إبستيميات التربية - مراد ليمام

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

مقدمة:
لعل الحقيقة التي يجب أن نعترف بها ونحن نتحدث عن التربية، هي الوعي بأن هدف التربية مستخرج من سؤال أحد استصعابا وأكثر استشكالا، على نحو يمكن تشبيه السؤال بمركز دوران رحى الفكر الفلسفي والتربوي. و يتأسس السؤال على ماهية الإنسان وحقيقته أوهذا الكائن الذي نصطلح على تسميته إنسانا. من هنا، نعاين بجلاء أن النموذج التربوي مستخرج من تصور ماهية الإنسان في الأصل. ومن اختلاف هذا التصور الأساسي، توالت اختلافات المرجعيات أو المذاهب التربوية بوصفها عقائد تربوية ناجزة مغلقة الأسس والنهايات.

فالاختلاف في نوعية التربية يبتدأ عاما شاملا لكنه يتمايز بحسب خصوصية النسق المرجعي المحدد لكل ثقافة ومجتمع. فالتربية الأثينية -مثلا- دمقرطت المجتمع، بينما "التربية الإسبارطية عسْكرَتْه لغاية بحيث جعلت من السرقة والأنانية والبخل فضائل مثلى[1]". والأكيد –أيضا-  أن التربويات الشرقية على العموم تختلف وتتمايز، فبين التربية الفرعونية، والصينية، والهندية نماذج قياسية متناقضة. لذا نجد برتراند راسل يستشكل مسألة المثل العليا باعتبارها تعبيرا عن مبلغ الكمال المتصور الذي ينشده المربون في فعلهم التربوي لبلوغ المثل الأعلى للأخلاق الإنسانية الممكنة. إلا أن النموذج الأعلى للتربية تتباين معالمه بتباين الإبستيميات أوالصور النموذجية والبراديغمية المحددة لفعل التربية بناء على المرجعيات الفلسفية لكل مجتمع من المجتمعات. ويميز برتراند راسل بين نوعين أساسيين من فلسفات التربية:

أولا: فلاسفة التربية، الذي يتخذون من التربية وسيلة وأداة لتلقين عقائد محددة بالذات. مما يدل على أن الجيل الجديد يكون مجرد حامل ثقافة.

ثانيا: فلاسفة أكثر تسامحا، وهم من يرون أن التربية يجب أن تغرس في المتعلم القدرة على الاستقلال في الحكم والإضافة للثقافة مما يجعله غير حامل فقط، بل مغير ومجدد بصورة إيجابية[2].

وستهدف هذه الورقة الكشف عن التحولات  الحاصلة على مستوى مفهوم التربية تبعا للاختلافات النظرية والمنطلقات الفلسفية التي تشكل الأساس القاعدي والجوهري للمرجعيات الإبستيمية المشكلة للأنظمة الثقافية داخل المجتمعات أو ما يُسمى "نظام الخطاب[3]". إذ نفترض أن الإبستيمية المحددة للنظام الثقافي تنطلق من تصورات مخصوصة ترتبط بعلاقة الإنسان بالطبيعة والثقافة بشكل يرسم معالم مبلغ الكمال المتصور الذي ينبغي للفعل التربوي أن يضطلع به.

وفق هذا المنظور، سنعمل بداية على عرض الفلسفة التربوية للفكر اليوناني المؤطر بالمرجعية السياسية مع أفلاطون وأرسطو. ثم سنتوقف عند الفكر التربوي الإسلامي الذي مزج بين الشرعية الدينية والفلسفية مع الفلاسفة العرب أمثال الكندي، وابن مسكويه، والفارابي... بعدها سنستحضر نماذج من الفكر التربوي الغربي الحديث من قبيل جون جاك روسو، وجون ديوي، وكانط مع العلم أن مرجعية هذا الفكر تظل مشدودة إلى فكر الحداثة والعلم. وفي الأخير، سنطرح بعض أراء الفكر الفلسفي التربوي المعاصر والممثل في حنا أرندت وبول ريكور. فمن خلال المطاراحات النظرية لفلسفات التربية سنحاول الإجابة عن الأسئلة الآتية:

ما الأدوات والمفاهيم التي أقام عليها الفكر اليوناني صرحه التربوي؟ وما التوازنات التي حاول أن يخلقها هذا الفكر لإحقاق تدبير أمثل للمدينة؟ ثم ما مصادر الفكر الإسلامي في تحديد المبادئ الأساسية للحياة والتربية الخلقية والذهنية والاجتماعية؟ وكيف حاول الفلاسفة العرب التوفيق بين النسق المرجعي الديني والفلسفي؟ و ما الإبدالات التي طرحها الفكر التربوي الحديث والمعاصر؟ وفي الختام - وانطلاقا من الإبستيميات السابقة - ما الإبدال الذي يمكن أن يُحدث رجة فكرية في فلسفة التربية العربية والإسلامية؟

المحور الأول:الفكر التربوي اليوناني

1- أفلاطون

أ- تقنية الحوار وأهمية العقل في التربية

يُعتبر المشروع الأفلاطوني مشروعا تربويا وسياسيا مادام يهدف إلى تكوين الفرد تكوينا شموليا يتوافق وغايات العقل كما تصورها أستاذه سقراط من جهة، كما يربط تكوين الفرد بالتدبير العام للمدينة حفاظا على توازناتها التي ينبغي للفرد أن يحققها تبعا للأدوار المنوطة به، من جهة أخرى.

فلقد تفطن أفلاطون إلى أن التربية التي عاشها سقراط ومارسها لم تؤت أُكلها لأنها أودت بحياته. لذلك فكر أفلاطون في بناء تربية فلسفية داخل فضاء محايد سماه بالأكاديمية، وهو فضاء بعيد عن العنف السياسي للفضاء العمومي. ومنطلق أفلاطون في ذلك هو كون الفلسفة كائن يعيش داخل مجموعة إنسانية يلعب فيها الحوار بين الفيلسوف وتلامذته داخل الأكاديدمية  دور التكوين والتوجيه. فلقد حوَّل أفلاطون الحوار من أغراضه السياسية والثقافية إلى أغراض بيداغوجية تربوية. فالحوار وفق التصور الأفلاطوني غرضه برهاني يرتقي من المظاهر الخادعة إلى الحقائق الثابتة. فالمسار الذي يفترض أن يسلكه هذا الحوار هو مسار الرياضيين الذي يستطيع بواسطته العقل بلوغ عالم الأفكار العقلية والعالم الحقيقي.

Mourad Limame 28081مراد ليمامولم يختر أفلاطون الحوار الجدلي لأغراض تربوية محضة، بل لدوافع سياسية ترتبط بالدور الذي يلعبه الحوار في الحياة السياسية داخل المدينة اليونانية. فالحوار الجدلي معادل موضوعي لتمرين ذهني يتطلب من المتجادلين الارتقاء من أفكارهم الجزئية، إلى بناء أفكار مشتركة مع الغير. وذاك هو مفهوم العقلانية عند أفلاطون التي ترادف السمو من الذاتية المفرطة نحو البناء المشترك للأفكار مع استحضار مستلزمات البرهان العقلي. هنا تغدو التربية العقلانية قائمة على التمرين الحواري الجدلي لأنه يُشكل العمق السياسي للحياة السياسية داخل المدينة.

