السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةُ: هَلْ هِيَ ثَوْرِيَّةٌ؟ - د. علي أسعد وطفة

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

 "نَحْنُ لا نُمارِسُ النَّقْدَ مِنْ أَجْلِ النَّقْدِ، بَلْ مِنْ أَجْلِ التَّحَرُّرِ مِمَّا هُوَ مَيِّتٌ أَوْ مُتَخَشِّبٌ فِي كِيانِنا العَقْلِيِّ، وَإِرْثِنا الثَّقافِيِّ" . مُحَمَّدُ عابِدُ الجابِرِيّ
" إِنَّ عَصْرَنا هُوَ عَصْرُ النَّقْدِ، وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَنْبَغِي أَنْ يَخْضَعَ لِلْفَحْصِ النَّقْدِيِّ بِهَدَفِ قَبُولِهِ أَوْ رَفْضِهِ، وَبِالتَّالِي إِصْدارِ حُكْمٍ عَقْلانِيٍّ عَلَى ذَلِكَ."  إيمانويل كانْط.

1- مُقَدِّمَةٌ:

الفِكْرُ النَّقْدِيُّ يَخْدِشُ، يُهاجِمُ، يَكْتَسِحُ، يُدَمِّرُ، يَتَوَغَّلُ فِي الأَعْماقِ، يُفَكِّكُ، يَحْفِرُ، يَثِبُ إِلَى الأَعْلَى وَإِلَى الأَدْنَى وَالأَسْفَلِ، يَتَحَرَّكُ يَمِينًا وَشَمالًا، يَهُبُّ كَالْعاصِفَةِ حِينًا، وَكَالإِعْصارِ أَحْيانًا، يَنْفَجِرُ كَالْبُرْكانِ مَرَّةً، وَيَتَحَرَّكُ كَالاهْتِزازاتِ الأَرْضِيَّةِ مِرارًا. إِنَّهُ مَفْهُومٌ دِينَامِيٌّ مُتَحَرِّكٌ، غاضِبٌ، يُزَمْجِرُ، يُهَدِّدُ، يَتَحَرَّكُ بِقُوَّةٍ، يُفَجِّرُ التَّقالِيدَ السَّاكِنَةَ، وَيَهُزُّ الأَفْكارَ الجامِدَةَ. إِنَّهُ هَدِيرُ العَقْلِ الَّذِي لا يَتَوَقَّفُ عَنِ النَّقْدِ، وَزَمْجَرَةُ الوَعْيِ الَّذِي لا يَتَوَقَّفُ عَنِ التَّفْكِيكِ وَالتَّحْلِيلِ غَوْصًا فِي الطَّبَقاتِ الأَعْمَقِ لِلْوُجُودِ الاجْتِماعِيِّ. وَالنَّقْدُ، فِي كُلِّ الأَحْوالِ، يَهُزُّ أَرْكانَ الأَنْظِمَةِ الاسْتِبْدادِيَّةِ الاغْتِرابِيَّةِ الجامِدَةِ المُتَحَجِّرَةِ، وَيُحاوِلُ تَفْكِيكَها وتفنيدها والكشف عن خفاياها الأعمق، وَهُوَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلَى أَنْ يُفَكِّكَ الظَّواهِرَ الاجْتِماعِيَّةَ وَيَهُزَّ الوَعْيَ، فَإِنَّهُ لا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَقْدًا.

لَقَدْ أَفْضَتْ حَرَكَةُ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ إِلَى تَوْلِيدِ مَنْظُوماتٍ فِكْرِيَّةٍ نَقْدِيَّةٍ جَدِيدَةٍ فاعِلَةٍ فِي مَجالِ التَّفْكِيرِ السُّوسِيُولُوجِيِّ، تَعْتَمِدُ عَلَى أَنْظِمَةٍ فِكْرِيَّةٍ خارِقَةٍ، وَنَماذِجَ تَحْلِيلِيَّةٍ عَمِيقَةِ الأَغْوارِ، وَأَنْماطٍ مَعْرِفِيَّةٍ قادِرَةٍ عَلَى التَّوَغُّلِ فِي عُمْقِ المَفاهِيمِ، وَأَنْ تَتَوَغَّلَ فِي غَوْرِ الأَشْياءِ، وَنَماذِجَ مَعْرِفِيَّةٍ مُتَطَوِّرَةٍ قادِرَةٍ عَلَى التَّحْلِيلِ الأَعْمَقِ لِخَفايا الأُمُورِ وَالقَضايا الاجْتِماعِيَّةِ. لَقَدْ تَمَّ التَّرْوِيجُ لِلتَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ بِوَصْفِهِ وَسِيلَةً لِتَعْزِيزِ التَّفْكِيرِ مِنَ الدَّرَجَةِ العُلْيا، وَالبَحْثِ الأَعْمَقِ فِي القَضايا الاجْتِماعِيَّةِ الأَخْلاقِيَّةِ، بِطَرِيقَةِ الكَشْفِ عَمَّا خَفِيَ مِنَ الأُمُورِ، وَما كَمَنَ خَلْفَ السُّطُورِ، وَإِعْدادِ مُواطِنِينَ أَكْثَرَ وَعْيًا وَقُدْرَةً عَلَى الفَهْمِ وَاسْتِيعابِ الأُمُورِ عَلَى حَقِيقَتِها، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ المُقارَباتِ المُخْتَلِفَةَ لِلتَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ فَإِنَّها تَخْتَلِفُ فِي اتِّجاهاتِها وَفِي تَعَيُّناتِها الفِكْرِيَّةِ.

2- مِنَ الرُّؤْيَةِ السَّطْحِيَّةِ إِلَى الرُّؤْيَةِ النَّقْدِيَّةِ:

كَثِيرٌ مِنَ الأَبْحاثِ وَالدِّراساتِ المُنْجَزَةِ، الَّتِي يَزْعُمُ كُتَّابُها بِأَنَّهُمْ يُمارِسُونَ المَناهِجَ النَّقْدِيَّةَ فِي أَعْمالِهِمْ، لا تَعْدُو أَنْ تَكُونَ نَمَطًا مِنَ المُمارَساتِ الفِكْرِيَّةِ السَّطْحِيَّةِ الَّتِي تَعْتَمِدُ أَنْساقًا مُحَدَّدَةً مِنَ المَهاراتِ تَحْتَ عُنْوانِ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ، وَهِيَ مَهاراتٌ فِكْرِيَّةٌ قابِلَةٌ لِلتَّطْبِيقِ عَلَى أَيِّ مَسْأَلَةٍ تَقْرِيبًا. وَمَهْما بَلَغَتْ أَهَمِّيَّةُ هَذِهِ المَهاراتِ، فَإِنَّها تُمَثِّلُ نُسْخَةً وَهْمِيَّةً مِنَ الفِكْرِ النَّقْدِيِّ الَّذِي يُخْتَزَلُ إِلَى تِقْنِيَّةٍ سَطْحِيَّةٍ طافِيَةٍ. وَبِالقَدْرِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الأَمْرُ كَذَلِكَ، يُصْبِحُ التَّفْكِيرُ النَّقْدِيُّ شَكْلًا مِنْ أَشْكالِ العَقْلانِيَّةِ الأَداتِيَّةِ الَّتِي تَخْتَزِلُ المَعْرِفَةَ إِلَى مُجَرَّدِ أَداةٍ فِي سَبِيلِ أَهْدافٍ أَيْدِيُولُوجِيَّةٍ مَرْسُومَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَعَلَى هَذا النَّحْوِ يُخْتَزَلُ النَّقْدُ إِلَى تِقْنِيَّةٍ بِلا جَسَدٍ، وَإِلَى جَسَدٍ بِلا رُوحٍ أَوْ مَعْنًى، فِي خِدْمَةِ مَصالِحِ الهَيْمَنَةِ الطَّبَقِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّةِ. وَلَكِنَّنا، عَلَى خِلافِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ التِّقْنِيَّةِ المَهارِيَّةِ لِلنَّقْدِ، نَجِدُ أَنَّ النَّقْدَ السُّوسِيُولُوجِيَّ هُوَ الفاعِلِيَّةُ الَّتِي تَأْخُذُنا مِنْ وَضْعِيَّةِ التَّفْكِيرِ السَّطْحِيِّ إِلَى فَهْمٍ أَعْمَقَ لِلسُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةِ بِوَصْفِها تَخَصُّصًا مَعْرِفِيًّا عَمِيقَ الجُذُورِ ([1]).

