الجمعة 31 تشرين1

أنت هنا: الصفحة الرئيسية اجتماع ونفس علم النفس الاتجاه النفسي في النقد الروائي السوري ـ د.عبد الله أبو هيف

علم النفس

الاتجاه النفسي في النقد الروائي السوري ـ د.عبد الله أبو هيف

интересные фильмы в хорошем качестве онлайн
Joomla скачать
أنفاس

1-  الاتجاه النفسي:‏
اندرج علم النفس والتحليل النفسي في النقد الأدبي من خلال تفسير مسارات النمو الإنساني ومراحله من الطفولة إلى الرشاد مندغماً في عملية التأويل والتحليل وفاعلية الاستشفاء والعلاج (1).‏
ووضع التسمية فرويد عام 1896 علاجاً في لغة النقد الأدبي وعلم النفس معاً للكشف عن الكبت والجهر بما كان قد جرى إنكاره بوصفه العلاج الناطق لدى التعبير الأدبي وإفصاحه عن الحوار بين المريض والمحلل في أحوال آليات الأحلام والتوريات وزلات اللسان مشابهة لعمليات عقلية ولغوية معينة، وكامنة في العلائق الدفينة بين الوعي واللاوعي عند ربط التحليل النفسي بالبلاغة والسرد واستعانته بالاستدراك أو الإدراك الرجعي لهذا التحليل النفسي(2).‏
ولما كان التحليل النفسي ممارسة لمعالجة الأمراض والاضطرابات الذهنية، فإن لبّ العلاج بالنسبة للنظرية الفرويدية هو ما يُعرف باسم النقلة Transference أو التحويل، ويتداخل مع مفهوم الإسقاط Projection، أو عزو مشاعر ورغبات خاصة بالذات الإنسانية عملياً ونسبتها إلى الآخرين، عند التمازج بين الوعي واللاوعي، وعدّ لاكان «اللاوعي مبنياً مثل لغة، ليس مؤلفاً من أدلّة المعاني الراسخة بقدر ما هو مؤلف من داّلات، شأنه شأن اللغة بالنسبة لما بعد البنيويين»(3).‏
وقد اتصل اتجاه التحليل النفسي في النقد الأدبي باكتشاف علم النفس والتحليل النفسي، ويعود هذا إلى أواخر القرن التاسع عشر عندما توّج اكتشاف علم النفس مع فرويد، ويصل عمر هذا الاتجاه إلى مئة وثلاثين عاماً. وارتبط التحليل النفسي بثلاث مجالات:‏
1- نشوء التحليل النفسي في حقل الأمراض الذهنية، مثل: العُصاب، الذُهان، الانحراف، الانفصام، وهذه الأمراض قابلة للتحديد سريرياً، وهي التي تؤول إلى الموت السريري.‏
2- ما يتصل بالعقد النفسية، والعقد النفسية متصلة بالتكوين الثقافي من مرحلة الرضاعة حتى مراحل متقدمة.‏
3- يتصل بمجال الإنتاجات الثقافية، ويعني إلى أي حد يتمثل المرء في سلوكه وأفعاله ومنظوماته الفكرية الناظمة للقيم والمتعالقة بالتمثيل الثقافي، ولا سيما مؤثرات الثقافة الشعبية، وفي مقدمتها الشفاهية في تكوين المرء. وحاول «فرويد» شرح ذلك في كتابه «الطوطم والتابو»، ويشير الطوطم، إلى رموز تدخل في إطار الدين والعقيدة، وتعبّر عن قداسة هذه القيم الثقافية عند المرء. وظهرت التحليلات النفسية في هذه الإنتاجات الثقافية. مثال ارتكاب المحارم، والخصاء الذي يؤدي إلى العقم، ويصبح بالتحليل النفسي تعبيراً عن العقم المتعمد كالنرجسية.‏

{sidebar id=1} ويقوم علم النفس على التحولات، (لدى الإطلاع على كتاب «مسخ الكائنات» لـ أوفيد، ولـه كتاب «فنّ الهوى»)، مثل الفموية، والشرجية، والأم الذكرية، أي النسبة إلى المجتمع الأمومي الذي يرفض المجتمع الذكوري(4).‏
وتحددت أسس المنهج النفسي في النقد الأدبي فيما يلي:‏
1-    أول أساس هو وعي التحليل النفسي لدى الناقد، واتصاله بالأصول الثقافية وباللغة، لأن التحليل النفسي كعلاج يستند إلى الاستشفاء بالكلام، ويقوم الأمر على ما يسمى بالهستيريا.‏
2-    وضع «فرويد» قاعدة يسميها «بين الأريكة والمقعد»، لأنك بين الأريكة والمقعد تنظر في حال الهوس والهستيريا، ولأنّ التمكن من المرض أو العقدة النفسية مما يكشفها الاستشفاء بالكلام.‏
3-    قاعدة التداعي الحر للأفكار، وهذا ما حلله «فرويد» في كتابه «الحلم وتأويله»، فمن خلال البناء على عملية الاستشفاء بالكلام تُستحضر صور ومشاعر وذكريات لم تكن متوقعة، لإضاءة العلاقة بالذات وبالآخر.‏
4-    قاعدة الانتباه العائم: وصاغها فرويد في كتابه «تقنية التحليل النفسي»، بمعنى أن يكون المحلل شديد الانتباه للحظة وشكل تأويلاته، ويفيد معنى العائم الحرّ في فضائه الخاص.‏
5-      التحليل النفسي تجربة مسرحها اللغة حصراً. يقول «لاكان»: «التكلم والتكلم فقط»، وليس لهذه القاعدة سوى وسيط هو كلام المريض، وفي التحليل يكون الكلام وليد حدث أو وليد حلم أو وليد هاجس، ويُنظرفي هذا الكلام من خلال دفق الصور أو التصورات والأحاسيس والعواطف والذكريات والأفكار. والعنصر الرئيس في هذه الأسس هو مقاربة اللاوعي الذي يقوم على ثلاثة أنظمة: اللاوعي، وما قبل الوعي، ثم الوعي(5).‏
وربط واضعا كتاب «نظرية الأدب» بين التحليل النفسي والتركيب الفني، لأن «علم النفس في ذاته ليس إلا معبراً إلى عملية الإبداع. وأما في العمل الفني ذاته فليست الحقيقة النفسية ذات قيمة فنية إلا إذا متنت التلاحم والتركيب ـ أي إذا كانت، باختصار، فناً»(6).‏
واستعمل علم النفس منهجين: نتائج الاستبطان Jntrospection سعياً وراء ما يمكن أن يعلمه كلّ أحد عن فكره بالذات مستعيناً بعلم وظائف الأعضاء Physiologie، وعلم النفس الحيواني والبيّنات التي يمكن الحصول عليها، عموماً، بالمشاهدة، ويفضي ذلك إلى ما تتيحه لعبة القوانين النفسية في استكشاف أي فرع لوظائف الفكر العليا الناجمة عن المخيلة Imagination وإنشاء الأفكار Jdeation والتأثير المتبادل بين الكلام والفكر، وبين الانفعال والفكر، وبين الأحاسيس والأفكار وعن الابتكار والمشاعر الجمالية... الخ، ويسهم ذلك في اكتشاف القوانين المتعلقة بنمو الإنسان خاصة في التركيب الفني واللغوي(7).‏
ووجد منظرون آخرون فوائد التحليل النفسي في موازنة الاهتمام بالخبرة والسلوك والشخصية الإنسانية لئلا يهيمن هذا التحليل النفسي في مجال دراسة الأدب والنقد، من خلال عدم التركيز على اللاشعور وحده في النقد، لإدغام المعالجات النفسية الدائبة (السيكودينامية) بالخصائص الشعورية والمعرفية للإنسان وكيفية التعبير الأدبي عنها(8).‏
وتواضع منظرو التحليل النفسي في النقد على اللاشعور أو العقل الباطن في موازاة الشعور أو العقل الواعي، مثلما أكدوا على الذات العليا أو الضمير الكاشف لهذه الموازاة(9).‏
النموذج الأبرز والأكمل لنقد الرواية النفسي هو جورج طرابيشي، في مؤلفاته «رمزية المرأة في الرواية العربية» (1981)، و«عقدة أوديب في الرواية العربية» (1982)، و«الرجولة وإيديولوجية الرجولة في الرواية العربية» (1983)، و«أنثى ضد الأنوثة: دراسة في أدب نوال السعداوي على ضوء التحليل النفسي» (1984)، و«الروائي وبطله: مقاربة اللاشعور في الرواية العربية» (1995). واقتصر على تحليل نتاجه.‏
2- جورج طرابيشي:‏
2-1  رمزية المرأة في الرواية العربية:‏
