ملامح القراءة الدولوزية لفلسفة نيتشه ـ اسماعيل فائز

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

اسماعيل فائزمدخل عام :
قد لا نبالغ إن اعتبرنا الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه واحدا من أهرامات الفكر الفلسفي برمته. إذ استطاع أن يحدث ثورة في تاريخ الفلسفة، متوجها بنقده إلى مقولاتها ومفاهيمها وحقائقها، حيث كانت وسيلته إلى ذلك مطرقته، التي ترافقه أينما حل وارتحل، فوجهها صوب الميتافيزيقيا عامة والأفلاطونية خاصة. منطلقا من التشكيك في بداهاتها ومقولاتها، مفككا بنيتها، رافضا ثنائياتها، كاشفا وجهها التنميطي، معلنا ازدراءه لها، كونها تزييف وتشويه للحياة.                 
كان نيتشه، إذن، السباق إلى افتتاح أوراش كبرى، في مجال الفلسفة، ورش مجاوزة الميتافيزيقا. وهكذا توجه إلى قلب القيم، وإعادة النظر في أصولها وأسسها، وطرح قيمتها للنقاش. فوجدت الأخلاق نفسها أمام فيلسوف لا يتقن لعبة النفاق والتملق. بل أمام فيلسوف يجيد لعبة القاضي. فتراه يصب غضب نقده وتساؤلاته العميقة، حول الحقيقة، مشككا في أكثر العقائد رسوخا، موظفا في ذلك منهجه الجينيالوجي الرامي إلى كشف أصول كل ما نعتقد أن أصله سام وراق، والتساؤل بعد ذلك عن قيمته.
ولم يكن نيتشه يهدم فقط ، بل كان يبني أيضا ولكنه " كان يبني بعنف" كما أخبرنا بذلك أندريه جيد . لم تكن، إذن، رغبة الهدم هي التي تستبد بنيتشه فحسب، بل كانت حاضرة إلى جانب ذلك رغبة أعمق وأكثر جرأة ونبلا. إنها السعي إلى نشر أخلاق القوة والعطاء، وقيم اللعب والضحك، والفرح، والرقص على نغمات موسيقى فاغنر الشاب. فليس نيتشه فيلسوف المطرقة فحسب، وبعبارة أخرى إنه فيلسوف نلمس لديه روح الإبداع. إنها روح الشاعر والفنان، والعبقري بتعبير شوبنهاور.

عبقرية نيتشه تتجلى أيضا في موهبته الرائعة والمدهشة، والتي بفضلها يستطيع اختراق مكنونات الإنسان، والتعبير عنها في أسلوب شاعري قل نظيره. محدثا بذلك ثورة في الأسلوب الفلسفي، ومخرجا إياه من جفافه وصلابته، إلى الرهافة والشاعرية. فحطم بذلك الجدار الفاصل بين الأدب والفلسفة، وبين العاطفة والعقل ، موحدا وجامعا بينهما. فأنتج لنا ذلك كتاب "هكذا تكلم زرادشت"، الذي قال عنه أحد المفكرين الغربيين إنه " الإنجيل الخامس".
وبالرغم من كل ذلك، فإن نيتشه أثناء حياته، كان وحيدا، بل الأمر من ذلك أنه كان محروما في وقت معين من لقب "الفيلسوف". ولكن الحصار والرفض الذي يقابل به عادة كل مجدد وثائر على التقاليد والمعارف عليه. إن النبذ والإقصاء لم يستطع أن يصمد أمام قوة الفكر النيتشوي، لينفجر بذلك الديناميت النيتشوي، في القرن العشرين، والنصف الثاني منه خاصة، على يد مجموعة من الفلاسفة الفرنسيين، الذين نفضوا عن المؤلفات النيتشوية الغبار، فأعادوا لها الحياة، فكان لهم الفضل في إعادة الروح إلى الفلسفة النيتشوية، بقراءتها وتأويلها وتقديمها، وكان لنيتشه أيضا الفضل في فتح آفاق جديدة وعوالم أخرى لتفكيرهم، فاغتنت الفلسفة الفرنسية المعاصرة بنيتشه وهايدغر، صحبة العديد من الفلاسفة.
كل ذلك دفعنا إلى أن نحاول اكتشاف حضور نيتشه في الفلسفة الفرنسية، وأن نستجلي تأثيره عليها، وأن نتتبع أطيافه. فكيف أثر نيتشه في الفلسفة الفرنسية ؟ هل بجهازه المفاهيمي أم بآلياته الاختراقية، أم باستراتيجيته الجينيالوجية؟ هل يحضر كناقد للميتافيزيقا ومتجاوزا لها؟ أم يظهر أكثر كمحطم لأصنام طالما ظلت في برج عاجي، تنظر إليها العامة والخاصة، كتماثيل تستحق أن نؤلهها ؟ أم إن نيتشه كان ذلك الفيلسوف الذي طرح موضوعات جديدة، وأثار إشكالات لا عهد للفلسفة بها، وبأساليب كانت تحسب داخل دائرة الشعر والأدب؟ وأخيرا كيف أفاد هؤلاء العمالقة؟ هل بتصوراته، أم بأسلوبه؟ أم بروحه المتمردة الجريئة، ونزعته التحطيمية؟. كيف يحضر ظل هذا الفيلسوف في مسار الفلسفة الفرنسية؟.
إن ما نطمح للقيام به هو أن نفتح حوارا - ولو خياليا - وديا، تسوده روح الصداقة والمحبة ، بين عمالقة الفلسفة الفرنسية، وبين هرم الفلسفة الألمانية نيتشه، نحاول من خلاله أن نصغي ونتأمل نقاشهم وأحاديثهم، حديث أرواح الفلسفات، إن صح التعبير. تحذونا الرغبة في أن نكتشف السر النيتشوي الكامن لدى هؤلاء العمالقة، و إذا كنا قد ركزنا في مقال سابق على محاولة استجلاء  التأثير النيتشوي في فكر فوكو ( أضواء حول صدى نيتشه في فكر فوكو) فإننا سنحاول الآن إلقاء بعض الضوء حول القراءة الدولوزية لفلسفة نيتشه، لنرسم أهم ملامحها.