وبتعبير أدق: تسمو التربية الفلسفية بالفرد من المتغير نحو الثابت والحقيقي أي من الإدراك الحسي المرتبط بالمظاهر      المتغيرة، إلى الإدراك العقلي المرتبط بالثابت والمطلق غير المُدرك بالحواس والمخيلة، بل بالعقل الخالص. ولعل أسطورة الكهف صورة معبرة عن التمايز الحاصل بين عالم المثل وعالم الحواس.

ب- علاقة التربية بالسياسة

لقد تبنى أفلاطون النموذج الحواري العقلاني داخل الأكاديمية ليؤسس الحياة السياسية والحياة العامة داخل المدينة. لكن أفراد المدينة غير متساوين، ولا يتوفرون على نفس الاستعدادات لتبوء مثل هذا النموذج من الحياة والتربية. فهناك العامة المزاولون لأعمالهم اليومية من قبيل الفلاحة، والصناعة...وهناك الجنود المتفرغون لمهمة حراسة المدينة، ثم القادة المهتمون بتدبير أمور الحياة السياسية داخل المدينة. فكل فئة اجتماعية لها غايتها الخاصة داخل المدينة.

لذا بحث أفلاطون عن كيفية لتدبير الحياة السياسية والتربوية داخل المدينة بناء على ما يعطيه الفكر الفلسفي من حقائق عن الحياة العملية الأخلاقية والسياسية. وبذلك يتحول السياسي إلى فيلسوف أو يتحول الفيلسوف إلى حاكم سياسي. وتبقى غاية السلطة السياسية تحقيق العدالة وتكريس القوانين. فالحكام ملزمون برعاية مواطنيهم حتى تقوم سياسة الدولة على الحكمة والفضيلة. فالحكمة هي العلم الفلسفي بالحقائق الثابتة التي تُعتبر فضيلة الفيلسوف الحاكم، بينما الشجاعة هي فضيلة حراس المدينة الذين يدافعون ضد الأعداء، أما طبقة العوام فتتمثل الفضيلة عندهم في الاعتدال والتحكم في النفس والسيطرة على الأهواء والشهوات.

بناء عليه، يُقيم أفلاطون  السلطة السياسية على أساس الحكمة الأخلاقية إلى جانب العلم السياسي بحيث تكون التربية تابعة للسياسة. فما يبرر هذه الأخيرة ويخدُمها هي التربية، لأن المربي ملزم بتطبيق ما يُشرِّعه الفيلسوف السياسي من غايات وعمليات تربوية. فالهدف العام للتربية مزدوج: أخلاقي وسياسي. ولا تتحقق المواطنة الكاملة إلا بتوجيه الحاكمِ التربيةَ نحو الهدف المزدوج لها. هنا، ينبغي تكوين إنسان فاضل عبر تكوين الضمير الأخلاقي. " ليست التربية مجرد صناعة تنتج المواطن والإنسان الفاضل، بل هي أيضا –خصوصا في جانبها الفكري- صناعة منتجة للفيلسوف الأجدر من غيره لتدبير شؤون الدولة. بهذا الشكل نفهم إخضاع أفلاطون السلطة التربوية للسلطة السياسية: ليست التربية مجرد أداة تحافظ الدولة بواسطتها على ذاتها وقوامها وماهيتها(العدالة)، بل هي فوق ذلك وسيلة يؤَمن بها الفيلسوف-السياسي استمراره وتجدد سلطته داخل الدولة[4]"

2 – أرسطو

العلاقة بين بناء العقل والتدبير السياسي

إذا كان أرسطو يحدد مهمة الفيلسوف في البحث عن المبادئ العامة التي تفسر وجود الأشياء الموجودة، والتفرغ للقضايا العويصة والشائكة خصوصا المجردة منها...فإنه يبحث في هذه القضايا بوصفها مواضيع نظرية موجهة لأجل التعليم والتكوين النظري. وفق هذا الوضع المعرفي كان الفيلسوف هو من يشرع للممارسة البشرية في مجال السياسة، والأخلاق، والاقتصاد...لذا حرص أرسطو في تصوره للتربية والتعليم على تلقين الفرد-الفيلسوف لوحة شاملة من العلوم النظرية والعملية التي تدخل ضمن مجال البحث الفلسفي مقسما إياها إلى نوعين من العلوم: العلوم النظرية والعلوم العملية. واستنادا إلى هذا التقسيم فصل أرسطو بين الشرعية المعرفية والشرعية السياسية طالما لكل واحدة منهما وضعها الاجتماعي. فالسلطة المعرفية للفلسفة تتقاسم مساحة القول داخل الدولة مع سلط أخرى مثل سلطة السياسي، والمربي، ورجل الدين...فللفلسفة هنا شرعية داخل المنظومة الثقافية والاجتماعية بوصفها شرعية اجتماعية وبيداغوجية تنضاف إلى شرعيتها الفكرية.

فإذا كان الفيلسوف يشرع القوانين ويسنها -بينما السياسي يحرص على تطبيقها وإلزام المواطنين بها-، فستصبح الفلسفة تكوينا وتربية للشخصية في مجال العلوم النظرية والعملية بحيث تعمل السياسة على دعم هذا الاختيار والتوجه. فالحاكم السياسي مُلزم بأن يجعل الفلسفة هي الثقافة العليا من خلال تكوين وتربية المواطن أخلاقيا وفكريا داخل المدينة.هنا، يغدو توجيه الفيلسوف وسياسة الحاكم تدبيرا فاضلا يستهدف تحقيق الفضيلة على أساس مبدإ التوسط والاعتدال. فتربية الفرد وتكوينه تتطلب منه أن يجمع بين مختلف الفضائل التي تهم حياته النظرية والعملية وهي فضائل فكرية وأخلاقية. بهذا أقام أرسطو تلازما وثيقا بين شرط نجاح التربية الفلسفية وبين نجاح التدبير السياسي.

التربية بين شرعية الفيلسوف وشرعية السياسي

يتطلب تحقيق السعادة والفضيلة –من وجهة نظر أرسطو- خدمة التربية غايات التدبير السياسي لكونها مسألة عمومية وجزءا من تدبير الدولة. كما أن المُشَرِّع السياسي الذي يسن قوانين التربية يلزمه تكوين فلسفي حول العقل، والمعرفة، والنفس، والخير، والجمال...

وتجذر الإشارة إلى أن أرسطو يقيم السلطة التربوية على أساس قاعدة أوسع تتمثل في ضرورة السلطة السياسية. فتدبير الحياة السياسية رهين بضرورة التربية حتى تقود هذه الحياة نحو الغاية العامة المتمثلة في الخير الأسمى للإنسان. لذا كانت التربية فنا اجتماعيا وسياسيا يستهدف كمال الإنسان الأخلاقي والسياسي والفكري، علما أن هذا الفن يحتاج إلى تدبير أشمل يؤَمِّن قيامه واستمراره وتكامله داخل الدولة وهو التدبير السياسي. فإذا استطاع هذا الأخير أن يوفر مختلف شروط –ما يصطلح على تسميته أرسطو- "السياسة المثلى[5]" ومن ضمنها شروط أفضل تربية ممكنة، فإنه سيدفع بالحياة البشرية إلى كمالها الأسمى والمتمثل في الكمال الأخلاقي، والسياسي، والفكري.