فمُعْظَمُ الأَفْرادِ في المجتمعات المعاصرة يَحْمِلُونَ وَعْيًا سَطْحِيًّا حَوْلَ المُجْتَمَعِ بِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ ظَواهِرَ. وَقَدْ تَجَذَّرَ وَعْيُهُمْ فِي ظُلُماتِ الحِسِّ العامِّ وَالمُسَلَّماتِ المَأْخُوذَةِ كَأُمُورٍ بَدِيهِيَّةٍ، وَانْغَمَسَ تَفْكِيرُهُمْ فِي نَسَقِ العاداتِ وَالتَّقالِيدِ الفِكْرِيَّةِ الَّتِي تَراكَمَتْ ثَقِيلَةً فِي قاعِ الزَّمَنِ، وَهُمْ غالِبًا ما يَرَوْنَ عالَمَهُمْ كَظاهِرَةٍ غَيْرِ تارِيخِيَّةٍ طَبِيعِيَّةِ الحُدُوثِ، يَتَحَمَّلُ فِيها النَّاسُ كامِلَ المَسْؤُولِيَّةِ عَنْ ظُرُوفِهِمْ وَحَياتِهِمْ وَمَصائِبِهِمْ. وَهُمْ، بِلُغَةِ تِشارْلْز رايْت مِيلْز (Charles Wright Mills) (1959)، يُدْرِكُونَ عالَمًا مِنَ «المُشْكِلاتِ الخاصَّةِ»، وَلَيْسَ مِنَ «القَضايا العامَّةِ». وَغالِبًا ما يُساوِي الأَفْرادُ بَيْنَ «النَّقْدِ» وَ«السَّلْبِيَّةِ»، فَالنَّقْدِيُّ يَعْنِي، بِالنِّسْبَةِ لِمُعْظَمِهِمْ، أَنْ يَكُونَ المَرْءُ قاسِيًا، عَنِيفًا، سَلْبِيًّا، مُتَحَيِّزًا، شَرِيرَ النِّيَّةِ. لَكِنَّ النَّقْدَ، وَعَلَى خِلافِ ذَلِكَ، يَأْخُذُ مَعْناهُ وَدَلالَتَهُ فِي اللُّغَةِ السُّوسِيُولُوجِيَّةِ عَلَى نَحْوٍ آخَرَ. فَالمُمارَسَةُ النَّقْدِيَّةُ فِي عِلْمِ الاجْتِماعِ تَعْنِي تَجاوُزَ المَظاهِرِ وَالسُّطُوحِ، وَالغَوْرَ فِي الأَعْماقِ، لِفَهْمِ الأَسْبابِ الجَذْرِيَّةِ وَالمُتَغَيِّراتِ السِّياسِيَّةِ الفاعِلَةِ فِي تَشَكُّلِ الظَّواهِرِ الاجْتِماعِيَّةِ، وَهَذا يَعْنِي أَنَّ تَكُونَ نَقْدِيًّا فِي عِلْمِ الاجْتِماعِ يعني أنك تمتلك الوَعْيُ المُسْتَنِيرُ الَّذِي يَرْبِطُ المَعْرِفَةَ بِالفِعْلِ وَالتَّغْيِيرِ الاجْتِماعِيِّ، وَعَلَيْهِ فَإِنَّ الوَعْيَ النَّقْدِيَّ فِي السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةِ يَنْطَلِقُ مِنْ إِيمانٍ إِيجابِيٍّ عَمِيقٍ بِإِمْكانِ اسْتِخْدامِ المَعْرِفَةِ لِفَهْمِ العالَمِ وَإِدْراكِ تَناقُضاتِهِ وَالعَمَلِ عَلَى تَصْحِيحِ مَساراتِهِ ([2]).  

وَتَعُودُ الجُذُورُ النَّقْدِيَّةُ لِعِلْمِ الاجْتِماعِ السَّائِدِ إِلَى الدَّعْوَةِ التَّنْوِيرِيَّةِ لِلْعَقْلِ وَالعِلْمِ فِي مُواجَهَةِ النَّزَعاتِ الطُّوباوِيَّةِ فِي الفِكْرِ، بَحْثًا عَنْ جَوْهَرِ الحَقائِقِ الاجْتِماعِيَّةِ وَالكَهَنُوتِيَّةِ وَالسِّياسِيَّةِ بِطَرِيقَةٍ نَقْدِيَّةٍ تَتَّسِمُ بِطابِعِ العُمْقِ المَنْهَجِيِّ وَالشُّمُولِ المَعْرِفِيِّ. فَمُنْذُ نَشْأَتِهِ، وَفَّرَ عِلْمُ الاجْتِماعِ مَسافَةً نَقْدِيَّةً تِجاهَ مُخْتَلِفِ أَنْواعِ الادِّعاءاتِ وَالخُرافاتِ وَالأَوْهامِ الطُّوباوِيَّةِ وَالعَقائِدِ الأُسْطُورِيَّةِ وَأَشْكالِ المَعْرِفَةِ السَّطْحِيَّةِ الَّتِي تُشَكِّلُ مُطْلَقَ القُوَّةِ فِي مُمارَسَةِ الهَيْمَنَةِ وَالسَّيْطَرَةِ الطَّبَقِيَّةِ؛ وَهَذا يَعْنِي أَنَّ المَنْظُورَ السُّوسِيُولُوجِيَّ لا يَأْخُذُ العالَمَ الاجْتِماعِيَّ عَلَى ظاهِرِهِ، وَلا يَفْتَرِضُ أَنَّهُ كَما يَبْدُو عَلَيْهِ. بَلْ يُخْضِعُ الظَّواهِرَ المَأْلُوفَةَ لِلنَّقْدِ المَعْرِفِيِّ الرَّصِينِ بِطُرُقٍ جَدِيدَةٍ لِتَجاوُزِ ما هُوَ سَطْحِيٌّ ظاهِرٌ لِلْعِيانِ، أَوْ مَقْبُولٌ عَلَنًا، أَوْ مُعْتَمَدٌ رَسْمِيًّا. وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، يَبْحَثُ عِلْمُ الاجْتِماعِ فِيما وَراءَ واجِهاتِ البُنَى الاجْتِماعِيَّةِ، وَفِيما يَكْمُنُ خَلْفَ مَظاهِرِ الحَياةِ الاجْتِماعِيَّةِ، بَحْثًا عَنْ جَوْهَرِها، وَكَشْفًا عَنْ وَظائِفِها الكامِنَةِ. وَعَلَى هَذا النَّحْوِ، فَإِنَّ السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةَ - عَلَى سَبِيلِ المِثالِ - لا تَرَى أَنَّ المُشْكِلَةَ فِي بُنْيَةِ الجَرِيمَةِ نَفْسِها، بَلْ فِي القَوانِينِ الَّتِي تُؤَطِّرُها، وَالظُّرُوفِ الاجْتِماعِيَّةِ الَّتِي تُحِيطُ بِها. وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، فَإِنَّ عِلْمَ الاجْتِماعِ لا يَنْسَجِمُ مَعَ التَّسَلُّطِ السِّياسِيِّ وَالقَهْرِ الاجْتِماعِيِّ، لِأَنَّ الطَّبِيعَةَ الكاشِفَةَ لِلسُّوسِيُولُوجيا سَتَظَلُّ دَوْمًا فِي تَوَتُّرٍ مَعَ ادِّعاءاتِ السُّلْطَةِ الاسْتِبْدادِيَّةِ بِالمَعْرِفَةِ وَالسَّيْطَرَةِ.

ومع أَنَّ العالَمَ قَدْ تَغَيَّرَ كَثِيرًا فِي الآوِنَةِ الأَخِيرَةِ فِي زَمَنِ المِيدْيا وَالثَّوْرَةِ الرَّقْمِيَّةِ، فَإِنَّ الحاجَةَ إِلَى الكَشْفِ السُّوسِيُولُوجِيِّ النَّقْدِيِّ وَالبَحْثِ فِي القَضايا الاجْتِماعِيَّةِ نَقْدِيًّا مَا تَزالُ عَلَى أَشَدِّها، وَهِيَ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا أَعْظَمَ مِمَّا هِيَ عَلَيْهِ الآنَ. وَقَدْ فَعَلَتِ السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةُ حَتَّى اليَوْمِ فِعْلَها، وَأَتَتْ أُكُلَها، إِذْ قُدِّرَ لَها أَنْ يَسْرِيَ تَأْثِيرُها، وَأَنْ تُرَسِّخَ نَزْعَتَها الكاشِفَةَ فِي أَوْساطِ الطُّلَّابِ وَالمُفَكِّرِينَ وَالباحِثِينَ، وَقَدْ تَحَوَّلَ بَعْضُ الطُّلَّابِ إِلَى باحِثِينَ نَقْدِيِّينَ وَمُفَكِّرِينَ كَشَّافِينَ فِي المُجْتَمَعِ، بَحْثًا عَنِ الحَقِيقَةِ الاجْتِماعِيَّةِ المُتَأَصِّلَةِ فِي الأَعْماقِ، بَعِيدًا عَنِ السَّطْحِيَّةِ وَالتَّشْوِيهِ المَعْرِفِيِّ.