1 -  صورة نيتشه لدى دولوز
برز الفيلسوف الفرنسي "جيل دولوز" Gilles Deleuze، أواسط القرن العشرين كمفكر ذو أهمية كبرى، انكب على دراسة وتأويل وتقديم فلاسفة كبار، ككانط وهيوم وبرغسون واسبينوزا وفوكو ونيتشه وآخرين. لقد كان يقدم هؤلاء الفلاسفة في حلل جديدة تبرز دقة نظره وقدرته على النفاذ إلى عمق فلسفاتهم. فبدأ مشواره كمؤرخ للفلسفة، بيد أن تأريخه ذلك لم يكن تسجيلا أو استظهارا حرفيا للفلسفات، بل كان تفسيرا وتأويلا يقدم فيه مقاربات جديدة وفريدة. وواصل مسيرته في كتبه الرئيسية "التكرار واختلاف" و"منطق المعنى " و"أوديب مضادا" بالاشتراك مع زميله غتاري Flix Guettari، إضافة إلى عملهما المشترك أيضا، وهو مؤلف "ما هي الفلسفة" (ومؤلفات ومقالات عدة). هذا الأخير، الذي ينيط بالفلسفة مهمة فريدة ومتفردة، ألا وهي "إبداع ونحت المفاهيم"، التي ستمكن الفكر الفلسفي من أن يحيا مطولا، مادام خزان المفاهيم لا ينفذ.
سبق أن تمت الإشارة أن دولوز قدم دراسة مطولة عن "فيلسوف المطرقة". ولذلك يدفعنا الفضول إلى محاولة استكشاف نيتشه رفقة دولوز. فكيف يقدم هذا الأخير "فيلسوف الأعماق"؟ بأي شكل يحضر لديه؟، هل كناقد للميتافيزيقا، أم كفيلسوف القيم، أم هو القائل بالعود الأبدي والإنسان الأسمى؟ أم هو كل ذلك ؟ وبعبارة أخرى ما هي القسمات الكبرى للوحة التي يرسمها دولوز لفيلسوف المطرقة؟
            أ- نيتشه ناقد القيم والعدمية :
يستهل دولوز كتابه "نيتشه والفلسفة"، بالتأكيد على أن الإسهام الأكبر لنيتشه في المجال الفلسفي كان هو إدخاله لمقولتي "المعنى" و"القيمة"، إلى الفلسفة، وقد يخطر ببالنا أن الفلسفة قبل نيتشه كانت تفكر في القيم، بل إن هذه الأخيرة تعتبر مبحثا من مباحثها الثلاثة، حسب التقسيم الكلاسيكي للفلسفة (مبحث الوجود ، مبحث المعرفة ، مبحث القيم). وإذ ذاك سيوقفنا دولوز ليؤكد لنا أن ما يقصده، هو كون فيلسوف المطرقة، أول من تساءل عن قيمة القيم. إنه السباق إلى طرح مسألة القيم للنقاش، على نحو وبطرق مختلفة ومتفردة.
وفي كتابه "جينيالوجيا الأخلاق"، يؤكد نيتشه هذا الأمر، وفي هذا الصدد يصرح بأننا "في حاجة إلى نقد القيم الأخلاقية، يجب أن نصل إلى وضع قيمة هذه القيم موضع تساؤل، هنا تنقصنا معرفة شروط وظروف ظهورها وتطورها وتغيرها"[1].   وهذه هي الجينيالوجيا النيتشوية، التي يشرحها دولوز على أنها بحث في "قيمة الأصل وأصل القيم في الوقت ذاته"[2].
تتيح لنا هذه الجينيالوجيا[3] الوقوف على "كواليس صنع القيم"- إن صح التعبير- التي يوضح لنا دولوز أنها غير منفصلة عن لعبة صراع القوى والإرادات والتأويلات.
فهدف الجينيالوجيا هو ضرب الأساس الميتافيزيقي للقيم، بإثبات خلوها من معنى في ذاتها، وبأننا نحن من يضفي عليها هذا المعنى و هاته القيمة.

ب - نيتشه عدو أخلاق العبيد:
وفي الكتاب السالف الذكر لنيتشه[4] يؤكد أن التاريخ تجسيد لصراع تقييمين أخلاقيين متباينين هما: أخلاق السادة بكل ما تتميز به من اندفاع وقوة وتلقائية وغريزية، وتقدير للجسد وإعلاء من شأن الحياة ومظاهر الجمال فيها. و بالمقابل أخلاق العبيد، بكل ما تتسم به من ارتداد وضعف وخنوع، وحط من قيمة الجسد والحياة. وتمجيد حياة الزهد والضعف، التي يرى نيتشه أن ما يكمن وراءها هو الحقد والنفاق والجبن.
يؤكد دولوز أن نيتشه يوجه سهام نقده اللاذع نحو قيم العبد أو الإنسان الخنوع، لكونه قد اكتشف أن ما يحرك تلك القيم هي "قوى ارتكاسية"، هاته الأخيرة، التي يعسر تمييزها عن مقابلها، أي "القوى الفاعلة" (خصص دولوز حيزا كبيرا من كتابه "نيتشه والفلسفة" لتحليل مفهوم القوى لدى نيتشه، وتوصيف القوى الفاعلة و الارتكاسية، خاصة في الفصل الثاني)، إلا أنه يمكن القول إن الأولى تتصف بكونها تقوم على رد الفعل أي أنها استجابة أكثر منها فعل. وحتى انتصار هاته القوى فهو لا يتم لكونها أقوى وأكثر فعلا، بل إن قوتها –كما يؤكد دولوز- تكمن في ضعف الآخر، ويتم لها ذلك بفصل القوى الفاعلة عن قوتها، وعلى خلاف ذلك تتميز القوى الفاعلة بالاندفاع والمرونة والفعل. وباختصار يمكن القول إن منطق القوى الارتكاسية هو الدفاع، في حين تعمل القوى الفاعلة بمنطق هجومي.
بيد أن عمل هاته القوى (الارتكاسية والفاعلة) لا يتم من فراغ، وبالأحرى من تلقاء ذاتها، فلابد من وجود عنصر ما يحركها ويوجهها. تلك هي "إرادة القوة"، التي يعرفها دولوز على أنها "مكمل للقوة وإسناد لها". إن إرادة القوة هي العنصر الإرادي في القوة، ولها خاصيتان: النفي والإثبات.
تعمل القوى الارتكاسية بإيعاز من إرادة القوة النافية، فهي تنفي القوى الفاعلة وقيمها. وتعمل على إقصاء الاختلاف، وتتوجه نحو القيم لقلبها، وإذ ذاك تصبح قيم العبد الارتكاسية كالجبن طيبوبة، وعدم القدرة على الفعل تعففا وترفعا. وبالمقابل ينظر إلى القوة على أنها شر، وإلى الإعلاء من قيمة الجسد على أنه شهوانية وحيوانية... وعلى النقيض من ذلك فالقوى الفاعلة توجهها إرادة قوة صفتها الإثبات. إثبات الذات أمام الآخر، وإثبات قيم الذات لا قلب قيم الآخر. يحلل دولوز نموذج "الإنسان الارتكاسي" (على ضوء "جينيالوجيا الأخلاق"، لنيتشه، خاصة الفصل الثاني منه) بتفصيل، فيؤكد أنه يتصف بصفتين هما: "الاضطغان"  و"الإحساس بالخطأ".
 
