فلسفة الضحك؛ أو كوميديا المُدرس - الاعرج بوجمعة

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

إنّ واقع المُدرس اليوم يعجُّ بالمفارقات، تنعكس في ثنائية التنظير والممارسة؛ فالمدرس لديه عدّةٌ نظرية حول طرق التدريس أو فن التدريس، لكن هذه العدة النظرية قابلة للتكذيب والتفنيد حسب كارل بوبر، لذلك يتوّجب عليه إخضاعها للتبيّئة أولاً، ثم للفحص والنقد والمُساءلة ثانياً. هكذا فالمنظومة التعليمية في المغرب تقوم على فرضية أنّ كل طالب فهو مشروع مدرس، لذا منذ أن يكون هذا "المدرس بالقوة" (طالب) وهو لديه تصور حول التدريس، مرورا بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين وهو أستاذ متدرب، إلى أن يُصبح أستاذا ممارسا "بالفعل"؛ أي أستاذا يتسلم مهامه، ويُصبح لديه رقم تأجير، ينتقل من واقع التنظير إلى واقع الممارسة. هنا يطرح سؤال المنهج/ المنهجية، والطريقة الأنجع لقيادة القسم. بينما المفارقة الثانية تتعلق بعلاقته بزملائه من المدرسين القدماء، يتوّلد لديه شعور مؤداه أن المدرس الذي سبقه في المهنة هو أدرى منه، فتنقل أفكار "مسمومة" من صاحب التجربة إلى من هو مبتدأ، فتكون سلبية على المردودية والنتائج، ومن بين هذه الأفكار التي نعتقد أنها أساس بناء الكاريزما، نذكر على سبيل المثال لا الحصر؛ "النهار الأول يموت المش..."، "تبكي مو قبل ما تبكي مي.."، "حاول متبينش سنانك.." فهذه الكاريزما الهشة كانت سلبية على واقع التعليم، ذلك أن الأستاذ قوى نفسه كاريزميا في حين تناسى نفسه معرفيا. هذه المفارقة كان لها بالغ الأثر السلبي على المنظومة التربوية متناسين بأن فعل التربية في أصله فعل كوميدي، مسرحي بامتياز.
يبقى شرط المسْرَحَة مهما لممارسة التدريس، إنّ المدرس هو فنان بالضرورة يجب أن تتوفر فيه علامات التمثيل والمسرحة، يجب عليه أن يلعب أدواراً متعددة أمام جمهور مختلف المستويات (المتعلمين). هكذا، نجد هيبيرت هانون في كتابه "مفارقات حول المدرس" يقول: "إنّ المدرس الناجح هو ذلك المُمثل الذي يتوفق في إخفاء شخصيته الحقيقية، بكل ما تحمله من انتماء ثقافي وعرقي، وكل ما تعيشه من صراع نفساني وطبقي، وما يؤمن به من قناعات سياسية وإيديولوجية ..." إذن يصور لنا هانون القسم بكونه مسرح يمتلك خشبة تدور فصول المسرحية داخل الفضاء التربوي، وبطلها المدرس باعتباره ممثلا، يحاول نقل رسالة إلى المتعلمين من خلال كوميديا يشتغل فيها على نص (فلسفي مثلا)، يستغل مهاراته وفنياته بما فيها الجسد. لهذا الأخير دور أساسي في نقل رسالة معرفية إلى المتعلمين، في حين المدرس يهتم بتناسق الأفكار منطقيا في حين يتناسى دور الجسد. إذن، فالعملية التعلمية التعلمية قبل أن تكون مؤسسة تربوية لها قوانين فهي كوميديا. فالمسرح يقوم على نقل رسالة لها مضامين متعددة؛ منها مضامين معرفية وأخلاقية وتربوية... لذا فالمدرس الناجح هو الذي يضع هذه المضامين في هاجسه الأولي، فيخفي قناعاته الشخصية، على اعتبار أن الشخص هو ذلك القناع الذي يرتديه الممثل لكي يتلاءم مع الدور الذي يؤديه داخل المسرحية، (درس الشخص في الثانية باكالوريا).