3- مَفْهُومُ السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةِ:

مِمَّا لا شَكَّ فِيهِ أَنَّ المَنْظُورَ السُّوسِيُولُوجِيَّ النَّقْدِيَّ أَصْبَحَ ضَرُورِيًّا لِفَهْمِ القَضايا المُعَقَّدَةِ، فَفِي عالَمٍ يَتَزايَدُ فِيهِ التَّعْقِيدُ، تَزْدادُ أَهَمِّيَّةُ الرُّؤْيَةِ السُّوسِيُولُوجِيَّةِ النَّقْدِيَّةِ، وَيَتَعاظَمُ دَوْرُها فِي مَجالِ الكَشْفِ الأَعْمَقِ عَنْ جَوْهَرِ الظَّواهِرِ الاجْتِماعِيَّةِ وَعَنْ طَبِيعَتِها. وَمِنَ البَداهَةِ أَنَّ المَشاكِلَ الاجْتِماعِيَّةَ نادِرًا ما تَكُونُ أُحادِيَّةَ السَّبَبِ أَوْ بَسِيطَةً، وَمِنَ الطَّبِيعِيِّ أَنْ تَكُونَ شَدِيدَةَ التَّعْقِيدِ، فَكُلُّ ظاهِرَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ هِيَ تَشْكِيلٌ مُعَقَّدٌ يَضْرِبُ جُذُورَهُ فِي تارِيخِ المُجْتَمَعِ، وَيَتَكاثَفُ فِي مُتَغَيِّراتِهِ، وَعَلَيْهِ فَإِنَّ السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةَ تُقَدِّمُ أَدَواتٍ لِتَحْلِيلِ الشَّبَكاتِ المُعَقَّدَةِ مِنَ الأَسْبابِ وَالعَلاقاتِ وَالبُنَى وَالتَّشْكِيلَاتِ. وَيُبْنَى عَلَى ذَلِكَ أَنَّ البَحْثَ السُّوسِيُولُوجِيَّ هُوَ بِحَدِّ ذاتِهِ تَفْكِيرٌ نَقْدِيٌّ، لِأَنَّهُ يُزَعْزِعُ الفَرَضِيَّاتِ السَّطْحِيَّةَ، وَيُشَجِّعُ عَلَى التَّحْلِيلِ مُتَعَدِّدِ الأَبْعادِ.

وَلِأَنَّ السُّوسِيُولُوجيا تَحْمِلُ ضِمْنِيًّا طابِعًا نَقْدِيًّا بِسَبَبِ نَزْعَتِها إِلَى تَفْكِيكِ المُسَلَّماتِ وَالبَداهاتِ الاجْتِماعِيَّةِ، فَإِنَّ التَّفْكِيكَ النَّقْدِيَّ لِلْمُجْتَمَعِ أَصْبَحَ مِنَ السِّماتِ المُمَيِّزَةِ لِلتَّوَجُّهِ السُّوسِيُولُوجِيِّ النَّقْدِيِّ المُعاصِرِ. فَالسُّوسِيُولُوجِيُّونَ مَيَّالُونَ إِلَى كَشْفِ ما هُوَ مُخْتَفٍ ومختلف وَعَمِيقٌ مُسْتَتِرٌ، وشغوفون في مجال العمل على َتَفْكِيكِ «الحَقائِقِ» والظواهر الاجْتِماعِيَّةِ، وَتَسْلِيطِ الضَّوْءِ عَلَى الهَياكِلِ وَالمَصالِحِ الكامِنَةِ وَراءَها. وعليه فَإِنَّ السُّوسِيُولُوجيا قَدْ تَكُونُ نَقْدِيَّةً حَتَّى مِنْ دُونِ إِعْلانِ ذَلِكَ صَراحَةً؛ فقط لأِنَّها تَتَحَدَّى التَّفْسِيراتِ المَأْلُوفَةَ وتفارق الرؤى السَّطْحِيَّةَ لِلْواقِعِ الاجْتِماعِيِّ ([3]).

وَفِي مُعْظَمِ الحَالاتِ، لا تَكْتَفِي السُّوسِيُولُوجيا بِكَشْفِ البُنْيَةِ الاجْتِماعِيَّةِ، بَلْ تَتَّخِذُ مَوْقِفًا مِنْها. إِنَّها تَنْتَقِدُ عَلاقاتِ الهَيْمَنَةِ، وَتُدافِعُ عَنِ المُساواةِ، وَتُسَلِّطُ الضَّوْءَ عَلَى الظُّلْمِ. وَعِنْدَما يَتِمُّ تَوْجِيهُ البَحْثِ الاجْتِماعِيِّ وَفْقَ هَذِهِ الالْتِزاماتِ القِيَمِيَّةِ، فَإِنَّ السُّوسِيُولُوجيا تَتَحَوَّلُ إِلَى مَشْرُوعٍ نَقْدِيٍّ صَرِيحٍ. وَكَما يُوَضِّحُ رايْتُ مِيلْز (C. Wright Mills) فِي كِتابِهِ «الخَيالُ السُّوسِيُولُوجِيُّ» (The Sociological Imagination)، فَإِنَّ السُّوسِيُولُوجيا الحَقِيقِيَّةَ تَرْتَبِطُ بِالحَياةِ العامَّةِ، وَتَلْتَزِمُ بِالقِيَمِ الدِّيمُقْراطِيَّةِ وَالعَدالَةِ الاجْتِماعِيَّةِ ([4]).

وَيُمْكِنُنا اليَوْمَ التَّمْيِيزُ بَيْنَ خَمْسِ خَصائِصَ أَساسِيَّةٍ لِلسُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةِ فِي ضَوْءِ نَظَرِيَّةِ سْتِيفِنْ م. بُوشْلَر (Steven M. Buechler). يُمْكِنُ ([5]):

1- التَّمْيِيزُ بَيْنَ المَشاكِلِ الشَّخْصِيَّةِ وَالقَضايا العامَّةِ. كَما أَشارَ مِيلْز، فَإِنَّ الفَشَلَ فِي إِدْراكِ العَلاقَةِ بَيْنَ التَّجْرِبَةِ الفَرْدِيَّةِ وَالبُنْيَةِ الاجْتِماعِيَّةِ يُؤَدِّي إِلَى لَوْمِ الضَّحِيَّةِ بَدَلًا مِنْ فَهْمِ الظَّرْفِ البِنْيَوِيِّ.

2-النَّزْعَةُ إِلَى التَّشْكِيكِ: السُّوسِيُولُوجِيُّونَ يُشَكِّكُونَ فِي البَداهاتِ، وَيَطْرَحُونَ الأَسْئِلَةَ حَيْثُ يَكْتَفِي الآخَرُونَ بِالقَبُولِ.

3- التَّرْكِيزُ عَلَى البُنَى وَالأَنْظِمَةِ: التَّفْكِيرُ السُّوسِيُولُوجِيُّ لا يَتَوَقَّفُ عِنْدَ الفاعِلِينَ الأَفْرادِ، بَلْ يَتَوَجَّهُ إِلَى فَهْمِ البُنَى الاجْتِماعِيَّةِ الَّتِي تُؤَطِّرُ أَفْعالَهُمْ.

4- الوَعْيُ بِالتَّارِيخِ: يَفْهَمُ السُّوسِيُولُوجِيُّونَ أَنَّ الظَّواهِرَ الاجْتِماعِيَّةَ نِتاجُ مَساراتٍ تارِيخِيَّةٍ، وَلَيْسَتْ ثابِتَةً أَوْ طَبِيعِيَّةً.

5- الاهْتِمامُ بِالعَلاقاتِ السُّلْطَوِيَّةِ: يُرَكِّزُ التَّفْكِيرُ السُّوسِيُولُوجِيُّ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ السُّلْطَةَ، وَمَنْ لا يَمْلِكُها، وَكَيْفَ تُمارَسُ الهَيْمَنَةُ الثَّقافِيَّةُ وَالاجْتِماعِيَّةُ وَالسِّياسِيَّةُ.

