ماذا يعني أني أفكر ؟ ـ نادية عبد الجواد

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

reflexion-philosاقترن  التفكير الفلسفي عند اليونان بالدهشة لا بماهي ذهول سلبيَ أمام موضوع غير مألوف و إنما كرجَة وجدانيَة و فكريَة تصاحبها حيرة و قلق و أسئلة و لقد عبًر عن ذلك ذلك أرسطو في كتاب الميتافيزيقا عندما اعتبر أن ما يدفع الناس إلى البحوث الفلسفيَة هي الدهشة و من هنا كانت " الدهشة هي أم الفلسفة و منبعها الخطير" كما قال شوبنهاور , فلا نكاد بهذا المعنى نطرح مشكلا فلسفيا بعيدا عن كلَ ضروب القلق و الأرق و هواجس الفهم بدءا بأكثر الأشياء بداهة وصولا إلى المرَكب منها. فالبساطة لا تستقيم أمام السؤال الفلسفيَ بل فيها ما يستدعي دائما التفكير و الفلسفة هنا اختراق و هدم و استنباط لكلَ ما يظهر و يتخفى على حدَ السواء.
أن نفَكر هو أن نتفلسف : هكذا أعلن الفكر نفسه لأوَل مرَة مسائلا الوجود في عناصره و حركته و تبدياته مع فلاسفة ما قبل سقراط و مسائلا الإنسان في إنسانيته بدءا من أفلاطون , و مع ذلك يبقى الفكر في ذاته مغمورا , لا مفكر فيه كأنهَ من تحصيل حاصل إذ عادة ما نحدد موضوع التفكير أو منهجه و شروطه لكن نادرا ما نقصده في ذاته مرتبطا بالذات المفَكرة السائلة و القلقة كأنما قذف بها في العالم ترى نفسها تتساءل و  لا تدري من أين لها أن تسأل و تفكَر.

مبعث التفكير إذن بالنسبة للذات هو القلق الذي يشعر به كلَ على انفراد و كأنَه الامتحان الأعسر في الوجود.
فماذا يعني أني أفكَر ؟ هل هو توظيفا لملكة تميَزني عن الحيوان و تجعلني إنسانا ؟ أم هو اقتضاء معرفيَ يجعلني أتعقل الوجود و أقوله في تجلياته المختلفة ؟ و كيف يتمَ التفكير ؟ هل من منهج محدَد يدلَني على أني أفكر كلحظة فريدة دون سواها ؟ أتراها لحظة الوجود ذاته أم هي وهم من أوهام العقل ؟ هل يمكن أن أفكر في معنى أني أفكر ؟ ألا يقتضي ذلك تقصيا لشيء ما على قيد التحقَق ألا وهو الإنسان ؟
تتجه الإجابة عن السؤال الباحث في معنى "أني أفكر" نحو ثلاث لحظات رئيسيَة في تاريخ الفلسفة تتمثل أولها في لحظة الأنا أفكر إذن أنا أعرف و هي اللحظة الأفلاطونيَة أما الثانية فهي لحظة الوجود الذي هو عينه التفكير وذلك مع ديكارت أم اللحظة الأخيرة فهي لحظة نقديَة تغيرَ مفهوم الأنا أفكر إلى أنا أفكر" ترنسندنتاليا" إذا أمكن القول . ولا يخرج سؤال الموضوع عن الإنسان باعتباره يحمل ضمير المتكلَم "أنا" أي الذات بما تحتلَه من قول في تاريخ الفلسفة , فكأن الطرح يتجه إلى الإنساني في الإنسان .