بدأ طرابيشي ناقداً إيديولوجياً ماركسياً في كتبه النقدية الأولى خلال عقد السبعينيات كما رأينا، وأراد أن يدعم اتجاهه الإيديولوجي الماركسي بالاستعانة بالتحليل النفسي، فقد انتشرت خلال عقد الستينيات على وجه الخصوص تيارات فكرية ماركسية وفرويدية ووجودية وفرويدية، وأدغم بعض المفكرين والمبدعين الفرويدية مع النزعة القومية كما هو الحال في شغل مطاع صفدي الروائي والفكري حتى نهاية السبعينيات، وأصدر جورج طرابيشي كتابه «رمزية المرأة في الرواية العربية ودراسات أخرى»(10) دون ذكر منهجية معرفية ونقدية، غير أن الجلي هو دمج المنهج التحليلي النفسي بالاتجاه الإيديولوجي بوصفه منهج إغناء، فهو يضيف إلى العقد الظاهرة عقداً باطنة، ويجعل للعمل عدة مستويات للقراءة وللتأويل، ويعطي كلّ بعد عمقاً بعيد الغور يمثّل العمق الذي يعطيه اللاشعور للشعور.‏
واعتمد طرابيشي على بعض معطيات المناهج النقدية الحداثية الأخرى مثل التلقي والتأويل والرمزية على نحو بسيط. وكانت الدراسة الأولى «قراءة على مرحلتين لرواية عبد الرحمن منيف: حين تركنا الجسر»، ونظر إليها، في إطار المقارنة، مع رواية ارنست همنغواي «الشيخ والبحر» نموذجين من أدب الرجولة: شرقي وغربي، فالتشابه في الموضوع والإطار والبنية «المورفولوجية» لكل من الروايتين بينما الاختلاف في المضمون، وجوهر ما أراد أن يقولـه همنغواي في الشيخ والبحر هو أن الإنسان قد يُدمَّر بل قد يموت، ولكنه لا يُهزم.‏
أما رؤية عبد الرحمن منيف في «حين تركنا الجسر» فهي أن الإنسان المهزوم إنسان مدمَّر حتى ولو بقي على قيد الحياة. وهذا الاختلاف المنظوري في الموقف من الهزيمة يعكس في الحقيقة اختلافاً في الواقع التاريخي، فموقف همنغواي الرفضي إزاء الهزيمة استمرار بنوع ما للموقف «البروميثيوسي» من الطبيعة، وبالتالي استمرار للموقف الحضاري الأوروبي ابتداء من عصر النهضة وبدايات الرأسمالية، وهو موقف يقوم في وجه أساسي من وجوهه على مبدأ تطويع الطبيعة وتحويلها والسيطرة عليها.‏
وثمة افتراق رؤيوي بينهما على أن شعوراً طاغياً بالحرية تتفجر به رواية همنغواي، بينما المذاق الوحيد لرواية عبد الرحمن منيف هو مرارة جبرية الهزيمة وقدريتها، وانتبه طرابيشي إلى حكم بعض النقاد على رواية «الشيخ و البحر» بأنها «إحياء المدرسة الطبيعية»، ورفض هذا الحكم بما يوفره الاتجاه الإيديولوجي الماركسي من «وعي الضرورة، وبالتالي الحرية»، ولم يغفل عن شغل نقاد همنغواي، فقد تواصل معهم بين حين وآخر مثل كارلوس بيكر الذي عدّ أدب همنغواي مفتوحاً، بينما اتصف أدب عبد الرحمن منيف بأنه «أدب مغلق، محاري، لا يدع نافذة على العالم الخارجي إلا ويغلقها، ولا كوة إلا ويسدها، فهو في الأساس أدب اختناق» (ص17).‏
وركّز طرابيشي على مفهوم الرجولة في الروايتين آخذاً بجوانب من اتجاهي التأويل والتحليل النفسي تناغماً مع الرمزية. ولا ننسى دراسته السابقة عن «عبد الرحمن منيف والبحث عن زمن الرجولة» في كتابه السابق «الأدب من الداخل»، «فقد جعل أدلجة الرجولة تعبيراً عن الوضعية العربية العامة وبالمقارنة مع أمدوحة الرجولة التي هي رواية «الشيخ والبحر»، ومع مرثيتها التي هي رواية «شرق المتوسط»، فإن رواية «حين تركنا الجسر» تتبدى في المقام الأول كأهجية.‏
ثم ربط مازوخية بطل الرواية زكي النداوي بالمازوخية المعنوية، وأثار طرابيشي أسئلة كثيرة ناجمة عن هذه المازوخية، وسرعان ما آلت إلى خطيئته بترك الجسر.‏
وأفاد أن الترميز مع التحليل النفسي يفضي إلى بعد الرواية القومي العام، فقد استطاع منيف تفريد العصاب الجماعي وتركيز جميع إحداثيات البناء الدرامي للرواية على نقطة التصالب بين مصير فرد و بين مصير الجماعة.‏
ومن الواضح أن طرابيشي يجمع بين التحليل النفسي والتحليل الاجتماعي موظفاً أطروحات يونغ على وجه الخصوص، ثم يدغمها بالأدلجة الماركسية ضمن جدل التاريخ والواقع واشتراطاته القاسية على الذات من خلال اللاشعور الجمعي الذي «يمثّل خبرات الماضي وتجارب الأسلاف»، وتتبدى هذه العملية الإبداعية «باستشارة النماذج الرئيسة المتراكمة في اللاشعور الجمعي بوساطة الليبيدو المنسحب من العالم الخارجي، والمرتد إلى داخل الذات، وبوساطة الأزمات الخارجية أو الاجتماعية أيضاً»(11). وهكذا يفصح اللاشعور الجمعي عن بُعد العصاب الجماعي فإذا بالهزيمة تتحول إلى هزيمة رجال ومأساة رجال، و إذا برجل واحد يلخص في نفسه كل الهزيمة وكل المأساة: الرجل الذي لا يقول عن نفسه «رجل» إلا ليضيف «المخصي».‏
وشرح طرابيشي مفهوم المازوخية لإضاءة تحليله الإيديولوجي، على أن كل مازوخية، بما فيها المازوخية المعنوية المكفوفة في الظاهر من حيث الهدف الجنسي، هي عصاب جنسي المنشأ، أو في أدنى الأحوال أوديبي المنشأ. هذا مكتسب ثابت من مكتسبات التحليل النفسي، فالمازوخية وسيلة مرضية من وسائل الدفاع عن النفس. فكل شيء يجري فيها كما لو أن المازوخي يقبل، إزاء خطر فقدان كل شيء (خطر الخصاء في المقام الأول)، بتضحية جزئية لإنقاذ الباقي. وبعبارة أخرى، أن المازوخي يعقد في وهمه نوعاً من الصفقة: فمقابل الألم الذي ينزله بنفسه يمتنع الأب أو السلطة البديلة عنه (الأنا الأعلى) عن معاقبته على ميولـه الجنسية الأوديبية التي تبدو، في النظرية التحليلية النفسية على الأقل، وكأنها وريثة الخطيئة الأصلية كما تقول بها الكنيسة الكاثوليكية.‏
وأضاف طرابيشي إلى إدغام التحليل النفسي بالتحليل الاجتماعي المؤدلج بعداً ثقافياً عالياً تتيحه البنية الفوقية للمجتمع وإنتاجه ضمن أدلجة الرجولة وإملاءاتها نحو تشكلات الوعي الاجتماعي.‏
وصرّح طراييشي بمنهجيته الإيديولوجية المتعاضدة مع التلقي والتأويل والتحليل النفسي في دراسته الثانية «هجاء التصور الجنسوي للتاريخ: قراءة في رواية غرفة المصادفة الأرضية لمجيد طوبيا»، ووصف الرواية بأنها رواية امرأة ونظرة ولعبة مرايا كبيرة، وغلّب طرابيشي نظرته للرواية على أنها رواية سقوط التصور الجنسوي للعالم، فإنما في فصلها الثاني يأتي هذا السقوط مدوياً.‏
ويشير عنوان الفصل الثاني، اصطدتها في يوم مطير، إلى «الجنسوي» في وعي الأحداث التي ستجري فيه، فـ«اصطياد» المرأة هو بالفعل الغاية الأولى والأخيرة للتصور الذكوري الجنسوي، واللفظ بحد ذاته يومئ على نحو مباشر إلى أن أعظم دور تاريخي يمكن أن تطمح فيه المرأة من منظور هذا التصور، هو دور الطريدة.‏
واستند تحليله إلى تجنيس العلاقات التاريخية والواقعية، وألمح إلى مسعاها التعليمي والتربوي من خلال الترميز والتجنيس المذكور، وتابع طرابيشي مسعاه المنهجي في دراسته الثالثة «قداسة الوظيفة ووظيفة القداسة: قراءة مزدوجة لرواية نجيب محفوظ حضرة المحترم»، وربطها بأسطورة فاوست.‏