ج - الاضطغان تجل للعدمية :
يقدم دولوز الاضطغان (له علاقة بالانتقام) على أنه التأنيب والاتهام[5]. وهو آلية الكاهن اليهودي لخلق إنسان ارتكاسي مستسلم. ويؤكد فيلسوفنا على أنه لا ينبغي فهم هذا الاضطغان على أنه روح الانتقام، أو الرغبة فيه، بقدر ما يجب أن نفهمه على أنه الوسيلة، التي يتأتى بها للإنسان تحقيق انتقامه من الآخر الفاعل. وما يقوي رغبة الثأر، التي تستبد بإنسان الاضطغان هو كون آلية النسيان لا تشتغل لديه. أليست هذه الرغبة في الانتقام هي التي دفعت وتدفع العامة وسواد الناس إلى معاداة الفلسفة والفلاسفة؟،لا لشيء إلا لكونهم يكشفون للعامة، ما لا تستلطفه أذواقهم، التي تخشى كل ما يعبر عن نور العقل، وضياء الحكمة، ولا أدل على هذه المعاداة في مجتمعاتنا العربية، من المكانة، التي يحظى بها الفيلسوف والمشتغل بالفكر، أمام الفقهاء مثلا أو الأطباء، أو حتى السياسيين، ومن قبل كان "قدر الفلاسفة حزين لأن لغة الاستبداد قد أصابتهم وحولتهم من أحياء إلى أموات"[6]. فمتى ستحظى الفلسفة والفلاسفة بالمكانة، التي يستحقانها في مجتمعاتنا، التي تسودها الأمية، ومظاهر التخلف الثقافي والفكري؟
قلنا إن الإنسان الارتكاسي ينخفض لديه اشتغال آلية النسيان، وبالمقابل تتقوى لديه الذاكرة، وقد نتساءل ما أهمية الذاكرة والنسيان في تمييز الإنسان الفاعل عن الإنسان الارتكاسي؟
إن "دور ملكة النسيان الحيوية هو إقفال أبواب الوعي ونوافذه من حين لآخر "على حد تعبير نيتشه، أكثر من ذلك، فهو يرى أن السعادة لا يمكن أن تتحقق في غياب هذه الملكة، أي النسيان[7]. ولذلك نجد الإنسان الارتكاسي متجهما تعيسا، يأخذ الأمور على محمل الجد والعزم، في حين يتصرف الإنسان الفاعل بروح الخفة والمرح، حتى في لحظات الألم، إذ يعمل على نسيانه، ولا يعبأ بها، كي يفوت على الآخر (الارتكاسي) فرصة الاستمتاع بمشاهدته وهو يتألم. قوة الإنسان الفاعل، إذن، تكمن في قدرته على النسيان والتحمل. إن آلية النسيان هاته قد ترسخت إلى حد بعيد مع اليهودية، التي تنم قيمها-حسب نيتشه- عن حقد دفين لدى العبيد على الأسياد، حقد تتولد عنه قيم، تدعي كونها مفارقة ومتعالية ومحايدة. وذلك باختراع وهم العالم الميتافيزيائي (الإلهي) –كما يقول دولوز- والذي يتأتى معه للإنسان الارتكاسي كبح القوى الفعالة والنشيطة، باتهامها وتجريمها، باسم القيم الإلهية.

د- الإحساس بالخطأ تأنيب للحياة :
ومع ظهور المسيحية سيتغير شكل الاضطغان، ليصبح إحساسا بالخطأ، وشعورا بالذنب، يتغير الشكل فقط، ولكن الجوهر والهدف واحد، وهو تأنيب الحياة. وبينما كان الكاهن اليهودي يتهم الإنسان (هذه غلطتك)، يطور الكاهن المسيحي هاته المهمة، ليصير الإنسان ذاته مستبطنا لهذا الألم والذنب فيردد (نعم هذه غلطتي). وذلك لأن المسيحي يتحمل أوزار صلب المسيح، وكأنه دين في عنقه، (إذ المسيح في التصور المسيحي البولسي - نسبة إلى بولس، قد مات من أجل خلاص البشرية) يرده بمقدار ما ينكب على تأنيب نفسه ومعاقبتها. بل وحرمانها من الحياة أيضا.
في هذا السياق يعتبر دولوز أن "عظمة نيتشه تكمن في كونه عرف أن يعزل هاتين النبتتين، الاضطغان والإحساس بالخطأ"[8].
وعزل نيتشه لهاتين المقولتين –النبتتين، ينبغي النظر إليه، من باب سعي نيتشه المتواصل للقضاء على العدمية وكل ما يمثلها، أكثر من ذلك فنيتشه، في نظر دولوز، "يتصور هدف الفلسفة على أنه تحرير الفكر من العدمية وأشكالها"[9]. ويضيف قائلا: "إن كل قصة زرادشت إنما يعبر عنها في علاقاته بالعدمية"[10]. ويتضح هذا الأمر كثيرا في نقد نيتشه "للمثل الزهدي الأعلى"، الذي يمثل العدمية في أجلى صورها، ويتخذ هذا المثل الزهدي ثلاث صور رئيسة هي: الدين والمعرفة والفن.
*عدمية المثل الزهدي الأعلى :
يتحدد المثل الزهدي الأعلى لدى الكاهن، في تغييب الجسد، وذلك من خلال توجيه الدين اهتمامه نحو الروحانيات،على حساب الماديات، وكذلك ازدراء كل ما يمت للجسد والغريزة بصلة. واعتبار ذلك حطا من كرامة الإنسان، الذي ينبغي أن يتعالى ويستعلي عليه. وقد تطرقنا فيما سبق إلى آليات الكاهن في صنع الإنسان الارتكاسي العدمي (أي الاضطغان والإحساس بالخطأ).
و يعتبر دولوز أن "جينيالوجيا الأخلاق"، لنيتشه موجه بشكل أو بآخر "لنقد العقل النظري الخالص" لكانط، و"لفن الديالكتيك" أيضا.

