحياة، لأن هذا المشي المستمر هو قَدَرُ المجتمعات و هو الذي يسمح لها بالبعث المتجدد في كل لحظة. إن هذا البعث الجديد هو الأمل المخلّص في نظر فروم. و يؤول اللغة النبوية كَلُغَة خيار وحرية، و لا يعتبرها لغة الحتمية النهائية، سواء أكانت إيجابية أو سلبية. و لا يوجد هذا الأمل المخلّص في الأديان فقط، بل و كذا في الفكر الوضعي كالفكر الإشتراكي المبكر عند ماركس و عند الإشتراكيين الإنسانيين بعده، وبالأخص في يوغوسلافيا وبولونيا وتشيكوسلوفاكيا وهنغاريا.

 ما يميز المجتمع الصناعي في شكله الحالي في نظر فرزم هو "انهيار الأمل"، الناتج عن خيبة الأمل في ما كان يتمناه المرء من قيام مجتمع مغاير لسابقيه. و المشكل هو أن إنسان المجتمعات الصناعية لا يعي بما فيه الكفاية انهيار هذا الأمل، لأن استراتيجيات بعينها تحرمه من ذلك، بل توهمه بأن حاله الراهن أحسن بكثير مما كان عليه، و تُقحمه في عقلية قطيع تكبت وعي الواقع بما فيه الكفاية لتمر إلى البعث. و النتيجة هي ظهور سلوكات فردية و مجتمعية، يتمظهر فيها بما فيه الكفاية فقدان الأمل هذا، يكون هدما للذات بطرق مختلفة أو تطوير نزعة تدميرية عنيفة اتجاه الآخرين و اتجاه الحياة: "يريد أن يثأر لنفسه من حياة لم يعشها ولن يبالي بهدم حياة الآخرين أو بتحطيم نفسه".

يتسائل فروم في نقطة أخرى من كتابه هذا عن الحالة التي وصلت إليها البشرية و عن الإتجاه الذي يقود إليه الطريق الذي اختاره المرء لها، مؤكدا بأن هذا التطور يقود حتما إلى تجريد الإنسانية من إنسانيتها و إلى الإكتساح الشامل للتكنولوجيا لكل مجالات الحياة و ما ينتج عن ذلك من نتائج على عموم البشرية. فاليقين، كحاجة نفسية ملحة للإنسان، و الذي كان بالأمس القريب موضوع الأديان، بل كانت تقدم يقينا نهائيا لأتباعها، قد عوض باليقين و الإيمان في قدرات التكنولوجيا. و بهذا أصبحت هذه الأخيرة وثنا من أوثان البشرية الجديدة، يُعتقد بأنها قادرة على تحقيق كل شيئ، و تعد "بجنة" تعوض "الفردوس" الموعود للديانات. و السؤال الجوهري الذي يطرحه فروم في هذا الإطار هو: ما معنى أن يكون الإنسان إنسانيا؟ و بالنظر إلى طبيعة الإنسان الجسدية و النفسية و الإجتماعية و الحاجات المتعلقة بهذه الطبيعة، سواء أكانت عضوية بيولوجية أو نفسية، روحية و فكرية، فإن الإنسان لا يحقق إنسانية إلا باجتماع شروط ضرورية معينة. و أهم شرط لهذا في نظر فروم هو إعادة النظر، بل رفض، التمثل الحالي للتكنولوجيا و ما ينتج عنه من أوهام تعوق دون استعمال الإنسان لقدراته العقلية. بكلمة مختصرة، يدعو فروم إلى إرجاع التكنولوجيا إلى حدودها الطبيعية كخادمة للإنسان و ليس العكس، و إلى الضرورة الملحة في وعي الكارثة الأيكولوجية التي ستنتج إذا ما استمر المرء في تطوير التكنولوجيا بهذه الوتيرة. إن الرفاهية التي يتصور الإنسان أن التيكنولوجيا ستحققها له هي، طبقا لفروم، أكبر خطر عليه، لأن تمثلها كأداة لتحقيق كل رغباته دون عناء، تقوده إلى وضع خمول و تجعل منه رضيعا يكون ثدي الأم هو شغله الشاغل. و هذا عكس الطبيعة الإنسانية، التي لا تحقق ذاتها إلا بالنشاط و الحيوية و التي لا تقتصر الرفاهية عندها في أشياء مادية، بل تكون مصحوبة برفاهية الفكر و الأحاسيس و الإنعتاق من كل التبعيات للأشخاص و المؤسسات و الأشياء. إذن، فإن رفاهية الإنسان تكمن أولا و قبل كل شيئ في الإبقاء على نار الثورة مشتعلة في حياته و استعداده للبعث في كل لحظة.

كان هذا باختصار شديد عرض لأهم ما جاء في هذا الكتاب القيم لفروم. إن ثورة الأمل التي يدعو لها هي ثورة واقعية و ضرورية، أهم شرط لها هي وعي البشر بأن الطريق الذي تفرضه العقلية التكنولوجية غير صحيح، بل يمثل خطرا على مصير البشرية على مستويات عدة، من أهمها و أعمقها هي استيلاب الإنسان و سلبه كل مقوماته الإنسانية، ليبقى خادما طيعا لاختيارات فئة معينة، تطوعه و تتحكم فيه كما يريد بميكانيزمات لا حصر لها، موهمة إياه بأن همها الأساسي هو رفاهيته و تخفيف ظروف العيش عليه. تبيع له الوهم كحقيقة و العبودية كحرية.

 

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