وعاود طرابيشي ولعه بالرمزية، مثلما فعل في كتابه النقدي «الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية»، مشيراً إلى بعض رواياته الأخرى، إذ أن «حضرة المحترم» تُقرأ قراءتين، وعلى مستويين. وقرأها في المرة الثانية بوصفها مأساة سقوط القديس أو الولي عثمان بيومي. وأول ما استوقفه عنوان الرواية بالذات. فـ «حضرة المحترم» هو اللقب الذي يطلق عندنا على موظف الدولة. ولكنه أيضاً اللقب الذي يطلق على القس، وبصورة أعم على رجل الدين.‏
وخاض طرابيشي في مُعطى منهجي التلقي والتأويل والرمزية بالدرجة الأولى معنياً بدلالات الرواية تقليلاً من ولعه بالتحليل النفسي. وذكر أن رهان نجيب محفوظ في «حضرة المحترم» لم يكن على كل حال سهلاً. فقد نسج شخصية بطل هذه الرواية، لحمةً وسدى، من العفن والنتن، ومع ذلك لم يكن ما وضعه على مسرح الحدث الروائي جثة، بل إنسان حي بكل ما نريد أن يكون حياً فينا، إنسان أو بالأحرى لا إنسان يدعى عثمان بيومي، ويلقب بحضرة المحترم (ص99).‏
أما الدراسة التي تحمل عنوان الكتاب «رمزية المرأة في الرواية العربية»، فتوازى فيها الاتجاه الإيديولوجي الماركسي مع الاتجاه الاجتماعي مستعيناً بالترميز عند تحليله لثلاث روايات هي:‏
- الفلاحة التي قررت أن تتعلم في رواية «ميرامار» لنجيب محفوظ.‏
- الخلطة التاريخية في رواية «تلك الأيام» لفتحي غانم.‏
- سليلة آخر الأيوبيين في رواية «زينب والعرش» لفتحي غانم.‏
وأراد طرابيشي من تناول رمزية المرأة أن يكشف عن الإيديولوجية بالدرجة الأولى، وبادر في الحديث عن رواية «ميرامار» من خلال رمزية بطلتها «زهرة»، وجمالها بالذات هو ما يجعلها موضوعاً للصراع الحضاري الدائر من حولها. أما طبيعة هذا الصراع فتتحدد بالانتماء الطبقي والسياسي للمتصارعين أنفسهم. ذلك أن الوطن ليس مفهوماً مجرداً متعالياً على التاريخ، ودون أن يكون نجيب محفوظ نصيراً للمادية التاريخية، فإن الواقعة الطبقية تظل عنده مكتسباً نهائياً، لا سبيل إلى الرجوع عنه، من مكتسبات العلم الاجتماعي، ولو في صيغته الانتقائية.‏
ووجد طرابيشي أن حلقة الترميز اكتملت مع زينب فتحي غانم، وانغلقت فما لم يكن عند توفيق الحكيم من منظور الرمزية إلا إضافة لاحقة من الخارج، وما لم يكن عند نجيب محفوظ إلا بعداً متضامناً متكاملاً مع البعد الواقعي، احتل عند فتحي غانم مساحة البناء الروائي كلها، وصار الترميز، الذي هو الأساس على تعدد أبعاد، أحادي البعد. وبعبارة أخرى، تقلص الرمز symbole إلى مرموزة Allegorie.‏
وأكد طرابيشي على أن القراءة الرمزية واجبة في تأويل الروايات المدروسة جميعها، فالمرأة، وجسد المرأة، وقوانين الحياة في جسد المرأة لا يمكن استخدامها، ولو عن حسن نية، كرمز جنسوي Sexistes في مجتمع أبوي ومتأخر يضطهد المرأة ويحتقرها، ويكثّف كل اضطهاده واحتقاره لها في الإيديولوجيا الجنسوية.‏
وأشار طرابيشي على غلاف كتابه إلى الفقر الدلالي للترميز بالمرأة وبالتجنيس، فالمرأة، حتى عندما يُرمز بها إلى الوطن، تخسر استقلالها وسؤددها الذاتي، وتصير أشبه بمادة صلصالية يصنعها الآخرون ولا تصنع نفسها، دون أن تملك طاقة الحرية.‏
ولكنه، على تقليله من قيمة هذا الترميز والتجنيس، أورد خلاصة ذات أهمية في إضاءة المبنى الدلالي للرواية، فرواية «زينب والعرش» كتبت في أعقاب هزيمة حزيران 1967 التي رأت فيها زينب ـ بمفردات مستعارة من قاموس التفسير الجنسوي للتاريخ ـ «نهاية كل الرجال»، والتي أزاحت النقاب في الواقع عن القصور، بل حتى عن الفشل التاريخي للشريحة «العملية» التي استلمت مقاليد السلطة في مصر وأقطار عربية أخرى باسم محو عار هزيمة 1948.‏
لقد وظّف طرابيشي التحليل النفسي كلياً في خدمة التحليل الاجتماعي المؤدلج، ولم ينكر منظّر التحليل النفسي في النقد كمون سلطة الإيديولوجيا وثقل التاريخ ثقلاً لغوياً وإرثاً رمزياً داخل عمليات التحليل النفسي، و«الأدب هو مجموع الكتابات المرتبة بوضوح تحت تأثير التخييل بعيداً عن التقني والتربوي التي تعيد صياغة هذا الماضي الذي يهتز من الحقيقة السرية، وإن قراءة التخييل بالنظر النفساني تسمح في الوقت نفسه بمنح النصوص بعداً آخر»(12). ولنا أن نقرّ بارتقاء التوظيف النفسي في سياق الأدلجة إلى مستوى الإضاءة الفكرية العميقة لرؤى الرواية.‏
2-2- عقدة أوديب في الرواية العربية:‏
اهتم طرابيشي بمنهجيته النقدية في مفتتح كتابه «عقدة أوديب في الرواية العربية»(13) ، والتفت عن العرض النظري للمبادئ النقدية المعتمدة في هذا الاتجاه أو ذاك، لأن النقد الأدبي، بتقديره، مهما وضعت فيه من نظريات، يبقى فناً تطبيقياً. وخير تعريف بمنهج من مناهج النقد هو في تطبيقه، فخصوبة المنهج تتحدد بالنتائج أكثر منها بالمقدمات، غير أن مثل هذا الالتفات عن المنهجية من شأنه أن يضعف النقد التطبيقي. واعترف لأول مرة في مؤلفاته النقدية بأن المنطلق المنهجي هو التحليل النفسي متماهياً مع الاتجاه الإيديولوجي الماركسي، فهو لا يريد اختزال النص الأدبي إلى سياقه النفسي، بل يطمح، من منطلق هذا السياق، إلى الكشف عن أبعاد جديدة للنص الأدبي، وهي أبعاد قد تبقى معتمة إذا لم تُستكشف على ضوء منهج التحليل النفسي.‏
وحدد منطلقه المنهجي النفسي في ارتياد مجاهل جديدة في الجمالية ورؤية العالم (المادة الإيديولوجية) إزاء بطانتها النفسية، مهما تقلص منهج الدراسة إلى بعده السيكولوجي الخالص. وقد يتقدم الإخراج الجمالي والإيديولوجي لعقدة أوديب على العقدة نفسها. وفي مثل هذه الأحوال تتغلب «السوسيولوجيا» على «السيكولوجيا» في المنهج.‏
واعتمد في كتابه على اعتبارات تاريخية ومنهجية في تحليل عقدة أوديب في رواية السيرة الذاتية عند إبراهيم عبد القادر المازني وتوفيق الحكيم وأمينة السعيد وسهيل إدريس. ووجد أن المازني في مقدمة روايته «إبراهيم الكاتب» أراد أن يخلق شخصية من إبداعه المحض، لا تمت بصلة قربى، ولو بعيدة إلى شخصه، وأن يكتب رواية مصرية مختلفة مضموناً وأسلوباً عن الرواية الغربية، وأن يطّبق في مجال الرواية المنهج السيكولوجي في بناء الشخصيات على أساس تحليلي، بحيث يحلّ التأمل الباطني محل الوقائعية والحبكة الحديثة.‏
وأفاد أنّ المازني لم يكتب قصة مصرية، وهذه حقيقة انتبه إليها النقاد الأجانب قبل النقاد العرب، لأنّ اللون المحلي يكاد يكون مفتقداً.‏
وأمعن طرابيشي في تحليل روايات المازني نفسياً بمصطلحاته ومنظوراته ودلالاته الهامسة والصارخة برهاناً على نظرته مضافاً إليه بعض الاستعدادات الوراثية والتكوينية.‏