إن مهمة العلم السياسي غير مقصورة على تحديد المباحث المرتبطة بتنظيم الدولة، بل تشمل قضايا التربية والتعليم. فالسلطة السياسية تقوم على مبادئ الفضيلة، لا على الاستبداد. لذا ارتبط التفكير في التربية عند أرسطو بالبحث في ماهية السياسي والسلطة السياسة. فالتربية الأسرية خاضعة لمقتضيات السلطة الأبوية، لكن تنظيم الدولة يتطلب تربية أشمل تخذم أهداف المواطنة والفضيلة، وليس فقط أهداف الرعاية والتنشئة الأولى. لذلك نرى أرسطو يربط بين الحديث عن الغاية العامة لقيام الدولة وبين الأهداف العامة للتربية التي يتعين على السياسي أن يشرعها ويضع لها توجهاتها العامة.

والخلاصة، ينبغي للسلطة التربوية أن تخدم أغراض ما تشرعه سلطة السياسي للحياة داخل الدولة. وما ينبغي أن يستهدفه السياسي داخل القوانين هو الخير الأسمى المرادف للسعادة بوصفها فعلا للفضيلة واستعمالا كاملا لها. لذا تتحدد صورة السياسي الذي يتولى وحدة التشريع للدولة والتربية بوصفه الشخص الأكثر كمالا وفضيلة، علما أن استحقاقه رئاسة الدولة يرجع فوق ذلك لسلطته المعرفية.

المحور الثاني: الفكر التربوي الإسلامي

1- مصادر الفكر التربوي الإسلامي

يمثل الفكر التربوي الإسلامي جزءا مهما من الفكر الإنساني المتراكم عبر التاريخ، مهماته متعددة وهي قائمة على فروض أساسية وآراء موجهة لتعبئة الإمكانات التي تساعد على حل المشكلات انطلاقا من المواقف التربوية المبنية على الغايات، والأهداف المنبثقة من رحم الدين الحنيف بمصادره المتعددة للإصلاح بالحكمة والموعظة الحسنة.

فالاهتمام بفلسفة التربية داخل الثقافة الإسلامية يرجع إلى عاملين رئيسيين:

الترجمة

الترجمة ليست مجرد مسألة تقنية، بل هي عمل حضاري أشرف عليه خلفاء وملوك وأمراء الدولة العباسية وكرسوا له جميع الوسائل المادية والمعنوية لأجل إنجاحه من قبيل جمع الكتب وتصنيفها، ثم المحافظة عليها داخل بيت الحكمة، وتوظيف مترجمين مسلمين وأجانب لتعريب المصنفات الفلسفية اليونانية وغيرها. تكشف الترجمة عن علاقة تلاقح حضاري بين الفكر اليوناني والفكر الإسلامي، أفرز مفكرين ذكرتهم الإنسانية حتى اليوم أمثال جابر بن حيان، وأبو إسحاق الكندي، وأبو نصر الفارابي، وابن مسكويه، وابن رشد، وابن خلدون وغيرهم.

الجذور العربية والإسلامية

الجذور العربية والإسلامية للثقافة التربوية مثلما ظهرت عند مفكري الإسلام، غنية بما فيه الكفاية إلى درجة أنها شكلت عاملا ثقافيا رئيسيا لا يقل أهمية عن عامل الترجمة لتبلور الثقافة الإسلامية نضجها وتطورها. فلقد نزل القرآن في بيئة فكرية عربية كثر فيها الجدل الديني بين الطوائف الدينية المختلفة حول مبادئ العقيدة. ولم يحمل الإسلام والقرآن عامة شرائع وأفكارا فقط، بل حمل أيضا عقيدة ورؤية وتصورات عن الله والكون والخلق والإنسان والعدل والخير والمجتمع البشري... لقد شكل مصدرا من مصادر الفكر العربي عامة والتربوي خاصة، بحيث تشكلت حول القرآن مجموعة من العلوم الخاصة التي تنشد تفسيره وشرحه.

2- إبستيمة الفكر الإسلامي بين التعددية والوحدة

تتمحور العلاقة داخل الفكرالعربي بين ثلاثة أقطاب رئيسية: الله، والإنسان، والطبيعة. وإذا ما أريد تكثيف هذه العلاقة في قطبين اثنين فقط كما هو الحال بالنسبة للفكر اليوناني-الأوروبي وجب وضع الله في أحدهما، والإنسان في الآخر. أما الطبيعة فلابد من تسجيل غيابها النسبي بنفس الدرجة التي يغيب فيها الله داخل الفكر اليوناني. ففكرة الله في الفكر اليوناني تضطلع بدور المُعين للعقل البشري على اكتشاف نظام الطبيعة واكتناه أسرارها. أما في الفكر العربي مثلما تَشَكَّل في الثقافة العربية الإسلامية، فالطبيعة هي التي تقوم بدور المُعين للعقل البشري، باكتشاف الله وتَبَيُّنِ حقيقته. ففي الثقافة العربية الإسلامية يُطلب من العقل أن يتأمل الطبيعة ليتوصل إلى خالقها. أما في الثقافة اليونانية الأوروبية "فإن العقل يتخذ من الله وسيلة لفهم الطبيعة، أو على الأقل ضامنا لصحة فهمه لها[6]".

وعلى الرغم من اتفاق العلوم في الثقافة العربية على هذه الدوائر الثلاث، فإنها تختلف فيما بينها من حيث المنهج والتصور والمرجع. فإن اتفق الفقيه، والمتصوف في المرجع فإنهما يختلفان في المنهج والرؤية، ويختلفان كذلك مع الفيلسوف الإسلامي منهجا ومرجعا ورؤية. فقد كان للفقيه نظام معرفي خاص، وللمتصوف تصوره الخاص ونظامه المعرفي المتميز. كما كان للفيلسوف نظاما معرفيا يمارس من خلاله تصوراته لدوائر الوجود الثلاث بعيدا كل البعد عن النظامين المعرفيين السابقين.

فالبحث في ميكانيزمات الفكر التربوي أو الجهاز الآلي للمعرفة داخل الثقافة العربية الإسلامية يستوجب معرفة الكيفية التي ساهم بها كل نظام معرفي في إغناء الدرس التربوي الإسلامي.  فالأنظمة المعرفية للفكر الإسلامي تتوزع بين ثلاثة حقول:النظام المعرفي البياني[7]، والنظام المعرفي العرفاني[8]، والنظام المعرفي البرهاني[9].

