للإشارة هذا المقال عبارة عن تقديم وجيزلبحث شامل بعنوان : أيت حديدو : المجال ؛ الذاكرة ؛ الهوية.
يأتي هذا البحث في إطار دراسة الهوية التاريخية والأنثروبولوجية لقبائل أيت حديدو بالأطلس الكبير الشرقي، انطلاقاً من مقاربة شمولية تربط بين التراث المادي (المراكز العمرانية الأولى، المراعي، الأدوات التقليدية) واللامادي (الأشعار، الطقوس، الأعراف، المواسم). وقد تم الاعتماد على منهج متعدد المصادر، يجمع بين الرواية الشفوية التي توارثها كبار السن وحافظو الذاكرة الجماعية، والمعاينة الميدانية للمجالات الرعوية والمقدسة، إضافة إلى المعطيات التاريخية المستقاة من الوثائق الأرشيفية وتقارير الشؤون الأهلية الفرنسية، فضلاً عن التحليل اللساني والطوبونيمي لأسماء المواقع وربطها بالمعطيات البيئية والقبلية.
وتكمن أهمية هذا البحث في كونه يسعى إلى إعادة الاعتبار لركائز الهوية الحقيقية للقبيلة، مثل قصر أقديم، مراعي إزلي وتيزليت، وموسم سيدي حماد أو لمغني، عبر تحليل سياقاتها التاريخية والأنثروبولوجية، وتفنيد المغالطات التي ظهرت في ستينيات القرن العشرين والتي أفرغت هذه الرموز من معانيها، سواء عبر تحوير تسمياتها أو استبدال مواسمها بفعاليات ذات طابع سياحي استهلاكي. ومن خلال هذا التناول، يهدف البحث إلى تقديم قراءة متماسكة للهوية الحديدوية في تفاعلها مع المجال الطبيعي والذاكرة الجماعية، وإبراز إمكانيات توظيفها في التنمية المستدامة والسياحة الثقافية الأصيلة.
تحتل قبائل أيت حديدو موقعاً محورياً في التاريخ الاجتماعي والثقافي للأطلس الكبير الشرقي، حيث تشكلت هويتها عبر تفاعل وثيق بين المجال الجغرافي والنظم الاقتصادية والبنى الرمزية. هذا التفاعل جعل التراث المادي واللامادي للقبيلة كتلة واحدة يصعب تجزيئها، إذ تتداخل القلاع والمراعي والأدوات التقليدية مع الأشعار والأعراف والطقوس الدينية في بناء الذاكرة الجماعية.
ولعل قصر أقديم بأسيف ملول يمثل الجذر العمراني لهذه الهوية، فهو أول نقطة استقرار دائم للقبيلة بعد قرون من الانتجاع الموسمي بين ألمو في المراعي الجبلية وأزغار في المراعي السهلية. تحكي الرواية الشفوية أن القبيلة، بعد عودتها من مراعيها الشتوية في إحدى السنوات، وجدت الشعير قد نما في موضع علف الخيول وأثمر سنابل، فكان قرار حكيمها بالاستقرار وممارسة الزراعة، وهو ما شكّل تحوّلاً اقتصادياً واجتماعياً خفف الضغط عن قصور إمضغاس التي كانت تعرف نمواً ديمغرافياً متزايداً.
بعد استقرار قبائل أيت حديدو في أسيف ملول، لم يقتصر دور هذا الموقع على كونه مركزاً للزراعة والرعي فحسب، بل أصبح نقطة انطلاق للامتداد نحو منابع زيز ومنابع ملوية، ما منح القبيلة مجالاً واسعاً وأبعاداً استراتيجية مهمة. هذا الامتداد انعكس في قوة اقتصادية وعسكرية مكنتها من فرض وجودها بين الأحلاف القبلية المشهورة، كما ساهم في ترسيخ علاقات متميزة مع المخزن العلوي، الذي اعترف بمكانتها ونفوذها في المنطقة. وقد أسهمت هذه الديناميكية في تعزيز سيادة القبيلة على مراعيها وتوسيع شبكة التبادل الاقتصادي والاجتماعي مع القبائل المجاورة، مما جعل أسيف ملول مركز هوية وذاكرة جماعية متماسكة، ومعبراً عن قدرة القبيلة على التكيف والتحكم في المجال الطبيعي والرمزي على حد سواء..
إلى جانب قصر أقديم، ظلت المراعي العليا مثل إزلي وتيزليت امتداداً طبيعياً واقتصادياً ورمزياً للهوية، إذ وفرت للقبيلة اللبن والسمن واللحم في الصيف، وأصبحت جزءاً من المخيال الثقافي الأمازيغي، حيث تحضر مفردة ألمو في مئات الأبيات الشعرية. هذه المراعي لم تكن مجرد فضاءات اقتصادية، بل ارتبطت بطقوس وعادات مثل الگزازة “تالوسي” التي تجمع بين أدواتها التقليدية مثل المقص وتيلست وتاضوت، وبين الأشعار المرافقة وأعراف “إودلان” التي تنظم أوقات الجز ونظام الرعي، إضافة إلى دور “إجلامن” في التنسيق والعمل الجماعي، مما يعكس التلاحم الاجتماعي والاقتصادي للقبيلة.
ويحتل سيدي حماد أو لمغني مكانة روحية فريدة في وجدان أيت حديدو، إذ كان موسمه السنوي يجمع القبائل في فضاء واحد يحتفي بالتصوف، وفنون الرماية، والأعراس الجماعية، ويعزز السلم الداخلي بين الفخذات المتنازعة. هذا الموسم كان يمثل لحظة اندماج بين البعد الروحي والبعد الاجتماعي، حيث يتم تثبيت وحدة القبيلة وإخماد الصراعات الداخلية، وهو ما يجعل استبداله في ستينيات القرن العشرين بما عُرف بموسم الخطوبة تحويراً لا يستند إلى أسس تاريخية أو أنثروبولوجية، ويفرغ المناسبة من أبعادها الأصلية.
لقد أدت بعض السياسات الثقافية والسياحية في العقود الأخيرة إلى فرض تسميات وأنشطة دخيلة، مثل ربط أسماء إزلي وتيزليت بطوبونيميا غريبة ترتبط بالأسطورة وليس بالطبيعة الجغرافية للمجال ولا بالخصوصية اللسانية للقبيلة، أو تقديم مواسم ذات صبغة استهلاكية على حساب المناسبات التاريخية الأصيلة، وهو ما ساهم في تشويه الذاكرة الجماعية وتبسيط معانيها. إن إعادة الاعتبار للهوية الحقيقية للقبيلة يقتضي العودة إلى المعطيات التاريخية واللسانية والطبيعية، وتثمين أقديم وإزلي وتيزليت وموسم سيدي حماد أو لمغني باعتبارها ركائز مادية وروحية أصيلة، قادرة على منح المنطقة خصوصية ثقافية معتبرة ودعامة للتنمية المستدامة والسياحة الثقافية المسؤولة..
فالهوية الحديدوية ليست مجرد سرد شفوي أو ذاكرة عاطفية، بل هي منظومة متكاملة من التراث المادي واللامادي، صيغت عبر قرون من التفاعل بين المجال والإنسان. الحفاظ عليها وتصحيح مسارها يتطلب رؤية شمولية تعيد وصل المجال بتاريخ القبيلة وروحها الجماعية، وتواجه المغالطات التي ظهرت في النصف الأخير من القرن العشرين، حتى يستعيد هذا الموروث مكانته في الوعي المحلي والوطني كجزء من التراث الأمازيغي العريق..
_________
عدي الراضي
باحث في التاريخ والتراث