إذ كان المازني يعاني، منذ طفولته، من عدد من الأرهبة PHOBIES، وعلى الأخص رهاب النار ورهاب الفرو والدببة ورهاب الثعابين والحشرات والهوام بأنواعها. والأرهبة الطفلية. وبالإضافة إلى ذلك كان متطيراً، ويعاني معاناة شديدة من هجاس المرض HYPOCONDRIE. وهذه المشاعر هي في مذهب التحليل النفسي أوديبية بالضرورة، كما أن العقوبات المتوهمة أو الرمزية ما هي إلا بدائل عن العقوبة القصوى التي يخشى الابن الأوديبي أن ينزلها بها الأب: الخصاء.‏
وكانت الخلاصة تعميقاً لهذه النظرة في التحليل النفسي المفضي إلى وعي الأدلجة «الشاذ» واضعاً فرديته بأنها توقفت عند طور الذاتية المكتفية بذاتها، ولم ترق إلى طور الذاتية المتجاوزة لذاتها باشتمالها على الغيرية.‏
وأقرّ أن رواية «عودة الروح»، عُدّت منذ صدورها عام 1933 من أنجح نماذج روايات السيرة الذاتية، ولا يتحدث بطلها محسن عن أمه، في الصفحات القليلة التي يتحدث فيها عنها، إلا ليرسم صورة للأم التي إذا ما أنجبت ابناً فإن هذا الابن لن يكون لـه من خيار في المستقبل إلاّ أن يكون عدواً للمرأة.‏
واستغرق طرابيشي في التحليل النفسي بمتعة فكرية تحبب إلينا الاتجاه النفسي في النقد، شأن الحديث عن الاضطهاد الفعلي أو المتوهم، بما يستتبعه من تعاطف، يمهد الطريق أمام اشتغال أوالية التماهي التي تثبت نطاق المثلث الأوديبي.‏
وتوقف طرابيشي عند المفارقة بين حسيّة الموسيقى الشرقية وذهنية الموسيقى الغربية في «زهرة العمر» والإيماء إلى انتصار روحانية الأب على روحانية الأم بظهور موضوعة المرأة الآثمة.‏
وجاءت رواية «عصفور من الشرق» استكمالاً لسيرة توفيق الحكيم الذاتية، وكأنها نموذج شبه كامل لما أسماه «بنية الأدب الحكيمي»، وهي بنية ثلاثية الحركة، تكاد إحداثياتها الثلاث أن تتطابق مع أضلاع المثلث الأوديبي، وأعاد تأويل هذه الحركات الثلاث بدالة الحركة الثلاثية للعقدة الأوديبية المعكوسة:‏
الحركة الأولى: فردوس الخيال، الملكة المتوهمة.‏
الحركة الثانية: جحيم الواقع، السقوط من سماء الحلم إلى أرض الحقيقة.‏
الحركة الثالثة: معاودة الصعود، الفن كمرقاة إلى السماء، عالم الموسيقى العلوي النوراني.‏
ويرى طرابيشي أن هذه البنية، التي يتحرك ضمن محاورها الحدث الروائي «عصفور من الشرق»، ليست مقصورة على هذه القصة وحدها، فهي تكاد تكون البنية العامة لكل أدب توفيق الحكيم.‏
وحلل طرابيشي صور حلقة الأم الطيبة في بعض أعمال توفيق الحكيم، و«تشتمل هذه الحلقة على سبعة وجوه على الأقل، تتمثل بايزيس «ايزيس»، عنان «الخروج من الجنة»، بلقيس «سليمان الحكيم»، الغانية «السلطان الحائر»، شمس «شمس النهار»، كليوباترا «لعبة الموت»، بريسكا «أهل الكهف»، والوجه المركزي بينها هو بطبيعة الحال وجه ايزيس.‏
وانتقل طرابيشي إلى معالجة حلقة الأم الشريرة في مسرحياته «الطعام لكلّ فمّ» و«مصير صرصار» و«أغنية الموت» و«حديث مع الكوكب» و«العش الهادئ» و«الصندوق» ووصف طرابيشي حلقة الأم ذات الوجهين، و«إن يكن توفيق الحكيم في جميع الأعمال التي تقدم تحليلها قد فصل بين وجهي الأم، فقدم لنا في حلقة على حدة وجه الأم الرحمية والماقبلية، وفي حلقة أخرى وجه الأم الفالوسية والمابعدية، فإنه في أعمال أخرى، مثل «سر المنتحرة» (1929) و«رحلة إلى الغد» (1957)، يقيم مواجهة مباشرة بين كلتا الأمَّين إلى امرأة بعينها أن تجسّد شخصية الأم المثالية والطيبة، وإلى امرأة ثانية أن تمثل شخصية الأم الواقعية والشريرة، ويجعل من الصراع بين هاتين المرأتين محور العمل الأدبي ومحرك أحداثه.‏
وأفاد تحليله لهذه الحلقات أن عالم توفيق الحكيم هو إلى حد كبير، عالم غائبة عنه الحرية. فأبطاله مصائرهم مقررة سلفاً. وبطلته شهرزاد شاهد مبين على ذلك. فقد أرادها في وعيه مثالية ومن وحي حبّه لايزيس، فخرجت من بين يديه واقعية ومن وحي كرهه للأم الخائنة.‏
واختلفت عقدة أوديب في روايات أمينة السعيد، وأشار إلى إجمال الرأي النقدي في رواية «آخر الطريق» أنموذجاً لتأليفها الروائي، «فنلتقي من جديد المثلث الأوديبي المتساوي الساقين: قاعدته يحتلها أب شرير، خصَّاء، ذو وجود عملاقي وساحق، وضلعاه واهيان، رقيقان، يشغلهما أم وابن يجمعها ويساوي بينهما رزوحهما تحت وطأة اضطهاد ذلك الأب» (ص217).‏
وعالج في الدراسة الأخيرة من كتابه «العقدة الأوديبية وحدود التقدمية» عند سهيل إدريس في روايتيه «الخندق العميق» و«الحي اللاتيني»، وفيهما يعود المثلث الأوديبي إلى الاشتغال في صورته التقليدية، فيتولى دور البطولة فيه الابن كمتمرد، من جهة أولى، على الأب، وكمتحالف، من الجهة الثانية، مع الأم. وعلى الرغم من النرجسية البعيدة الغور التي تسبح فيها روايتا سهيل إدريس كلتاهما، فإن مزية مؤلفهما التي لا تنكر لـه أنه قدم فيهما إخراجاً اجتماعياً ـ إن صح التعبير ـ للعقدة الأوديبية.‏
واستخدم مصطلحات التحليل النفسي باتساع وصولاً إلى إيضاح الأدلجة، فالحي اللاتيني مفعمة بنزوعها التقدمي ومثلثة بمرجعيتها الاجتماعية، ويؤدي ذلك إلى الإفصاح عن محاولة طرابيشي في كتابه «عقدة أوديب في الرواية العربية» أن يستفيد من علم الاجتماع من جهة، ومن علم النفس الجماعي القائم على الأسطرة واللاشعور الجمعي وبعض عناصر التمثيل الثقافي تسويغاً لأدلجة الأطروحات الروائية، من جهة أخرى.‏
2-3 الرجولة وإيديولوجية الرجولة في‏
الرواية العربية:‏
أصدر طرابيشي الجزء الثاني من المشروع الذي بدأه في «عقدة أوديب» في كتابه «الرجولة وإيديولوجيا الرجولة في الرواية العربية»(14) ، وعاد فيه إلى نقده النفسي ـ الإيديولوجي، فثمة وصل بين الإيديولوجيا وبين معيِّناتها على صعيد البنية التحتية النفسية، لا تنكر عليها استقلالها الذاتي. فالإيديولوجيا، من حيث أنها اختيار راشدي لا طفلي، تظل هي المجال الأول لتدخل الحرية الإنسانية لدى الكاتب. وعزا ذلك إلى مطمح مستوى العلية، لا الجبرية النفسية، ويتأدى ذلك، برأيه، إلى اعتناق الإيديولوجيا الفاشية أو الإيديولوجيا الاشتراكية.‏
وسجّل طرابيشي اتهام المنهج التحليلي النفسي بالاختزالية، بينما رأى أن مثل هذه التهمة يمكن أن توجه إلى أي منهج آخر، أما طموح منهجه «فليس أن ينكص من التظاهرات إلى العقدة، بل أن يتقدم من العقدة إلى التشكيلات السيكولوجية ـ الإيديولوجية». غير أن طرابيشي صدّر مسعاه الإيديولوجي على الأنساق الأخرى، ونظر في دراسته الأولى إلى ثلاثية الجزائر (لمحمد ديب) بين الواقع و»اليوطوبيا» وتمثيلها لتضامن النفسي والاجتماعي، فلا يماري أحد، بتقديره، في أن العالم الخارجي حاضر حضوراً فيزيقياً غامراً في ثلاثية محمد ديب. فهذه الثلاثية تنتمي بحقّ إلى ما أسماه برواية العالم الثالث. ولكن نمطية الشخصيات الثانوية فيها لا يجوز بحال أن تغيِّب عن الأنظار فردية الشخصية المركزية. ولكن هذه الفردية، بحكم الانتماء العالم ـ الثالثي للرواية، لا يمكن أيضاً أن تقرأ قراءة سيكولوجية خالصة. فالسيكولوجيا هنا تحيلنا دوماً إلى السوسيولوجيا. ليعزز الدلالات الرمزية في مفهوم «الحريق»، أحد عنوانات الرواية.‏