وَهُنا تَقُومُ السُّوسِيُولُوجيا، كَما يَقْتَرِحُ هابِرْماس، عَلَى «نَقْدٍ مُزْدَوَجٍ»: فَهِيَ تَنْتَقِدُ الواقِعَ الاجْتِماعِيَّ، لَكِنَّها أَيْضًا تُخْضِعُ نَفْسَها لِلنَّقْدِ. وَهَذا التَّوَتُّرُ البَنَّاءُ بَيْنَ الذَّاتِ وَالمَوْضُوعِ يَجْعَلُها أَكْثَرَ حَساسِيَّةً لِلْمَخاطِرِ المُرْتَبِطَةِ بِادِّعاءاتِ المَوْضُوعِيَّةِ أَوِ الحِيادِ. فَالسُّوسِيُولُوجيا لا تَهْدِفُ إِلَى إِنْتاجِ مَعْرِفَةٍ خالِيَةٍ مِنَ القِيَمِ، بَلْ إِلَى إِنْتاجِ مَعْرِفَةٍ تَعْتَرِفُ بِالْتِزاماتِها الأَخْلاقِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّةِ. كَما يُمْكِنُ لِلسُّوسِيُولُوجيا أَنْ تَكُونَ نَقْدِيَّةً بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ: إِذْ يُمْكِنُ لِلسُّوسِيُولُوجيا العِلْمِيَّةِ أَنْ تُنْتِجَ بَياناتٍ تُظْهِرُ الاخْتِلالاتِ وَاللَّامُساواةَ. وَيُمْكِنُ لِلسُّوسِيُولُوجيا الإِنْسانِيَّةِ أَنْ تُقَدِّمَ تَفْسِيراتٍ تُعَزِّزُ الفَهْمَ وَالتَّعاطُفَ مَعَ تَجارِبِ المُهَمَّشِينَ، وَأَخِيرًا يُمْكِنُ لِلسُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةِ أَنْ تَسْعَى إِلَى تَغْيِيرِ العالَمِ، لا مُجَرَّدَ تَفْسِيرِهِ، كَما قالَ مارْكْس.

إِنَّ المَنْظُورَ السُّوسِيُولُوجِيَّ النَّقْدِيَّ أَصْبَحَ ضَرُورِيًّا اليَوْمَ كَيْ يُساعِدَ فِي تَحْلِيلِ القَضايا الاجْتِماعِيَّةِ المُلِحَّةِ، وَتَفْكِيكِها، وَالتَّعامُلِ مَعَها، وَالتَّوَغُّلِ فِي أَعْمَقِ مُتَغَيِّراتِها وَأَسْبابِها. فَفِي عالَمٍ يَتَزايَدُ فِيهِ التَّعْقِيدُ وَالمَخاطِرُ وَالتَّحَدِّياتُ وَالمُشْكِلاتُ، تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ السُّوسِيُولُوجيا إِذا أَرَدْنا أَنْ نَفْهَمَ بِوُضُوحٍ ما الَّذِي يَجْرِي كَيْ نُقَرِّرَ بِعَقْلانِيَّةٍ وَنَتَصَرَّفَ بِحِكْمَةٍ. إِنَّها بِكُلِّ بَساطَةٍ العِلْمُ الأَنْجَعُ الَّذِي يُمْكِنُنا، أَفْرادًا وَمُتَخَصِّصِينَ، مِنْ فَهْمِ تَعْقِيداتِ الحَياةِ الَّتِي تُحِيطُ بِنا، وَتَفْسِيرِها، وَاسْتِشْرافِ مَعالِمِها وَمَساراتِها المُسْتَقْبَلِيَّةِ عَلَى نَحْوٍ عَقْلانِيٍّ.

فَالسُّوسِيُولُوجيا نَقْدِيَّةٌ لَيْسَ لِأَنَّها تَتَطَلَّبُ التَّفْكِيرَ النَّقْدِيَّ بِالضَّرُورَةِ فحسب، بَلْ لِأَنَّها تَسْعَى إِلَى الكَشْفِ عَنِ الحَقِيقَةِ فِي أَعْمَقِ مُسْتَوَياتِها وفي أرفع َتَجَلِّيَاتِها. وَعَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مِنْ طَبِيعَةِ السُّوسِيُولُوجيا أَنَّها تَعْمَلُ دائِمًا عَلَى أَنْ تَضَعَ الحَقائِقَ الاجْتِماعِيَّةَ المَأْلُوفَةَ وَالقِيَمَ الرَّاسِخَةَ تَحْتَ مِطْرَقَةِ البَحْثِ وَالنَّقْدِ وَالتَّساؤُلِ، وَهِيَ فِي ذَلِكَ التَّساؤُلِ لا تَكُونُ إِلَّا قُوَّةَ تَشْكِيكٍ مُسْتَمِرَّةٍ تُمَارِسُ البَحْثَ عَنِ الحَقِيقَةِ المُتَجَذِّرَةِ فِي أَعْماقِ الظَّواهِرِ الاجْتِماعِيَّةِ. إِنَّها تُسائِلُ بِاسْتِمْرارٍ الأَسْبابَ المُعْلَنَةَ وَالخَفِيَّةَ لِأَيِّ تَرْتِيبٍ سِياسِيٍّ أَوْ ظاهِرَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ. فَالسُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةُ تَفْتَرِضُ دائِمًا أَنَّ الأُمُورَ لَيْسَتْ كَما تَبْدُو عَلَيْهِ فِي ظاهِرِ الأَمْرِ، وَأَنَّ هُناكَ مَصالِحَ وَجَوانِبَ تَعْمَلُ فِي الخَفاءِ، وَأَنَّ الادِّعاءاتِ القائِمَةَ لا يُمْكِنُ أَنْ تُؤْخَذَ بِما هِيَ عَلَيْهِ. وَمِنْ هَذا المَنْظُورِ، فَإِنَّ عِبارَةَ «السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةُ» تَبْدُو تَقْرِيبًا زائِدَةً عَنِ الحاجَةِ، لِأَنَّ حَتَّى أَكْثَرَ نُسَخِ المَنْظُورِ السُّوسِيُولُوجِيِّ عُمُومِيَّةً تَقُودُ بِالضَّرُورَةِ المُفَكِّرَ السُّوسِيُولُوجِيَّ إِلَى مَوْقِفٍ نَقْدِيٍّ مِنَ العالَمِ المُحِيطِ بِهِ.

4- النَّقْدُ الصَّرِيحُ فِي سُوسِيُولُوجيا النَّقْدِ:

عَلَى النَّقِيضِ مِنَ المَوْقِفِ المُحايِدِ لِعِلْمِ الاجْتِماعِ الوَضْعِيِّ السَّائِدِ (النَّظَرِيَّاتُ الوَظِيفِيَّةُ عِنْدَ أُوغُسْتِ كُونْت، وَدُورْكهايْم، وَسْبِنْسَر، وَبارْسُونْز)، تَتَبَنَّى السُّوسِيُولُوجيا الثَّوْرِيَّةُ مَوْقِفًا نَقْدِيًّا صَرِيحًا. وَمِثْلُ هَذِهِ المُقارَباتِ لا تَكْتَفِي بِالكَشْفِ عَنِ الظَّواهِرِ الاجْتِماعِيَّةِ، بَلْ تَسْعَى إِلَى تَفْكِيكِها وَفَهْمِها، وَتُناشِدُ تَغْيِيرَها. وَيَسْتَنِدُ هَذا النَّوْعُ مِنْ عِلْمِ الاجْتِماعِ إِلَى مَنْظُوراتٍ أَخْلاقِيَّةٍ وَسِياسِيَّةٍ تَقُومُ عَلَى أَساسِ مَنْظُومَةٍ مِنَ المَبادِئِ وَالقِيَمِ الَّتِي تَتَمَثَّلُ فِي العَدالَةِ وَالمُساواةِ وَالحُرِّيَّةِ وَالكَرامَةِ الإِنْسانِيَّةِ.

