مقدمة
يشهد أدب الرحلة في الكتابة العربية المعاصرة تحولا نوعيا في وظائفه ودلالاته، إذا كان عادة خطابا وصفيا يرصد انتقال الجسد عبر الأمكنة و يكتفي بتسجيل الغرائبي والمختلف، فقد غدا فضاء مركبا لإعادة تشكل الذات في تماسها مع الآخر، ومختبرا تأويليا تتداخل فيه التجربة المعيشة مع إعادة كتابتها سرديا. وبين الرحلة كواقعة والرحلة كنص، تنشأ مسافة دلالية كثيفة تتحول فيها الجغرافيا إلى مغزى، والمكان إلى بنية رمزية، والآخر إلى أفق يعاد من خلاله تعريف الذات على أنها أكثر من معطى ثابت.في هذا الأفق، يندرج كتاب رحلتي بين النيل والسين كنص إشكالي يتجاوز حدود التصنيف الأجناسي التقليدي. فهو لا يستقر في أفق الرحلة الوصفية، ولا يندمج كليا في السيرة الذاتية، إنا نراه يزاوج بين عناصر السيرة والتأمل الثقافي. فانتقال الكاتبة من مصر إلى فرنسا يتحول إلى تجربة لإعادة تشكيل الإدراك، ويكثف حضور النيل والسين في العنوان هذا التوتر الدلالي: فالأول يحيل إلى الأصل والذاكرة والانتماء، والثاني يستدعي الحداثة والاختلاف وإغراء الآخر. ومنذ الصفحات الأولى، تصرح الكاتبة بأن الرحلة لم تكن انتقالا مكانيا بقدر ما كانت مسارا لإعادة تعريف الذات: "مصر وفرنسا هما لي جناحان" (ص13)، وهو تصريح مجازي يلخص جدلية الثبات والانتماء من جهة، والتحول والعبور من جهة أخرى.
وإذا كان أدب الرحلة الكلاسيكي، كما في تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار لابن بطوطة، قد انشغل بوصف العوالم الخارجية واكتشاف غرائبياتها، فإن النص الذي نحن بصدد دراسته ينقل مركز الاهتمام إلى الداخل، مقتربا من التحول الذي دشنه رفاعة الطهطاوي في تخليص الإبريز في تلخيص باريز، وإن كان يختلف عنه في كونه أقل انشغالا بالمشروع الإصلاحي المباشر وأكثر ميلا إلى التأمل الذاتي.
انطلاقا من ذلك، تنبثق الإشكالية المركزية لهذه الدراسة: كيف يعيد النص بناء صورة الذات في سياق العبور بين فضاءين حضاريين وثقافيين؟ وهل تمثل الرحلة انتقالا مكانيا أم سيرورة لإعادة بناء هوياتي؟ ويتفرع عنها أسئلة متصلة بتمثيل المكان، وبوظيفة اللغة في إدراك الآخر، وبالكيفية التي تتولد بها مواقف نقدية من التجربة.
من الناحية المنهجية، تعتمد الدراسة قراءة تحليلية قريبة من النص، مع الاستئناس بمفاهيم نظرية تركيبية: تصور بول ريكور للهوية السردية (Soi-même comme un autre)، في ما يتعلق بعلاقة الذات بالزمن، وسيميائيات رولان بارث في تأويل العلامة والمكان، وإسهامات إدوارد سعيد في تحليل تمثلات الآخر (Orientalism)، فضلا عن مفهوم "الفضاء الثالث" عند هومي بابا (The Location of Culture). ويقترح إطار مفاهيمي إجرائي تحت مسمى "العبور الهوياتي": ذلك المسار الذي تنتقل فيه الذات من تموضع أولي داخل منظومة انتماء نسبية الانغلاق، إلى وضعية انفتاح تعيد فيها تعريف نفسها عبر الاحتكاك بالآخر، دون أن يعني ذلك التخلي عن المرجعية الأصلية.
وستسعى الدراسة إلى تتبع مسارات هذا التشكل عبر سبعة محاور متكاملة: الطفولة كبنية تأسيسية، والوطن كفضاء للانتماء المركب، واللغة كجسر للعبور الحضاري، والرحلة كتحول أنطولوجي في الوعي، والنقد الثقافي وإنتاج الوعي الثالث، والذات الكاتبة في الفضاء المؤسسي والرمزي، وصولا إلى الحياة اليومية كنص ثقافي. وتتمثل أهمية هذا الاشتغال في كونه يسلط الضوء على نص يندرج ضمن سياق التحولات الأوسع التي يعرفها أدب الرحلة، ويتيح اختبار أدوات تحليلية قادرة على ملامسة هذا النوع من الكتابة، بما يبرز إمكاناته في قراءة العلاقة بين الذات والآخر في سياق معاصر يتسم بتسارع التفاعل الثقافي.
-I الطفولة : بنية تأسيسية وبدايات التشكل المعرفي والوجداني
لا يمكن مقاربة تشكل الذات في رحلتي بين النيل والسين دون الوقوف عند لحظة الطفولة كبنية تأسيسية تعيد إنتاج نفسها داخل السرد، وتشكل نقطة انطلاق لمسار معرفي ووجداني طويل. وقد أبرز بول ريكور هذا البعد حين رأى أن الهوية تبنى كحصيلة لسيرورة حكائية تمتد عبر الزمن لا كجوهر ثابت. (Temps et récit)
أحد أبرز ملامح تمثيل الطفولة في النص هو كثافة الحضور الحسي. فالكاتبة تستعيد طفولتها بالحواس كلها لا بالذاكرة المجردة: "أجلس بجوار جدي لعمل التمرينات العقلية اللازمة واللذيذة من مادة النحو التي كانت تنشط الذاكرة كما كانت تنشطها رائحة الكباب المشوي" (ص16). هنا يتقاطع النص مع ما يسميه رولان بارث "أثر الجسد" في النص (Le bruissement de la langue)، حيث تتحول الرائحة إلى علامة تستدعي عالما بكامله. وتمتد هذه الكثافة الحسية إلى مشهد الكتب: "كنت أنظف هذه الكتب وأنفض عنها الغبار وأحضنها وأرقص وأدور في فساتيني… وأغني" (ص17)، وهو ما يعبر عن علاقة وجدانية بالمعرفة، علاقة شغف، تمثل ما يسميه ريكور "إعادة حيازة الذات لنفسها عبر الحكاية."
هذا التأسيس الحسي والمعرفي يتعزز بالبعد القيمي والأسري. فالجد الحرفي، والجدة الدافئة، والأب المحفز على العلم يشكلون منظومة أولى للانتماء: "الأب كان دائم التفكير… فتعلمنا الصبر لنحقق آمالنا" (ص15). وفق تصور بندكت أندرسن في الجماعات المتخيلة، تمثل الأسرة هنا الجماعة الأولى التي تنقل قيما محددة: حب المعرفة، تقدير الجمال، الإيمان بالعمل. كما يحضر البعد الجمالي في محيط مشبع بالصناعة والرسم: "كان البيت فنارا ومنارا… اشتهر الجد والعائلة بصناعة أروع الإطارات" (ص19)، وهو ما أسس لنمط إدراك يرى العالم قابلا للتشكيل والتلوين.
تظهر أيضا ملامح التوجه المبكر نحو اللغة والكتابة: "كنت أرصع [الكتب والمجلات] بها سطوري حين أكتب التعبير المدرسي وحين أتقدم للإذاعة المدرسية" (ص16)، وصولا إلى مشاركات صحفية مدرسية وفوز بمسابقات اللغة الفرنسية. هذا المسار يتواصل في المرحلة الثانوية: "خرجت الطالبة الصغيرة… تحلم أن تكون سفيرة في عالم اللغة والإعلام… يراودها دائما قلم الكتابة والإحساس والخيال" (ص36). هنا تتجلى اللغة كأفق مستقبلي، والكتابة كتجربة وجودية مرتبطة بالإحساس والخيال.