وكان لـه أيضاً معنى رمزي: فقد كان «حريقاً مطِّهراً»، نظّف «المكان كله»، ولكنه نظّف أيضاً النفوس وجعلها مهيأة للحريق الأكبر، الحريق الذي سينظف الجزائر كلها من الوجود الاستعماري» (ص54).‏
ووّسع طرابيشي تحليله لعبادة الرجولة في روايات حنا مينة، وقسّم رواياته إلى مثال الأنا والأنا المثالي، فارس في «المصابيح الزرق» وكامل في «الشراع والعاصفة»، وفياض في «الثلج يأتي من النافذة»، وهم أبطال يتحكم بهم أنا أعلى بالغ الصرامة فلا يترك لهم من خيار آخر غير طريق الشهادة بكل تلاوينه «المازوخية»، والطروسي في «الشراع والعاصفة»، والمرسنلي في «الياطر»، وسعيد حزوم في «حكاية بحار».‏
وقارن مفهوم الرجولة مع انتماءات الروائي إلى الواقعية الاشتراكية في «المصابيح الزرق»، بينما استطاع أولاً أن يطعن الأب في أعزّ ما يملكه كأب، أي في اسمه بالذات، فأبوه لن يستطيع أن يكون بعد تلك الفعلة كما كان من قبلها «أبا فارس». واستطاع ثانياً أن ينتقم من ممثل هذا الأب، أي أناه الأعلى الذي طالما أرهقه وسامه خسفاً وحملَّه ما لا قبل لـه بحمله» (ص90). واستطاع ثالثاً أن يعيش علاقته بالعالم وفق ما يصحّ تسميته بالنمط النرجسي، ورابعاً وفق هذا النمط النرجسي نفسه، «أن يفوز بالدليل القاطع على أن الآخرين يحبونه رغماً عن عيوبه» (ص91).‏
وتابع تحليل الرجولة في روايات «الثلج يأتي من النافذة»، واستغرب تحليل الناقدين نبيل سليمان وبوعلي ياسين للرواية وتصنيفها في عداد «شواهد المستقبل الاشتراكي والمجتمع الجديد»، لأن ما «يمكن أن يكون مفهوماً لنا من وجهة نظر سيكولوجية لا يبدو لنا مفهوماً على الإطلاق من وجهة نظر إيديولوجية. فالماركسية التي إليها ينتمي حنا مينة وبطله فياض قد تحتمل حتى أن تكون مسيحية، ولكنها لا تحتمل إطلاقاً أن تكون معادية للمرأة» (ص118).‏
ووجد طرابيشي نفسه أمام مغالاة رمزية جديدة في رواية «الشراع والعاصفة»، وانتقد رواية «حكاية بحار» على قيمتها الفنية من جوانب اخرى، فهي أقرب إلى كتاب قصصي، تعددت قصصه، وأمكنتها وأزمنتها وأحداثها.‏
ونبذ النقد الموجه لرواية «الشمس في يوم غائم» إزاء تغليب وصفها «برواية صراع طبقي» (ص166)، «فالمصادرة على أن «الشمس في يوم غائم» رواية صراع طبقي تعني ضرورة تفسير كراهية الابن لأبيه بكراهيته للطبقة التي ينتمي هو وهذا الأب إليها. والحال أن هذا التحليل الأحادي الاتجاه يخفي عنه الطرف الآخر، والجدلي، للمعادلة، وهو أن الابن يكره مع طبقته أباه، ولا يكرهها إلا بقدر ما يكرهه، بل لعله لا يكرهها إلا لأنه يكرهه» (ص167).‏
وانتقد بالمقابل رواية «الياطر» التي تجمع أكثر مزايا روايات حنا مينة الأخرى، وتتفادى في الوقت نفسه أكثر عيوبها، وكبرى ميزاتها تحررها من ذلك «التفلطح» في الزمان والمكان شأن روايات أخرى عند مينة.‏
وحكم طرابيشي على حنا مينة بعودته إلى تقنية السرد التقليدي في روايتيه «بقايا صور» و«المستنقع»، إذ تقعان عند الحدود الأصلية بين السيرة الذاتية ورواية السيرة الذاتية.‏
وأفضى بحث طرابيشي عن الرجولة وأدلجتها عند حنا مينة إلى الملاحظات السيكولوجية والإيديولوجية التالية:‏
1-    عبادة الرجولة باعتبارها (بعد المماهاة بينها وبين الإيجابية) القيمة الكبرى في الحياة.‏
2-     استيهام العملقة، مادياً لدى الأبطال الآباء، معنوياً (بالالتزام السياسي، بمعجزة الفن) لدى الأبطال الأبناء.‏
3-     الهذاء الجنسي كلازمة منطقية للعملقة المستوهمة عند الأبطال الآباء، وكدليل مادي على الرجولة المستوهمة لدى الأبطال الأبناء.‏
4-     المازوخية، لا كعقاب للذات فحسب، بل كذلك كأوالية نرجسية من أواليات الدفاع عن الأنا.‏
5-    هجاء المرأة من منطلق المعادلة بين الأنوثة والسلبية. وهذا الهجاء يؤدي وظيفة مشابهة لتلك التي تؤديها «المازخية». فهو في آن معاً دليل نفي وإثبات، وتكتيك هجوم بقصد الدفاع.‏
استفاد طرابيشي كثيراً من التحليل النفسي في النقد الروائي في كتابه «الرجولة وإيديولوجية الرجولة»، ولا سيما العقد النفسية التي تصير إلى أمراض ذهنية أو عقلية شاملة لإرادة الوجود وتقلباتها من المنظور الذاتي لهذه الشخصية أو تلك، وأوغل طرابيشي عميقاً في نتائج الاستبطان النفسي، وأدغمها في محاولات الأدلجة الماركسية تمحيصاً لحالات بعض القوانين النفسية التي تنسرب فيها التأثيرات بين الواقع والمخيلة وتكوّن الأفكار لدى صراع المرء مع إشكالات كينونته.‏
2-4 أنثى ضد الأنوثة:‏
عاود جورج طرابيشي التزامه بمنهج التحليل النفسي في الحلقة الثالثة من مشروعه: «أنثى ضد الأنوثة: دراسة في أدب نوال السعداوي على ضوء التحليل النفسي»(15)، وأكد على أنه منطلق للتحليل النقدي ـ الإيديولوجي أيضاً، والحلقة الثالثة مكرسة حصراً لأعمال الممثلة الكبرى للروائية النسوية العربية: نوال السعداوي. ولم يهتم بمفهوم النسوية وتجلياتها الأدبية التي تنهض على مكابدة العيش والعلاقات الاجتماعية الذكورية المتسيدة بأكثر من القلق النفسي، ورأى أن مؤلفة روايات «امرأة عند نقطة الصفر» و«مذكرات طبيبة» و«امرأتان في امرأة» و«الغائب» تنتمي إلى الجنس المضطهَد، أي عناء النسوية.‏
وألمح أن بعض طوابع النسوية دون تسميتها، فقد «وجد على الدوام بين محبي العنف من الذكور من يتصور العلاقات بين الجنسين حرباً ومن يفهم القضيب على أنه سلاح. وكما تقول المناضلة النسوية جرمين غرير: «إن على النساء أنسنة القضيب بحيث يعود لا سلاحاً من الفولاذ بل لحماً». وأضاف: «وعليهن أيضاً أنسنة العالم»» (ص7).‏
وحلل طرابيشي رواية «امرأة عند نقطة الصفر» بوصفها الأمدوحة الكبرى لامرأة أوصلها صدقها مع نفسها إلى أن تكون مومساً وقاتلة.‏
وأخلص طرابيشي في كتابه هذا للتحليل النفسي نحو إظهار المنظور الإيديولوجي فالخصاء الجماعي الرمزي يجد تكملته المتضامنة معه في مجزرة على صعيد القيم.‏
وتناول «مذكرات طبيبة» بالتحليل على أنها رواية، بينما هي سرد سيري صريح صادر في أواخر الستينيات بالقاهرة ضمن سلسلة «إقرأ» عن تجربة السعداوي الشخصية في رفض الأنوثة طبيعياً، وليس اجتماعياً، على الرغم من عنايته بطبيعة السيرة الذاتية، فالتماهي جلي بين البطلة الروائية والراوية الروائية ذاتها. وقد نبذت الفروق التشريحية بين الجنسين التي ستأخذ طابعاً اجتماعياً سافراً تالياً. وتعيش بطلة الرواية الظلم الذكوري، لا شعورياً على الأقل، على أنه خصاء نرجسي يكرر ويكبِّر ويترجم إلى لغة الوعي الخصاء المستوهم في اللاشعور على صعيد الأعضاء الجنسية.‏