وَإِذا كانَتِ السُّوسِيُولُوجيا نَقْدِيَّةً بِصُورَةٍ عامَّةٍ، فَإِنَّ السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةَ الثَّوْرِيَّةَ تَتَّسِمُ بِطابِعٍ نَقْدِيٍّ أَكْثَرَ وُضُوحًا، إِذْ تَنْطَلِقُ عَلَى مَسارِ نَسَقٍ مِنَ المَبادِئِ الَّتِي تَتَمَثَّلُ فِي قِيَمِ الحُرِّيَّةِ وَالمُساواةِ وَالعَدالَةِ. وَهَذِهِ القِيَمُ تُشَكِّلُ بُنْيَةً مُتَكامِلَةً مِنَ الأَسْئِلَةِ المَطْرُوحَةِ وَالإِجاباتِ المَنْشُودَةِ الَّتِي تَرْتَسِمُ فِي التَّشْكِيلِ الذِّهْنِيِّ وَالمَنْهَجِيِّ لِهَذا النَّمَطِ مِنَ السُّوسِيُولُوجيا. وَمِثْلُ هَذِهِ السُّوسِيُولُوجيا تَبْحَثُ فِي الكَيْفِيَّاتِ الَّتِي تُنْتِجُ بِها البُنَى الاجْتِماعِيَّةُ عَلاقاتِ الهَيْمَنَةِ وَالسُّلْطَةِ بَيْنَ الجَماعاتِ الاجْتِماعِيَّةِ، وَهِيَ، فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، تُعْلِنُ امْتِيازَها بِالكَشْفِ عَنْ طَبِيعَةِ هَذِهِ العَلاقاتِ وَفَضْحِها، ثُمَّ تَقْوِيضِها. وَهَذا النَّمَطُ مِنَ السُّوسِيُولُوجيا مُكَرَّسٌ لِلتَّغْيِيرِ الاجْتِماعِيِّ التَّقَدُّمِيِّ. وَمِنْ أَجْلِ تَحْقِيقِ هَذِهِ الغايَةِ المَعْرِفِيَّةِ النَّقْدِيَّةِ فِي مَسارِ العَمَلِ عَلَى التَّغْيِيرِ، يَجِبُ عَلَى عُلَماءِ الاجْتِماعِ النَّقْدِيِّينَ امْتِلاكُ رُؤْيَةٍ لِمُجْتَمَعٍ أَفْضَلَ، وَتَرْسِيخُ القَناعَةِ الكُلِّيَّةِ بِأَنَّ هَذا العالَمَ يَجِبُ أَنْ يَتَغَيَّرَ نَحْوَ الأَفْضَلِ دائِمًا. وَهَذا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مُحاوَلَةٍ لِتَقْدِيمِ الإِجاباتِ عَنِ الأَسْئِلَةِ الحَيَوِيَّةِ المَطْرُوحَةِ يَجِبُ أَنْ تَنْطَوِيَ فِي ذاتِها عَلَى الطَّاقَةِ النَّقْدِيَّةِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها المَنْظُورُ السُّوسِيُولُوجِيُّ النَّقْدِيُّ فِي عِلْمِ الاجْتِماعِ ([6]).

وَيَتَجَذَّرُ هَذا النَّوْعُ مِنَ النَّقْدِ الصَّرِيحِ فِي تَقالِيدَ مِثْلَ النَّظَرِيَّةِ المارْكْسِيَّةِ، وَنَظَرِيَّةِ الصِّراعِ، وَالنَّظَرِيَّةِ النَّقْدِيَّةِ، وَالنِّسْوِيَّةِ، وَنَظَرِيَّةِ ما بَعْدَ الاسْتِعْمارِ، وَنَظَرِيَّاتِ ما بَعْدَ الحَداثَةِ، وَغَيْرِها. وَجَمِيعُها تُوَجِّهُ نَقْدَها إِلَى عَلاقاتِ السُّلْطَةِ وَالهَيْمَنَةِ وَالسَّيْطَرَةِ، وَتَسْأَلُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ عَنْ كَيْفِيَّةِ إِنْتاجِ وَإِعادَةِ إِنْتاجِ التَّمايُزِ الاجْتِماعِيِّ وَاللَّامُساواةِ فِي النِّظامِ الاجْتِماعِيِّ السَّائِدِ. كَما تُؤَكِّدُ هَذِهِ المُقارَباتُ النَّقْدِيَّةُ أَنَّ المَعْرِفَةَ لَيْسَتْ مُحايِدَةً أَبَدًا، إِذْ غالِبًا ما تَرْتَبِطُ بِالمَصالِحِ، وَأَنَّ إِنْتاجَ الأَفْكارِ وَالمَعانِي هُوَ مَيْدانٌ لِلصِّراعِ، شَأْنُهُ شَأْنُ السِّياسَةِ وَالاقْتِصادِ.

فَعِلْمُ الاجْتِماعِ الثَّوْرِيُّ النَّقْدِيُّ لا يَقْتَصِرُ عَلَى تَحْلِيلِ المُجْتَمَعِ، بَلْ يَسْعَى إِلَى تَغْيِيرِهِ. وَهُوَ بِذَلِكَ يَسْتَلْهِمُ التَّقْلِيدَ الَّذِي أَطْلَقَهُ مارْكْسُ حِينَ قالَ: «لَقَدْ فَسَّرَ الفَلاسِفَةُ العالَمَ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ وَلَكِنَّ المَسْأَلَةَ تَتَعَلَّقُ بِتَغْيِيرِهِ». وَلِذا، فَإِنَّ عِلْمَ الاجْتِماعِ النَّقْدِيَّ لا يَخْجَلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُلْتَزِمًا سِياسِيًّا وَأَخْلاقِيًّا، بَلْ يَعْتَبِرُ هَذا الالْتِزامَ جُزْءًا مِنْ مُهِمَّتِهِ الأَساسِيَّةِ. لَكِنَّ هَذا لا يَعْنِي أَنَّ عِلْمَ الاجْتِماعِ النَّقْدِيَّ يَتَخَلَّى عَنِ الانْضِباطِ العِلْمِيِّ أَوِ الدِّقَّةِ المَنْهَجِيَّةِ، بَلْ إِنَّهُ يَسْتَخْدِمُ المَنْهَجِيَّةَ الصَّارِمَةَ وَالتَّحْلِيلَ المُتَماسِكَ لِتَقْدِيمِ فَهْمٍ عَمِيقٍ لِلْعالَمِ الاجْتِماعِيِّ، وَفِي ذاتِ الوَقْتِ يَكْشِفُ عَنِ اللَّاعَدالَةِ، وَيَقْتَرِحُ سُبُلًا لِلتَّغْيِيرِ.

5- ما بَيْنَ السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةِ وَالوَضْعِيَّةِ:

تَخْتَلِفُ السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةُ عَنِ السُّوسِيُولُوجيا الوَضْعِيَّةِ؛ إِذْ تُؤَكِّدُ أَنَّ البَشَرَ فِي العُلُومِ الاجْتِماعِيَّةِ هُمْ، فِي آنٍ واحِدٍ، مَوْضُوعاتٌ وَذَواتٌ لِلدِّراسَةِ. فَالمُجْتَمَعُ لَيْسَ ظاهِرَةً تَحْدُثُ بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ وَفْقَ قَوانِينَ مَعْلُومَةٍ وَنَوامِيسَ صارِمَةٍ مَرْسُومَةٍ، كَما يُوحِي عِلْمُ الاجْتِماعِ الوَضْعِيُّ. فَالقَوانِينُ فِي المُجْتَمَعِ قابِلَةٌ لِلتَّعْدِيلِ، وَخاضِعَةٌ لِلتَّدَخُّلِ البَشَرِيِّ بِطُرُقٍ لا تَنْطَبِقُ عَلَى قَوانِينِ الطَّبِيعَةِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ مَفاهِيمَ المَوْضُوعِيَّةِ المُشْتَقَّةَ مِنَ العُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ لا تُتَرْجَمُ بِالضَّرُورَةِ إِلَى العُلُومِ الاجْتِماعِيَّةِ.

وَحَتَّى لَوْ كانَ بِوُسْعِ السُّوسِيُولُوجيا أَنْ تَقْتَرِبَ مِنَ المَوْضُوعِيَّةِ، فَإِنَّ السُّوسِيُولُوجِيِّينَ النَّقْدِيِّينَ يَرْفُضُونَ مِثْلَ هَذا المَوْقِفِ؛ لِأَنَّهُ «لا يُمْكِنُكَ أَنْ تَكُونَ مُحايِدًا عَلَى قِطارٍ مُتَحَرِّكٍ»؛ فَالمَوْضُوعِيَّةُ الصَّارِمَةُ وَالعِلْمَوِيَّةُ الصَّادِمَةُ قَدْ تَكُونانِ بِمَثابَةِ تَأْيِيدٍ ضِمْنِيٍّ لِلْأَوْضاعِ الاجْتِماعِيَّةِ القائِمَةِ، وَلا سِيَّما تَرْسِيخَ أَوْضاعِ القَهْرِ وَالاسْتِلَابِ وَالنَّهْبِ الاقْتِصادِيِّ وَالفَسادِ وَالاغْتِرابِ. وَيُبْنَى عَلَى ذَلِكَ أَنَّ السَّعْيَ وَراءَ المَوْضُوعِيَّةِ بِمَعْناها الوَضْعِيِّ الأَداتِيِّ يُمْكِنُ أَنْ يَصْرِفَ السُّوسِيُولُوجِيِّينَ عَنْ طَرْحِ الأَسْئِلَةِ الأَهَمِّ فِي المُجْتَمَعِ، وَيُقْصِيَهُمْ عَنِ القِيامِ بِدَوْرٍ أَكْثَرَ فاعِلِيَّةً فِي حَلِّ المُشْكِلاتِ الاجْتِماعِيَّةِ.

