من " الميثولوجيا إلى الأنتروبولوجيا : دراسة في أسطورة" إزلي وتيزليت" - عدي الراضي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

في هذا المقال المتواضع، الذي يندرج ضمن مشروع بحثي أشمل يحمل عنوان "أيت حديدو: المجال، الذاكرة والهوية"، نسعى إلى تقديم قراءة أنثروبولوجية وطوبونيمية لأسطورة" إزلي وتيزليت،" باعتبارها من أبرز المرويات المتجذرة في الذاكرة الجماعية للمنطقة. كما سنتوقف عند التعريف بموسم سيدي حماد أولمغني، بما يحمله من أبعاد دينية واجتماعية وثقافية مرتبطة بهوية أيت حديدو؛ ومجالهم الجغرافي الشاسع والممتد عبر عدة أحواض نهرية بالأطلس الكبير الشرقي.
إن الهدف من نشر هذه المقالات هو إرساء موقف علمي رصين يدعو إلى استعادة الأسماء الأصلية للموسم والبحيرتين، وذلك ردًّا على من يروّجون لفكرة أنّ هذه التسميات المزوّرة هي التي منحت المنطقة شهرتها وأسهمت في تنميتها السياحية المستدامة. لهؤلاء نقول: إن الترافع الحقيقي ينبغي أن ينصبّ أوّلًا على توفير البنيات التحتية الملائمة للزوار والوافدين، فهي الأساس لأي تنمية حقيقية. أما شهرة المنطقة فقد جاءت من طبيعتها الفريدة ومن كرم وطيبوبة ساكنتها، لا من التسميات المغلوطة التي لا تزيد إلا في تشويه الصورة وتقديم معلومات خاطئة عنها.
تعد أسطورة "إزلي وتيزليت"، بالأسماء الصحيحة، إحدى أبرز الحكايات التي تشكل جزءًا أصيلًا من المخيال الجماعي لقبائل أيت حديدو، إذ تقدم قصة مأساوية لعاشقين في مرحلة الحب، الفتى من فخذة أيت إبراهيم والفتاة من فخذة أيت يعزة، واللذين وقع كل منهما في حب الآخر رغم القيود القبلية التي تمنع الزواج بين الفخذتين. وتبرز الأسطورة كأداة مزدوجة الوظيفة: من جهة، تحمي الأعراف والقيم الاجتماعية؛ ومن جهة أخرى، تمنح الحب الفردي قيمة معنوية، تعكس قدرة المجتمع على التوفيق بين الانضباط الاجتماعي والتجربة العاطفية الإنسانية، ما يجعلها جزءًا حيويًا من الذاكرة الجماعية والممارسات الثقافية المحلية.
يتواجد ضريح سيدي حماد أولمغني بقصر أيت عمرو ن واسيف ملول، التابع لجماعة بوزمو بدائرة إميلشيل. ويرتبط وجوده باستقرار قبيلة أيت حديدو بالمنطقة. وتروي الذاكرة الشفوية أن قبره كان في البداية بسيطًا، مغطى بركام من الأحجار، أي ما يُعرف محليًا بـ أشركور أو أجررور. غير أنّ السكان عمدوا لاحقًا إلى تشييد ضريح حوله بعد أن لاحظوا نورًا يتلألأ على قبره، وهي كرامة يشترك فيها معظم الأولياء، حيث نجد مثلاً أبا يعزى ــ المعروف اليوم بمولاي بوعزا ــ يُلقب هو الآخر بـ"والنور".

غير أنّ ما يعنينا هنا ليس إثبات كرامات الأولياء أو نفيها، بل دراسة الدور الذي يلعبونه في تشكيل الذاكرة المحلية للقبائل. فالإيمان بالأولياء يُعدّ مادة أساسية في الدراسة الأنثروبولوجية للمجتمعات المحلية، ومنها قبيلة أيت حديدو، بل وفي المغرب عامة. إذ تُشكّل أضرحة الأولياء مراكز روحية تُقام عندها الاحتفالات الجماعية للقبائل، وتُمارس فيها طقوس دينية وروحية، غالبًا ما تترافق مع طقوس تجارية واجتماعية مرتبطة بالحياة المادية للأفراد. ومن هذا المنطلق، لا يمكن فهم موسم سيدي حماد أولمغني وتفسير أبعاده إلا ضمن هذا الإطار الجامع بين الديني والاجتماعي والاقتصادي.