ومادام مقام القول لايسمح التفصيل الدقيق والمجهري لمختلف إواليات الأنظمة المعرفية الثلاثة، فسنركز على النظام المعرفي الثالث وهو النظام البرهاني. فهو نظام معرفي فلسفي يعتمد قدرة الإنسان المعرفية وقواه في اكتساب المعرفة. لذلك وجد الفلاسفة الإسلاميون  ذاتهم مضطرين للبحث في تأكيد شرعية فكرهم الفلسفي داخل حقل ثقافي ذي أصول مرجعية دينية. وإذا كان الفلاسفة الأوائل أمثال جابر بن حيان، وأبو إسحاق الكندي، والرازي قد اعتبروا الفلسفة بحثا بشريا، فإن إشكالية من لحقوهم أمثال الفارابي، وابن سينا، وابن مسكويه، وابن رشد ركزت على علاقة الفلسفة –بوصفها فكرا عقليا- بالشريعة أو الملة الدينية باعتبارها شرائع ذات أصول إلهية.

من هنا، لا نغالي إن قلنا: ركزت إشكاليات النظام المعرفي البرهاني على العلاقة الثقافية بين حدين معرفيين، الأول يربط ذاته بتشريع الوحي، والثاني يربط ذاته بالعقل البشري دون أن ينكر وجود علاقة توافق وتكامل بين ما تفرزه الشريعة من حقائق معبَّرٍ عنها بلغة الدين، وبين ما يفرزه العقل البشري من حقائق معبر عنها بلغة البرهان كما تصوره الفلاسفة المسلمون.

3- علاقة التربية بالفلسفة في النظام المعرفي البرهاني

يجعل أبو إسحاق الكندي من الفلسفة مصدرا للحقيقة، ومن العقل البشري مشرعا للحياة البشرية. فالفلسفة من وجهة نظره "أعلى الصناعات الإنسانية منزلة، وأشرفها مرتبة صناعة الفلسفة التي حدّها: علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان، لأن غرض الفيلسوف في عمله إصابة الحق وفي عمله العمل بالحق...ولسنا نجد مطلوباتنا من الحق من غير علة، وعلة وجود كل شيء وثباته –هي- الحق[10]". لذلك قسم الفلاسفة الإسلاميون علوم الفلسفة إلى قسمين رئيسيين: قسم العلوم النظرية يهدف اكتشاف الحقيقة، وقسم العلوم العملية يهدف تنظيم الحياة البشرية انطلاقا مما يكتشفه العقل البشري من حقائق تهم دراسة الطبيعة والنفس البشرية، والأخلاق والمجتمع، والدولة، والتربية...

وتبقى الغاية من تعليم هذه العلوم النظرية بمختلف أصنافها تحقيق الفضائل في الأمم والمدن. أما فوائد تعلمها –بحسب الفارابي- فهي كثيرة جدا أهمها:" العمل إنما يكون فضيلة وصوابا متى كان الإنسان قد عرف الفضائل – التي هي فضائل الحقيقة- حق معرفتها، وعرف الفضائل التي يظن أنها فضائل وليست كذلك، حق معرفتها. وعوَّد نفسه أفعال الفضائل التي هي بالحقيقة فضائل حتى صارت له هيئة من الهيئات...وهذه الحال لاتحصل ولا تكمل إلا بعد الحنكة وكمال المعرفة بالبرهان واستكمال العلوم الفلسفية وما يتبعها وما بعدها على ترتيب ونظام حتى يصير أخيرا إلى العلم بالسعادة التي هي بالحقيقة سعادة[11]".

من هذه المنطلقات التحديدية، نجد وراء كل اهتمام فلسفي بالتربية والتعليم داخل العالم الإسلامي الحقيقة هدفا نظريا لمباحثه، بحيث يشكل العقل الأساس القاعدي والجوهري لهذه الحقيقة. ضمن هذا المنظور، يحدد ابن مسكويه مصوغات العقلانية التربوية والفلسفية الإسلامية عند قوله:" إن الرتبة التي خص الله تعالى بها العقل هي أعلى المراتب... كان جميع المُبدَعات دونه ومحتاجة إليه. وهو الذي يمدها بفضائله...فقد بان ما أردنا بيانه من مرتبة العقل أنه مُطاع. وأن جميع ما دونه يخدمه ويسعده، لأنه ذاتي غير متصنع[12]".

يريد الفيلسوف الإسلامي أن يكون العقل سلطة المعرفة الشاملة والتدبير العملي الأخلاقي والسياسي. لذلك ينبغي للتربية أن تركز على تعليم مختلف العلوم الفلسفية لكي يرتاض الإنسان استعمال العقل استعمالا منطقيا، وبرهانيا، ويتمكن من تحصيل المعارف بخصوص الطبيعة والكون والمجتمع. أما هدف هذا التعليم فهو تجاوز المعارف المغلوطة المرتبطة بالحواس، فضلا عن تحصيل السعادة.

4 – التربية بين ثنائية الكمال المعرفي والأخلاقي

إن مصطلح التربية الإسلامية والأسرة الإسلامية التي تُطبق تنظيراتها عمليا، مصطلح تجريدي في الأساس من خلال اعتماده تقنية التجريد العلمي والاختزال المنطقي القائمان على الاحتفاظ بالصفات المشتركة والموحدة والجامعة. فتحت عنوان التربية الإسلامية نجد الكثير من الاختلافات في المبادئ والنتائج، مما يدل على أن التربية الإسلامية تُقال فعليا –وليس نظريا- بصيغة الجمع. هنا نتحدث عن تربويات إسلامية، بشكل يضع مشكلة الوحدة والحقيقة موضع السؤال الأهم.

كما أن العمل الذي يهدف استجماع التعاريف المهمة والمشهورة قد يكون عملا نافعا ومساعدا على تشكيل تصور أوسع، لكن نموذج الكمال المُتصور في التصورات التربوية يطرح مشكلا. فقد نقول بأن التربية هي "تبليغ الشيء إلى كماله[13]". إلا أن هذا الكمال يثير مسألة النوع لتتناسل العديد من الأسئلة ذات الصلة بالسؤال الآتي: أ نعني بالكمال الكمال الأخلاقي-الديني، أم نعني االكمال المعرفي-الإبستمولوجي؟

قد يقول قائل إن الطرفين سيان، أو إنهما متكاملان بحيث ليس هناك تعارض بين الديني والعلمي. لكن ما الحكم الذي نحكمه على تربية بلغت الكمال المعرفي من خلال ابتكار نظريات فيزيائية أوكشوفات فيزيولوجية، لكنها انحرفت من الناحية العقائدية والدينية عند إنكار الخالق والكفر به؟ أهو كمال حقيقي وتام؟ ثم أهناك كمال ناقص؟ أو ليس من التناقض القول بكمال ناقص، أو احتمال أكيد، أو يقين نسبي؟ أليس من مبادئ الإسلام توجيه العلم نحو الغايات الدينية والإيمانية، فالعلم غير النافع من الأمور المنبوذة، والمنفعة في هذه الحالة هي عدم الخروج عن أسس الدين وحدود العبادة.