*النقد الكانطي نقد لاهوتي :
يقيم دولوز مقارنة بين النقد النيتشوي والنقد الكانطي، فيرى أن هذا الأخير ظل قاصرا ومحدودا. ذلك أنه لم يشمل الأخلاق، إذ لم يناقش قيمتها وأصولها. وفي نقده للمعرفة اقتصر على الجانب غير الممكن منها، وكان حريا به أن يبدأ بنقد المعرفة الممكنة، ثم إن كانط يوجه نقده للعقل، ويجعله أداة هذا النقد في آن واحد. وهذا ما اعتبره دولوز تناقضا كانطيا. ليبرز بعد ذلك أن "المشروع الكانطي" (في المجال الأخلاقي) – بتعبيره- يؤله العقل والإدراك، في حين أن النقد النيتشوي انصب على القيم، وعرف كيف يخضع العقل لنقد حقيقي، بأداة خارجية عنه هي "إرادة القوة". كمبدأ خلاق ومبدع للقيم. ليؤكد أن "الجينيالوجي" (بخلاف المشرع الكانطي) مفسر ومقوم. فهو يوضح منشأ الأخلاق والقيم. ويكشف عنها الأقنعة؛ بإبراز القوى الكامنة وراءها. وبالتالي يعمل على نمذجة القيم، وتقييمها، تبعا لأي إرادة قوة تسيطر عليها، أي أهي إثباتية أم نافية؟ فإن كانت الأولى فهي قوى فاعلة،وإن كانت الثانية فهي قوى ارتكاسية.
وفي نهاية المطاف يصل دولوز إلى أن النقد الكانطي، لا يعدو أن يكون مجرد "لاهوت مجدد، اللاهوت ذي الميل البروتستانتي"[11]. مما يعني أنه تدعيم للفكر العدمي، الذي يناهضه نيتشه.

*عدمية الديالكتيك :
ركز دولوز في قراءته لنيتشه، على نقد هذا الأخير للديالكتيك الهيجلي. ذلك أن الفكر الديالكتيكي في نظره، ما هو إلا تجسيد لطريقة تفكير الإنسان الارتكاسي، الذي يوجهه مبدأ النفي. إذ يعتبر نيتشه أن منطلقنا لا ينبغي أن يكون النفي والتأنيب والإقصاء، بل أن يكون الإثبات، إثبات الذات وإثبات الاختلاف.
يضيف دولوز أن نقد نيتشه للديالكتيك ينصب على ثلاث نقط، تتمثل في جهله ل"المعنى والجوهر والتبدل". والمعنى –حسب دولوز- هو تلك الرابطة القائمة بين الشيء، وتلك القوة، التي تتستر وراءه، والتي تهيمن عليه. والديالكتيك يجهل المعنى، إذ لا يطرح سؤال القوى، التي تقف وراء الظواهر، والتي تضفي عليها المعنى. إذ نجد مثلا "موت المسيح كما فسره هيجل يعني المعارضة المتجاوزة، مصالحة النهائي واللانهائي، وحدة الله والفرد"[12]. في حين يرى نيتشه أن هذا الموت لا يعدو أن يكون وسيلة عجيبة لإذلال الحياة والإنسان المسيحي.
إن الديالكتيك يجهل الجوهر أيضا، لأنه لا يتوجه شطر القوى، خاصة شطر العنصر أو الطابع الذي يحركها. وأخيرا فهو يجهل التحول والتغير، إذ يقوم على إبداع تناقضات خيالية بتوظيف عبارات مجردة.
يتضح ما قلناه إن حاولنا التفكير في علاقة اليهودية بالمسيحية من منظور ديالكتيكي، آنذاك سنعتبر الحب المسيحي نفيا للحقد اليهودي. لكننا إن خرجنا من هذا المنظور الضيق، وتتبعنا الآليات النيتشوية في التحليل، فإننا سنتأكد أن ما يقف خلفهما هو قوى ارتكاسية، وإرادة قوة نافية. وبالتالي فهما تجليات –وإن اختلفت في الشكل- للعدمية بكل ما تعنيه من "بخس لقيمة الحياة والوجود". كما يؤكد جيل دولوز. ويواصل نيتشه حملته على الفلسفة الألمانية الهيجلية، حين يفضح، حسب دولوز، "طابع الفلسفة الألمانية اللاهوتي والمسيحي(...) عجز هذه الفلسفة عن الخروج من المنظور العدمي(...) عجز هذه الفلسفة عن الإفضاء إلى شيء آخر غير الأنا أو الإنسان"[13].
2- نيتشه فيلسوف العود الأبدي :
* نيتشه و الصيرورة:
يمكن أن نعزو حنق نيتشه على معظم الفلاسفة إلى "غياب الحس التاريخي لديهم، حقدهم على فكرة الصيرورة نفسها(...) أستثني اسم هيراقليطس مع كامل الاحترام الواجب له"[14]. كما عبر نيتشه بنفسه.
إن النظر إلى الأشياء وإلى الوجود من خلال مفاهيم الماهية والجوهر والشيء في ذاته، التي تنصب في منحى الإعلاء من شأو مقولة الثبات، على حساب مقولة الصيرورة، هو ما يهاجمه نيتشه، (أي انتصار أناكسيمندرس على هيراقليطس). تلك المقولات، التي لا ينفك نيتشه يصرح بأن لا وجود لها إلا في العقل الإنساني، الذي يحاول تعقيل الحياة وإلجامها، بواسطة تلك المفاهيم، لنفي الاختلاف وإقرار الوحدة والثبات.

وينطلق هذا الموقف النافي للصيرورة، من تصور عام للوجود، لا يرى في هذا الأخير إلا تعبيرا عن اللاعدالة والذنب، والذي يجد صورته في التصور المسيحي للوجود كخطيئة، ينبغي التطهر منها بالألم، بتعذيب النفس. وفي كل المنظورات الأخلاقية و الميتافيزيقية، التي تدور في فلكه، والتي يجمع بينها خيط رفيع، هو نظرتها إلى الوجود بمنظار أخلاقي زهدي.
ونفهم استثناء نيتشه لهيراقليطس من خلال ما يقوله عنه دولوز "إن هيراقليطس هو المفكر المأساوي (...) إنه يفهم الوجود انطلاقا من غريزة لعب، ويجعل من الوجود ظاهرة جمالية، لا ظاهرة أخلاقية أو دينية"[15]، ويضيف قائلا: لقد" نظرهيراقليطس بعمق، فلم ير أي عقاب للمتعدد، أي تكفير عن الصيرورة، أي ذنب للوجود(...) بل رأى العكس تماما: الإثبات المزدوج للصيرورة ولوجود الصيرورة، وباختصار إثبات الوجود"[16].
إن استثناء نيتشه إذن لهيراقليطس، من الفلاسفة الحاقدين على فكرة الصيرورة، يجد مبرره في كونه أول من عمل على إثبات الصيرورة، ومن ثم النظر إليها كقانون للوجود، وإثبات له، وبالتالي فهو بخلاف المنظورات الأخلاقية والميتافيزيقية، التي تسعى إلى نفي الاختلاف، وتكريس سلطة النموذج الواحد والوحيد، من خلال الأوامر المطلقة والكلية، النافية لما عداها. قلنا إنه على العكس من ذلك، يمجد الصيرورة، بما تعنيه من إثبات للاختلاف والتعدد.
يرى دولوز أن نيتشه في تصوره للصيرورة، يرفض أي محاولة لجعلها مرتبطة بالسببية، و لإعطاء "العود الأبدي" (كملازم للصيرورة)، معنى أو نفحة غائية. فالصيرورة النيتشوية كما يشرحها لنا دولوز، ترفض إدخال أي قانون خارجي عليها. إنها أكثر من ذلك إثبات للصدفة، هاته الأخيرة، التي تتعارض مع الغائية. وربما يصح القول إن أول ما يريد نيتشه معارضته بفكرته عن العود الأبدي، هو النظرة الغائية للتاريخ والتفسير الخطي له.
  ولما لفكرة "العود الأبدي" من أهمية في فلسفة نيتشه، و ارتباطها بالصيرورة أيضا، ولتركيز دولوز عليها في قراءته لنيتشه، فإننا سنتطرق إليها بشيء من التفصيل.
 