وشرح طرابيشي تداخل البيولوجي والسيكولوجي والاجتماعي من فتحة الجنسية النرجسية، فالليبيدو عزف عن الموضوع ارتدّ نحو الذات. و«من المستحيل أن نتصور «نرسيس» بدون مرآة. والعالم الخارجي هو هذه المرآة، أي مصدر القيمة الاجتماعية التي بدونها يستحيل اشتغال أوالية المغالاة في التقييم الذاتي التي هي النرجسية. وذلك هو سر النقلة الكبيرة لبطلة «مذكرات طبيبة» من البيولوجيا والسيكولوجيا إلى السوسيولوجيا» (ص57-58).‏
وآل تحليله النفسي للرواية إلى ملاحظة النقد الذاتي الذي اختتمت به السعداوي روايتها، ثم حلل رواية «امرأتان في امرأة» نفسياً ساعياً في الوقت نفسه إلى التحليل النقدي ـ الإيديولوجي الذي يكشف عن الحل الأنثوي في مواجهة الذكورة، عندما يتحول النضال السياسي من بوتقة للصهر إلى بوتقة للفرز، والمفروز كائن أعلى لا جنس لـه ولا نوع، فلا هو أنثى ولا ذكر، ولا هو بشر، وإنما هو كائن خرافي يتخذ من خرافيته بالذات دليلاً على واقعية وجوده.‏
وعزز موقف السعداوي، في تحليله، للمنظور النسوي في روايتها «الغائب»، وبيّن طرابيشي الفارق الكبير بين بطلة «الغائب» وبطلة «امرأتان في امرأة»، وحتى بينها وبين بطلة «مذكرات طبيبة»، ثم عني بثلاث محطات كبرى تحدد خط السير الليبيدوي لفؤادة خليل سالم: 1- المحطة الأوديبية؛ 2- المحطة النكوصية (النكوص لا إلى المرحلة القبل أوديبية فحسب، بل كذلك إلى مرحلة أكثر بدائية بعد، مرحلة التعايش التنافذي مع الأم)؛ 3- المحطة الترميمية (الارتداد باتجاه المرحلة الأوديبية).‏
ورأى طرابيشي «أن ذلك القلق الأونطولوجي وهذا التعلق المؤسي بالبقية الباقية من أشياء العالم الخارجي وموضوعاته، هما اللذان يجعلان لأجواء رواية «الغائب»، الموبوءة بروائح القيء والبول والمرارة الصدئة، نكهة شعرية تطغى على ما عداها طغيان رائحة الياسمين حتى على الزبل الذي يُسمَّد به (ص200).‏
ودعم طرابيشي آراءه في التحليل النفسي وتعالقاته الإيديولوجية بنقد النسوية في قصصها الأخرى وفي مؤلفاتها النظرية على أن نقد الكتابات النظرية، في الوقت نفسه، لا يمكن بحال أن ينال من القيمة الفنية للمؤلفات الروائية. فنوال السعداوي تبقى، حسب أطر النسوية، الممثلة الكبرى للرواية النسائية العربية.‏
أبان طرابيشي في كتابه «أنثى ضد الأنوثة» النزعة النسوية الناقمة على الذكورة تجاهلاً لطبيعة المرأة ومستنداتها البيولوجية، فالمرأة لا تخرج عن مواضعاتها الاجتماعية والثقافية إلا بخروجها من جنسها، وهو أمر آخر، والملاحظ أن قسوتها على الذكورة ولوجاً في النسوية لا تقل عن قسوتها على الأنوثة بيولوجياً واجتماعياً في الوقت نفسه، وقد أردف طرابيشي تحليله النفسي بالبعد الاجتماعي وقالبه المؤدلج.‏
2-5  الروائي وبطله ـ مقاربة اللاشعور في الرواية العربية:‏
بلغ جورج طرابيشي ذروة استخدامه للتحليل النفسي في كتابه «الروائي وبطله: مقاربة اللاشعور في الرواية العربية»(16) ، وقلل فيه من استهداف الاتجاه النقدي ـ الإيديولوجي، وعلل منهجيته في التحليل النفسي للبطل الروائي، فلا تستغني الشخصيات الروائية عن أن تكون ذاتاً، وليس شعوراً مستقلاً، «بقدر قد يكثر أو يقل، عن لا شعور الروائي، وأياً ما تكن درجة تعين لا شعور البطل الروائي بلا شعور الروائي، فإنّ مسافة من الحرية لابدّ أن تفصل بين الاثنين» (ص7-8).‏
وسعى طرابيشي إلى استخدام التحليل النفسي أداة منهجية من شأنها أن تسعف النقد الأدبي في كشوفه الرؤيوية. ونفى مطلقاً أن في الإمكان «المماهاة بين الروائي وبطله، أو تجسير الهوة بين لا شعور كل منهما». واستنكر الاعتماد على النزعة التحليلية النفسية التطبيقية الخالصة في مضمار النقد الأدبي، فاللاشعور الذي يمثلّه العمل الفنّي هو لا شعور أعيد شغله وضبطه وبنيته، أو لا شعور مسيطَر عليه ومتحكَّم به ومُعاد تقنينه تحت آمر الجمالية: ورهان الجمالية في العمل الفني رهان أساسي.‏
وضاعف طرابيشي أهمية الرهان على اللاشعور في عمليات التلقي والتأويل على أن مرجل اللاشعور يغلي غلياناً في أعماق الفنان، وهو مهدد في كل لحظة بالانفجار إذا لم يجرِ التنفيس عنه وركام السيطرة عليه وإعادة ضبطه وتنظيمه وموازنته من خلال عملية الإخراج الجمالي لـه في العمل الفني؛ وأراد طرابيشي من التعمق النقدي في التحليل النفسي التحرر من وطأة الإكراهات الإيديولوجية العاملة تحت إمرة «الوعي» والمرتبطة بطبيعة المرحلة التاريخية العربية.‏
وجعل اختياره لروائيين في كتابه هما حنا مينة من المشرق ومبارك ربيع من المغرب تعزيزاً للنظرية القومية التي يواجهها بحدّة زمن «التقومن» القطري، ويتجه جهده إلى الحفاظ على وحدة الثقافة العربية وإعادة تحققها إزاء نشاطات محاولات «تشطيرها من قبل بعض محللي العقل العربي إلى ثقافة مشرقية وأخرى مغربية متفارقتين، بل متضادتين» (ص10)، ولا ننسى في هذا المجال كتابه المبكر في التنبيه لمخاطر‏
هذه المحاولات، «الدولة القطرية والنظرية القومية» (1982).‏
حمل القسم الأول الطويل من كتابه عنواناً نابعاً من التحليل النفسي بكليته «بحار حنّا مينة أو التماهي المستحيل مع الأب»، وبدأه بالسمة الأكثر تمييزاً لرواياته، وهي «انقسامها إلى روايات آباءْ عمالقة وروايات أبناء أقزام أو أشباه أقزام»(ص13).‏
ووزع رواياته إلى صنفين: روايات التخييل وروايات السيرة الذاتية، فروايات التخييل هي إجمالاً روايات التعملق الأبدي، وروايات السيرة الذاتية هي روايات التقزم البنوي، ولا يتناسب مثل هذا الحكم مع القول أن روايات السيرة الذاتية تخلو من التخييل أيضاً. و«إذا كان التخييل الروائي، كما يتجسد في «الشراع والعاصفة» أو «الياطر» مثلاً، يحيلنا إلى ميتولوجيا العملقة الأبوية، فيما تحيلنا على العكس الروايات الأوتوغرافية، كما تتمثل في «الثلج يأتي من النافذة» مثلاً، إلى أنطولوجيا التقزم البنوي... فإنه لابد لنا من الرجوع إلى السيرة الذاتية المباشرة، كما تقدم نفسها في ثلاثية «بقايا صور» و«المستنقع» و«القطاف»، الصادرة على التوالي في 1975 و1977 و1986، لنقع على المقابلة بين العالمين ولننتقل مباشرةً إلى مسرح المواجهة وجدلية الاشتباك وفضّ الاشتباك ما بين الأب الكبير والابن الصغير، في إطارٍ من علاقة إيجابية تارة وسلبية تارة أخرى» (ص14-15).‏
ومضى طرابيشي في التحليل النفسي من رواية لأخرى، وتوقف عند الثلاثية السيرية «بقايا صور» و«المستنقع» و«القطاف»، وأبدى ملاحظته حول تأخر صدور الجزء الثالث عشر سنوات ليأخذ الحسّ بالضعف الجسدي، وعلى الأخصّ المعنوي، بُعداً درامياً. وبدت «القطاف» مؤرخة لفترة المراهقة في حياة الابن، ولا سيما «المرحلة التي كان يتعين عليه فيها أن يدلف إلى «عالم الرجال» ـ ونموذجهم أبوه ـ من بابه العريض» (ص19).‏