حاول فلاسفة اليونان تحديد التفكير بجعلهم من اللوغوس المرآة التي يرى المرء من خلالها الكون و يتعقلَه , فاللوغوس هو رمز للنظام الكوني و اللغوي و لذلك فعلى الإنسان إذا رام أن يبني علاقة مع العالم أن يستجيب لمقومات اللوغوس اليوناني. هكذا تتحقق أولى دلالات التفكير أي الدخول في علاقة مع الوجود بالتأمل و التفكَر النظري . لكن ماذا يعني أني أفكَر ؟ أي كيف أواجه التفكير بالتفكير ؟ أليس السؤال في حد ذاته هو لحظة تفكير ؟
لقد اعتبر سقراط أن أساس الفلسفة و منبع المعرفة هو السؤال و يسمي ذلك التوليد
La maïeutique
أي فنَ استخراج الأفكار من خلال السؤال و عليه فان المعرفة ليست شيئا آخر سوى تذكرا لما كنا قد نسيناه و نجد هذه الفكرة في غالب محاورات أفلاطون خاصَة منها محاورتي المينون و الفيدروس حيث يقول " كلَ معرفة هي تذكر" أي أن النفس حاملة لكل المعارف قبل التصاقها بالجسد و ناسية لها بعد التحاقها بعالم المحسوسات و ذلك فان التفكير يقتضي أساسا تذكرا
"réminiscence"
 و يتم ذلك من خلال الحوار الذي يحتلَ مكانة مركزيَة في فلسفة أفلاطون فهو "حديث النفس مع نفسها" كما ورد في محاورة الثياتيتوس و هو الوسيلة التي يتم بها توليد الأفكار و الوصول للحقيقة.
إن الحوار جدل يمكننا من المعرفة و من تحديد درجتنا الانتولوجية التابعة له . و عليه فأن أفكر هو أن أتدرج في سلم المعرفة من المحسوس إلى المعقول و من الظلال إلى النور و من الظن إلى الحقيقة.
يتخذ التفكير صيغة التجريد و تكون مواضيعه صوريَة تتجاوز التفاصيل و تؤلف بينها فأن أفكر بالنسبة إلى أفلاطون ليس أن أصف الأشياء كما يفعل السفسطائيون بل أن أتدرج في سلَم المعرفة و أؤلف و أبصر الحقيقة في ذاتها و هذا ما نجده بوضوح في محاورة الجمهوريَة عندما يصف في الكتاب السادس رحلة الفيلسوف و المجهود الذي يبذله للقاء الحقيقة و لنا في مثل الكهف تبيانا لذلك.
أن أفكر هو أن أتفلسف و أن أتفلسف هو أن "أتدرب على الموت" مثلما ورد في محاورة الفيدون. لذلك فأن  التفلسف يقتضي تحررا من قيود المحسوس و صعودا نحو الصوريَ و ينمو ذلك في شكل رغبة هي شكل آخر من أشكال التفلسف و يبرز ذلك في محاورة المأدبة بحيث يكون التفلسف
حبا و قدرة على الترفع على المحسوس عشقا للمثل و بهذا المعنى يصير التفكير صنوا للنظر العقلي .
و يتعلَق التفكير لدى أفلاطون بالنظر في ماهيات الأشياء لذلك كانت الأسئلة التي تقود محاوراته تبحث عن ماهية الشيء كسؤال : ما السعادة ؟ مالعدالة؟ أو ما النفس ؟
و عليه فان السؤال السقراطي ذو البعد المنهجي يرتقي بالمحاور إلى المثل . والمثال عند أفلاطون هو الشيء في ذاته , خالصا لا يحتاج إلى غيره لكي يوجد و معرفته تكون مباشرة (نويسيس) و تحتلَ المعرفة أعلى دراجات التمثل العقلي لأنها تعبر عن أصل الأشياء و تقول الوجود و هذا ما نجده خاصَة في محاورة السفسطائي حيث يتحدد دور الفلسفة في قول الوجود.
يتعلَق الأمر إذن بالوجود الذي نقوله أي نفكر فيه لذلك لا يجوز الفصل عند أفلاطون بين الأنتولوجي و الابستمولوجي و الأكسيولوجي إذ أن نفكر هو أن نطأ  كل هذه العوالم .