يتعمق هذا التشكل مع الانتقال إلى الجامعة، حيث تبدأ العلاقة الفعلية مع اللغة الفرنسية: "بدأ القلب ينبض مع اللغة الفرنسية ونغماتها وسرعة إيقاعها" (ص36). اللغة تستقبل عبر الإيقاع والنغمة، أي عبر الإدراك الحسي قبل المفاهيمي، وهو ما يفسر لاحقا قدرة الكاتبة على التفاعل معها بشكل حي. كما تحضر شخصية الأستاذة وسيطا معرفيا وثقافيا: "كان هذا السؤال أول سطر في تعرفي بالثقافة الفرنسية" (ص37)، والسؤال يتعلق بموقع المرأة في المجتمع الفرنسي، ما يكشف أن التعلم امتد إلى القيم الثقافية. تصف الكاتبة الأستاذة بقولها: "كانت بالنسبة لي مثل توت؛ المعلم الأول للملك" (ص37) - الإله توت كان يعتبر مصدر الحكمة والمعرفة للملوك والكتبة-، وهو تشبيه يحيل إلى سلطة المعرفة ودورها في تشكيل الوعي.
ولا يغيب البعد الاجتماعي الداخلي، ففي معسكر الإسكندرية، تتقاطع اللغة والثقافة والتفاعل الاجتماعي: "لم يكن هذا لقاء مع الثقافة الفرنسية فقط بل لقاء مع مصريين من محافظات مختلفة ولهجات لم أسمعها طوال حياتي" (ص38). هنا يتسع مفهوم التعلم ليشمل الآخر الداخلي أيضا، بما يساهم في تفكيك صورة الذات الأحادية. كما يظهر البعد الوجداني في علاقة بالمكان: "وبالخارج موج البحر يربت على صدري ويجليه" (ص38)، وهو تفاعل حسي يؤكد أن التكوين الجمالي يوازي التكوين المعرفي.
في ضوء ذلك كله، يمكن القول إن الطفولة في هذا النص تؤدي وظيفة تأسيسية واستباقية في آن واحد: فهي تمثل "الجذر الذي تمتد منه الأغصان" (ص17)، وتؤسس لمستوى الثبات النسبي (idem) في الهوية وفق ريكور، في مقابل مستويات التحول (ipse) التي ستأتي لاحقا. غير أن هذا التأسيس يظل محكوما بانتقائية واضحة، إذ يركز المؤلف على لحظات النجاح والتفوق ويغيب عنه تفصيل التحديات أو الإخفاقات، ما يمنح السرد انسجاما لكنه يقلل من تعقيد التجربة. ومع ذلك، فإن هذه الطفولة - بما تحمله من كثافة حسية، قيم أسرية، أحلام لغوية، وتجارب معرفية وجمالية - هي التي تجعل العبور ممكنا دون اقتلاع، وتمنح الذات قدرة على إعادة تعريف نفسها في تماسها مع الآخر.
-IIالوطن : فضاء الانتماء المركب وإعادة تشكيل الهوية
إذا كانت الطفولة قد أرست البنية التأسيسية للذات، فإن الوطن في المؤلف الذي بين أيدينا لا يحضر كمعطى ثابت ومستقر، إنه يتمثل كفضاء متحول تتشابك فيه العلاقات المتضادة: الحب والخيبة، الانتماء والاحتجاج، الفخر والأسى. وهو ما يجعل دلالة "مصر" في هذا الكتاب أكثر تعقيدا مما قد يوحي به الظاهر الخطابي، إذ يتحول الوطن من إطار جغرافي إلى تجربة مركبة تتداخل فيها عناصر الذاكرة والتاريخ والتفاعل الاجتماعي.
1- الوطن حضن ومصدر هوية
لا تخفي الكاتبة انتماءها العميق لمصر، فهي تستحضره في لحظات وجدانية بالغة الكثافة. وأشد هذه اللحظات دلالة مشهد المغادرة: "كنت أودع الأهرامات وأعد أبا الهول بأنني سأظل محبة لبلدي مهما رأيت من تطور وتقدم… فلها جميل في عيني وأكن لها كل عرفان" (ص66). هذا الخطاب الوجداني المباشر يشكل ما يسميه إدوارد سعيد "رابطة الجغرافيا العاطفية" (Orientalism)، حيث تتحول الأماكن إلى استعارات للانتماء، وكل مغادرة إلى فعل يستدعي التأكيد والتعويض.
وقد استدعت الكاتبة هذه الصلة منذ مراحل مبكرة، وهي طالبة أمام أهرامات الجيزة: "كنت أحلم بأن تتحول الصحراء الجرداء حوله لمزارع قمح تجعلنا رافعي الهامة شامخي الرؤوس أمام هؤلاء الأجانب الذين يجلون تراثنا" (ص23). هنا يستحضر الأثر الفرعوني كماض مجيد وكتحد راهن يطالب أبناءه بالارتقاء إلى مستواه.
2- الوطن موضع للخيبة والنقد
لكن صورة الوطن لا تبقى في دائرة التمجيد وحدها، فثمة نقد ضمني وصريح يتسرب عبر المقارنات والانفعالات. ففي وصفها الانتقال من مصر إلى فرنسا، تكشف عن منظومة قيم مختلفة: "تلك الصورة الجميلة كانت لوقت طويل تمدني بالطاقة… بعدما عدت من الزيارة الأولى لفرنسا… ومرت سنوات من الأحقاد والأضداد والصراعات" (ص60). كما تسائل بمرارة: "القاهرة الجميلة! هل من يسكنونها الآن ليسوا من أحفاد من أبدعوا الحضارة الفرعونية؟" (ص35)، وهو سؤال بلاغي يذكر بالأسلوب التشكيكي عند طه حسين في مستقبل الثقافة في مصر (1938)، حيث ربط النهوض الحضاري بمراجعة صادقة للذات.
وفي مشهد آخر بالغ الدلالة، تصف استياءها من المنتجات الإسرائيلية في شوارع العريش: "كان يحزنني حال جنودنا في رفح أمام استعلاء جنود إسرائيل وبيع المنتجات التي كافح شباب مصر لتطهير أرضهم من صانعيها" (ص29). هنا يتقاطع البعد الوطني العاطفي مع النقد السياسي، بما يذكر بما سماه هومي بابا "الخطاب الثقافي في المواجهة." (The Location of Culture)
3- الوطن تجربة معيشة ومتخيلة
يتوسع إدراك الوطن عبر التجارب الداخلية. ففي معسكر الإسكندرية، يظهر البعد التنظيمي للحياة الجماعية: "كنا نستيقظ مبكرا… لتبدأ المحاضرات… ثم الأنشطة الفرنسية والثقافية" (ص38). لكن هذا لا يخلو من صعوبات: "لم أتحمل الحجرة بالمدينة الجامعية وضيق مساحتها وقلة النظافة" (ص38)، وهو ما يكسر الطابع المثالي للتجربة. في المقابل، يظهر البحر كفضاء بديل يمنح شعورا بالتحرر: "كانت الشقة مطلة على البحر مباشرة مما جعلني أستمتع بالوقت جيدا" (ص38).
يتواصل هذا الإدراك مع رحلات القاهرة: "ظللت أعيش في الحلم لمدة عامين بين الذهاب والإياب إلى القاهرة والإجهاد الرهيب" (ص40)، حيث يتحول المكان إلى مركب رمزي: "ظل هذا المكان بمثابة المركب الذي أحمل عليه أحلامي لأنقلها إلى الضفة الأخرى" (ص40). ويبلغ التحول ذروته في تجربة الطائرة: "بدأ العالم يظهر لي في لقطة كبيرة… ويصغر كل شيء من حولي وكلما تتقدم الطائرة أشعر أنني أنمو" (ص41)، وهو مشهد يعيد ترتيب العلاقة بين الذات والعالم. لكن هذه التجربة لا تخلو من معاناة جسدية: "كاد يغشى علي وتقيأت كل ما في جوفي… وشعرت بالبرد" (ص43)، ما يضفي على السرد بعدا إنسانيا واقعيا.
4- الوطن المزدوج والهوية السردية القلقة
تلتقي هذه المتناقضات لتنتج ما يمكن تسميته "الوطن المزدوج": وطن الذاكرة والحنين من جهة، ووطن الإحباط والنقد من جهة أخرى. وقد رأى بندكت أندرسن في الجماعات المتخيلة (1983) أن الأمة ليست واقعا موضوعيا بقدر ما هي بناء خيالي-وجداني، وهو ما يتجلى في النص حيث لا تتماهى صورة مصر المحبوبة دائما مع الواقع المعيش. هذا التوتر الداخلي يضفي على النص أفقه النقدي الحقيقي، ويجعل علاقة الكاتبة بوطنها أقرب إلى ما أسماه ريكور "الهوية السردية القلقة"، أي الهوية التي تجد راحتها في حركة مستمرة من المساءلة وإعادة التأويل.