يحدد دولوز للعود الأبدي وجهين مختلفين. وهما: العود الأبدي "كمذهب كوسمولوجي وفيزيائي". وثانيا: "كفكر أخلاقي وانتقائي". فما هي الخطوط العريضة لكل من هذين الوجهين؟
*الشق الكوسمولوجي للعود الأبدي:
لا يمكن فصل العود الأبدي أو العودة الدائمة، عن الصيرورة، وفي هذا السياق يبرز دولوز أن الصيرورة، كما يفهمها نيتشه، ليست لها بداية ،ولا نهاية لها، و ليست لها غاية أيضا. ويقدم دولوز أو "فيلسوف المستقبل" - بتعبير فوكو- العود الأبدي ك"جواب على مشكلة العبور" على حد تعبيره. إذ تعتبر اللحظة (في العود الأبدي) كنقطة تداخل بين الماضي والمستقبل. "يجب أن تكون اللحظة حاضرا وماضيا، حاضرا ومستقبلا في الوقت ذاته"[17].

إذ أن هذا الأمر هو وحده الكفيل بحصول أو تكون الماضي والحاضر والمستقبل، بعبارة أخرى فاللحظة أو الحاضر يحمل بذور الماضي والمستقبل. أي أن اللحظة هي تعبير عن الحاضر، وإحالة إلى الماضي، وتطلع نحو المستقبل، وفهم اللحظة بهذه الصورة تأكيد وإقرار لمبدأ الصيرورة، كمدخل –إن صح التعبير- ضروري للعود الأبدي. ويعتبر دولوز أن هذا الأخير هو "تأليف للصيرورة، وللوجود الذي تثبته الصيرورة"[18]. بمعنى أن العود الأبدي، يجعل من الوجود صيرورة، أي تعددا واختلافا وتغيرا، ويجعل من هذه الصيرورة إثباتا للوجود.
ونجد حضورا قويا لمفهوم الصيرورة هذا، لدى دولوز، وللعود الأبدي بحكم ارتباطهما، وذلك في قراءته لنيتشه، وفي مؤلفه المعنون ب"ماهي الفلسفة"، إذ يعبر أن الفلسفة صيرورة، وأن القول بهذه الصيرورة رفض للنزعة التاريخية. إن الفلسفة صيرورة، بمعنى أنها خلق متواصل، وعمل دؤوب ، تطبعه سمات التعايش والتناقض... غير أنه ليس عملا موجها نحو غاية محددة، أو هدف بعينه. ولا يحكمه منطق واحد معين.
ويرى دولوز في نفس الكتاب السالف الذكر أن "الصيرورة هي المفهوم عينه، فتولد في التاريخ وتتساقط فيه، ولكن دون أن تكون هي التاريخ، لا تمتلك في ذاتها بداية ولا نهاية وإنما وسطا فحسب"[19]. وترسيخا لمنطق الصيرورة هذا يعتبر أنه "قد يحدث أن لا شيء يتغير في التاريخ، كما قد يبدو ذلك، لكن كل شيء يتغير في الحدث ونتغير نحن في الحدث"[20]. لا شيء إذن ثابت، حتى وإن أراد ذوو النزعة التاريخية أن يوهمونا بخلاف ذلك. ذلك أن التغير والصيرورة يمس الكل، الأحداث والظواهر، ومعهم الإنسان أيضا.
وتغدو بالتالي محاولة البحث عن أصل واحد، أو بداية واحدة، أو قانون واحد، أمرا متعذر البلوغ، مادام أن ذلك الأصل وتلك البداية تحمل بذور التغيرات والتحولات، التي يعسر ردها إلى وحدة جامعة. لذلك "فإن تشخيص الصيرورات داخل كل حاضر يمضي، هو ما كان يرجعه نيتشه إلى الفيلسوف باعتباره طبيبا"[21]. طبيب الحضارات –النيتشوي- إذن هو الذي يعمل على استخراج الصيرورات فيما يراد له أن يعبر عن الوحدة. وذلك تأكيد لكون الوجود، "تطلعا نحو المستقبل"، واشتغالا به، من حيث أن هذا المستقبل-الحاضر(الكامن في الحاضر)، سيجد تحقق عودته في زمن العود الأبدي. ولكن هل تكون-أي تلك العودة- بمعنى استنساخي وبصورة كربونية؟
*الشق الانتقائي للعود الأبدي:
لا ينفك دولوز يحذرنا من الفهم المغلوط للعود الأبدي لدى نيتشه، وهو الفهم الذي يعتبر أن العود الأبدي، هو عودة للشيء نفسه، أي كاستنساخ لما هو موجود. إذ على العكس من ذلك يقوم العود الأبدي على مبدأ الانتقاء. إن قاعدته "كفكر أخلاقي" هي –بتعبير دولوز- "ما تريده، رده بحيث تريد عودته الدائمة"[22]. ولذلك يخاطبنا نيتشه قائلا "افعلوا ما تريدون، ولكن كونوا أولا من الذين بإمكانهم أن يريدوا"[23].

