الوعي بالحضارة: قراءة في مشروعي ابن خلدون ومالك بن نبي - شيماء عوير

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

   الحضارة ليست حجارة تشيَّد ولا قصورا تُبنى، بل هي روح تُنفخ في الإنسان، فإذا دبت فيه استقام عمرانه وإذا خبت ضعفت دولته وذبل تاريخه. لذلك ظل سؤال الحضارة من أعمق الأسئلة التي تشغل الفكر الإنساني، إذ يطرح على الفلاسفة والمؤرخين والمصلحين معا: ما الذي يصنع الحضارة؟ وكيف تنهار الأمم بعد مجدها؟

وقد انشغل بهذا السؤال عقلان كبيران في تاريخ الفكر الإسلامي: عبد الرحمن بن خلدون، المؤرخ الاجتماعي الذي قرأ التاريخ بلغة العقل والعمران، ومالك بن نبي، المفكر الذي قرأ التاريخ بلغة الروح والفكرة. ورغم البعد الزمني بينهما، إلا أنّ كليهما حاول أن يكشف عن القوانين الداخلية التي تتحكم في ميلاد الحضارات وسقوطها، فكان كلٌّ منهما مرآة للآخر من زاوية مختلفة.

   يرى ابن خلدون أن سرّ قيام الدول والحضارات يكمن فيما سمّاه العصبية، وهي ليست مجرد الانتماء القبلي أو الولاء العاطفي، بل هي الطاقة المعنوية التي توحّد الناس حول غاية مشتركة وتمنحهم إرادة الفعل الجماعي في حين تشتد العصبية في بدايات العمران، تنبعث الهمم، ويغدو المجتمع كتلة واحدة متماسكة، فينشئ الدولة ويقيم النظام ويبدع في العمل ولكن ما إن يتذوق الإنسان طعم الرفاه والدعة حتى يضعف التضامن، وتتحول العصبية إلى أنانية، فيفقد المجتمع روحه القتالية وقدرته على الاستمرار، وتبدأ دورة الانحطاط.

ولذلك شبه ابن خلدون الدولة بالإنسان في أطوار حياته: تبدأ بالقوة والطموح، ثم تبلغ أوجها بالعقل والتنظيم، ثم تشيخ بالترف والكسل حتى تموت. إنّها دورة طبيعية، لكنّها ليست قدَرًا حتميًا، إذ يمكن للأمم أن تتجدد إذا استعاد الناس عصبيتهم وأصلحوا ما فسد من أخلاقهم ومن أروع ما في فكر ابن خلدون أنه لم ينظر إلى التاريخ كحكاية ملوك وغزوات، بل كحركة اجتماعية تحكمها قوانين النفس الإنسانية فالعصبية عنده صورة من صور الإرادة، ومتى ماتت الإرادة مات التاريخ لذلك حين نقرأ انهيار حضارة ما في ضوء فكره، نكتشف أن سقوطها لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل: حين تذبل الروح، وتتلاشى الغاية، ويتحوّل الإنسان من فاعل إلى مستهلك.

أما مالك بن نبي، فقد ورث من ابن خلدون روح السؤال، لكنه نقل التحليل من ميدان الاجتماع السياسي إلى ميدان الفكرة والثقافة. لم يكن يبحث عن الدولة بل عن الإنسان الذي تصنعه الفكرة فيقول بن نبي في عبارته المشهورة: «مشكلتنا ليست في الأشياء، بل في الأفكار». فالأمم لا تنهض بما تملك من أدوات مادية، بل بما تمتلك من فكرة حية تنظم العلاقة بين الإنسان والتراب والزمن.

ويعتقد أنّ الحضارة تمرّ بثلاث مراحل أساسية: مرحلة الروح، ثم مرحلة العقل، ثم مرحلة الغريزة تبدأ الحضارة حين تولد في الضمير الإنساني فكرة دينية تمنحه المعنى والاتجاه فتهز النفس وتوقظها من سباتها، ثم يتحول هذا الإيمان إلى نظام عقلي ومؤسسات وقوانين تعبّر عنه، وهي ذروة النضج الحضاري، لكن ما إن تطغى المادة على الروح حتى تنقلب الطاقة الخلّاقة إلى شهوة استهلاكية، فيسود الترف والأنانية، ويبدأ الانحطاط.