وتعبر الكاتبة عن هذه الديناميكية بصورة شعرية موحية: "يا مصر خيراتك وفية… يغطيها تراب الحقد والغيرة… والماهر من يعرف كيف ينفض من أمامه الغبار بأنفاس عميقة" (ص10). هذه الاستعارة تلخص موقفها: إنه ليس رفضا ولا تمجيدا أعمى، إذ هو وعي نقدي يرى جوهر الوطن خيرا، ويعتبر مهمة المثقف نفض الغبار عن هذا الجوهر دون إدانة متسرعة.
-III اللغة : تجربة معيشة وجسر عبور حضاري
إذا كانت الطفولة قد أرست الجذور، والوطن قد رسم حدود الانتماء المركب، فإن اللغة في مؤلف فتحية سيد الفرارجي تمثل الجسر الحقيقي الذي يتيح العبور الحضاري دون اقتلاع، وفي الوقت نفسه تؤدي وظيفة إعادة تنظيم الإدراك. فهي تعالج كفضاء هوياتي كثيف تتصارع فيه الانتماءات وتتفاوض، وتتحول من موضوع تعلم إلى تجربة معيشة تعيد صياغة العلاقة بالعالم.
1- اللغة الفرنسية حلم مسبق وتجربة حسية
تبدأ علاقة الكاتبة بالفرنسية قبل لحظة السفر بسنوات، أي منذ المرحلة الجامعية: "بدأ القلب ينبض مع اللغة الفرنسية ونغماتها وسرعة إيقاعها" (ص36). هذا التوصيف بالنبض والإيقاع يحيل إلى ما أسماه رولان بارث "لذة النص" (Le plaisir du texte)، حيث تسبق المتعة الجسدية-الصوتية المعرفة المفهومية. وقد تجلت هذه الصلة المبكرة في موقف نقدي أول من بعض مظاهر الثقافة الفرنسية: "ما هذه الحرية الفرنسية التي تحرم البنت من لقبها الأصلي لمجرد أنها تزوجت؟" (ص37). السؤال هنا يكشف أن الدخول إلى اللغة كان من باب الحوار النقدي، لا من باب الإذعان.
2- من التعلم إلى الممارسة والاندماج الثقافي
تصف الكاتبة انتقالها من التعلم إلى التدريس: "بدأت أستمتع بموسيقى اللغة من خلال تدريس دورات الدلف" (ص36). هذا التحول يعكس مستوى من التمكن، حيث تصبح اللغة أداة إنتاج لا مجرد وسيلة فهم. ويتعمق هذا المسار داخل المركز الثقافي الفرنسي: "كان الشوق للوصول إلى المركز وسماع ما هو جديد واستنشاق رائحة القهوة الفرنسية" (ص40). هنا ترتبط اللغة بمحيطها الثقافي، حيث يشمل التعلم الطقوس اليومية والتفاصيل الصغيرة. وتصف الكاتبة شعورها بـ "الجوع الذي يشدني لأشبع من هذا المكان" (ص40)، وهو ما ينقل اللغة من مستوى الذهن إلى مستوى الجسد.
3- اللغة أداة مقاومة وتفاوض
أتاح التمكن من الفرنسية للكاتبة أن توظفها في مواجهة مواقف الاستعلاء، كما في مشهد المكتبة ببوزنسون: "طالبت بمقابلة المديرة وقلت لها بالفرنسية مباشرة: أعلم أنكم تقدرون وقت الباحثين وخاصة أساتذة اللغة الفرنسية الذين يتعلمون لغتكم مثل الباحث الأمريكي" (ص56). هذا المشهد يجسد ما أسماه هومي بابا "أداء الهوية في المنطقة الحدية" (The Location of Culture) ، حيث تستخدم أدوات الآخر ذاتها - لغته ومنطقه - للتفاوض عن موقع الذات.
4- التعددية اللغوية وإنتاج الهوية المركبة
كشفت الإقامة في المدينة الجامعية الدولية بباريس عن أن التعدد اللغوي هو فضاء لإثراء الهوية. تصف الكاتبة فضاء التعايش بين الطالبات العربيات بأنه "صومعتنا الصغيرة" (ص46)، حيث تتجاور الانتماءات المتعددة دون أن يلغي أحدها الآخر. وتكتب عن زميلة: "تعزف أصوات لغتها العربية وحروفها الأصيلة على أوتار اللغة الفرنسية بأصواتها الرقيقة" (ص83)، وهي صورة تجسد ما أسماه بول ريكور "الذاتية بكونها آخرا." (Soi-même comme un autre)
كما تكتب في قصيدتها: "فاللغة لا تنحصر في القواعد والكلمات / وإنما هي مرآة الحضارات" (ص83)، وهو تعريف ينظر إلى اللغة كما نظر إليها إدوارد سعيد كنظام للتمثيل ومنتج للسلطة في الوقت ذاته.
5- حدود اللغة وفجواتها
رغم هذا الاندماج، يكشف المؤلف عن فجوات حقيقية. فبعض التجارب لا تجد مقابلا في لغة الآخر. تصف الكاتبة شعورها أمام الموميات المصرية في متحف فرنسي: "علا صوتي الداخلي والرغبة الملحة في أننا لابد أن نعود وأن نقود وأن نسود، ولكن متى؟ وكيف؟" (ص57). هذا الصوت الداخلي يبقى معلقا بلا لغة، مما يكشف أن التمكن من لغة الآخر لا يعني دائما القدرة على التعبير عن أعمق ما في الذات.
6- اللغة اختبار يومي للذات
يبلغ المسار ذروته عند الوصول إلى فرنسا، حيث تصبح اللغة جزءا من الحياة اليومية، كما في الحوار مع المسافر الفرنسي أثناء الرحلة: "ظل يحاورني ويسألني عن سبب مجيئي إلى فرنسا" (ص43). هنا تتحول اللغة إلى اختبار واقعي خارج الإطار التعليمي، حيث تستخدم لفهم الآخر ولتقديم الذات في آن واحد.
-IV الرحلة خبرة وجودية وتحول أنطولوجي
تقدم الرحلة في رحلتي بين النيل والسين كخبرة وجودية تمس إدراك الذات للعالم ولذاتها، وتعيد صياغة موقعها في الوجود لا على أساس أنها انتقال جغرافي فحسب. النص يرفض باستمرار اختزال الرحلة في بعدها المكاني، ويحولها إلى سيرورة أنطولوجية تجمع بين التوسع والانكشاف.
1- الطائرة عتبة للتحول
يحتل مشهد الطائرة موقعا مركزيا في السرد، حيث تصف الكاتبة: "بدأ العالم يظهر لي في لقطة كبيرة… ويصغر كل شيء من حولي" (ص41). هذا التحول البصري يعيد ترتيب نسب الأشياء ويمنح الإدراك شمولية جديدة. وتضيف: "كلما تتقدم الطائرة أشعر أنني أنمو" (ص41)، وهو ما يكشف عن أن النمو مرتبط بالحركة لا بالزمن وحده، في انسجام مع ما وصفه هايدغر في Being and Time (1927) عن الوجود كانفتاح متجدد.
هذا الفضاء العتبي - لا هو مصر ولا هو فرنسا - يضع الذات في منطقة وسيطة تعلق الهويات وتفتح إمكانات جديدة. لكنه أيضا فضاء اختبار جسدي قاس: "كدت يغشى علي وتقيأت كل ما في جوفي" (ص43). هذا التقيؤ، رغم طابعه المادي، يحمل دلالة رمزية كتطهير من تراكمات الماضي، أشبه بما يسميه رولان بارث "موت المؤلف" بمعناه المجازي، أي تخلي الذات عن نسختها السابقة لتولد من جديد.