تغدو إذن فكرة العود الأبدي، بهذا الفهم الدولوزي، الذي يجعل منها انتقاء، رغبة نيتشوية أصيلة في تقوية الإرادة. وجعلها أكثر حزما وعزما. أي الوصول بها إلى مستوى تكون فيه "إرادة القوة"، التي يبشر بها نيتشه، هاته الأخيرة، التي نبهنا دولوز أيضا من فهمها على أنها الرغبة في امتلاك القوة أو السلطة أو السيطرة، ذلك أن شيئا من هذا القبيل، سيجعل من القوة مجرد رغبة في إثبات الذات أمام ولدى الآخر، أي يظل هذا الآخر مرتكز الذات في أخذ القيمة والمكانة، التي تسعى إليها.وهذا ما ينتقده نيتشه، ويعتبره من صفات الإنسان الارتكاسي- العبد. يضيف دولوز أن فهم "إرادة القوة"، كتطلع للقوة، يجعلها خاضعة للصراع، الذي سينتهي بانتصار العبيد، أولا لكثرتهم عدديا، وثانيا لأن المنطق الذي سيحتكم إليه هذا الصراع، سيكون هو المنطق السائد في التقويم. وهو من وضع العبيد. بعبارة أخرى، إن جعل إرادة القوة رهينة بالصراع والقوة، فيه إفقار لمعناها واختزال له، أكثر من ذلك فهذا الأمر، ستترتب عليه انعكاسات مضادة لتصور نيتشه. ذلك أنها ستخضع في نهاية المطاف للتقييمات السائدة، سواء أكانت دينية، أو أخلاقية، أو فلسفية حداثية... وفي رأي دولوز أن هذا هو بيت القصيد لدى نيتشه، أي أنه لا يرغب في تغيير القيم واستبدالها بأخرى، بقدر ما يرغب في جعل إرادة القوة "معيارا تقويميا"خلاقا ومبدعا لقيمه، "يعلن نيتشه أن فعل الإرادة هو خلق للقيم الجديدة"[24]. إن تهشيم نيتشه، إذن، لمداميك القيم، كان قنطرة لا مناص من العبور عليها، من أجل الوصول إلى هدف أسمى، ألا وهو تحرير الإرادة من "ترسبات القيم العتيقة"، وإطلاق العنان لها، كي تصير فعلا خلاقا ومنتجا، يهمه إثبات الذات، أكثر مما يعنيه نفي الآخر. وهذه هي سمة الإنسان الفاعل.

يسجل دولوز ملاحظة هامة، وهي أن العود الأبدي يمثل النهاية المحتومة للعدمية والقوى الارتكاسية، والصيرورة الارتكاسية، التي تترابط بعضها ببعض. فالعدمية هي الورش –إن صح التعبير- الذي يمتح ويغرف من مساعي الحط من قيمة الحياة، وقدر الوجود، تتباين أشكالها (أي العدمية) ووسائلها. فمن "عدمية نافية"، تبخس الحياة مكانتها وقيمتها، باسم القيم العليا (عدمية الفكر الميتافيزيقي الذي يرسم عالمين: علوي خير وتحتي شرير...)، إلى "عدمية ارتكاسية"، ترفع عقيرتها بالصياح بموت الإله وتبشر بفناء العالم الفوق-محسوس، إلا أنها تستعيض عن هذا العالم بعالم واقعي وحقيقي، تجعل منه مدخلا لإلجام الحياة وأسرها، باسم القيم الإنسانية و الحداثية و الأنوارية (عصر الأنوار). ومن هذه العدمية الارتكاسية إلى "عدمية سلبية"، يمثلها "آخر العالمين"، الذي يجعل من "عدم الإرادة" مبدأ لحياته.
بيد أن هذه العدمية الأخيرة هي التي ستكون سبيلا لنفي القوى الارتكاسية، ومحو العدمية في زمن العود الأبدي. فقد "أنزلت الهزيمة بالعدمية، لكن على يديها هي بالذات"[25]. نوضح ما سلف، فنقول، إن القوى الارتكاسية، التي تشكل العدمية مبدأها وسمتها الجوهرية، تبلغ مرحلة ما يسميه نيتشه ب"التدمير الذاتي الفاعل"، حيث تدمر ذاتها بذاتها، وبتعبير دولوز "تكتوي بنار عدميتها" لذلك "تُعْلِمُنا العودة الدائمة بأن الصيرورة الارتكاسية ليس لها وجود، إن للصيرورة الفاعلة وحدها وجود، هو وجود الصيرورة بكاملها"[26].
فالعود الأبدي إذن، يمثل المحك والامتحان، الذي يحكمه مبدأ الاصطفاء والانتقاء. ولاشك أن هذا الممتحن(العود الأبدي)، لن ينتقي إلا ما توفرت فيه شروط من وضعه. ويمكن تلخيص تلك الشروط في الاتصاف بصفة الإثبات، والالتزام بالقاعدة، التي سبق ذكرها (ما تريده، رده بحيث تريد عودته الدائمة). ولذلك يتضح أن العود الأبدي هو الزمن الذي تختفي معه كل تجليات الارتكاس والفكر العدمي (لانتفاء الشروط السالفة الذكر فيه). وهذا ما يعبر عنه دولوز بقوله: "إن درس العودة الدائمة هو أنه ليس هناك عودة للنافي. إن العودة الدائمة تعني أن الوجود انتقاء. العودة الدائمة هي إعادة توليد الصيرورة، لكن الصيرورة هي أيضا توليد صيرورة فاعلة"[27].
ينظر دولوز، إذن، إلى العود الأبدي النيتشوي، من منظور كوسمولوجي وفيزيائي، يقر الصيرورة كسمة بارزة للوجود. لا بل يجعل منها الوجود وإثبات الوجود. ومن منظور أخلاقي و أنطولوجي، يجعل منها فكرا يقوم على مبدأ الانتقاء، تندحر فيه القوى الارتكاسية، ويحل فيه الإثبات محل النفي، وتسود فيه الصيرورة الفاعلة على حساب الصيرورة الارتكاسية. باختصار تتبخر فيه العدمية وتصير نسيا منسيا.
ولذلك فدولوز يقر بهاته الحقيقة "إننا نفهم أن نيتشه لا يتعرف إطلاقا على فكرته عن العود الأبدي من العصر القديم"[28]. ذلك أن العود الأبدي قديما كان مفهوما بمعنى عودة الشيء نفسه، واستنساخا لما هو موجود، بيد أنه مع نيتشه يبدو بحلة جديدة وفريدة، تجعل منه انتفاء وانتقاء. انتفاء لأوجه العدمية، وانتقاء لكل ما يعبر عن الإثبات والصيرورة الفاعلة والتعدد، وباختصار لكل ما يمثل إرهاصات وبوادر لبزوغ الإنسان الأسمى. وذلك ما يعبر عنه دولوز بقوله: "يدفع [زرادشت] بالعودة الدائمة لتولد معلولها، الإنسان الأسمى"[29]. فكيف يتمثل دولوز هذا الإنسان الأسمى (النيتشوي)؟ وما أهم معالم اللوحة الفنية التي يرسمها له؟