وإذا كان الضريح يمثل بُعدًا روحيًا واجتماعيًا في الذاكرة الجماعية لأيت حديدو، فإن بحيرتي إزلي وتيزليت تمثلان بُعدًا طبيعيًا وبيئيًا لا يقل أهمية. فهما بحيرات طبيعية تشكّلت وفق ظروف وأسباب مناخية، كما هو الشأن في عدة مناطق من العالم، وخاصة في المناطق المرتفعة التي تعرف تساقطات ثلجية كثيفة. وهذا ينطبق على إزلي وتيزليت اللتين ظلتا منذ قرون مراعي ومنتجعات صيفية لقبيلة أيت حديدو. ومن ثَمّ، فإن تكوّنهما يسبق بكثير استقرار القبيلة بمحيطهما، ما يجعلهما جزءًا من المشهد الطبيعي القديم الذي احتضن فيما بعد مختلف التحولات البشرية والإجتماعية . وتشير الأسطورة إلى مرحلة دقيقة تجمع بين الشابين، حيث يظلان في طور الحب والإعجاب، وهي مرحلة إنسانية أصيلة تمثل بداية الطريق نحو أفق أسمى هو الزواج. والذي لم يتحقق وفق منطوق الأسطورة، بل انتهت القصة بالفاجعة. ومع ذلك جرى لاحقًا إطلاق تسمية البحيرتين بـ"العريس" و"العروس"، وهو تأويل يجانب الصواب، إذ لا ينسجم مع ما تحمله الأسطورة في جوهرها، بل يناقضها من حيث المعنى والمقصد، ويكشف عن قراءة مبتورة أسقطت صفة لم ترد أصلًا فيما ترويه الأسطورة .
إن توظيف الأسطورة في مجال العلوم الطبيعية يُعد أمراً غير علمي، إذ يرتبط بمراحل بدائية من التفكير البشري، حيث كانت الأسطورة تُستخدم كأداة لتفسير الظواهر الطبيعية قبل نشوء المنهج العلمي التجريبي. وعليه، فإن الاستخدام الصحيح والملائم للأسطورة يكون في نطاق العلوم الإنسانية، التي تنطلق من قاعدة "اعرف نفسك بنفسك"، خاصة في علم الأنثروبولوجيا، الذي يدرس التحولات العميقة في الذهنيات والثقافات، ويهتم بالميكانيزمات العامة التي توجه هذه التحولات في المجتمعات البشرية.
في هذا السياق، تُعتبر الأساطير مثل أسطورة "العاشقين" ذات أهمية كبيرة في فهم الثقافة المحلية والرموز التي تشكل المخيال الجمعي. غير أن الإشكال يظهر عندما يتم توظيف هذه الأساطير خارج سياقاتها العلمية أو التاريخية، سواء بتفسيرها تفسيراً حرفياً أو بإقحامها في مجالات لا تنتمي إليها معرفياً، مما يُعد تجاوزاً للمنهج العلمي وانزلاقاً نحو الخرافة أو الفكر اللاعقلاني.
والأسطورة السالفة الذكر توظف البحيرات الطبيعية، إزلي وتيزليت ، كرموز للمعاني الاجتماعية والعاطفية، دون أن يكون هدفها تفسير تكوين البحيرات أو أبعادها الهيدرولوجية. فالاسمان يعبران ببساطة عن "البحيرات الصافية" باللغة المحلية، وفي الأطلس المتوسط تعرف بأگلمام وتگلمامت، جمع إگلمامن وتگلمامين، أي "البحيرات المتجددة والمحصورة بدون منفذ". وهذا الترابط بين الطوبونيميا والأسطورة يظهر بوضوح أن الأسطورة استثمرت الوجود الطبيعي للبحيرات فقط لتثبيت الدروس الاجتماعية والرمزية، وليس لإضفاء أي تفسير علمي أو جغرافي.