وأدغم التحليل النفسي في سياقات الأدلجة بشكل غير مباشر كما هو الحال في التأويل الخصائي الذي قد يبدو اختزالياً، مثلما بدا «سياق القطاف، بل سياق أدب حنا مينة المنضوي بأسره تحت لواء عبادة الرجولة ـ هو الذي يفرضه، ليعطي بعداً رمزياً لبعض الوقائع أو التفاصيل العادية جداً في الظاهر.‏
وشرع طرابيشي مجدداً في التأمل النظري وما يفضي إليه من تطبيق التحليل النفسي ودلالاته عن أخت الرجال وأخي النساء للقول «إنّ جدلية الرجولة والأنوثة كما يعيشها المراهق الذي كأنه راوية القطاف لم تكن جدلية تتام وتتكامل، بل جدلية تنازع وتسالب» (ص23).‏
وأوضح بعد التحليل «أن الجهاد الأكبر لمراهق «القطاف» سيكون على مستوى إعادة تشكيل الذات وصولاً إلى حل المعادلة الفائقة الصعوبة بالنسبة إليه والبالغة السهولة بالنسبة إلى أكثرية الآخرين الساحقة: معادلة التطابق بين الهوية التناسلية والهوية الجنسية» (ص25).‏
وعاين الوفاء بالعهد والوعد عند مراهق «القطاف» وهو ينتقل من حال الخوف إلى حال الشجاعة، ومن حال «التأنث» إلى حال «الاسترجال»، ولدى الاستقراء لمعطيات القطاف وجد الحلول كاذبة، وتوزعت في اتجاهات خمسة هي:‏
أولاً: المصادرة على المطلوب: فمراهق «القطاف» ليس مطالباً بأن يقدم برهانه، وليس بحاجة لأن يصير رجلاً: فهو من الآن رجل، وهو من الآن ذلك الشجاع الذي تعهد بأن يكونه.‏
ثانياً: التبرير العقلي: فعن طريق هذه الآلية الذهنية شبه المرضية يتم ترويض الحقائق العنيدة، وتُقلب الوقائع النفسية الجارحة إلى نقائضها، وتستنبت للسوالب استطالات موجبة، وتسد الثغرات التي لا تطيقها النرجسية البشرية.‏
ثالثاً: جلد الذات: فالمازوخية هي أيضاً آلية دفاعية وتبريرية تريح الذات عن طريق تعذيبها، وتجعلها تكبر في نظر ذاتها بقدر ما تتولى بذاتها معاقبة ذاتها على صغارها وعلى نكثها بتعهدها بمجاوزة ذاتها.‏
رابعاً: مداورة فكر الانتحار: هنا ايضاً يمكن لفكرة الانتحار أن تلعب دوراً دفاعياً ضد احتمال الانتحار الفعلي. فالذات، عندما تضيق بذاتها وبتصيرها العضال، قد تفكر بتدمير ذاتها.‏
خامساً: الظهور بدل الوجود: أو التمثيل بدل الفعل، أو التقليد بدل التماهي، أو تبديل الصورة بدل تبديل الذات. كلّ ذلك يختصره مراهق «القطاف» بجملة واحدة تشرح نفسها بنفسها: «إنّ عليّ أن أمثل دور الرجل».‏
واقتبس طرابيشي مصطلح الرواية العائلية من معجم التحليل النفسي، وأورد بعض تميزها عن رواية السيرة الذاتية، وركز على إعطاء شكل تخييلي وذاتي وفني لجملة الوقائع التاريخية «الموضوعية» الخام التي تتركب منها السيرة الذاتية، على نحو ما فعل نجيب محفوظ في ثلاثية «بين القصرين». وأكد أن الرواية العائلية هي أيضاَ ضربٌ من التخييل، ولكنه التخييل الذي يلتزم من الواقع ـ إذا التزم ـ ببعض عناصره بدون أن يقيّد نفسه بالحقيقة التاريخية لسيرة حياة الشخص المعني.‏
وعمقّ نظرته في الرواية العائلية لدى اندغامها برواية السيرة الذاتية، كما في ثلاثية نجيب محفوظ أو «المصابيح الزرق» و«الثلج يأتي من النافذة» لحنا مينة، وفي مدى الدخول على التاريخ الفعلي والموضوعي بهذا القدر من التعديلات والتحويرات الذي تقتضيه «الأسلبة» التقنية والغائية الجمالية بحيث ينوب الصدق الفني مناب الصدق التاريخي بدون أن تُنتهك قوانين ذاك ووقائع هذا انتهاكاً مباشراً. «فإن تكن رواية السيرة الذاتية قابلة للتعرف بأنها رواية الوجه، فإن الرواية العائلية قد لا تقبل التعريف إلا بأنها رواية القناع» (ص35).‏
ولعل مثل هذا الرأي يشكل إحدى ذرى الاتجاه النفسي في النقد كشفاً لتلاقي اللاشعور مع مزايا التعبير الفني، فقد حلل طرابيشي المنظور السردي بوصفه مرآة النفس ومكابدتها لضغوط التنشئة الاجتماعية وأبعادها الأخلاقية والوجدانية، مما جعله يزيد القول في طبيعة الرواية العائلية التي تناقض الرواية الواقعية. لتصبح بامتياز رواية استيهام. و«إذا كان التخييل نشاطاً فنياً بينما الاستيهام محض نشاط نفسي، فإن الرواية العائلية تستوهم الوقائع ولا تتخيلها. فليس الإخراج الفني للحقيقة من همومها، وإنما همّها الأوحد تحريف هذه الحقيقة بحيث تكف عن أن تكون مرآة للواقع لتغدو مرآة للنفس ولازوداجيتها الوجدانية» (ص36).‏
ورأى بناء على التحليل النفسي أن حكاية بحار، بأجزائها الثلاثة، وبنفسها الذي أراده مؤلفها ملحمياً ـ قابلة للتأويل على أنها رواية تدريب على البنوة وجهاد أكبر في سبيل نيل وسام استحقاقها، مما يفترض «أن تكون بمثابة ولادة ثانية أو معمودية. معمودية البحر؛ معمودية الماء الذي هو أشد صهراً للحديد البشري من النار» (ص38).‏
واعتنى طرابيشي، وفق ملاحظة فرويد في مقالته عن «الرواية العائلية للعصابيين» الانتقال من الأب الفعلي إلى الأب «المؤمثل»، وخاض في عمليات المشروع البنوي للتماهي، على أن «هذا الأب المعملق، المؤمثل، المؤسطر، المخلد، هو الذي سيأخذ سعيد حزوم وريث مراهق القطاف بعقدة بنطاله القصير على عاتقه أن يتماهى وإياه ليطابقه في الهوية مطابقة النسخة للأصل» (ص46).‏
وأبان هذه العمليات فيما يلي:‏
1-     التماهي السوي والحقيقي هو ذاك الذي يتمّ لا شعورياً، وبه يتمّ ـ لا شعورياً أيضاً ـ استدماج المثال الوالدي، سواء أكان أبوياً أم أموياً. أما التماهي القصدي والمزمع عليه بموجب قرار إرادي، فهو لن يكون إلا ضرباً كاذباً من التماهي.‏
2-    التماهي السوي والحقيقي هو التماهي المبكر، أي التماهي الذي يتم في طور من العمر لا يكون فيه الأنا الطفلي قد تصلب وأخذ شكله النهائي بعد، ويظهر ذلك في سن فك التماهيات، ولا سيما الوالدية منها، كمؤشر على «البلوغ»، أي على دخول الشخصية في طور الاستقبال الذاتي.‏
3-     إن التماهيات المبكرة للطفولة بقدر ما هي قابلة للدمج قابلة أيضاً للتجاوز. ومثلها مثل كل التثبيتات في علم النفس المرضي، فإنها مانعة لتكوين الهوية.‏
4-    التماهي ليس هو التقليد. فالتماهي، كما يُستدل من اشتقاقه، سيرورة اكتساب للماهية. والتقليد عند البالغ أو الراشد هو بمثابة إذلال لكرامة الهوية إلى مستوى الذيلية. والتماهي قد يكون تدريباً أول على حرية الهوية، ولكن التقليد موقف عبودية.‏
5-    إذا كان التماهي السوي هو عنصر بناء للهوية وعامل تحويل للشخصية باتجاه الإنضاج واكتساب الاستقلال الذاتي، فإن التماهي التقليدي أو العصابي الذي يأتي، في حالات وهن الشخصية، بدافع تضميد الجرح النرجسي أو تغطيته، يفضي على العكس إلى تكريس التبعية الطفلية وتأييدها.‏
6-     التماهيات البطولية تستلزم بالضرورة موضوعات مؤمثلة. ولكن هذه الموضوعات المؤمثلة يتحتم عليها، في الحالات السوية من التماهي، أن تتحول من التشخيص إلى التجريد طرداً مع الانتقال من الطفولة إلى سن البلوغ بأفكار مثالية وبمثل عليا إيديولوجية أو دينية.‏