و لا يختلف هذا الأمر عن الفكر الحديث رغم البون الزمني الشاسع طالما مازالت الأنتولوجيا مسكنا للتفلسف غير أنه إذا كان بالنسبة لأفلاطون أن أفكر هو أن أعرف و بالتالي أن أتعقل  الوجود فان المسألة عند ديكارت لا تتعلقَ بنفس الوجود بقدر ما تدلَ على لحظة الوعي ذاتها أي ينتفي الفصل بين أن أفكر و أن أوجد بحيث يكون الوجود شرط تفكيري و يصبح التفكير هو عينه الوجود و لعلَ عبارة "أني أفكر" تجد مستقرَها و منفاها عند ديكارت عندما توصَل إلى نتيجته الشهيرة "أنا أفكر إذا أنا موجود"  باعتباره اليقين الأول الذي يصمد أمام شكَه الكليَ و المغالي .
تتطابق لحظة التفكير و لحظة الوجود إذ لا وجود ممكنا خارج التفكير و لا تفكير دون ترسيخ لانيتي و وجودي و لذلك يجعل ديكارت من الأنا " شيء يفكر"
RES cogitans
يتحدد في هذه النقطة التفكير بماهو لحظة الوعي القصوى التي تعبر عن وجود أنا " يشك و يرتاب و يعني و يتصوَر و يريد و لا يريد و يتخيل و يشعر " و حتى التوهم لا يخرج عن دائرة التفكير و بالتالي يكون التفكير و الوجود واحدا.
و لكن مالغاية من هذا القول ؟ و أي معنى تحمل الأنا أفكر في العالم ؟
يحمَل ديكارت هذه الأنا القدرة على بناء المعارف انطلاقا منها إذ هي أول الحقائق  التي بها نعيد ثقتنا بالعالم و كأن الأنا أفكر هي أنا تسعى إلى إقامة علاقة بالعالم بعد عزلتها ارتكازا على وجود أسمى هو الوجود الاهي" .و الحاصل من ذلك أن أفكر هو أولا أن أوجد ثم أن أؤمن و من بعده إن أعرف كالفيزياء و العلوم الأخرى فالوجود هو الذي يحدد وجود الموجودات أو بلغة ديكارت فان الميتافيزيقا هي جذور الفيزياء و  بقية المعارف.
ارتبط التفكير بهذا المعنى منذ أفلاطون بأمور ميتافيزيقيَة أي بكلَ ماهو مجرَد و صوري و يتجاوز الحسيَ بل يؤسسه و لقد شكلَت هذه النقطة بالذات محور النقد الكانطي الذي اعتبر  في كتابه "نقد العقل المحض" أن ثلاث مواضيع لا يصحَ ادعاء معرفتها في النفس و الله و العالم في حين انبنت الفلسفة المثالية و العقلانية عليها.
شكلت اللحظة الكانطية إذن منعرجا يتسم بالنقد إذ أخضع تاريخ الفلسفة إلى محاكمة تتجه بالاتهام إلى العقل نفسه الذي اعتمد عليه الفلاسفة كوسيلة موثوقة لمعرفة الأشياء في ذاتها و بهذا النقد صارت كلَ المعارف السابقة على حافة السقوط و تغيرت إثرها دلالة "أني أفكر" إذ صار التفكير مع كانط محددا بشروط , الأمر الذي يستدعي مفاهيم مجاورة مثل "المعرفة" إذ يمكن للانا أفكر أن تكون أنا أعرف لكن ليس ذلك ممكنا في كلَ الحالات.
ننتقل مع كانط إذا من الاقتدار الديكارتي الواثق بنفسه إلى الإمكان إذا يصير العقل محددا بشروط يسميها كانط " جغرافية العقل" و منه تتحدد مواضيع المعرفة حسب مستطاع العقل أي في علاقته بالعالم الخارجي أي بالتجربة.