2- الألم الجسدي والبعد الإنساني
تصف الكاتبة الضغط الجوي: "كان الضغط الجوي على أذني يطبق ويخنق كل مخاوفي" (ص43)، حيث يتحول الخوف إلى تجربة حسية تربط الجسد بالنفس. في المقابل، يظهر البعد الإنساني من خلال مساعدة المسافر الفرنسي: "أعطاني مضغ اللبان ليخفف هذا الألم" (ص43). هذه اللحظة تكشف عن إمكانية التواصل خارج الاختلاف الثقافي، حيث يتأسس التعاطف كجسر إنساني.
3- الوصول والصدمة الحضارية
عند الوصول، تتغير نبرة السرد: "مع الإضاءة الهادئة وصوت الموسيقى والنظافة… تغمرني بالسعادة" (ص44). الانبهار بالنظام والجمال يكشف عن صدمة حضارية منتجة، كما يسميها فيليب دو كيرمادك، أي الصدمة التي تدفع الذات إلى مراجعة بديهياتها. يظهر ذلك أيضا في مشهد بوزنسون: "لم يسخر أحد من ركوب الأستاذة الجامعية الدراجة ولا من ملابسها" (ص50)، وهو تساؤل يكشف عن احتكاك منظومتي قيم.
لكن النص لا يقف عند حدود الإعجاب، نجده يحول كل مشهد إلى سؤال مرتد على الواقع المصري. ففي وصف الصمت الفرنسي الليلي تتساءل الكاتبة: "هل للعربي أو المسلم أن يبحث عن مدينة يتعلم فيها كيف يعد برنامجه الزمني أفضل من مدينة يؤذن فيها لصلاة الفجر؟" (ص76). هذا التوتر بين الإعجاب بالنظام الغربي والتمسك بالمرجعية الإسلامية يظل معلقا، مما يمنح النص أمانة فكرية نادرة.
4- الإقامة كتجربة وجودية
الإقامة في باريس خلال مرحلة الدكتوراه تكشف عن عمق التحول. تقول: "إن كنت بلا مسكن فأنت بلا هوية أو حقوق" (ص69)، وهي صياغة تختزل فلسفة العلاقة بين المكان والوجود، في انسجام مع مفهوم هايدغر عن "الإقامة". مشهد الحصول على الشقة في المدينة الجامعية يمثل لحظة استقلالية: "حينها عشت ولأول مرة… ما يشعر به الشباب للبحث عن مسكن ليبدأ الحياة ويتحمل الزمام" (ص71).
ويبلغ هذا التحول ذروته في استعارة الإناء الفخاري: "صار القلب الذي نبت وأكل من ثمار الأرض الطينية الخصبة لدلتا النيل في فرنسا كإناء فخاري جاف يمتص الماء وتفوح منه رائحة التربة الأصيلة" (ص48). هذه الصورة تجسد جدلية الثبات والتحول التي يشكلها مفهوم "العبور الهوياتي".
5- العودة وإشكالية الضفة الثانية
تنتهي الرحلة بالوصول إلى الآخر كما يتوقع دائما، لكن في مؤلف الفرارجي تنتهي الرحلة بالعودة إلى الذات. تصف الكاتبة الهبوط في مصر: "ومع كل سلمة تهبط أحلام مع سلالم الروتين وفقدان الإحساس بالوقت وقيمته" (ص65). هذا التوازي بين الهبوط الجسدي وهبوط الأحلام يكشف أن العودة اختبار جديد للذات المتحولة في مواجهة بيئتها الأصلية. وهنا تظهر إشكالية ما أسماه بول ريكور "الهوية المعاد تأويلها" (Soi-même comme un autre، 1990): الذات التي تعود ليست هي التي غادرت، لكنها تواجه مكانا لم يتغير بالقدر ذاته، مما يجعل العودة عبورا آخر لا يقل تعقيدا عن الذهاب.
-V الوعي النقدي الثالث : بين الانبهار والمساءلة
إذا كانت المحاور السابقة قد تتبعت مسارات تشكل الذات عبر الطفولة والوطن واللغة والرحلة، فإن هذا المحور يعنى بما أفرزته هذه المسارات مجتمعة من وعي نقدي متمايز، وعي لا ينتمي كليا إلى المنظومة المصرية ولا إلى المنظومة الفرنسية، وعي يشتغل في المنطقة البينية بينهما. وهو ما يمكن تسميته، استعارة من هومي بابا، "الفضاء الثالث " (The Location of Culture)، أو بتعبير أدق: الوعي النقدي الثالث.
1- الآخر كمرآة لا كنموذج
يتجنب النص الوقوع في فخين شائعين في أدب الرحلة العربي المعاصر: الانبهار المطلق بالغرب بما يفضي إلى إدانة الذات، أو الرفض المسبق الذي يحول الرحلة إلى نزهة مغلقة. فحين تصف الكاتبة المجتمع الفرنسي بإعجاب، لا تطلقه بلا قيد. فهي ترى في نظام المواصلات ونظافة المدن وانضباط العلاقات اليومية نماذج جديرة بالتأمل، لكنها في الوقت ذاته تسجل لحظات الاستعلاء والإقصاء. ومن أكثف هذه اللحظات مشهد طابور المطار: "تذكرت طابور المطار المخصص للأوروبيين… وطابور الأجانب كالإسفنجة التي وقعت في بحر مالح وانتظرنا والتفحص في وجوهنا طويلا" (ص57). هذا التفاوت يثبت في النص كحقيقة واقعة، تاركا للقارئ استخلاص دلالته، وهو ما يشبه ما وصفه إدوارد سعيد بـ "الوعي الكونتراصواتي." (Culture and Imperialism)
2- النقد كممارسة مزدوجة
الوعي النقدي هنا مزدوج الاتجاه، فهو يتجه نحو الآخر والذات معا. فإلى جانب نقد الاستعلاء الفرنسي، توجه الكاتبة سهاما نقدية إلى منظومتها الثقافية والمؤسسية. يتجلى ذلك في سؤالها: "هل من يسكنونها الآن ليسوا من أحفاد من أبدعوا الحضارة الفرعونية؟" (ص35)، وهو استنكار للهوة بين الإرث والواقع. كما تنتقد البيروقراطية المصرية بحدة، إذ تصف عقبات التأشيرة: "وجدت من الحاقدين ما تحول إلى رحلة قصيرة لمدة شهر… بدلا من تسعة أشهر" (ص41). هذا التقابل الرمزي بين مدة الحمل (تسعة أشهر) والزيارة العابرة (شهر واحد) يوحي باغتيال ولادة مكتملة واستبدالها بلقاء عابر.
3- الدين كمرساة
يحضر الانتماء الديني في النص كإطار مرجعي يوجه دون أن يقيد. ففي متجر بوزنسون، حين عرضت عليها الفرنسية معلبات تحتوي على نسبة ضئيلة من الكحول، أجابت: "إنني مسلمة فنسبة صغيرة مثل نسبة كبيرة" (ص55)، ثم أضافت: "في كل ديانة هناك المتمسكون بدينهم وغير المتمسكين" (ص55). هذا الموقف يحول اللحظة من مواجهة هوياتية إلى حوار إنساني. وعلى المنوال ذاته، طالبت الطالبات العربيات بدور مخصص للسيدات: "حجابنا لا يختلف عن غطاء رأس الراهبات" (ص46)، وهو ما يجسد استراتيجية "التهجين الخطابي" عند بابا، حيث توظف أدوات الآخر للدفاع عن الذات.
4- المرأة المثقفة بين فضاءين
الوعي النقدي يتشكل أيضا من موقع الكاتبة كامرأة أكاديمية تتحرك بين فضاءين مختلفين. ففي مصر، تصطدم بعقبات مؤسسية تلمح إليها بلغة حذرة، وفي فرنسا تواجه إقصاء مضاعفا: إقصاء العربي جنسية، وإقصاء المحجبة دينا وجنسا. تصف حادثة المكتبة: "جاءت الموظفة كأن عجلات الغيظ دهستها… فأصابها سهم الاستعلاء على تلك المحجبة" (ص56). غير أن الكاتبة لا تقف عند حدود التسجيل، لقد حولت هذه الهامشية إلى موضع فاعلية، وهو جوهر الوعي النقدي الثالث.