وأعطى طرابيشي أهمية للتحليل النفسي للعقدة النووية والدّور والتمثيل ومشروع التماهي اللصوصي ومديح الاغتصاب والمثلث الأوديبي والأم الأثرية والأيروسية الفموية والحزب.‏
وقرأ طرابيشي في القسم الثاني القصير من كتابه، رواية «بدر زمانه» لمبارك ربيع «من تفكك الذات إلى إعادة بناء العالم» من خلال هذاء الاضطهاد وسياسة التحاشي واللاعب الملعوب به ولغة اللاشعور والنزاع الكوني والتأله والعداء للجنس الآخر والعودة إلى الأصول وحل اللغز ومركز الكون والزواج المقدس والمجتمع الجديد والاختراع العظيم والموت ونهاية العالم والولادة الثانية، وبنى تحليله النفسي لهذه الرواية على أنها رواية العمر، «أي رواية تختصر أو تكثف في صفحات معدودات ـ قد تقل أو تكثر ـ تجربة حياة بأسرها، وتعيد، من منطلق السيرة الذاتية ووفق مقتضيات المعمارية الروائية، بناء التجربة المعيشة للروائي أو نواتها المركزية بالأحرى» (ص150).‏
وتوقف ملياً عند لغة اللاشعور الجمعي، واستنتج من تحليله النفسي أن «قصة بدر الزمان بن شهراموش، كما قصة أحمد بن الحاج مهدي، تقف عند هذا الحد. واليقين الوحيد هو يقين المواجهة، لا يقين النتيجة. وهذا ما يرقى أصلاً ببطل رواية بدر زمانه ـ وهذا نادر في الرواية العربية ـ إلى مصاف الأبطال المأساويين» (ص223).‏
يؤشر طرابيشي في كتابه «الروائي وبطله» إلى تأصيل الاتجاه النفسي في النقد الروائي، فقد تغلغل منهج التحليل النفسي في صلب العمل الروائي من الناحية الفنية، واستطاع أن ينظر إلى الرواية من داخلها، دون أن يغلّب المنهج الاجتماعي وأدلجته على التحليل النفسي، مستفيداً من معطيات هذا التحليل النفسي في إضاءة اللغة والهوية والذات، ولعله يتفق مع ماركسية النظرية الأدبية لدى ورثة البنيوية شأن جوناثان كولر الذي عدّ «التحليل النفسي إلى جانب الماركسية، أكثر التأويلات الحديثة قوة «ميتا» لغة موثوق بها أو معجمية تقنية يمكن تطبيقها على الأعمال الأدبية، والمواقف الأخرى، لفهم ما يجري في الواقع»، و«إن هذا التوجه الجديد يجعل من التحليل النفسي فرعاً معرفياً من فروع ما بعد الحداثة حيث يكون التفسير اندماجاً في نص، يتعذر عليه إخضاعه للتفسير»(17). وقد أفادت هذه المنهجية كثيراً في انبثاق التحليل النفسي من الرواية نفسها بما يثري التحليل الاجتماعي في الوقت نفسه، لأن الذات تنتظم بقوة في البعدين النفسي والاجتماعي.‏
3- ملاحظات عامة:‏
لقد طوّر جورج طرابيشي اتجاه التحليل النفسي في النقد الروائي إلى حدّ كبير، ولا نغفل عن محدودية ممارسة المنهج النفسي في النقد الأدبي العربي الحديث عند القليلين من الباحثين والنقاد أمثال عباس محمود العقاد ومحمد النويهي وعز الدين إسماعيل ومحمد أحمد خلف الله (مصر) وسامي الدروبي (سورية) ومصطفى سويف وشاكر عبد الحميد (مصر) وزين الدين المختاري (تونس) وخريستو نجم (لبنان) وعبد القادر فيدوح (الجزائر) حسب التسلسل التاريخي لصدور مؤلفاتهم، وهم في غالبيتهم، استفادوا قليلاً من المنهج النفسي تطبيقاً مباشراً دون تعالقاته الكافية مع المناهج النقدية الحديثة(18)، أما جورج طرابيشي فقد ثمّر التحليل النفسي من داخل النصوص الروائية كلما بعد عن مباشرة التحليل الاجتماعي وأدلجته، وأذكر الملاحظات العامة التالية:‏
أ- إضاءة المبنى الروائي من خلال التحليل النفسي دون ربطه بالتماهي مع ذات الروائي وانتماءاته وأفكاره المعلنة في تصريحات أو حوارات.‏
ب- العناية الكبيرة المتوازنة بين الوعي واللاوعي في بناء الرواية، ولا سيما تحليل اللاشعور في بعديها الذاتي والجمعي.‏
جـ- الاهتمام الخاص بالأنساق الاجتماعية والسياقات التاريخية الناظمة للمبنى الروائي من خلال التحليل النفسي للرواية الذي يدمجها بالنص الروائي.‏
د- ارتهان التحليل النفسي بدلالاته المعنوية والأخلاقية والفكرية، ولطالما حلل طرابيشي وجهات النظر أو المنظور السردي من خلال تنامي الفعلية الروائية لدى إفصاح التنضيد الروائي وبؤره السردية عن أغراضه شيئاً فشيئاً.‏
هـ- الميل إلى تدعيم الاتجاه النفسي بمعطيات بعض المناهج النقدية مثل التأويل والأسطرة والترميز، وقد صاغ العديد من القيم والدلالات الفكرية في الخطاب الروائي.‏
و- العناية بالقيم الفنية والجمالية كلما قارب التحليل النفسي ذات الروائي مع الذات الروائية التي ينبثق منها التركيب القيمي والجمالي.‏

الهوامش‏ :
(1) دليل الناقد الأدبي، مصدر سابق، ص332‏
(2) آن جفرسون وديفيد روبي: النظرية الأدبية الحديثة، تقديم مقارن، (ترجمة سمير مسعود)، وزارة الثقافة، دمشق، 1992، ص208-241.‏
(3) تيري إيغلتون: نظرية الأدب، (ترجمة ثائر ديب)، وزارة الثقافة، دمشق، 1995، ص270-284.‏
(4) عدة مؤلفين: مدخل إلى مناهج النقد الأدبي، (ترجمة رضوان ظاظا)، سلسلة عالم المعرفة 22، أيار 1997، ص59-62.‏
(5) المصدر السابق، ص63-65.‏
(6) أوستن وارين ورينيه ويلك: نظرية الأدب، (ترجمة محيي الدين صبحي، مراجعة حسام الخطيب) المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، مطبعة خالد الهاشمي، دمشق، 1972،‏
ص118.‏
(7) إميل هنكل: النقد الأدبي وأصوله العلمية، (ترجمة وتعليق إبراهيم الكيلاني)، وزارة الثقافة، دمشق، 2004، ص55-56.‏
(8) مارتن لينداور: الدراسة النفسية للأدب، (ترجمة شاكر عبد الحميد)، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 1986، ص234.‏
(9) أنيس فهمي أقلاديوش: السينما والمسرح وأمراض النفس، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الط2، 1982.‏
(10) جورج طرابيشي: رمزية المرأة في الرواية العربية ودراسات أخرى، دار الطليعة، بيروت، 1981.‏
(11) زين الدين المختاري: المدخل إلى نظرية النقد النفسي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1998،‏
ص15.‏
(12) التحليل النفسي والأدب، مصدر سابق، ص123.‏
(13) جورج طرابيشي: عقدة أوديب في الرواية العربية، دار الطليعة، بيروت، 1984.‏
(14) جورج طرابيشي: الرجولة وإيديولوجيا الرجولة في الرواية العربية، دار الطليعة، بيروت، 1983.‏
(15) جورج طرابيشي: أنثى ضد الأنوثة: دراسة في أدب نوال السعداوي على ضوء التحليل النفسي، دار الطليعة، بيروت، 1984.‏
(16) جورج طرابيشي: الروائي وبطله: مقاربة اللاشعور في الرواية العربية، دار الآداب، بيروت، 1995.‏
(17) جوناثان كالر: النظرية الأدبية، مصدر سابق، ص153.‏
(18) بسام قطوس: المنهج النفسي في النقد الحديث، النقاد المصريون نموذجاً، مجلس النشر العلمي، الكويت، 2004، ص175-177.

أضف تعليقا

يرجى ان يكون التعليق ذا علاقة بالموضوع دون الخروج عن إطار اللياقة، سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض لشخص الكاتب.
نتمنى ان تعمل التعليقات على إثراء الموضوع بالإضافة أو بالنقد ....

كود امني
تحديث