هذا التحليل العميق يجعل من بن نبي فيلسوفا للنهضة لا مؤرخا للماضي، لأنه لا يكتفي بوصف ما جرى بل يدعو إلى استعادة الشروط الروحية التي تُمكن الأمة من تجديد ذاتها فيرى أنّ كل نهضة تبدأ من الإنسان لا من الخارج، وأنّ أخطر أشكال الاستعمار ليست الاحتلال العسكري، بل ما سماه الاستعمار الفكري الذي يشل الإرادة ويزرع في النفس عقدة العجز. وإن ما يجمع بين ابن خلدون ومالك بن نبي هو إدراكهما أن التاريخ لا يتحرك بالصدفة، بل وفق منطقٍ داخلي تحكمه سننٌ اجتماعية وروحية فكلاهما يبحث عن القوانين الثابتة التي تتجاوز الوقائع الجزئية غير أن ابن خلدون ينطلق من الواقع الاجتماعي فيفسره بعوامل القوة والضعف بينما ينطلق مالك بن نبي من الواقع النفسي والثقافي، فيفسره بعوامل الإيمان والفكرة.

فإذا كان ابن خلدون قد اكتشف قانون العصبية الذي يفسّر ولادة الدولة، فإن مالك بن نبي قد اكتشف قانون الفكرة الذي يفسر ولادة الحضارة وإذا كان ابن خلدون يدرس العمران من الخارج، فإن بن نبي يدرسه من الداخل. فكأنّ ابن خلدون يصف جسد الحضارة، ومالك بن نبي يصف روحها.

حين نقارن بينهما نرى أن العصبية التي تحدث عنها ابن خلدون يمكن أن تُفهم اليوم بلغة مالك بن نبي على أنها الطاقة الأخلاقية للفكرة أي ذلك الشعور الجمعي بالغاية الذي يجعل الناس يتجاوزون ذواتهم نحو هدف أسمى فحين تغيب الفكرة تذبل العصبية، وحين تضعف العصبية تموت الفكرة بهذا المعنى يكمل كل واحد منهما الآخر، لأن الحضارة في جوهرها توازن بين المادي والروحي، بين التنظيم والإيمان، بين الجسد والروح.

ولعل في واقعنا المعاصر ما يؤكد صدق تحليلهما معا فالمجتمعات الحديثة بلغت ذروة التقدم المادي، لكنها تعاني فراغا روحيا جعل الإنسان فيها غريبا عن ذاته بينما تعيش مجتمعات أخرى حرارة الإيمان لكنها تفتقر إلى التنظيم والعقلانية. فالحضارة لا تقوم على الروح وحدها ولا على المادة وحدها بل على لقائهما الخلّاق.

إن ما أراد ابن خلدون قوله بلغته التاريخية وأراد مالك بن نبي قوله بلغته الفلسفية، هو أن الحضارة ليست بناء مؤقتا، بل وعيا بالوجود وأن سقوطها يبدأ حين ينسى الإنسان غايته في الوجود ولذلك فإن تجديد الحضارة الإسلامية اليوم لا يكون باستيراد أدوات الغرب، بل بإحياء روحها الداخلية التي قامت عليها أول مرة، تلك التي عبّر عنها القرآن بكلمة اقرأ، أي اقرأ نفسك والعالم والزمان قراءة تجعل منك شاهدا لا تابعا.

وإن الأمم لا تموت حين تنهزم عسكريا بل حين تفقد معناها والإنسان لا يكون حضاريا بقدر ما يملك من المال، بل بقدر ما يحمل من رسالة لذا يمكن القول إن ابن خلدون ومالك بن نبي التقيا في النهاية عند فكرة واحدة وإن اختلفت لغتهما: أن الحضارة تُبنى بالإنسان أو لا تُبنى أبدا. فابن خلدون أراد أن يعلمنا كيف نفهم قوانين التاريخ كي لا نكرر سقوطنا، ومالك بن نبي أراد أن يعلمنا كيف نبعث الروح من جديد كي لا نبقى في موتنا الحضاري بينهما تمتدّ المسافة بين علم الاجتماع وفلسفة الوعي، لكن الهدف واحد: أن يُستعاد الإنسان بوصفه صانعًا للتاريخ لا صنيعة له.

ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو أن النهضة لا تبدأ من حيث تبدأ المصانع، بل من حيث يخلق المعنى في قلب الإنسان فحين تمتلك الأمة فكرة حيّة تتحرك فيها العصبية الخلاقة التي تحدّث عنها ابن خلدون، وتولد من جديد الدورة الحضارية التي حلم بها مالك بن نبي: دورة تُوازن بين الروح والعقل، بين الإيمان والفعل، بين الإنسان والتاريخ

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