5- الكتابة كفعل مقاومة
أعمق تجليات هذا الوعي النقدي الثالث يكمن في الفعل الكتابي ذاته. فالكاتبة تعيد بناء رحلتها سرديا كسيرورة متواصلة. ويشي بذلك تعدد الأجناس الكتابية في النص: السرد، الشعر، التأمل، النقد التاريخي، والمعلومة الموضوعية، مما يجعل الكتاب عصيا على التصنيف الأحادي. هذا التعدد يعكس تعدد مستويات الوعي، ويؤكد أن النص ليس أدب رحلة بالمعنى الكلاسيكي، إنه نص عبوري ينتج معناه في المسافة بين ضفتين.
-VI الذات الكاتبة في الفضاء المؤسسي والرمزي : من التفاوض الأكاديمي إلى الوعي الكوني
ما يميز هذا الفضاء أنه يتعدى اختبار الكفاءة المعرفية، ليختبر الهوية في مجملها: هوية المرأة، وهوية العربية، وهوية المسلمة، وهوية الباحثة القادمة من هامش الجنوب إلى مركز الشمال. وقد وفرت الصفحات المتقدمة من الكتاب مادة استثنائية لهذا المحور، تكشف عن أبعاد لم تدرس في المقالة من قبل.
1- الذات الأكاديمية في مواجهة المؤسسة الفرنسية
تحضر المؤسسة الأكاديمية الفرنسية في هذا النص كحقل للسلطة بالمعنى الذي أرساه بيير بورديو في تحليله لرأس المال الرمزي (La Distinction، 1979)، إذ تتوزع فيه المواقع وفق منطق الاعتراف والإقصاء في آن واحد. وقد اختبرت الكاتبة هذا الحقل بكل تناقضاته منذ اللحظة الأولى لانخراطها في البحث الجامعي الفرنسي.
وأبلغ ما يجسد هذه المواجهة مشهد حلقات النقاش بالسوربون، حيث تصف الكاتبة انخراطها في "السمينارات" بحماس واضح، مشيرة إلى أن أستاذها "كان يحفز جميع الدارسين والباحثين على البحث والدراسة، ويقدم عرضا شيقا لمحاضراته، وكان رقيق الطبع مع الجميع" (ص313). وما يلفت في هذا الوصف أنه يبرز قيمة التواضع الأكاديمي كسمة استثنائية جديرة بالتسجيل، وهو ما يعني ضمنيا أن هذه القيمة لم تكن مألوفة في البيئة التي جاءت منها الكاتبة.
غير أن المواجهة الأعمق تقع في مشهد حفل السوربون مع الكاتب ميشيل ديون، حين تجد الكاتبة نفسها المحجبة الوحيدة في قاعة من الأكاديميين الفرنسيين: "كنت في هذا الحفل الراقي المحجبة الوحيدة، كنت كعروس هي الوحيدة التي ترتدي ما لم يلبسه أو يرتده الآخرون" (ص311). وهذه الصورة - العروس بين الحضور - هي استعارة فخر ضمنية تحول الهامشية إلى تميز. وهو ما يجسد بدقة مفهوم هومي بابا عن "الأداء الهوياتي في الفضاء الحدي" (The Location of Culture، 1994)، إذ لا تنسحب الذات من الفضاء المهيمن، على العكس تماما، فهي تحتله بحضور مغاير.
ولعل أبلغ تجليات هذه المواجهة ما رصدته الكاتبة من مفارقة صارخة بين منزلة الأستاذ الجامعي المصري ومنزلة سائق السيارة الفرنسي: "كان مرتب سائق بفرنسا ما يعادل سبعة آلاف جنيه وأستاذ الجامعة قبل 2011 ما يعادل ألفا ونصف جنيه" (ص253). وهذه المفارقة توظف كتشخيص بنيوي لأزمة المنظومة المعرفية في السياق المصري، مما يجعل الكاتبة ناقدة للمركز والهامش في آن واحد.
2- المرأة الأكاديمية المحجبة في النظام الغربي
يكشف النص عن بعد نادر الحضور في أدب الرحلة العربي النسائي: موقع المرأة المحجبة الأكاديمية داخل المؤسسة الغربية. وهو موقع مركب لا يختزله لا خطاب الضحية ولا خطاب الانتصار المبسط، إذ أنه يشتغل في منطقة التفاوض الدقيق بين الانتماء والاختلاف.
وقد تجلى هذا الموقع بأدق صوره في مشهد مقابلة الكاتب ميشيل ديون، حين أصرت على تحيته عكس طريقة الفرنسيين، إذ قالت: "تحيتي بقلبي وعقلي أعمق بكثير من تحية الجلود وملامستها" (ص309). وهذا التصرف جاء من باب إعادة الصياغة للقيمة ذاتها من منظور مغاير، إذ تقدم الكاتبة الحجاب على أنه أكثر من حاجز، إنه فلسفة في التواصل الإنساني تعلي من شأن الباطن على الظاهر. وهو ما يتقاطع مع ما أسماه فرانز فانون "استعادة الذات في مواجهة نظرة الآخر". (Peau noire, masques blancs، 1952)
وعلى المنوال ذاته، جاء موقفها حين قدم لها لحم الخنزير في المأدبة فرفضته بهدوء، ثم أجابت الكاتب حين استغرب: "سيدي العزيز خيرات الله لنا وفيرة، أكثر من أرقى وأفخم أنواع الخمور وهناك لحوم كثيرة ألذ وأطعم من الخنزير" (ص310). والملاحظ هنا أن الكاتبة تقدم موقفها بديلا لا اعتذارا، وهي استراتيجية خطابية تفادي الانكفاء إلى موقع الدونية الثقافية.
وقد أسهمت هذه اللحظات مجتمعة في تشكيل ما يمكن تسميته "الحضور التفاوضي": ذلك الأسلوب الذي تظل فيه الكاتبة حاضرة في الفضاء الغربي بكامل هويتها المركبة، لا بجزء منها، محققة بذلك ما أسماه ريكور "وحدة الذات في تعدد سياقاتها". (Soi-même comme un autre، 1990)
3- جدلية السين والنيل كبنية رمزية كلية
يقدم هذا المؤلف النهرين - النيل والسين - كعلامتين سيميائيتين تحملان فلسفة الكتاب بأسره. وقد بلغ هذا الحضور الرمزي ذروته في مشهد المسلة المصرية في ميدان الكونكورد، حيث تستحضر الكاتبة ما كتبه أحمد درويش عن قصيدة غوتييه: "فالمسلة في باريس في ميدان الكونكورد يشدها الحنين لأختها التي فارقتها بالأقصى، وفقدانها دفء الشمس بمصر ولنيلها" (ص284 - ص285). وهذا الاستحضار النصي الداخلي - حين يوظف نص في نص - يحول المسلة من أثر أثري إلى استعارة للذات المنفصلة عن أصلها، والمحتفظة مع ذلك بشموخها.
والأعمق دلالة من ذلك مشهد الآثار المصرية الغارقة في اللوفر، حين تكتب: "ظلت جميع التماثيل تحاورني وتطالبني بالعودة بها إلى مصر وتنهمر دموعها داخل نوافذ العرض الزجاجية" (ص259). هذا التشخيص للتماثيل - منحها صوتا ودموعا - حسبما يسميه والتر بنيامين "صحوة الأشياء"، أي اللحظة التي تنقلب فيها العلاقة بين الذات والموضوع فتصبح الذات محاوَرة لا محاوِرة. وفي هذه اللحظة بالتحديد تتكشف جدلية السين والنيل عن عمقها الحقيقي: إنها مأساة انفصال تاريخي يتجاوز الكاتبة الفردية ليطال هوية أمة بأسرها.
ولا تغفل الكاتبة في ختام الكتاب أن تعلن هذا المعنى صريحا حين تكتب: "ومن سفراء مصر لفرنسا بين الذهاب والإياب سفيرة أنا في سطور كتابي" (ص322). وفي هذه الجملة ما يلخص الكتاب بأسره: الكتابة سفارة، والنص جواز سفر، والكاتبة وسيطة بين ضفتين لا تسلم بأي منهما مقابل الأخرى.