تحدث المعرفة حسب كانط عندما تتطابق معطيات التجربة الحسية مع مقولات العقل القبلية و هذان شرطان أساسيان لتحقق المعرفة الصحيحة كالعلوم و تمتاز جميعها بكونها تأليفية قبليَة مثلها مثل المواضيع الميتافيزيقية غير أن هته الأخيرة لا تستقي شيئا من التجربة علما و أن " كلَ معارفنا بتمامها تبدأ من  التجربة" فهل يعني ذلك أنه من المستحيل إن نعرف الله أو النفس ؟
إن رأي كانط في هذه المسألة سالب إذ لا يمكن أن نعرف ما يتجاوز مجال التجربة و لا يمكن أن نفكر إلا من خلال ما تمدنا به الحساسيةَ و عليه فان كل ادعاءات الفلسفة المثالية باطلة بل و معيقة لمسار تقدمها.
لكن من أين لنا فكرة الله مثلا ؟
نجد الإجابة عن هذا الاستفهام في بداية تصدير الطبعة الأولى من كتاب " نقد العقل المحض" :


« La raison humaine est soumise dans une partie de ses connaissances à cette étrange condition singulière qu’elle ne peut éviter certaines questions et qu’elle en est accablée »


فالعقل مقدر على سلك الدروب الوعرة و الدخول إلى الأماكن المحظورة و الخوض في مسائل لا مشروطة إذ لا تنحصر مهمة التفكير في المعرفة طالما أنه يمكن أن نفكر في كل ما يتجاوز المجال الحسَي و عليه فان معنى التفكير أوسع من معنى المعرفة و يحيل عامَة على فعاليَة نقديَة تدلَ على خروج الإنسان من حالة القصور إلى حالة النضج مثلما يوضح ذلك في مقالته "ما الأنوار؟"
فالإنسان الذي يفكر هو الذي يعيد قراءة العالم بعيون نقديَة و هو أيضا الذي يعيش وفق ما يفكر فيه إذ يحدد كانط مجال التفكير في الجانب العملي أي الأخلاقي و السياسي فيتحول الأنا أفكر إلى أنا أفعل مع السؤال الثاني " ماذا يجب عليَ أن أفعل؟" الأمر الذي يجعل الأمور غير القابلة للمعرفة ممكنة عمليا و لو على سبيل الافتراض إذ " يجب أن أتصرَف كما لو أن الله موجود" و هكذا فان دلالة التفكير تجد أخيرا مستقرها بعد أن اصطبغت بلون ميتافيزيقي جعل من الأنا و العقل مركزا الوجود و أساسه.
لقد اعتبرت المعرفة شرط الفعل الأخلاقي لكنها مع كانط لم تعد دافعا لذلك إذ لا يكفي أن اعرف الخير حتى أتصرف وفقه . فماذا يعني أني أفكر إذا لم يكن التفكير أساس وجودي و شرط سلوكي الأخلاقي ؟
لئن انزاح التفكير عن مركزيته السابقة فانه يظل سمة إنسانية فالإنسان ذو نزعة طبيعية تجعله يتعامل مع العالم بطريقة ميكانيكية خاضعة للعادة لكنه ما إن يبدأ في التفكير في الأشياء التي من حوله و يعلَق الحكم و يترصَد لحظة الوعي الذي هو نفسه التفكير في التفكير ينسج علاقة مع العالم. لذلك فان سؤال "ما ذا يعني أني أفكر هو سؤال هوسرليَ بامتياز لا يبحث عن موضوعات التفكير و لا تجلياته بل يتقصاه في ذاته في حلقة العدم التي توحي بأن الإنسان "ألقي به في الوجود" و عليه أن يخلق المعنى محمَلا بذات القلق الذي يصاحب الدهشة : لحظة التفلسف الأولى.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