فمن المسائل المطروحة منذ القدم في التراث التربوي الإسلامي هي مسألة التربية والراهنية، مما يجعلنا نتجاوز فكرة التلقين، والتعويد، والتكرار. لأن التلقين والآلية في التربية تلغي القدرة على التجديد من خلال نمذجة القيم وتغليب الماضي العتيد على الحاضر المشكوك في مدى صلاحيته. فإذا كان الأوائل ينمذجون الماضي المغلق الناجز، فإن المفكرون في العصر الحديث ينمذجون المستقبل المفتوح في طور الإنجاز.

المحور الثالث: الفكر التربوي الغربي الحديث والمعاصر

1-إبستيمية الفكر الغربي الحديث والمعاصر

أصبحت السمة الغالبة في الأزمنة الحديثة هي هيمنة العلم الحديث بوصفه عقلانية جديدة وتصورا غيْر مسبوق غيَّر نظرتنا ﺇلى العالم. باتت الدقة والصرامة المنهجية في البحث عن الاتفاق و التماس الموضوعية في الدراسة بإبعاد العاطفي و التزام الحياد القيمي في البحث أساسا قاعديا لبناء أرضية للمشترك الإنساني. لقد أصبحت العلمية بمثابة النموذج الذهني الموجه للرؤية، ﺇلى درجة أن كل مبحث أصبح يتودد للعلمية ويتوق لأن تكون سبيلا ومسلكا له. والأمر ينطبق على التربية -موضوع بحثنا- التي ستحاول الدخول ﺇلى عالم العقلانية والموضوعية بجعل التربية علما صارما يتحقق بوضع مبادئ دقيقة وكلية تمس جميع البشر دون استثناء. لكن كيف تحولت أوروبا في العصر الحديث نحو العلمية واستجابت إلى عقول الإبداع وبناء عمارة ثقافية وتربوبة متطورة؟

من العالم المغلق إلى العالم اللامتناهي

لقد اصطدم علماء النهضة بعوائق متجدرة ومتأصلة في الفكر اللاهوتي المُمَثَّل في آباء الكنيسة، وقرارات البابوات، وأساقفة اللاهوت. فكل ما أنتج من ثقافة لاهوتية أو إبداع فلسفي بُنيَ على أساس المنطق الأرسطي القائم على قانون الهوية والتناقض، وعلى ميتافزيقا الصورة والمادة، وعلى الهندسة الإقليدية التي تقوم على مسلمات ومبادئ كثيرة. فقد كان الخطاب اللاهوتي يرتكز على الإيمان وعلى المنطق الأرسطي محاولا التوفيق بين الحكمة والدين. فالعقل الأرسطي كان مثارًا للنزاع لأنه بُني على مسلمات إقليدس ومصادراتها. كانت المنظومة الأرسطية هشة وبعيدة عن الفرد وحدوسه، لأنها أسِّسَت على مبادئ وأكسيومات تواضعية، كما كانت لصيقة باللغة اليونانية. "فالتحليل الإبستيمي للغة الأرسطية يجعلها تتطابق مع ذلك النحو في اللغة اليونانية القديمة[14]".

لكن االتساؤل اللاهوتي  في القرن 13م  عن مقولة الفضاء اللامتناهي، وعن الفراغ، والخواء الذي يتجاوز السماء السابعة ما لبث أن انعكس كسمولوجيا وأدى في النهاية إلى بداية التفكير في اللامتناهي داخل حقل العلم والتجربة. ونعاين ذلك بجلاء عند ديكارت، وغاليليو، ونيوتن على نحو أفضى إلى اختراع حساب التكامل والتفاضل الضرورين لدراسة الفلك. كما أدى إلى تدمير الكسموس الأرسطي القائم على التراتبية الكيفية في القيم الميتافيزيقية ونظرية العقول. لقد كانت الخطوة الحاسمة التي دمرت الكوسموس الأرسطي هي المسلمة الجديدة التي اعتمدت على نهائية الفضاء، والممكن المنفتح على الطبيعة عكس مقولة أرسطو الشهيرة: كل متحرك يجب أن يلازمه متحرك في حركته. هذه المسلمة الأرسطية شلت التفكير الفيزيائي...

الأسس الميتافيزيقية للعقل الإبداعي عند الغرب

لقد تساءل الكثير من الفلاسفة ورجال اللاهوت عن إمكانية الله في خلق عوالم متعددة غير هذا العالم، وفي  خلق الفراغ أو الخواء التام، أو في خلق فضاء فيزيائي لامتناه. وهذا يُعتبر خرقا خطيرا على صعيد الكون اللاهوتي المهيمن وعلامة على انبثاق وقيام العلوم الدنيوية. إنها المحاولات الأولى لفتح الفضاء الديني على اللامتناهي، ومن ثم إنتاج أكسيومات وفتح الكون المغلق. وتحت ضربات هذا التفكير بدأت أنطولوجيا أرسطو تتهاوى، بحيث تغيرت النظرة إلى الكون ومركزيته بالانتقال من مركزية الأرض مع بطليموس(المجسْطي) إلى مركزية الشمس مع كوبرنيك.

إن مراجعة النصوص اللاتينية اللاهوتية قبل عصر النهضة بقليل، في فترة غليان النقاش في جامعة باريس بين اللاهوتيين والعلماء يُظهر التحول البطيء في الفكر اللاهوتي من الوجود المغلق إلى الوجود المفتوح واللامتناهي. وتقول هذه النصوص: "الله كامل كمالا لامتناهيا لا نقص فيه، وهذا الكمال لا متناه في اتساعه ومداه، لذا لا يستطيع الله خلق عالم غير كامل ومتناه، لأن التناهي هو صنو الفساد والضعف، لذا كان كل مخلوق على صفة الخالق لامتناهيا[15]".

كانت مثل هذه التصورات بمثابة إجراءات توليدية ممهدة للعلوم الطبيعية التي عبَّر عنها اللاهوتيون في القرنين 14 و15م، مما أفضى إلى تحول أنطولوجي من  كوسموس مغلق إلى كون واسع مع ألكسندر كويريه. أصبح المستحيل ممكنا عندما استولت الأنطولوجية الأكسيومية الجديدة على الفكر، فدخلت الحركة المستقيمة والعطالة الكونية في الحركة وفي مفهوم اللامتناهي مع ديكارت. كما دخلت مسلمة القصور الذاتي للمادة وعلم الحركة بشكل سهل قيام فيزياء كبلر، الذي أدخل الرياضيات بقوة داخل القوانين الفلكية الثلاثة التي مهدت لقيام فيزياء نيوتن، والتي ساهمت بدورها في إلغاء العقول الفلكية، والصورة والمادة...

2 – نماذج من الفكر التربوي الحديث والمعاصر

لقد أدى هذا المنعطف التاريخي في التفكير الغربي إلى إعادة النظر في التربية لتؤسس خطها التجديدي التربوي على حرية الإنسان، وقدرته على استخدام قواه كلها، بحيث يكون سيد نفسه بعيدا عن آلية التلقين التي تلغي القدرة على التجديد من خلال نمذجة القيم وجعل العالم مغلقا بدل أن يكون منفتحا. وسنعرض هنا بعض التصورات التربوية التي تدعو إلى تحرير العقل وعدم جعل التربية فعلا يبتغي إقرار فعل النمذجة التكراية بحيث تتطابق الأجيال السابقة واللاحقةَ.