من جانب آخر،تم ربط البحيرتين بالموسم التاريخي عند قبائل أيت حديدو المعروف بموسم سيدي حماد اولمغني وتحريف تسميته إلى موسم الخطوبة" واستخدام هذه الأسماء بتبريرات التنمية السياحية الحديثة، لا يستند إلى أي سند تاريخي أو علمي، بل هو انعكاس لإشاعات وتفسيرات مغلوطة شوهت الفهم الأصلي للثقافة المحلية وقيمها الجوهرية. وفي هذا الإطار، تظهر القصة الواقعية للشاب الراعي من أيت موسى ويشو والسائحتين الفرنسيتين كدليل مباشر على خطأ كل الادعاءات المغلوطة المتعلقة بالأسماء المقلوبة للبحيرتين والموسم، إذ يكشف هذا الحدث الواقعي أن القيم المحلية مثل الضيافة، الكرامة، والوفاء بالعهد، تتجسد في الممارسة اليومية وتفند الإشاعات التي تروجها وتسوقها الأسماء المزيفة. إن المغزى الحقيقي للأسطورة مرتبط بالزواج العشائري والأعراف القبلية، وليس بالبحيرات أو الموسم، مما يؤكد أن الادعاء بأن التسميات المزيفة وتسويقها هي التي عرّفت بالمنطقة وأسهمت في شهرتها، لا أساس له من الصحة.
على مستوى الرمزية الجنسانية، تُرمز البحيرة الكبرى إلى الفتى، والصغرى إلى الفتاة، وهو ترميز يعكس العقلية الذكورية التي تعتبر الرجل أقوى وأكبر من المرأة، رغم أن الواقع البيولوجي والنفسي يشير إلى أن النساء أكثر قدرة على التعبير العاطفي ؛ وفقا لهذا المنحى بالإمكان ربط "إزلي" بالفتاة وليس بالفتى لأن الرجال لايبكون ودموع النساء أكثر غزارة. هذا التباين يظهر أن الترميز الرمزي ليس انعكاسًا للواقع البيولوجي، بل أداة ثقافية لإعادة إنتاج القيم الاجتماعية في المخيال الجماعي، مع الحفاظ على مكانة العاطفة الإنسانية كقيمة أخلاقية مستقلة، حتى مع نهاية مأساوية للعاشقين.
الطوبونيميا هنا تلعب دورًا مركزيًا، إذ لا تقتصر على تحديد المكان، بل تُستخدم لتثبيت السرديات الاجتماعية والقيمية. الأسماء الأصلية، "إزلي وتيزليت،" تعكس الواقع الطبيعي والخصائص البيئية للبحيرات، وتضمن ربط الذاكرة الجماعية بالمكان الحقيقي، بعيدًا عن المغالطات العلمية أو التفسيرات السياحية المغلوطة. إن التمسك بهذه الأسماء يعزز السياحة المستدامة، لأنه يقدم للزائر تجربة ثقافية أصيلة ترتبط بالقيم والتاريخ المحلي، بدلًا من أسماء مغلوطة أو تفسيرات سطحية لا تمثل التراث الثقافي الحقيقي للمجتمع.
تتجاوز وظيفة الأسطورة الفرد لتصبح أداة تعليمية واجتماعية، إذ يتم نقل الدروس عبر الأجيال، وتحويل التجربة الفردية إلى مادة رمزية تُستثمر لضبط السلوك وتعليم حدود المجتمع. ومن خلال دمج المأساة والعاطفة والرمزية الطوبونيمية، تتشكل شبكة معاني ثقافية واجتماعية تمكّن المجتمع من فهم ذاته وإعادة إنتاج قيمه في سياق حي ومتجدد. كما تسمح الأسطورة بالتأمل النقدي في الأعراف، وفهم العلاقة بين الفرد والمجتمع، الرغبة والواجب، الواقع البيولوجي والرمزية الثقافية، ما يجعلها أداة فعالة لدراسة التفاعلات الاجتماعية والثقافية والطوبونيمية في المجتمعات المحلية.