وَمَعَ ذَلِكَ، يَجِبُ أَنْ نَأْخُذَ بِعَيْنِ الاعْتِبارِ أَنَّ كِلْتَيْهِما، السُّوسِيُولُوجيا الوَضْعِيَّةَ وَالنَّقْدِيَّةَ، لَهُما جُذُورٌ تَنْوِيرِيَّةٌ تَنْطَلِقُ مِنْ صِيَغٍ وَتَأْكِيداتٍ مُخْتَلِفَةٍ. فَالسُّوسِيُولُوجيا الوَضْعِيَّةُ مُلْتَزِمَةٌ، فِي الأَساسِ، بِمَجْمُوعَةٍ مِنَ القِيَمِ التَّنْوِيرِيَّةِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى العِلْمِ وَالمَوْضُوعِيَّةِ. أَمَّا السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةُ، فَهِيَ مُلْتَزِمَةٌ أَساسًا بِمَجْمُوعَةٍ أُخْرَى مِنَ القِيَمِ التَّنْوِيرِيَّةِ الَّتِي تُؤَيِّدُ الحُرِّيَّةَ وَالعَدالَةَ وَالمُساواةَ. وَهَذا يَعْنِي أَنَّ السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةَ تُجْرِي تَمْحِيصًا نَقْدِيًّا ثَوْرِيًّا لِأَيِّ نِظامٍ اجْتِماعِيٍّ يُنْتِجُ تَفاوُتًا اجْتِماعِيًّا، أَوْ يَفْرِضُ قُيُودًا غَيْرَ ضَرُورِيَّةٍ عَلَى حَياةِ النَّاسِ وَوُجُودِهِمْ. وَهِيَ تَرْفُضُ، فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، مُخْتَلِفَ الوَضْعِيَّاتِ الاجْتِماعِيَّةِ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى خَلْقِ مَصالِحَ مُتَعارِضَةٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَلا سِيَّما عِنْدَما يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى تَسَلُّطِ فِئَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ عَلَى أُخْرَى، كَما تَرْفُضُ، بِشَكْلٍ قَطْعِيٍّ، الوَضْعِيَّاتِ الَّتِي تَسْتَغِلُّ بِها الطَّبَقاتُ الرَّأْسِمالِيَّةُ الطَّبَقاتِ العُمَّالِيَّةَ أَوِ الهامِشِيَّةَ.

وَبِناءً عَلَى ما تَقَدَّمَ، نَجِدُ أَنَّ عُلَماءَ الاجْتِماعِ النَّقْدِيِّينَ يُرَكِّزُونَ عَلَى تَفْكِيكِ عَلاقاتِ الهَيْمَنَةِ وَالسَّيْطَرَةِ، وَيَعْمَلُونَ بِجِدِّيَّةٍ كَبِيرَةٍ عَلَى تَفْكِيكِ آلِيَّاتِ الاضْطِهادِ وَالقَهْرِ وَالاسْتِغْلالِ الاجْتِماعِيِّ، وَيَرْصُدُونَها بِوَصْفِها قُوًى مُضادَّةً لِإِنْسانِيَّةِ الإِنْسانِ وَحُرِّيَّتِهِ وَكَرامَتِهِ. وَيُدافِعُ السُّوسِيُولُوجِيُّونَ النَّقْدِيُّونَ عَنِ الجَماعاتِ الَّتِي تَتَعَرَّضُ لِلاضْطِهادِ بِمُوجَبِ هَذِهِ التَّرْتِيباتِ. وَعَلَى هَذا المِنْوالِ، فَإِنَّ السُّوسِيُولُوجِيِّينَ النَّقْدِيِّينَ يُدْرِكُونَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ التَّحَدُّثَ نِيابَةً عَنْ هَذِهِ الجَماعاتِ. وَمَعَ ذَلِكَ، يُمْكِنُهُمُ اسْتِكْشافُ كَيْفَ تَقُومُ القُوَى الاسْتِلَابِيَّةُ فِي المُجْتَمَعِ بِمُصادَرَةِ حُرِّيَّاتِ الأَفْرادِ، وَشَلِّ قُدْرَتِهِمْ حَتَّى عَلَى التَّفْكِيرِ فِي أَوْضاعِهِمُ المَأْساوِيَّةِ.

وَفِي هَذا السِّياقِ، فَإِنَّ الْتِزامَ السُّوسِيُولُوجيا الوَضْعِيَّةِ بِالعِلْمِ وَضَوابِطِهِ الصَّارِمَةِ يُؤَدِّي إِلَى الفَصْلِ الرَّهِيبِ الصَّارِمِ بَيْنَ سُؤالِ الوُجُودِ وَالماهِيَّةِ، أَيْ بَيْنَ السُّؤالِ عَمَّا هُوَ «كائِنٌ»، وَالسُّؤالِ الَّذِي يَبْحَثُ فِيما «يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ». أَمَّا السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةُ، وَعَلَى خِلافِ الوَضْعِيَّةِ، فَتَعْمَلُ عَلَى هَدْمِ الحَواجِزِ بَيْنَ سُؤالِ الكَيْنُونَةِ وَالوُجُودِ، وَتُؤَكِّدُ عُمْقَ العَلاقَةِ بَيْنَهُما، وَالتَّأْكِيدَ عَلَى صَيْرُورَةِ المُسْتَقْبَلِ بِطَرِيقَةٍ نَقْدِيَّةٍ، بَحْثًا عَنِ الغايَةِ مِنَ الوُجُودِ، وَالكَيْفِيَّةِ الَّتِي يُحَقِّقُ بِها الإِنْسانُ مَصِيرَهُ الغائِيَّ فِي الحُرِّيَّةِ وَالكَرامَةِ وَالسَّعادَةِ. وَهِيَ، فِي ذَلِكَ، تَرْبِطُ نَقْدِيًّا وَجَوْهَرِيًّا بَيْنَ القِيَمِ المَنْشُودَةِ وَصُورَةِ المُسْتَقْبَلِ فِي ضَوْءِ هَذِهِ القِيَمِ الحُرَّةِ. وَهِيَ بِذَلِكَ تَرْسُمُ افْتِراضاتٍ تَأَمُّلِيَّةً، أَوْ حَتَّى طُوباوِيَّةً، بِشَأْنِ العَوالِمِ البَدِيلَةِ الَّتِي يُمْكِنُ بِناؤُها فِي سِياقِ العَمَلِ عَلَى تَحْقِيقِ كَرامَةِ الإِنْسانِ وَنُبْلِهِ الأَخْلاقِيِّ. فَالسُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةُ مُتَشائِمَةٌ بِشَأْنِ الحالَةِ الرَّاهِنَةِ لِلْعالَمِ، وَلَكِنَّها مُتَفائِلَةٌ بِشَأْنِ مُسْتَقْبَلِهِ المُمْكِنِ. وَهِيَ تَفْحَصُ إِمْكاناتِنا لِلْعَيْشِ بِإِنْسانِيَّةٍ، وَالعَقَباتِ الاجْتِماعِيَّةَ الَّتِي تُعِيقُ هَذا الإِمْكانَ، وَالوَسائِلَ المُمْكِنَةَ لِلانْتِقالِ مِنْ حاضِرٍ إِشْكالِيٍّ إِلَى مُسْتَقْبَلٍ مُفَضَّلٍ.

وَيُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ الجَدَلَ بَيْنَ السُّوسِيُولُوجيا الوَضْعِيَّةِ وَالسُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةِ جَدَلٌ قَدِيمٌ وَمُهِمٌّ وَمُعَقَّدٌ ومتواصل ، ولا يعتقد أن هذا الصراع الفكري سيتوقف في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ صُورَةَ صِراعٍ أَيْدِيُولُوجِيٍّ بِدُونِ بِداياتٍ أَوْ نِهاياتٍ. وَما يُمْكِنُ قَوْلُهُ في هذا الفضاء هُوَ أَنَّ السُّوسِيُولُوجيا، فِي مُجْمَلِها، قَدْ أَصْبَحَتْ أَفْضَلَ بِسَبَبِ هَذا الجَدَلِ. فَكُلُّ طَرَفٍ يُقَدِّمُ تَصْحِيحًا قَيِّمًا لِأَخْطاءِ الطَّرَفِ الآخَرِ. وَفِي أَقْصَى حالَاتِها، يُمْكِنُ أَنْ تَتَّخِذَ السُّوسِيُولُوجيا الوَضْعِيَّةُ نَهْجًا عَقِيمًا غَيْرَ إِنْسانِيٍّ يَخْتَزِلُ البَشَرَ إِلَى مُجَرَّدِ مَوْضُوعاتٍ لِلْفُضُولِ العِلْمِيِّ وَالسَّيْطَرَةِ الاجْتِماعِيَّةِ؛ وَهَذِهِ السُّوسِيُولُوجيا تَحْتاجُ إِلَى تَصْحِيحِ المَسارِ مِنْ خِلالِ الأَساسِ القِيَمِيِّ لِلسُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةِ. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، يُمْكِنُ لِلسُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةِ أَنْ تَتَّخِذَ مَوْقِفًا أَيْدِيُولُوجِيًّا فارِغًا يُضَحِّي بِالدِّقَّةِ الفِكْرِيَّةِ، وَيُنْكِرُ تَعْقِيداتِ الْتِزاماتِهِ القِيَمِيَّةِ؛ وَهِيَ تَحْتاجُ إِلَى تَصْحِيحِ المَسارِ مِنْ خِلالِ الحَذَرِ العِلْمِيِّ لِلسُّوسِيُولُوجيا السَّائِدَةِ. وَهَكَذا، فَإِنَّ النَّقْدَ المُزْدَوَجَ فِي السُّوسِيُولُوجيا يَنْبَعُ مِنْ كُلٍّ مِنَ السُّوسِيُولُوجيا الوَضْعِيَّةِ وَالنَّقْدِيَّةِ، عِلْمًا بِأَنَّ هُناكَ قِيمَةً مُضافَةً تَنْبَعُ مِنَ التَّآزُرِ بَيْنَهُما.

فَالسُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةُ تَخْتَلِفُ بِشَكْلٍ جَذْرِيٍّ عَنِ السُّوسِيُولُوجيا الوَضْعِيَّةِ أَوِ العِلْمِيَّةِ فِي عِدَّةِ جَوانِبَ أَساسِيَّةٍ؛ إِذْ لا تَقْتَصِرُ عَلَى تَحْلِيلِ الواقِعِ الاجْتِماعِيِّ كَما هُوَ، بَلْ تَسْعَى إِلَى تَفْكِيكِهِ نَقْدِيًّا وَالتَّشْكِيكِ فِي الأُسُسِ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْها. وَيُرَكِّزُ هَذا التَّقْلِيدُ السُّوسِيُولُوجِيُّ عَلَى العَلاقاتِ بَيْنَ الهَيْمَنَةِ وَالسُّلْطَةِ وَالاسْتِغْلالِ، وَيَفْتَرِضُ أَنَّ جُزْءًا مِنْ مُهِمَّةِ السُّوسِيُولُوجيا هُوَ دِراسَةُ هَذِهِ العَلاقاتِ وَفَهْمُها مِنْ أَجْلِ تَحَدِّيها. وَغَنِيٌّ عَنِ البَيانِ أَنَّ التَّوَجُّهَ النَّقْدِيَّ فِي السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةِ يَنْبَثِقُ مِنَ القِيَمِ التَّنْوِيرِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالحُرِّيَّةِ وَالمُساواةِ، وَهِيَ تُرَكِّزُ عَلَى مُعاناةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَقَعُ عَلَيْهِمْ ظُلْمُ الهَيْمَنَةِ الاجْتِماعِيَّةِ، وَتُدافِعُ عَنْهُمْ.

6-  الطَّابِعُ النَّقْدِيُّ لِلسُّوسِيُولُوجيا المارْكْسِيَّةِ:

وَيَتَّضِحُ أَنَّ السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةَ تُؤَكِّدُ الْتِزامَها القِيَمِيَّ، وَتَعْمَلُ عَلَى تَوْظِيفِ المَعْرِفَةِ مِنْ أَجْلِ التَّمْكِينِ وَالتَّحَرُّرِ وَالأَنْسَنَةِ. وَتَكْشِفُ السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةُ عَنِ القُوَى الاجْتِماعِيَّةِ الَّتِي تُمارِسُ وَظِيفَةَ القَهْرِ الاجْتِماعِيِّ، وَتَسْلُبُ النَّاسَ حُرِّيَّتَهُمْ، وَتَسْتَغِلُّ وُجُودَهُمْ لِتَسْتَمِرَّ فِي الهَيْمَنَةِ الاجْتِماعِيَّةِ.

يُعَدُّ عَمَلُ مارْكْسَ نُقْطَةَ انْطِلاقٍ واضِحَةً لِلسُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةِ، وَقَدْ وَجَدَ أَنَّ النِّظامَ الرَّأْسِمالِيَّ يَقُومُ عَلَى تأصيل قيم الاغْتِرابِ وَالاسْتِلَابِ وَالاسْتِغْلالِ و ويجرد الإِنْسانِ مِنْ إِنْسانِيَّتِهِ، وَيعمل على تَوْلِيدِ التَّبايُنِ الاجْتِماعِيِّ المُذِلِّ، رَفْضًا لِلْمُساواةِ وَالحُرِّيَّةِ وَالعَدْلِ وَالقِيَمِ الأَخْلاقِيَّةِ. وَيُعَدُّ تَحْلِيلُ مارْكْسَ لِلْقِيمَةِ الفائِضَةِ وَفِيتِيشِيَّةِ السِّلَعِ مِثالًا كِلاسِيكِيًّا عَلَى التَّفْكِيكِ مِنْ خِلالِ النَّظَرِ إِلَى ما وَراءَ المَظاهِرِ السَّطْحِيَّةِ. وَيَرْتَقِي هَذا العَمَلُ إِلَى مُسْتَوًى آخَرَ مِنَ النَّقْدِ؛ لِأَنَّهُ لا يَقْتَصِرُ عَلَى الرِّثاءِ العَمِيقِ لِلْعَصْرِ الحَدِيثِ، بَلْ هُوَ اتِّهامٌ لِطَرِيقَةِ الإِنْتاجِ التَّارِيخِيَّةِ الخاصَّةِ الَّتِي تَحْتاجُ إِلَى التَّحَوُّلِ إِذا كانَتِ الاحْتِياجاتُ الإِنْسانِيَّةُ سَتُلَبَّى. وَمِنْ خِلالِ تَحْلِيلِ الحاضِرِ الإِشْكالِيِّ بِهَدَفِ التَّرْوِيجِ لِمُسْتَقْبَلٍ مُفَضَّلٍ، قَدَّمَ مارْكْسُ نَمُوذَجًا لِجَمِيعِ أَنْماطِ السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةِ اللاحِقَةِ.

فِي أَوائِلِ القَرْنِ العِشْرِينَ، طَوَّرَتْ مَدْرَسَةُ فْرانْكْفُورْت وَرُوَّادُها النَّقْدِيُّونَ هَذا النَّمُوذَجَ السُّوسِيُولُوجِيَّ المارْكْسِيَّ، وَلَكِنَّهُمْ، عَلَى خِلافِ مارْكْسَ الَّذِي رَكَّزَ عَلَى القاعِدَةِ المادِّيَّةِ لِاسْتِغْلالِ الرَّأْسِمالِيَّةِ، أَعادُوا فَحْصَ البِنْيَةِ الفَوْقِيَّةِ لِلْكَشْفِ عَنْ شَبَكَةٍ مِنَ الهَيْمَنَةِ العِلْمِيَّةِ وَالفِكْرِيَّةِ وَالسِّياسِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ وَالثَّقافِيَّةِ الَّتِي تَرْتَبِطُ بِالاسْتِغْلالِ الاقْتِصادِيِّ.

7-  السُّوسِيُولُوجيا النِّسْوِيَّةُ:

وَكَذَلِكَ رَكَّزَتِ السُّوسِيُولُوجيا النِّسْوِيَّةُ (Feminist Sociology) ( ) عَلَى كَيْفِيَّةِ بِناءِ الجِنْدَرِ اجْتِماعِيًّا مِنْ أَجْلِ تَحَدِّي هَذِهِ البُنَى وَعَدَمِ المُساواةِ النَّاتِجَةِ عَنْها. وَكانَ ظُهُورُ السُّوسِيُولُوجيا النِّسْوِيَّةِ نَفْسُهُ مُثِيرًا لِلانْتِباهِ، وَهِيَ نَمَطٌ مِنَ السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةِ المُناهِضَةِ لِلْمَظاهِرِ الرَّأْسِمالِيَّةِ الَّتِي تُؤَكِّدُ الهَيْمَنَةَ الذُّكُورِيَّةَ. وَكانَتِ النِّساءُ هُنَّ مَنْ قَدَّمْنَ فَهْمًا حاسِمًا لِكَيْفِيَّةِ تَشْكِيلِ الجِنْدَرِ لِلْعالَمِ، وَلَكِنَّ عَمَلَهُنَّ نادِرًا ما كانَ يُعْتَرَفُ بِهِ بِوَصْفِهِ «سُوسِيُولُوجيا» شَرْعِيَّةً. وَقَدْ فَتَحَ الحَراكُ النِّسْوِيُّ الأَبْوابَ لِلسُّوسِيُولُوجيا النِّسْوِيَّةِ، وَمَعَ تَحَدِّي النِّسْوِيَّةِ لِلْهَيْمَنَةِ الذُّكُورِيَّةِ، بَدَأَتِ النَّظْرَةُ النِّسْوِيَّةُ تَدْرِيجِيًّا فِي دُخُولِ السُّوسِيُولُوجيا، وَأَصْبَحَتِ الآنَ مِثالًا رَئِيسِيًّا لِلسُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةِ.