جان جاك روسو وإمانويل كانط

يرفض جان جاك روسو التربية عبر آلية التعويد والتكرار، مادامت العادة الوحيدة التي ينبغي أن يتعلمها الطفل هي ألا تكون له عادة، وبتعبير أدق: انعدام العادة أصلا. فالعادة هنا بوصفها تلقينا آليا قسريا من شأنها أن تُقيد العقل، وتحد من ملكات التفكير. في هذا الصدد، يقول روسو في كتاب إميل: "أعدوه من بعيد كي تسود حياته الحرية والقدرة على استعمال قواه كلها، تاركين لجسمه العادة الطبيعية، بحيث يكون دائما سيد نفسه، قادرا في جميع الأمور على العمل بمشيئته، متى صارت له مشيئة[16]"، وينتهي روسو في كتابه بتحديد مايعنيه بالتربية في عبارة واحدة عند قوله: "لن يحفظ إميل شيئا عن ظهر قلب... إميل لايخضع إطلاقا للسلطة أو قدوة، هذه هي التربية الاستقلالية[17]".

و رغم الانتقادات التي وجهها كانط  لتصور روسو، لكنه يواصل الخط الاحتجاجي الذي رسمه روسو للتربية. فكلما كانت نسبة العادة في فكر وسلوك الطفل مرتفعة، قلَّت معها بالضرورة نسبة الاستقلالية الفكرية والعملية. فالإجراءات التربوية تستوجب بناء برامج تربوية تنحو منحى بعيدا تمام البعد عن تلقين عادات جاهزة وناجزة عبر توجيه التعلم نحو الديمومة في التجديد. فمن مشاكل التربية – من وجهة نظر كانط- هي مرتبطة بالسؤالين الآتيين "ما السبيل إلى الجمع بين امتثال المرء قسرا للقانون وبين القدرة على استعمال حريته؟ كيف أستطيع تعاطي الحرية في ظل القسر؟ ينبغي أن نُثبت للطفل أننا نمارس عليه قسرا يقوده إلى استعمال حريته الخاصة، وأننا نُثَقِّفه لكي يستطيع ذات يوم أن يكون حرا[18]".

ويلتقي كانط مع روسو في المشاكل التي تطرحها التربية الدينية على الأطفال الصغار. إذ نجد روسو يقول: "لا أرى أشد حماقة وغباء من معلم الدين الكاثوليكي وهو يلقن الأطفال الصغار تلك الأمور العويصة... فلنحدر كل الحذر من إعلان الحقيقة لأولئك الذين لم يتأهبوا بعد لإدراكها. خير ألف مرة أن لا تكون لدى الفتى فكرة إطلاقا عن الإلهيات، ومن أن تتكون لديه عنها أفكار خرافية مهينة لا تليق بجلالها[19]". وفي نفس السياق يقول كانط: "هل بالإمكان تلقين الأطفال مفاهيم دينية منذ سن مبكرة...هل نلقن لاهوتا للفتية الذين لا يعرفون بعد لا العالم ولا أنفسهم؟ كيف للفتية الذين لا يعرفون الواجب بعد، أن يفهموا واجبا مباشرا تجاه الرب؟[20]".  التربية الدينية –بحسب الفيلسوفين- تطرح العديد من المشاكل أكثر مما تُمهد لحلول لاحقة. فهي تربية قائمة على المنهجية التقليدية التي تتخذ من العادة والتكرار منهجا لوضع الفتية على السكة. وينبغي التشديد على أن العداء للدين في المرجعية الأوروبية له ما يبرره في الفكر الأوروبي لأن "هناك مؤسسة تمثل الدين  وتتكلم باسمه وفي نفس الوقت تنازع الدولة في سلطتها كدولة، فتكون النتيجة دولة ضد دولة أو دولة داخل دولة في مجتمع واحد[21]". ويرى الجابري أن هذا التصور ليس له من مبرر في المجتع الإسلامي لأن الدعوة إلى ذلك في الواقع العربي الإسلامي مزيفة.

جون ديوي

يفوق  تأثير الفلسفة التربوية البركماتية لديوي الفلسفات التربوية السابقة، إذ يعتبر التربية مرادفة للحياة ذاتها وليس إعدادا للحياة المستقبلية. ويتخذ في مسألة العادة والسلوك عند الطفل موقفا أكثر اعتدالا، لأن التدريس عنده يدل على استعداد أولي تعوُّديٍّ عند الطفل. بالتالي فإن التفكير ضد العادة بشكل متطرف يمثل ضربا من الطوباوية البيداغوجية. لذا فالحديث عن نسبة وكمية العادة أكثر علمية من الحديث عن العادة بصورة مطلقة. يقول ديوي: "إذا أردنا أن نعرف قيمة العادة ومكانها الخاص من النشاط، وجب علينا أن نعكف على دراسة العادات السيئة كالبطالة ولعب القمار وإدمان الخمور وتعاطي المخذرات. وعندما نفكر في هذه العادات نجد أن فكرة امتزاج العادة بالرغبة والقوة الدافعة قد فرضت نفسها علينا. وعندما نفكر في عادات بمعنى: المشي، والعزف على آلة موسيقية، والكتابة على الآلة الكاتبة، فإننا نستسلم للتفكير في العادات على أنها قدرات فنية توجد منفصلة عن رغباتنا[22]".

حنا أرندت

تعتبر الفيلسوفة حنا أرندت أن التربية ليست وسيلة من وسائل السياسة، لأن في ذلك تكريس للنزعة التسلطية وزرع الديكتاتورية، وفرض الراشدين لوصايتم على الأطفال والتعامل معهم بوصفهم قاصرين يجب برمجتهم وحرمانهم من فرص الابتكار. تقول أرندت بهذا الصدد " لا نستطيع تربية الراشدين فإن لفظ التربية في السياسة يحدث صدى سيئا[23]". فالتربية ينبغي أن تكون خالية من أي وظيفة سياسية لأن السياسة تريد تربية الراشدين، وتتوجه إلى أناس سبق لهم أن تلقوا تربية، وبالتالي تريد أن تكون وصيا عليهم وتحرمهم من مواطنيَّتهم، وتسحب منهم كل دافعية سياسية وجاهزية للمشاركة. "فمهما كانت مقترحات عالم الراشدين جديدة فهي في نظر الجدد قديمة بالضرورة لأنها تفوق سنهم. وإنه لمن خاصيات الوضعية البشرية أن يترعرع كل جيل جديد داخل جيل العالم القديم، ليست في الحقيقة سوى رغبة في حرمان الوافدين الجدد من فرص الابتكار[24]". تدعو أرندت إلى التخلص من وهم بناء الأحياء غلى الأموات وخلق عالم جديد عن طريق تربية الأطفال، وتسند إلى التربية مهمة فعلية، وهي تفكيك الاستلاب إزاء العالم الناتج عن الأزمة التي تسببت فيها الطريقة الآلية للتفكير واتباع بيداغوجيا براغماتية.