            الإنسان الأعلى في التصور الدولوزي:
لن نجانب الصواب إن قلنا إن ما كان يحفز نيتشه في عمله الفكري، وما كان يطمح بلوغه هو عملين اثنين متكاملين ويوصل أحدهما إلى الآخر: وهما: تعرية العدمية في كل أشكالها وصورها. وإيصالها إلى لحظة العدمية الناجزة والمكتملة –بتعبير دولوز- وثانيا تحقيق المشروع الأكبر: مشروع الإنسان الأعلى.
يعتبر نيتشه الإنسان مرضا[30]. وربما لا تنفع معه الحلول الترقيعية والعلاجية، بل إنه "كائن ينبغي تجاوزه"[31]، على حد تعبير نيتشه. ويؤكد دولوز أن الإنسان الأسمى ليس مجرد تغيير في بعض حيثيات الإنسان (كتعديل تصورنا حول الإنسان مثلا)، أو تحقيق جوهر الإنسان[32]. "ذلك أن الجوهر الإنساني لا ينتظر الإنسان الأسمى ليتحدد، إنه محدد كإنساني، وإنساني جدا"[33]. وبالتالي فدولوز يرى أن الإنسان الأعلى أكبر وأعمق من ذلك، إنه تغيير في طبيعة وماهية وهدف الإنسان، وهو ما يسميه نيتشه "تجاوز الإنسان".
فدولوز يرى أن الصيرورة الارتكاسية هي طبيعة وجوهر الإنسان (يدلل على ذلك بانتصار أخلاق العبيد في كل لحظات صراعها مع أخلاق السادة). ولذا لزم الغوص في عمق هاته الطبيعة وتغييرها، بجعلها أكثر فاعلية و إثباتية، وحين يعقد الفيلسوف الرحال(دولوز) مقارنة بين الإنسان المتفوق[34] وبين الإنسان الأعلى، فهو يستشهد بقول زرادشت: "أنتم أيها الناس المتفوقون أتعتقدون أني هنا لإصلاح ما أسأتم صنعه"[35]. ليؤكد أن الإنسان الأعلى ليس مشروعا إصلاحيا أو تكميليا للإنسان المتفوق. بقدر ما يشكل تخطيا له وذهابا إلى أبعد الحدود. هاته الحدود التي يعسر إن لم نقل يستحيل على الإنسان المتفوق بلوغها، بحكم إنسانيته المفرطة وجوهره الارتكاسي.
وفي هذا الصدد يعدد دولوز بعض الميزات التي يفتقر إليها الإنسان المتفوق ليصير إنسانا أعلى (نيتشويا). وأهمها "عنصر الإثبات هو العنصر الذي ينقص الإنسان، وحتى بوجه خاص الإنسان المتفوق"[36]. يعني هذا أن الإنسان الذي يظل النفي ملازما وسمة له، هو في مرتبة "ما دون الإنسان الأعلى –إن صح التعبير- حتى وإن يكن الإنسان المتفوق. وهنا ينبغي أن نتذكر أن دولوز قد حدد زمن العود الأبدي، بانتفاء النفي فيه، وعلى حد قوله "يصبح النافي مطرودا من كوكبة الوجود". وبالتالي فالإنسان الأعلى هو الذي يثبت كل شيء، ولكن يمكن أن نستدرك لنؤكد أن الإنسان الأعلى قادر في الآن ذاته على النفي، غير أن هذا الأخير يكون في مرحلة متقدمة من العود الأبدي، ويتم كمدخل لإحقاق الإثبات وسريانه في الوجود.

 ولكن لنا أن نتساءل ما الذي يميز هذا الإثبات الذي يصدر عن الإنسان الأعلى؟
إن إثبات الإنسان الأسمى هو إثبات ديونيزي الطبيعة والهدف، إنه إثبات ل"الضحك واللعب والرقص، الضحك هو إثبات الحياة، وحتى الألم في الحياة، واللعب هو إثبات الصدفة، وفي الصدفة ضرورتها، والرقص هو إثبات الصيرورة وفي الصيرورة الوجود"[37].
الإنسان الأعلى هو الذي يؤكد الحياة بضحكه، والتي يعلن من خلالها أن الحياة ينبغي أن نعيشها لا أن نعاديها وأن نفرح بها لا أن نترح عليها، ويذهب هذا الإنسان الأعلى أكثر من ذلك حين لا يقصي الألم من الحياة بل يثبته. ويؤكد أنه موجود وليس مدعاة للحزن بلا لمزيد من تأكيد الحياة، وإثبات وجود الصدفة، لكن الصدفة كضرورة وحتمية، من خلال التوجه إلى اللعب دون أن نستطيع فعل كل ذلك دون التأكيد على ضرورة وجود الصيرورة، بل وصيرورة الوجود. بهذا المعنى فالإنسان الأعلى يخلع عنه رداء العدمية ليتسربل أردية بألوان زاهية وفاتحة كلها تعبير عن الفرح، الذي يغمر النفس، والذي يتبدى في القهقهات التي تتعالى أصواتها ليملأ صداها كل الوجود. وحين يعلن الإنسان الأعلى من محراب العود الأبدي أن الصدفة موجودة وكائنة فهو يروم من وراء ذلك أن يجب و يمحوعن الإنسان والوجود ما ألصق به من أدران وتهم، وينفي المسؤولية عن الإنسان، ويكمل مهمته تلك بإعلان الصيرورة قانونا للوجود أي:"ألا يكون أحد مسؤولا أبدا(...) هذا وحده هو التحرير الأكبر، من هنا ، ومن هنا فقط، أصلحت براءة الصيرورة"[38].
ويؤكد دولوز مرة أخرى أن ما يرغب فيه نيتشه هو التغيير في مبدأ ومعيار التقويم لا القيم نفسها، فما فائدة تغيير القاضي مادام القانون الذي يستند أو يرجع إليه هو هو. لذلك وعى نيتشه بهذا الأمر فأكد على ضرورة تبديل المبدأ (العدمية)، وهي مهمة ستتحقق مع الإنسان الأعلى إذ يحتكم في تقويماته إلى الإعلاء من شأو الوجود بدل الانتقاص منه، وإلى الإثبات كإرادة قوة، على أن تفهم هذه الأخيرة، كما أشرنا إلى ذلك من قبل كمبدأ خلاق ومبدع للقيم. وأخيرا إلى الإرادة كإثبات لا نفي، وكخلق لا خنق، وكإبداع لا اقتلاع.
الضحك واللعب والرقص ثلاثة أشياء تبدو في ظاهرها بسيطة ومن دون أهمية، إلا أن عمقها تأكيد للحياة واستئصال للعدمية من جذورها، ويدعونا نيتشه في أروع كتبه "هكذا تكلم زرادشت"، إلى التمسك والتشبث بها، حين يقول "لا تتوقفن عن الرقص أيتها الفتيات الجميلات"[39]، "أنا زرادشت الراقص، زرادشت الخفيف"[40]، "لقد كرست الضحك فتعلموا أن تضحكوا أيها الرجال الراقون"[41]، ويختم كل ذلك قائلا : "تريد الفرحة خلود كل الأشياء"[42]. ويؤكد دولوز أنها(أي تلك الأشياء الثلاثة) مما يميز الإنسان الأعلى.
كان نيتشه من قبل جملا يحمل الأثقال، مثله في ذلك مثل كل إنسان محمل بقيم صخرية، سواء من الأعلى (القيم الأخلاقية والإلهية)، أو من الأسفل (قيم النزعة الإنسانية..). وحين عرى عن تلك القيم ملابسها، فكشف ما يكمن خلفها من بعد عدمي ناف للحياة، كان يقوم بذلك من موقع الأسد المحطم للقيم- الأصنام. فمهد بذلك لإمكان بروز الإنسان الأعلى الذي سيأتي بما يتجاوز ذلك، وهو أن يصير طفلا- لاعبا. طفل له سمات كل الأطفال، أي البراءة والضحك، ولاعب له ميزات كل لاعب حقيقي (لا وهمي)، أي إثبات الصدفة- الضرورية إن صح التعبير (اعتبار الصدفة كضرورة)، والرقص. ومن خلال ذلك اثبات التعدد وتقبل الاختلاف (من مميزات فلسفة ما بعد الحداثة الاعتراف بالاختلاف والتأكيد عليه، لا نفيه باسم النموذج الأوحد). فرسالة الإنسان الأعلى النيتشوي هي إثبات التعدد والصيرورة والاختلاف كأشياء لا تدعو إلى الحزن والألم بل الى مزيد من الفرحة والبهجة الديونيزية.
هكذا، في الأخير، إذن نبلغ الإنسان الأعلى بتخليص الإنسان من الاضطغان والانتقام وأشكال الإحساس بالخطأ، ومن خلال إسقاط المثل الزهدي الأعلى من عليائه، وإحلال "مثل الفرح الأرضي" مكانه، إن صح التعبير، وأخيرا تأكيد العود الأبدي كزمن فيزيائي تحمل فيه اللحظة أشكالا جنينية من الماضي والحاضر وتشرئب بعنقها نحو المستقبل، ثم بتصور العود الأبدي أخلاقيا، كانتقاء للإثبات والصيرورة والفرح الفاعلة، وانتفاء لمختلف تلوينات العدمية (النفي، القوى والصيرورة الارتكاسية). وبعد كل هذا يجعل الإنسان الأسمى من الفرح والضحك واللعب والرقص قيمه التي بها يصرخ في وجه الوجود معلنا "الحياة أولا والحياة أخيرا". هاته الحياة التي يكون فيها للفن مكانة كبيرة على أن نفهم الفن عند نيتشه، كفرح وسعادة واستمتاع وإبداع وإثارة وتمجيد للجسد ، وباختصار الفن متخلصا من المثل الزهدي الأعلى ومن رقابة العدمية.
 
