جاء تمهيد الكتاب مقسمًا على أربعة محاور؛ أنصرف المحور الأول لجدلية العلاقة بين التاريخ والأدب، وشكل العلاقة بين السردين التاريخي والأدبي في نقاط التقائهما وافتراقهما، وتوقف عند كتابات الفيلسوف الفرنسي بول ريكور والمؤرخ الأمريكي هايدن وايت في هذا المجال، لأهمية ما طرحاه من أفكار ورؤى حول الموضوع. في حين كان المحور الثاني خاصًا بتتبع بدايات ظهور الرواية التاريخية وكيفية استقبال النقاد لها غربيًا وعربيًا، فضلًا عن محاولة الكشف عن حدودها فنيًا وبيان مجال اشتغالها.
أمّا المحور الثالث، فقد كان مخصصًا للحديث عن مفهوم المتخيل التاريخي وارتباطه بحقبة ما بعد الحداثة، مع التطرق إلى كتابات أبرز مُنظري هذا النوع من الكتابة السردية. فكانت هناك وقفات مع طروحات ليندا هتشيون وباتريشيا واو غربيًا، وعبد الله إبراهيم ونادية هناوي عربيًا. في حين كان المحور الأخير من التمهيد مُكرسًا للتعريف الموجز بالرواية التي جرت الدراسة التطبيقية عليها «بيروت مدينة العالم»، والروائي ربيع جابر.
وقد ضم الكتاب فصلين وخاتمة وقائمة للمصادر والمراجع، وجاء في 248 صفحة. الفصل الأول، الذي حمل عنوان "عناصر المتخيل التاريخي"، ضم ثلاثة مباحث؛ كان الأول منها مُكرسًا لدراسة الشخصيات في الرواية، سواء كانت شخصيات إشارية أو مرجعية أو متخيلة ـ واقعية، وفق التقسيم الذي طرحناه استنادًا إلى مُعطيات الرواية وما ضمته من شخصيات. وأمّا المبحث الثاني فكان مُخصصًا لدراسة الزمن في الرواية، مع الوقوف عند تعرجاته التي شهدها النص الروائي وتبيان كيفية تعاطي الرواية معه، واستجلاء ملامح الزمن الدائري والمفارقات الزمنية الناتجة عن استخدام تقانة الوعي الذاتي الانعكاسي. أمّا المبحث الثالث فقد كان خاصًا باستطلاع الهوية السردية المكانية لبيروت وفق تصور الروائي لها، ذلك أن الهويات المكانية والتواريخ القومية أضحت قابلة للحبك سرديًا، وهذا ما سعى الروائي إلى تحقيقه في روايته وتوقفنا عنده في هذا المبحث.
أمّا الفصل الثاني، والذي حمل عنوان "أنساق رواية ما بعد الحداثة في المتخيل التاريخي"، فقد ضم هو الآخر ثلاثة مباحث؛ كان المبحث الأول منها مُتعلقًا بتقانة "ما وراء القص التاريخي" وتطبيقاتها في الرواية، وهي تقانة تُعادل رواية ما بعد الحداثة عند بعض النقاد. وأمّا المبحث الثاني فقد تطرق إلى المخطوطات والوثائق والمصادر التي اعتمدتها الرواية في حبك سرديتها الخاصة، وكيفية إدماج هذه المخطوطات والنصوص المقتبسة منها في المتن السردي. بينما كان المبحث الثالث والأخير مُكرسًا للحديث عن الإيذاء الجسدي، بوصفه أحد الموضوعات التي استحوذت على اهتمام مفكري ما بعد الحداثة ولحضوره الكبير في الرواية، إذ سعت «بيروت مدينة العالم» إلى إبراز آثار الحروب والمذابح والصراعات التي عاشها لبنان في القرن التاسع عشر.
وفيما يخص مصادر الكتاب، فقد استعان الكاتب بأهم ما كُتب في مجال العلاقة بين السرد والتاريخ وكيفية حبك الأحداث التاريخية في العمل السردي غربيًا وعربيًا. وتقف في مقدمة هذا النوع من الكتب ثلاثية الفيلسوف الفرنسي بول ريكور «الزمان والسرد»، وكتاب المؤرخ الأمريكي البارز هايدن وايت «محتوى الشكل: الخطاب السردي والتمثيل التاريخي»، إضافة إلى كتاب جورج لوكاش «الرواية التاريخية». فضلًا عما كُتب عن أنساق وتقانات رواية ما بعد الحداثة، إذ اعتمدت على أبرز ما كُتب في هذا المجال، ككتاب ليندا هتشيون الموسوم بـ «سياسة ما بعد الحداثية»، وكتاب باتريشيا واو «الميتافكشن: المتخيل السردي الواعي بذاته»، وكتاب مارك كوري «نظرية السرد ما بعد الحداثية»، وغيرها من الكتب.
أمّا عربيًا، فقد الرجوع إلى أهم ما كُتب عن الرواية التاريخية، وفي مقدمة هذه المصادر كتاب «الرواية وتأويل التاريخ: نظرية الرواية العربية» لفيصل دراج، وكتاب «الرواية والتاريخ» لمحمد القاضي، فضلًا عما دوّنه د. سعيد يقطين عن الرواية التاريخية في مؤلفه الموسوم بـ «قضايا الرواية العربية الجديدة: الوجود والحدود». وفيما يخص الشكل الجديد ما بعد الحداثي للرواية التاريخية، فقد تمت الاستعانة بأهم ما دوّنه النقاد العرب في هذا المجال، وتحديدًا كتاب د. عبد الله إبراهيم الموسوم بـ «التخيل التاريخي: السرد والإمبراطورية والتجربة الاستعمارية»، وكتاب نادية هناوي «السرد القابض على التاريخ»، وأمثالها من الكتب.
وتكمن أهمية الكتاب في محورين؛ الأول في بلورته للشكل ما بعد الحداثي للرواية التاريخية العربية وتحديد معالمها واستيعاب معظم الدراسات النقدية العربية والغربية في هذا السياق. والثاني يكمن في القيمة الأدبية والفكرية لثلاثية «بيروت مدينة العالم» لربيع جابر، ذلك أن هذه الثلاثية ليست مجرد رواية عابرة عن بيروت، بل هي سيرة ملحمية توثق مراحل تحول هذه المدينة من بلدة صغيرة مسورة ومهملة على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط إلى عاصمة ومركز عربي شرق أوسطي مهم. وقد قدم الكتاب في جانبه التطبيقي نقدًا تفكيكيًا مهمًا لكل جزئيات العمل.