تدعو أرندت إلى الكف عن النظر إلى التعليم باستمرار بوصفه تبشيرا وتعليما يكسب المهارات. وبتبير أدق: استبدال ذلك بالتعلم الفعلي والفعل باللعب والتحرر كليا من مادة التعلم، وفقدان المدرس لسلطته وتساويه في المعرفة مع تلامذته. هكذا يجب على التربية تعليم الناس ماهية العالم، وتقوم بتدبير إتيقي لمعنى الوجود، وتجعلهم يعتزون بتراثهم وهوياتهم ولغتهم وثقافتهم دون الوقوع في الانغلاق والتعصب.

بول ريكور

 ما يأخذه ريكور من أرندت هو الرسالة الإتيقية للتربية، والنظر في مبادئ التربية على أنها مبادئ أخلاقية وذلك بإعادة الاعتبار إلى السلطة والنفوذ والانشدادا إلى الماضي بشكل مغاير، والعيش بين الأجيال بحيث لا تتم معاملة الأطفال مثل الراشدين. هنا، يدعو ريكور إلى تحرير قطاع التعليم وجعله في جبهة المواجهة التي يدبرها المجتمع المدني ضد سياسات الدولة السلبية والقائمة على الامتناع، وإدراجه ضمن دائرة النقاش العمومي والخلاق المعقول.

بيد أن ريكور يعترف بالمكان الصعب الذي توجد فيه مؤسسات التعليم، وأن التوازن الذي تبحث عنه التربية في المجتمع هو توازن هش وعسير المنال طالما أن الدولة تريد أن تجسد فيها استراتيجيا الامتناع. "فمشكل المدرسة عويص لأنها تتبوأ منزلة وسطى بين الدولة، التي تعتبر هي تعبيرا عنها بوصفها خدمة عمومية... وبين المجتمع المدني الذي يستثمر فيها إحدى وظائفه المهمة: التربية بوصفها أكثر الخيرات الاجتماعية الأولية التي يتعين توزيعها[25]".

و ما يترتب عن ذلك هو مناداة ريكور بأمرين أساسيين: اعتبار التربية من الأمور التي يتولاها المجتمع المدني، والأمر الثاني هو إخراج هذا القطاع من الوظيفة العمومية التي تُحدد بصورة كلية من طرف الدولة وتحاول فرضها على الجميع والابتعاد عن ادعاء أن تعليم حقيقة مطلقة. كما يدعو ريكور إلى تحول السياسي إلى مربٍّ للقيم والاعتراف بحرية التعليم في الدستور من أجل التشريع للاختلاف: "إن الوضع غير المستقر والصعب للمدرسة ينبغي أن يصبح موضوعا للاعتراف من حيث هو كذلك. ويتعين بهذا الصدد تبرير فتح باب للتفاوض. فكما أننا نتوفر على لجان استشارية في مجال الأخلاق لمناقشة الحالات القصوى التي تطرحها البيولوجيا، كذلك يلزم أن نملك هيئة لمناقشة مشاكل التعليم  الديني في المدرسة بحيث تتألف من ممثلين عن الدولة والمجتمع المدني[26]".

هكذا يشتغل ريكور على أهمية تطوير التربية والتعليم، ويدعو إلى معالجة القضية من جانبين: الأولى إعلامية بتوفير معرفة للتلاميذ  عن ماضيهم الخاص وتراثهم الثقافي جنبا إلى جنب مع القيم الكونية، والثانية بالدعوة إلى الانفتاح على روح العصر وماضي الثقافات الأخرى.

الخاتمة

إننا نلاحظ اليوم انتشار فكر متبوع بمحاولات سلوكية، يرمي غرس مقولة الثبات و التمسك والثوابت من خلال تقديس العودة وتشجيع المحاكاة. فالتقليد يحجب الحقيقة بألف حجاب. ونحن نعلم جيدا التجربة التي مر بها الغزالي في بحثه عن الحقيقة، وكيف اعتبر التقليد من الأمور المنفرة عن درك العلم اليقين. ففي التقليد كل الناس سواسية دون تفضيل. يقول حجة الإسلام: " وكان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله وضعتا في جبلتي، لا باختياري وحيلتي، حتى انحلت عني رابطة التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة[27]". فمن خلال نموذج الغزالي نعاين كيف توالت نقائض الإيمان والشك. فالتقليد الذي أنشأ عليه المجتمع الفرد ولد شكوكية حادة لدى الأفراد النابغين ومنهم الغزالي. إن التربية القائمة على الحفظ والنقل بطريقة تواترية تقدس الوجود الثابت بوصفه تعبيرا عن وحدة واحدة وموحدة تُغلِّب الواجب والإلزام والعادة على بقية الإواليات الأخرى مثل الحق، والحرية، والإرادة. فالعادة – ورغم كونها سلوكا صلبا للإنسان – المرادفة للنمذجة والتكرارية الفكرية يؤكد الضغط على مبدإ الإرادة الفردية الجديدة. إن هذا النمط من التفكير في التربية يحرم الفردية والتفرد، ويقدس الجماعية والتنميط، مما يدل على تغلب التقليد على التجديد، والمجتمع على الفرد، والقديم على الجديد.

ومن كل هذه الخصائص،  يتشكل عندنا ما يسمى بفلسفة التربية الإسلامية التي تنمط دون تفكير. على اعتبار أنها تقاوم التجديد مقاومة شرسة من خلال التمسك الهستيري بالماضي. ويمكن أن نخلص من هذا إلى التقرير الذي قال به المفكر علي حرب في شأن العلاقة بين السابق واللاحق في تمثلاتنا للتربية، ف"ادعاء التطابق مع الأصل هو وهم يشكل إحدى خرافات المؤسِّسة للفكر الأصولي. وذلك أنه من المستحيل تطابق الخلف مع السلف مطابقة تامة، نظرا لاختلاف الظروف التاريخية...واختلاف الذوات العارفة بتجاربها وخطاباتها وتأويلاتها[28]".

من هذه المنطلقات التحديدية، نشاطر وجهة نظر حنا أرندت عند قولها: " التربية لا تتم إلا من أجل عالم فقد أعصابه أو هو على وشك فقدانها... يكمن أملنا دوما في عنصر التجديد الذي يأتي به كل جيل جديد... لهذا السبب بالضبط يجب على التربية أن تكون محافظة حتى تتمكن من صيانة ما هو جديد وثوري في كل طفل. يجب عليها أن تحمي هذا الجديد وإدراجه كخميرة جديدة في عالم قديم يعتبره الجيل اللاحق - مهما كانت أفعاله ثورية - عتيقا وآيلا للسقوط[29]".