              الهوامش :
 
1.       فريدريك نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، ترجمة وتقديم محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2006، ص.14.
2.      جيل دولوز، نيتشه والفلسفة، ترجمة أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط2، 2001، ص. 7.
3.      سنتطرق لتحديد الجينيالوجيا بشيء من التفصيل في الفصل المخصص لتأثير نيتشه في فوكو.
فريدريك نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، ترجمة وتقديم محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2006.
5.      جيل دولوز، نيتشه، تعريب أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان، بيروت، ط.1، 1998، ص.31.
6.      عزيز الحدادي، للأشياء رائحتها، لقاء الفيلسوف بالرسام، منشورات ما بعد الحداثة، فاس، ط1، 2007، ص. 131.
فريدريك نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، م.س. ص.49.
8.      جيل دولوز، نيتشه والفلسفة، م.س. ص.251.
9.      نفسه، ص. 48.
نفسه، ص. 243.
11.  نفسه، ص. 119.
نفسه، ص. 66.
13.  نفسه، ص. 209.
فريدريك نيتشه، أفول الأصنام، ترجمة حسان بورقية، محمد الناجي، أفريقيا الشرق، ط1، 1996، ص-ص. 25-26.
15.  جيل دولوز، نيتشه والفلسفة، ص. 33.
نفسه، ص. 34.
17.  نفسه، ص. 64.
نفسه، ص. 66.
19.  جيل دولوز، فليكس غتاري، ما هي الفلسفة، ترجمة وتقديم ومراجعة مطاع صفدي،مركز الانماء القومي لبنان، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء،ط1 1997.ص122. 
20.  ن.م ص 123.
نفسه، ص. 124.
22.  نيتشه و الفلسفة،م.س .ص91
23.  فريدريك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ترجمة محمد الناجي،أفريقيا الشرق، المغرب، 2006.ص.154.
دولوز، نيتشه والفلسفة، م.س. ص. 109.
25.  دولوز، نيتشه والفلسفة، م.س. ص. 221.
نفسه، ص. 93.
27.  نفسه، ص. 242.
28.  نفسه، ص. 41.
نفسه، ص. 246.
30.  يقول نيتشه في كتابه هكذا تكلم زرادشت: "إن للأرض جلدا، ولهذا أمراضه، وأحدها إسمه الإنسان"، ص. 120.
31.  نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، م.س.، ص. 246.
32.  يقول دولوز في كتابه نيتشه والفلسفة: "لا يمكننا أيضا أن نتتبع تفسيرا كتفسير هايدغر الذي يجعل من الإنسان الأسمى تحقيق الجوهر الإنساني لا بل تحديد هذا الجوهر"، ص. 217.
33.  نفسه، ص. 217.
34.  الإنسان المتفوق هو الذي قتل الإله لينصب نفسه مكانه (إنسان الحداثة).
دولوز، نيتشه والفلسفة، م.س. ص-ص. 216-217.
36.  نفسه، ص-ص. 218-219.
نفسه، ص. 219.
38.  فريدريك نيتشه، أفول أصنام، ترجمة حسن بورقية ومحمد الناجي، أفريقيا الشرق، ط1، 2006، ص-ص. 55-56.
39.  فريديريك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، م.س. ص. 99.
40.  نفسه، ص. 271.
41.  نفسه، ص. 272.
42.    نفسه، ص. 302.
 
        لائحة المصادر و المراجع :
   
 فريدريك نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، ترجمة وتقديم محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2006.
فريدريك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ترجمة محمد الناجي،أفريقيا الشرق، المغرب، 2006.
 فريدريك نيتشه، أفول أصنام، ترجمة حسن بورقية ومحمد الناجي، أفريقيا الشرق، ط1، 2006.
   جيل دولوز، نيتشه والفلسفة، ترجمة أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط2، 2001.
 جيل دولوز، نيتشه، تعريب أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان، بيروت، ط.1، 1998،
 جيل دولوز، فليكس غتاري، ما هي الفلسفة، ترجمة وتقديم ومراجعة مطاع صفدي،مركز الانماء القومي لبنان، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء،ط1 1997.
 
 

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