4- بنية النص المفتوح وإشكالية التصنيف الأجناسي
يطرح هذا الكتاب إشكالية تصنيف حقيقية: أي جنس أدبي ينتمي إليه؟ فهو ليس رحلة بالمعنى الكلاسيكي، وليس سيرة ذاتية بالمعنى الصارم، وليس نقدا ثقافيا بالمعنى الأكاديمي، وليس يوميات بالمعنى الخاص. إنه نص يتقاطع مع هذه الأجناس كلها دون أن يستقر في أي منها.
وهذه الطبيعة الأجناسية المتعددة لا نعتبرها قصورا في البنية، فهي خيار جمالي واع يعبر عن طبيعة الذات الكاتبة ذاتها. فالكاتبة التي تعيش بين ضفتين لا يمكنها أن تكتب في جنس واحد. وقد رأى جيرار جينيت في تحليله للأجناس الأدبية (Palimpsestes، 1982) أن التهجين الأجناسي هو أرقى أشكال تعبيرها، ومن منظورنا المتواضع لا يمكن اعتباره غيابا للهوية.
ويتجلى هذا التهجين بوضوح في تعاقب أصوات النص: فبينما تسرد الكاتبة رحلتها بصوت شخصي حميم في صفحة، تنتقل في الصفحة التالية إلى صوت المحاضرة الأكاديمية، ثم إلى صوت الشاعرة حين تضمن أبياتا من نظمها، ثم إلى صوت المؤرخة حين تستعرض تاريخ الثورة الفرنسية (ص289-299). وهذا التعدد الصوتي الذي أسماه ميخائيل باختين "التعددية الحوارية" (The Dialogic Imagination، 1981) هو ما يمنح النص طاقته الدلالية غير المنتهية.
وخير شاهد على وعي الكاتبة بهذا التهجين قولها في الخاتمة: "كنت بحاجة داخل هذه الدوائر لبعض الهوامش والتعليقات التي تمكنني من الترجمة وضبط زوايا المرآة للقارئ البعيد عن هذا الغلاف الجوي المختلف" (ص320). والترجمة هنا ترجمة وجودية: نقل تجربة العبور من حالتها المعيشة إلى حالتها المكتوبة، ومن خصوصيتها الفردية إلى أفقها الإنساني العام.
وبهذا، فإن الفضاء المؤسسي في هذا المؤلف هو نفسه موضوع الدرس، فالمؤسسة الأكاديمية الفرنسية تنتج سلطة ومعرفة في آن واحد، والكاتبة تفاوض هذه السلطة بأدواتها ذاتها دون أن تسلم بمنطقها. كما كشف أن جدلية السين والنيل تتجاوز البعد الجغرافي والوجداني لتبلغ مستوى التشخيص الحضاري. وأن بنية النص المفتوح هي الصورة الأمينة لذات تأبى الاستقرار في هوية أحادية.
-VII الحياة اليومية كنص ثقافي : الجسد والزمن والمكان في المتخيل الرحلي
ثمة مستوى من مستويات النص ظل مغفلا في معظم قراءات أدب الرحلة العربي، وهو مستوى الحياة اليومية بكل تفاصيلها الصغيرة: الخبز والطقس والجار والدراجة والسوق والحديقة. وقد درج النقد الأدبي تقليديا على اعتبار هذه التفاصيل هامشا وصفيا لا قيمة تحليلية له، في حين رأى ميشيل دو سيرتو في كتابه الأساسي L'invention du quotidien (1980) أن الممارسات اليومية هي بالضبط حيث ينتج المعنى الثقافي الأعمق، لأنها المساحة التي تتفاوض فيها الذات مع النظام السائد بأدوات غير معلنة.
وينتمي كتاب رحلتي بين النيل والسين إلى تلك النصوص النادرة التي تمنح الحياة اليومية حقها التحليلي كاملا. فالصفحات الوسطى منه (ص90-250) تزخر بمشاهد يومية تبدو للوهلة الأولى وصفية عابرة، لكنها تحمل في طياتها فلسفة حضارية متكاملة، وتشكل في مجموعها ما يمكن تسميته "النص الثقافي الصامت" الكامن خلف النص الظاهر.
1- الزمن الفرنسي والزمن المصري: صدمة الإيقاع
يحضر الزمن في هذا النص كقيمة حضارية عميقة تكشف عن فلسفة المجتمع في علاقته بالحياة. وقد استشعرت الكاتبة هذا البعد منذ لحظاتها الأولى في فرنسا، حين لفت انتباهها انتظام المواصلات ودقة التوقيت بصورة لم تكن مألوفة لديها: "عقارب منتظمة" عنوان يتصدر فصلا كاملا (ص184)، وهو عنوان لافت لأنه يحيل الزمن من مجرد قياس إلى نظام أخلاقي.
وتبلغ هذه الصدمة الزمنية ذروتها حين تسجل الكاتبة تأملها في الصمت الفرنسي الليلي مقارنة بالضجيج المصري: "هل للعربي أو المسلم أن يبحث عن مدينة يتعلم فيها كيف يعد برنامجه الزمني أفضل من مدينة يؤذن فيها لصلاة الفجر؟" (ص76). وهذا السؤال الحاد يحمل توترا فكريا حقيقيا بين إعجابها بالنظام الفرنسي وتمسكها بمرجعيتها الإسلامية، وهو توتر لا تحسمه الكاتبة إذ أنها تركته معلقا بأمانة فكرية نادرة، مما يجعله أصدق بكثير من أي خطاب تبريري.
وتمتد صدمة الإيقاع الزمني لتطال تجربة التسوق وإعادة التدوير وترتيب البيت، وهي ممارسات يومية تحمل في السياق الفرنسي قيمة رمزية تتجاوز فائدتها العملية. فحين تصف الكاتبة انتظام عربات قياس الهواء وبطاريات الشوارع (ص80)، فهي تصف عقلية: عقلية المجتمع الذي يرى في كل تفصيل صغير امتدادا لمنظومة أخلاقية كبرى. وهو ما يوازي تماما ما رآه ماكس فيبر في الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية (1905) من علاقة عميقة بين المنظومة القيمية والممارسة اليومية.
2- الجسد في الفضاء الفرنسي : الحجاب والطعام والحضور
يمثل الجسد في هذا النص موضعا استثنائيا للتفاوض الهوياتي، إذ يغدو الحجاب والطعام والحضور الجسدي في الفضاء العام أدوات لإنتاج الهوية لا مجرد ممارسات يومية عادية. وقد تجلى ذلك في مشاهد متعددة تتوزع على الصفحات الوسطى من الكتاب.
ففي مشهد المطبخ وتناول الطعام، تصف الكاتبة جيرانها الفرنسيين بأسلوب يكشف عن رؤية أنثروبولوجية دقيقة: "ومن مراسيم المطبخ الاجتماعي" عنوان يشير إلى أن الطعام طقس اجتماعي (ص241). وحين تتناول الكاتبة موضوع الأكل وقوانينه الدينية، تحول الفضاء المطبخي إلى ميدان للحوار الحضاري: "الخبز المكيف ومتحف الجبن" (ص160) عنوان يجمع بين اليومي والثقافي في صورة دالة، إذ ينزل الجبن الفرنسي منزلة المتحف، أي القيمة التراثية المصونة.
وعلى الصعيد ذاته، يحضر الحجاب في الفضاء العام الفرنسي كعلامة مرئية تستدعي ردود فعل متباينة. وقد رصدت الكاتبة هذه الردود بعين إثنوغرافية دقيقة دون أن تسقط في خطاب الاستعداء: "فتنة الشرق وتوابله" (ص233) عنوان يكشف عن وعي الكاتبة بأنها في نظر الآخر الفرنسي جزء من منظومة الإغراء الشرقي، وهو ما يعيد إنتاج الثنائية الاستشراقية التي حللها إدوارد سعيد (Orientalism، 1978) لكن من الداخل هذه المرة.
وفي مشهد بالغ الدلالة، تأخذ الكاتبة ابنها إلى حديقة الحيوان لتجيب على سؤاله عن تحريم لحم الخنزير، فبدلا من الجواب الديني المباشر، تلجأ إلى الاستدلال البصري المباشر: "وعندما اقتربنا من بيت الخنزير ذي الرائحة المنفرة وعندما رأى قذارة جلده وفمه... بدأت معه في وضع عنوان لهذه اللوحة" (ص310). وهذا الأسلوب التعليمي - توظيف الفضاء العام فصلا دراسيا - يجسد ما أسماه جون ديوي "التعلم بالخبرة المعيشية" (Experience and Education، 1938)، ويكشف في الوقت ذاته عن وعي تربوي عميق يرى في الحياة اليومية الفرنسية أداة لتعزيز الهوية المصرية الإسلامية لا لتذويبها.