القصة الواقعية للشاب الراعي والسائحتين تؤكد أن الأعراف الاجتماعية والتفاعلات اليومية أكثر أصالة وصدقًا من أي إشاعات أو تحريفات للأسماء. فهي تظهر كيف تُمارس القيم الحقيقية مثل الضيافة والكرامة والوفاء بالعهد بشكل عملي في المجال الجغرافي لقبائل أيت حديدو. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الأسطورة والواقع الطبيعي يعملان معًا لإنتاج ذاكرة جماعية حية، تحافظ على التراث الثقافي والهوية المحلية، بعيدًا عن أي محاولات لتوظيفها في أغراض علمية أو سياحية مغلوطة.
إن التحليل الأنثروبولوجي والطوبونيمي يوضح بجلاء أن البحيرات لم تُنشأ نتيجة الأسطورة، بل استُثمرت طبيعتها المادية لخلق خطاب رمزي يوضح الأعراف ويعيد إنتاجها. كما يظهر بوضوح أن الطوبونيميا الأصلية، "إزلي وتيزليت"، هي الأكثر قدرة على الحفاظ على الهوية الثقافية، بينما محاولة تحوير الأسماء لأهداف سياحية أو علمية هيدرولوجية لا قيمة لها، وتغفل الحقيقة الثقافية والاجتماعية. وإعادة الاعتبار للأسماء الأصلية يسهم في تعزيز السياحة المستدامة، لأنه يربط الزائر بالتجربة الثقافية الأصيلة للمجتمع المحلي، بعيدًا عن التفسيرات المغلوطة أو التبريرات الاقتصادية الزائفة.
في الختام، تظل أسطورة البحيرتين مادة أساسية وغنية للدراسات الأنثروبولوجية، خاصة في سياق الزواج العشائري والممارسات الاجتماعية المرتبطة به. فهذه الأسطورة ليست مجرد حكاية، بل تعكس الرموز والقيم والتصورات التي شكلت الوعي الجماعي للمجتمعات المحلية لقبائل أيت حديدو، مما يجعلها أداة مهمة لفهم العلاقات الاجتماعية والطقوس والروابط العائلية في إطار البحث الإنساني. أما تشكّل البحيرتين من منظور طبيعي وجيولوجي يندرج في إطار العلوم الطبيعية الصرف، التي تستند إلى مقاربات منهجية قائمة على الرصد والتجريب والتحليل البيئي والجيولوجي. وبناءً على ذلك، لا يمكن للأسطورة أن تُستعمل أداةً لتفسير الظواهر الطبيعية، إذ يظل فهم بنيات الطبقات الأرضية، وتكوّن الجبال والتلال، ونشأة المسطحات المائية من بحيرات وعيون، إضافة إلى الأحواض الهيدرولوجية في مختلف بقاع العالم، مجالاً خاصاً بالمناهج العلمية الدقيقة. غير أنّ للأسطورة مكانتها في حقل العلوم الإنسانية، ولا سيما الأنثروبولوجيا، حيث تمثل مصدراً لفهم الأبعاد الرمزية والدلالات الاجتماعية التي يسبغها الإنسان على محيطه الطبيعي. ومن منظور منهجي، يتعيّن التمييز بين وظيفة الأسطورة كتعبير عن المخيال الجماعي وتمثلاته الثقافية، وبين التفسير العلمي الذي يقوم على الفرضية والتجربة، بما يبرز حدود صلاحية كل مجال وخصوصيته المعرفية.

عدي الراضي.
باحث في التاريخ والتراث.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