لكن، هل تكرس التربية رغبة الإنسان في إقامة عالم جديد أم أنها تسعى إلى المحافظة على الوضع القائم في جوهرها وتتحدد مهمتها في العناية به وحمايته من الفناء والتآكل؟ أليست مهمة المربي هي المصالحة بين التراث والحداثة وبين النزعات المحافظة والتجارب الثورية بإقامة روابط بين التقليد والابتكار وبين العالم القديم والعالم الجديد؟ ألا يستمد المربي موهبة الإقناع من سلطة الماضي؟ أتفضي التربية إلى جلب ما هو خير بالنسبة للإنسان أم إلى الهدم وتفجير النزاعات الشريرة في الوضع الإنساني؟ ألا يجدر بالمربي أن يرتقي إلى درجة الفيلسوف إذا ما أراد الارتفاع من مرتبة الإصلاحي إلى درجة الثوري؟

المصادر والمراجع باللغة العربية

  • أدهم سامي، نحو تحقيق مشروع أركون، مجلة كتابات معاصرة، العدد 80، المجلد العشرون(أيار-حزيران2011).
  • الجابري محمد عابد، بنية العقل العربي- دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربي-، مركز دراسة الوحدة العربية بيروت، ط9/2009.
  • أرندت حنا، أزمة التربية. مجلة الأزمنة الديثة المغربية، ترجمة حماني أقفلي وعز الدين الخطابي، دد 3و4، أكتوبر 2011.
  • الفارابي أبو نصر، الفصول المنتزعة، تحقيق فوزي متري نجار، دار المشرق، بيروت دط/1971.
  • الكندي يعقوب أبو إسحاق، كتاب الحدود الرسوم، تحقيق عبد الأمير الأعسم، الهيئة المصرية العامة للكتابة، القاهرة دط/1989.
  • الغزالي أبو حامد، المنقد من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال، بيروت، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، د، ت.
  • ثيوسيديد، تاريخ الحرب البيولوبونيزية، ترجمة دينا الملاح وعمرو الملاح، المجتمع الثقافي، أبوظبي، 2003.
  • حرب علي، أزمنة الحداثة الفائقة، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط1/2005.
  • ديوي جون، الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني، ترجمة محمد لبيب النجيحي، القاهرة-نيويرك، مؤسسة الانجي-مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر. د،ت.
  • راسل برتراند، في التربية، ترجمة سمير بدر، منشورات دار مكتبة الحياة، ، بيروت، د.ت.
  • روسو جان جاك، إميل، ترجمة و تحقيق عادل زعيتر، تقديم محمود كامل التاقة، المركز القومي للترجمة، ط1/2015.
  • صليبيا جميل، المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ج1، ط1/1981.
  • كانط إمانويل، تأملات في التربية، ترجمة محمود بن جماعة، ، دار محمد علي للنشر، صفاقسط1/2005.
  • ليمام مراد، سؤال الهوية في نظام الخطاب العربي، مأزق الأصل في الأنطولوجيا الإسلامية، أفريقيا الشرق، الدارالبيضاء، المغرب، 2018ط1/.
  • مبروك علي، النبوة من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ، محاولة في إعادة بناء العقائد، دار التنوير، بيروت، ط1/1993
  • مكاوي عبد الغفار، لم الفلسفة؟ منشأة المعارف، الإسكندرية، 1981.
  • مسكويه أبو علي أحمد: الفوز الأصغر. تحقيق صالح عضيمة، الدار العربية للكتاب، تونس/1987.

المصادر باللغة الفرنسية

  • Aristote, Ethique à Nicomaque, Les classiques de la philosophie, livre de poche, Paris, 1994.
  • Ricœur Paul, La critique et la conviction (entretiens), Edition CALMAN-LEVY, 1995.

مراد ليمام -المغرب-

مفتش تربوي بالتعليم الثانوي التأهيلي (مادة اللغة العربية)

باحث في ديدكتيك اللغات وبناء المناهج

 

[1]  - ثيوسيديد: تاريخ الحرب البيولوبونيزية، ترجمة دينا الملاح وعمرو الملاح. أبوظبي: المجتمع الثقافي، 2003، ص157.

[2] -  راجع كتاب: راسل برتراند: في التربية. ترجمة سمير بدر. بيروت، منشورات دار  مكتبة الحياة، د.ت، ص44.

[3] - ليمام مراد، سؤال الهوية في نظام الخطاب العربي، مأزق الأصل في الأنطولوجيا الإسلامية، أفريقيا الشرق، الدارالبيضاء، المغرب، 2018، ص20.

[4]  - مكاوي عبد الغفار: لم الفلسفة؟ منشأة المعارف، الإسكندرية. 1981. ص67.

[5] - Aristote : Ethique à Nicomaque. Les classiques de la philosophie, livre de poche. Paris,1994. P121.

[6]  - أنظر: مبروك علي:النبوة من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ، محاولة في إعادة بناء العقائد. دار التنوير، بيروت، ط1/1993. ص164-165.

[7]  - الجابري محمد عابد: بنية العقل العربي. بيروت،مركز دراسة الوحدة العربية. ط9/2009. ص9.

[8]  - المرجع نفسه، ص285.

[9]  - المرجع نفسه، ص 396.

[10]  - الكندي يعقوب أبو إسحاق: كتاب الحدود الرسوم. تحقيق عبد الأمير الأعسم. الهيئة المصرية العامة للكتابة. القاهرة/1989. ص120.

[11]  - الفارابي أبو نصر: الفصول المنتزعة. تحقيق فوزي متري نجار. دار المشرق، بيروت/1971. ص

[12]  - أبو علي أحمد مسكويه: الفوز الأصغر. تحقيق صالح عضيمة. الدار العربية للكتاب. تونس/1987. ص 94.

[13]  - صليبيا جميل: المعجم الفلسفي. دار الكتاب اللبناني، بيروت، ج1، ط1/1981. ص266.

[14] - أدهم سامي: نحو تحقيق مشروع أركون. مجلة كتابات معاصرة، العدد 80، المجلد العشرون(أيار-حزيران2011). ص40.

[15]  - المرجع نفسه، ص42.

[16]  - روسو جان جاك: إميل. ترجمة و تحقيق عادل زعيتر.تقديم محمود كامل التاقة. المركز القومي للترجمة. ط1/2015.ص63

[17]  - المرجع نفسه، ص147.

[18] -  كانط إمانويل: تأملات في التربية. ترجمة محمود بن جماعة. صفاقس، دار محمد علي للنشر، ط1/2005. 27.

[19]  - روسو جان جاك:إميل. ص190.

[20] - كانط إمانويل: تأملات في التربية. ص75.

[21]  - الجابري محمد عابد: وجهة نظر. المركز ااثقافي العربي. ط1/1992. ص113.       

[22]  - ديوي جون: الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني. ترجمة محمد لبيب النجيحي. القاهرة-نيويرك، مؤسسة الانجي-مؤسسة فرانكلين للطباة والنشر. د،ت. ص49.

[23]  - أرندت حنا: أزمة التربية. مجلة الأزمنة الديثة المغربية. دد 3و4. أكتوبر 2011.  ترجمة حماني أقفلي وعز الدين الخطابي. ص9.          

[24]  - المرجع نفسه، ص9.

[25] - Ricœur Paul : La critique et la conviction (entretiens). Edition CALMAN-LEVY. 1995, p195.

[26]  - المرجع نفسه، ص198.

[27]  - الغزالي أبو حامد: المنقد من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال. بيروت، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، د، ت، ص81.

[28]  - حرب علي: أزمنة الحداثة الفائقة. الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط1/2005. ً95-96.

[29] - أرندت حنا: أزمة التربية، مصدر سابق. ص17.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