3- الفضاء العام كفصل دراسي : الشارع والحديقة والسوق
من أكثر المفاهيم إثارة في هذا المؤلف مفهوم "الفضاء العام الفرنسي" كمؤسسة تعليمية غير رسمية. وهو مفهوم تجسده الكاتبة عبر مشاهد متراكمة تتحول فيها الحدائق والشوارع والأسواق إلى فصول دراسية مفتوحة.
وتبدأ هذه الرحلة التعليمية من "تذكرة التجوال والشارع المرسوم" (ص98)، وهو عنوان ينزل الشارع منزلة الخريطة المعرفية، وينطوي على فكرة أن المشي في المدينة فعل قراءة لا مجرد انتقال. وهو ما يصادق تماما تعريف دو سيرتو للمشي على أنه "خطاب مكاني" ينتج معنى ثقافيا. (L'invention du quotidien، 1980)
وتشتد هذه الدلالة التعليمية في مشهد الحدائق الفرنسية، حيث ترصد الكاتبة بعين المربية الأكاديمية كيف يدخل الأطفال الفرنسيون حدائق النباتات "ومعهم الألوان والكراسات" (ص272)، وكيف "كانت الحافلة بها مناضد يجلسون عليها ويرسمون الحديقة ويختارون نوعا من النباتات يحبونه ويرسمونه ويدونون ملاحظاتهم" (ص272). وهذا المشهد يستدعي مباشرة مقارنة ضمنية بالفضاء التعليمي المصري، دون أن تصرح الكاتبة بهذه المقارنة، مما يمنح النقد طاقة دلالية مضاعفة: أن تقول دون أن تقول.
وتمتد هذه الدلالة لتطال فضاء السوق الأسبوعي، الذي تصفه الكاتبة كمكان تواصل إنساني وتبادل معرفي: "السوق. أوراق ضفادع وحلزون بالتوم؟" (ص191)، وهو عنوان يجمع بين الدهشة والفكاهة والسؤال الثقافي في آن واحد. فالضفادع والحلزون ليسا مجرد طعام غريب، فهما استعارة للاختلاف الثقافي الجذري الذي تواجهه الذات في الفضاء اليومي الأكثر ألفة.
وفي "الحي اللاتيني" (ص92)، تصف الكاتبة الفضاء المحيط بالسوربون بأسلوب يكشف عن وعي تاريخي حاد: إذ ترى في هذا الحي أكثر من مجرد حي جامعي، إذ ترى فيه طبقات تاريخية متراكمة من الذاكرة الأوروبية، وهو ما يجعل تجربة المشي فيه قراءة في التاريخ الحضاري الفرنسي.
4- الطفولة الفرنسية مرآة للطفولة المصرية
يحمل فصل "بناء الطفل وقطوف من الثقافة الفرنسية" (ص103) أهمية استثنائية في بنية الكتاب، لأنه ينشئ جسرا تحليليا بين طفولة الكاتبة المصرية التي درسناها في المحور الأول، وطفولة الأطفال الفرنسيين التي تشاهدها في باريس. وهذا التقابل ينتج وعيا تربويا نقديا لا نظير له.
فحين ترصد الكاتبة كيف يتعلم الأطفال الفرنسيون منذ صغرهم في المرحلة الابتدائية تاريخ مصر الفرعوني: "في فرنسا يدرس الأطفال منذ صغرهم في المرحلة الابتدائية تاريخ مصر الفرعوني وتسعى مجلات الأطفال إلى إضافة ألعاب صغيرة كجدار معبد لتركيبه أو مومياء زينة" (ص304)، فإنها تنتج سؤالا صارخا غير مصرح به: لماذا لا يعرف أطفال مصر تاريخ أجدادهم بالعمق الذي يعرفه به أطفال فرنسا؟ وهذا السؤال الصامت هو في حد ذاته نقد تربوي حضاري من العيار الثقيل.
ولا يقتصر الأمر على التاريخ، فإنا نراه يمتد إلى فلسفة التربية كلها، إذ تلاحظ الكاتبة أن الطفل الفرنسي يعامل على أساس أنه فاعل مستقل منذ سنواته الأولى، وهو ما يجسده مشهد الأطفال في حدائق النباتات وهم يرسمون ويدونون بأيديهم، في مقابل نموذج التلقي السلبي الذي تلمح إليه الكاتبة حين تصف تجربتها التعليمية المصرية.
وتتكامل هذه الصورة حين تستحضر الكاتبة لحظة شراء كتب الأطفال الفرنسية لأبنائها، إذ تشير إلى أنها كانت تنوي أن "تبحث عن أفضل المدربين بنادي القوات المسلحة بالإسكندرية والأكاديميات الرياضية" (ص281) فور عودتها، وكأنها تحاول نقل ما اكتسبته من وعي تربوي فرنسي إلى السياق المصري بما يتناسب مع إمكاناته وظروفه. وهذا السعي إلى التوليف التربوي بين ثقافتين هو بالضبط ما أسماه بابا "الترجمة الثقافية" (The Location of Culture، 1994): أي الفعل الإبداعي الذي لا يستنسخ الآخر ولا يرفضه، إذ أنه يوظف ما فيه من نافع داخل منظومته الثقافية الخاصة.
الحياة اليومية في رحلتي بين النيل والسين هي المادة الخام الأكثر صدقا في بناء الهوية وإعادة تشكيلها، إذ في الزمن اليومي لا في الأحداث الكبرى تتشكل القيم، وفي الجسد اليومي لا في الخطاب الأيديولوجي تنتج الهوية، وفي الشارع والحديقة والسوق لا في القاعة الأكاديمية تتعلم الذات ما لا تعلمه المناهج.
الخاتمة
تفضي القراءة التحليلية المعمقة لكتاب رحلتي بين النيل والسين إلى أن المؤلف يشتغل داخل أفق إبستمولوجي وجمالي يتجاوز السرد الرحلي التقليدي القائم على الوصف الخارجي، إذ تتشابك فيه التجربة الشخصية مع سيرورة إعادة بناء الوعي في سياق عبور ثقافي بالغ التعقيد. فالبنية السردية للمؤلف لا تكتفي برصد مسار الانتقال الفيزيائي من جغرافيا إلى أخرى، بحيث تعيد تنظيم العلاقة الجدلية بين "الذات" و"العالم" عبر سلسلة من التجارب المتراكمة والمتقاطعة. وهذه التجارب تبدأ من جذور الطفولة التأسيسية، وتمتد لتشمل كافة مستويات الاحتكاك المباشر بالآخر في فضاءاته المؤسسية واليومية والرمزية، مما يجعل من "الرحلة" فعلا أنطولوجيا بامتياز.