هكذا، فالكوميديا تقوم على فعل أساسي هو فعل الضحك، فالفعل التعليمي هو فعل كوميدي، لذا نجد حتى في تراثنا من يؤكد على أهمية ووظائف الضحك، في "كتاب البخلاء" نجد الجاحظ يذكر بأن الضحك يقوم بثلاثة وظائف:
الأولى منطقية: الضحك هو البرهنة على حجة.
الثانية أخلاقية: إذ ينتج الضحك الفعالية وهو قانون اقتصاد الحياة.
الثالثة شبقية: فالضحك يريح الجسم.
إذن، فالضحك أمر إلهي، إنّه شرط الأنسنة، بل أكثر من ذلك، إنّ "الابتسامة في وجه أخيك صدقة"، فمدرس اليوم خارج البيداغوجيات النشطة، أسسَّ بيداغوجية قائمة على الأفكار المسبقة، لا تُراعي المشاعر والعواطف، يجعل من نفسه آلة تنقل المعارف، ولا يمكن أن يكون آلة لأنّ الحاسوب أو الهواتف الذكية أذكى منه، إذن ما ينبغي أن نقيم مصالحة معه اليوم، هو مصالحة أنفسنا أولاً، ثم مصالحة متعلمينا من خلال الابتسامة في وجههم. وعن مسألة موضوعية المدرس يقول هيبير هانون هي موضوعية صعبة، لأنّ الذاتية حاضرة بقوة. فالأستاذ لا يقوّم المتعلم فقط من خلال عطائه الفصلي، وإنّما كذلك من خلال انتمائه الاجتماعي والثقافي، ومظهره الخارجي، وجنسه وقوامه الجسدي، وعبر سلوكه في الشارع، وفي ساحة المدرسة، ونشاطه في الفصل، وغالبا ما يخاطب المدرس التلاميذ المتفوقين، أو الذين يشاركون ويتكلمون.
إنّ الفعل التعليمي اليوم في حاجة ماسة إلى تفكيك العقلية القديمة للمُدرس من خلال إعادة النظر في قناعاته المُكتسبة من خلال التجارب والأحكام المسبقة، التي كان لها وقع سلبي على المنظومة التعليمية، فالمعرفة كممارسة؛ جزء لا يتجزأ من فعل المسرحة وفعل التهييج لهذه العملية. إنّ المدرس اليوم عليه أن يُعيد ويُؤهل ذاته في الجانب التمثيلي والمعرفي، فهما أساس الكاريزما الحقيقية. يقول عبد الكبير الخطيبي من خلال حديثه عن الضحك، نفهم بوضوح أكثر جورج باطاي (Georges Bataille) عندما يتأمل الحكمة النيتشوية ويحوّل المعرفة إلى مجرد تهييج يتم عبر الضحك، يقول باطاي: "أضحك بعفوية ألوهية، لا أضحك عندما أكون حزيناً، وعندما أضحك ألهو جيداً". إذن، فعملية المسرحة تنقل بشكل واعي أو لاواعي إلى المتعلمين، فنتحدث عن كوميديا التلميذ، فهو الآخر يلعب كوميديا الرغبة في المعرفة، بينما في الحقيقة يهدف إلى إرضاء الأستاذ عبر عملية التحويل transfert. إنّ اهتمام التلميذ بالمعرفة هو بمثابة إعلاء للانجذاب الذي يُحسه إزاء الأستاذ جراء الإغراء الممارس عليه. الأستاذ يعي هذه الخدعة ويلعب دور الطعم، فهو يقدم نفسه هدفا، في حين أنه مجرد وسيلة.
ختاما، يمكن القول إنّ الفعل التعليمي في المغرب، أصبحت جوانبه غير متكافئة، فهو من جهة أساس التقدم والإصلاح، بينما من جهة ثانية سبب تعثر المنظومة هو المدرس؟ إذن، هذه المفارقات يجب التفكير فيها لإخراج المنظومة من هذا التعثر والنكوص، وذلك من خلال تكوين المدرس الممثل أو الكوميدي أو المسرحي، الذي يؤمن بدور فلسفة الضحك في تبليغ المعرفة، وهو شرط ضروري لتطور المدرسة، وإنجاب المتعلم النشيط، المتعلم الكوميدي المندمج في المجتمع. لكن من جهة ثانية، فمسألة المسرحة تتطلب قرارات جريئة من طرف المؤسسة، بانفتاحها على شركاء آخرين، ومنحها هامش للمدرس لكي يُمارس طاقته دون أي تحريض مجتمعي على المدرس، لأننا نلاحظ اليوم هجوما شرسا من طرف المجتمع المدني، وتقصيراً في حقوق المدرس ومكتسباته من قبل الوزارة الوصية.
الهوامش:
- هيبيرت هانون، "مفارقات حول المدرس"، ترجمة الأستاذ عبد المجيد باعكريم، دفاتر التربية والتكوين، العدد 8و9، يناير 2013.
- عبد الكبير الخطيبي، "الاسم العربي الجريح" ترجمة محمد بنيس، منشورات عكاظ، سنة 2011.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