وقد أفضى تتبع هذا التشكل عبر المحاور السبعة للدراسة إلى جملة من الخلاصات المركزية التي ترسم ملامح هذا المنجز الأدبي والفكري:
1- الطفولة بنية استباقية للمستقبل: تؤدي الطفولة في النص وظيفة تأسيسية حاسمة، فهي كانت "الخزان القيمي" الذي أرسى منظومة الصبر وحب المعرفة والحس الجمالي الرفيع. وهذا الرصيد الوجداني هو الذي أتاح للذات لاحقا أن تقبل على "الآخر" بفضول معرفي منفتح لا يخالطه خوف الاقتلاع، وبثقة ذاتية رصينة تمنع الانبهار السلبي. وقد وفر هذا الرصيد ما أسماه ريكور "ثبات الهوية الأصلية" (idem) الذي يجعل التحول ممكنا دون ذوبان. (Soi-même comme un autre، 1990)
2- الوطن فضاء للمساءلة والتوتر الخلاق: يحضر الوطن "مصر" في النص بصورة مركبة تتجاوز النمطية، بحيث يعيش في توتر دائم بين الحب الوجداني العميق والنقد الصريح للواقع البيروقراطي والاجتماعي. وهذا التعدد في الرؤية حمى النص من الانزلاق نحو التمجيد الأعمى أو الإدانة المطلقة، وحوله إلى فضاء للمساءلة الصادقة. وهو ما يجسد بدقة ما رآه بندكت أندرسن من أن الأمة بناء وجداني قابل للمراجعة لا معطى ثابت. (Imagined Communities، 1983)
3- اللغة جسرا للحوار وأداة للمقاومة المعرفية: تؤدي اللغة الفرنسية في تجربة الكاتبة دورا مزدوجا وحيويا، فهي جسر عبور حضاري يتيح الحوار الندي مع الفكر الغربي، وهي في الوقت ذاته أداة مقاومة استخدمت للتفاوض عن موقع الذات العربية المحجبة داخل فضاء الآخر. وقد تحولت اللغة من وسيلة تقنية للتواصل إلى موطن للهوية، تفرض من خلاله الأكاديمية العربية حضورها وقيمها في قلب المؤسسة الغربية. وفي هذا ما يصادق تعريف رولان بارث للكتابة كممارسة هوياتية لا مجرد أداة تعبير. (Le plaisir du texte، 1973)
4- التحول الأنطولوجي في فضاءات اليومي: الرحلة في هذا النص هي سيرورة وجودية تمس جوهر الذات ومدركاتها. ويتجلى ذلك في أن لحظات التحول الكبرى لم تقع أمام المعالم التاريخية الشهيرة، فقد انقدحت شرارتها في الفضاءات العادية: أروقة الطائرة، وضيق المدينة الجامعية، وصمت المكتبات، وطوابير الجوازات، وأسواق الأحياء. وهو ما يصادق مفهوم ميشيل دو سيرتو عن الممارسات اليومية كموضع إنتاج المعنى الثقافي الأعمق. (L'invention du quotidien، 1980)
5- الوعي النقدي الثالث والمنطقة البينية: يتبلور في النص ما سميناه "الوعي النقدي الثالث"، وهو وعي يشتغل في المنطقة البينية (In-between) بين الثقافتين. إنه وعي يرفض الغرب نموذجا استعلائيا ويقبله شريكا إنسانيا، وفي الوقت ذاته لا يبرر إخفاقات الذات وإنما يواجهها بعيون الرحالة الذي رأى البدائل الممكنة. وهذا الوعي يجسد ما أسماه هومي بابا "الفضاء الثالث" الذي لا ينتمي إلى أي من الطرفين لينتج منطقه الخاص. (The Location of Culture، 1994)
6- الذات الأكاديمية في الفضاء المؤسسي والرمزي: كشف المحور السادس أن الفضاء المؤسسي الأكاديمي في هذا النص هو نفسه موضوع الدرس، إذ تفاوض الكاتبة المؤسسة الغربية بأدواتها ذاتها دون أن تسلم بمنطقها، فتظل المحجبة الوحيدة في قاعة السوربون، محولة الهامشية إلى تميز لا إلى عجز. وقد كشف هذا المحور أيضا أن جدلية السين والنيل تتجاوز البعد الجغرافي لتبلغ مستوى التشخيص الحضاري، وأن بنية النص المفتوح هي الصورة الأمينة لذات تأبى الاستقرار في هوية أحادية.
7- الحياة اليومية نص ثقافي صامت: أثبت المحور السابع أن الطاقة الدلالية الأعمق في هذا المؤلف تكمن في النسيج الصغير للحياة اليومية: الزمن والجسد والفضاء العام والتربية. وهذه المستويات تشكل ما سميناه "النص الثقافي الصامت" الكامن خلف النص الظاهر، إذ ينتج المعنى من دون إعلان، ويفرز الهوية من دون خطاب. والكاتبة في تعاملها مع هذه المستويات تنتج وعيا يرى في الجزئي مدخلا إلى الكلي، وفي العادي بوابة إلى العميق.
وخلاصة القول إن مفهوم "العبور الهوياتي" الذي اقترحته هذه الدراسة يصف بدقة ذلك المسار الذي تنتقل فيه الذات من تموضع أولي منغلق نسبيا إلى وضعية انفتاح كوني دون التفريط في الجذور. وتجربة الدكتورة فتحية الفرارجي تجسد هذا المسار في أبهى صوره: فهي ذات نمت في حضن "الآخر" واغتنت بتجربته دون أن تذوب فيه، وعادت إلى "نفسها" محملة بوعي جديد. لأن العودة الحقيقية في هذا المؤلف كانت - بحسب عبارة الكاتبة ذاتها - عودة "سفيرة في سطور كتاب[ها])" (ص322)، أي عودة إلى المعنى ورسالته الإنسانية والأكاديمية معا.
وتبقى هذه الدراسة، رغم إحاطتها بالجوانب السبعة للعمل، مفتوحة على امتدادات بحثية ضرورية تستكمل ما بدأناه، أبرزها: إجراء دراسة مقارنة بين هذا النص ونصوص الرحلة العربية النسائية المعاصرة - كتجربتي رضوى عاشور ولطيفة الزيات - للكشف عن خصوصية الرؤية الأكاديمية الأنثوية في التعامل مع "الآخر" الغربي. وتفكيك البعد الشعري المبثوث في ثنايا النثر الرحلي ودراسته نظاما دلاليا مستقلا يعبر عما تعجز عنه اللغة التقريرية. فضلا عن استكشاف الخيوط الرابطة بين هذا النص النثري وديوان الكاتبة "وأغلقت المدينة عينيها"، كامتداد جمالي شعوري والذي يكمل صورة "السين" في مخيلة الشاعرة، ويعيد إنتاج تجربة العبور في قالب لغوي مغاير.
قائمة المراجع
- الفرارجي، فتحية سيد. رحلتي بين النيل والسين. الإسكندرية، د.ت.
- ابن بطوطة، محمد بن عبد الله. تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار. تحقيق: الشيخ محمد عبد المنعم العريان. دار إحياء العلوم، بيروت، 1987.
- الطهطاوي، رفاعة رافع. تخليص الإبريز في تلخيص باريز. مؤسسة هنداوي، 2010.
- حسين، طه. مستقبل الثقافة في مصر. مؤسسة هنداوي، 2014.
- الغذامي، عبد الله. النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط. 3، 2005.
- Anderson, Benedict. Imagined Communities : Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. London : Verso, 1983.
- Bachelard, Gaston. La poétique de l'espace. Paris : PUF, 1957.
- Bakhtine, Mikhail. The Dialogic Imagination. Trans. Caryl Emerson & Michael Holquist. Austin : University of Texas Press, 1981.
- Barthes, Roland. Le plaisir du texte. Paris : Seuil, 1973.
- Barthes, Roland. Le bruissement de la langue. Paris : Seuil, 1984.
- Benjamin, Walter. Illuminations. Trans. Harry Zohn. New York : Schocken Books, 1969.
- Bhabha, Homi K. The Location of Culture. London : Routledge, 1994.
- Bourdieu, Pierre. La Distinction : Critique sociale du jugement. Paris: Minuit, 1979.
- De Certeau, Michel. L'invention du quotidien. Paris : Gallimard, 1980.
- Dewey, John. Experience and Education. New York : Macmillan, 1938.
- Fanon, Frantz. Peau noire, masques blancs. Paris : Seuil, 1952.
- Foucault, Michel. L'herméneutique du sujet. Paris : Gallimard/Seuil, 2001.
- Genette, Gérard. Palimpsestes : La littérature au second degré. Paris : Seuil, 1982.
- Heidegger, Martin. Being and Time. Trans. John Macquarrie & Edward Robinson. New York : Harper & Row, 1962 [1927].
- Ricœur, Paul. Temps et récit. 3 vols. Paris : Seuil, 1983-1985.
- Ricœur, Paul. Soi-même comme un autre. Paris : Seuil, 1990.
- Said, Edward W. Orientalism. New York : Pantheon Books, 1978.
- Said, Edward W. Culture and Imperialism. New York : Knopf, 1993.
- Stendhal. Rome, Naples et Florence. Paris : Gallimard, 1987 [1817].
- Weber, Max. The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism. Trans. Talcott Parsons. New York : Scribner, 1958 [1905].