8- النَّقْدُ السُّوسِيُولُوجِيُّ فِي مَدْرَسَةِ فْرانْكْفُورْت:

مِنْ بَيْنِ المُساهَماتِ البارِزَةِ فِي هَذا التَّقْلِيدِ السُّوسِيُولُوجِيِّ النَّقْدِيِّ، تَأْخُذُ مَدْرَسَةُ فْرانْكْفُورْت مَكانَتَها وَأَهَمِّيَّتَها، وَهِيَ المَدْرَسَةُ الَّتِي أَسَّسَها مَجْمُوعَةٌ مِنَ المُفَكِّرِينَ، مِثْلَ: ثِيُودُور أَدُورْنُو، وَماكْس هُورْكْهايْمَر، وَهَرْبَرْت مارْكُوز، وَوالْتَر بِنْيامِين. وَقَدْ باشَرَ هَؤُلاءِ المُفَكِّرُونَ انْتِقاداتِهِمُ الصَّارِمَةَ لِلنِّظامِ الرَّأْسِمالِيِّ وَالعَلاقاتِ الاجْتِماعِيَّةِ الَّتِي تَنْتُجُ عَنْ هَذا النِّظامِ، وَكانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الاقْتِصادَ وَالسِّياسَةَ وَالثَّقافَةَ حُقُولٌ مَعْرِفِيَّةٌ مُتَرابِطَةٌ وَمُتَكامِلَةٌ بِطَرِيقَةٍ تَجْعَلُ مِنَ المُسْتَحِيلِ فَهْمَ الهَيْمَنَةِ الاجْتِماعِيَّةِ إِلَّا عَبْرَ رَبْطِ هَذِهِ المَجالاتِ. بِالإِضافَةِ إِلَى ذَلِكَ، أَكَّدُوا أَنَّ الهَيْمَنَةَ الثَّقافِيَّةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ خُضُوعٍ لِلسُّلْطَةِ السِّياسِيَّةِ أَوِ الاقْتِصادِيَّةِ، بَلْ هِيَ عَمَلِيَّةٌ مُعَقَّدَةٌ تَشْمَلُ السَّيْطَرَةَ عَلَى الأَفْكارِ وَالمُعْتَقَداتِ.

فَالسُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةُ، وَفْقَ مَدْرَسَةِ فْرانْكْفُورْت، لا تَقْتَصِرُ عَلَى التَّحْلِيلِ الفِكْرِيِّ البَحْتِ، بَلْ تَدْعُو إِلَى العَمَلِ الاجْتِماعِيِّ الَّذِي يَهْدِفُ إِلَى التَّغْيِيرِ الاجْتِماعِيِّ. فَهِيَ تَسْعَى إِلَى تَحْوِيلِ المَعْرِفَةِ إِلَى أَداةٍ لِتَحْرِيرِ الأَفْرادِ وَالجَماعاتِ مِنَ القُيُودِ الَّتِي تَفْرِضُها الهَياكِلُ الاجْتِماعِيَّةُ القائِمَةُ. وَلِذا، فَإِنَّ السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةَ لَيْسَتْ مُحايِدَةً أَوْ «مَوْضُوعِيَّةً» بِالمَعْنَى التَّقْلِيدِيِّ، بَلْ هِيَ مُنْحازَةٌ لِصالِحِ الفِئاتِ المُهَمَّشَةِ وَالمُضْطَهَدَةِ، وَتَهْدِفُ إِلَى تَسْلِيطِ الضَّوْءِ عَلَى الظُّلْمِ الاجْتِماعِيِّ وَإِيجادِ الحُلُولِ لِهَذِهِ القَضايا. ويمكن أن نختصر رؤية المدرسة النقدية لمدرسة فرانكفورت في القول مع أدورنو " ",إِذا سَأَلْتُمُونِي ما هِيَ السُّوسِيُولُوجيا، فَسَأَقُولُ إِنَّها يَجِبُ أَنْ تَكُونَ فَهْمًا لِلْمُجْتَمَعِ، لِلطَّبِيعَةِ الجَوْهَرِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ. إِنَّها فَهْمٌ لِما هُوَ كائِنٌ، لَكِنَّها فَهْمٌ نَقْدِيٌّ، مِنْ حَيْثُ إِنَّها تَقِيسُ ما هُوَ «الحالُ» فِي المُجْتَمَعِ، […] وَبِما يَدَّعِيهِ المُجْتَمَعُ أَنَّهُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الكَشْفِ داخِلَ هَذا التَّناقُضِ عَنْ إِمْكانِيَّاتِ تَغْيِيرِ البُنْيَةِ الكامِلَةِ لِلْمُجْتَمَعِ" . تيودور أدورنو ([7]).

وَمِنْ أَبْرَزِ المُفَكِّرِينَ فِي السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةِ في فرنسا يشار بالبنان إلى بِيير بُورْدْيُو (Pierre Bourdieu)، الَّذِي قَدَّمَ مَفاهِيمَ مِثْلَ رَأْسِ المالِ الاجْتِماعِيِّ، وَرَأْسِ المالِ الثَّقافِيِّ، وَرَأْسِ المالِ الرَّمْزِيِّ، لِتَحْلِيلِ كَيْفَ تَتَداخَلُ هَذِهِ الأَشْكالُ المُخْتَلِفَةُ مِنْ «رَأْسِ المالِ» فِي الحِفاظِ عَلَى التَّفاوُتاتِ الاجْتِماعِيَّةِ. كَما أَنَّ العَمَلَ النَّقْدِيَّ لِبُورْدْيُو يَتَضَمَّنُ تَحْلِيلَ الكَيْفِيَّةِ الَّتِي تُشَكِّلُ بِها التَّقالِيدُ الثَّقافِيَّةُ وَالهُوِيَّاتُ الاجْتِماعِيَّةُ بُنَى الهَيْمَنَةِ الطَّبَقِيَّةِ وَالجِنْدَرِيَّةِ، وَبِالتَّالِي يَحُثُّ عَلَى فَهْمٍ أَعْمَقَ لِكَيْفِيَّةِ تَأْثِيرِ هَذِهِ الهَياكِلِ فِي إِعادَةِ إِنْتاجِ اللَّامُساواةِ.

ولا تَقْتَصِرُ السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةُ عَلَى تَحْلِيلِ الواقِعِ الاجْتِماعِيِّ كَما هُوَ فحسب، بَلْ تُؤَكِّدُ عَلَى إِمْكانِيَّةِ تَغْيِيرِهِ وتحويل مساراته نحو الأفضل. فَهِيَ تُؤْمِنُ بِأَنَّ المَعْرِفَةَ لا يجب أَنْ تَظَلَّ حيادية أَوْ مَوْضُوعِيَّةٍ فحسب، بَلْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَداةً فَعَّالَةً في مواجهة الظُّلْمِ الاجْتِماعِيِّ وَخَلْقِ تَغْيِيراتٍ بَنَّاءَةٍ فِي المُجْتَمَعِ. وَفْقًا لِلْمُفَكِّرِينَ النَّقْدِيِّينَ، إِذا كانَ التَّحْلِيلُ السُّوسِيُولُوجِيُّ يَهْدِفُ فَقَطْ إِلَى فَهْمِ المُجْتَمَعِ كَما هُوَ، فَإِنَّهُ يَفْشَلُ فِي القِيامِ بِدَوْرِهِ الحَقِيقِيِّ. لِذا، تُعْتَبَرُ السُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةُ دَعْوَةً إِلَى العَمَلِ الاجْتِماعِيِّ النَّشِطِ مِنْ أَجْلِ تَحْقِيقِ المُساواةِ وَالحُرِّيَّةِ لِجَمِيعِ الأَفْرادِ.

9- الخاتمة:

فِي نِهايَةِ المَطافِ، يَتَمَيَّزُ عِلْمُ الاجْتِماعِ النَّقْدِيُّ الثوري بِقُدْرَتِهِ عَلَى الجَمْعِ بَيْنَ التَّحْلِيلِ الدَّقِيقِ وَالالْتِزامِ النَّقْدِيِّ. فَالتَّفْكِيرُ السُّوسِيُولُوجِيُّ لا يُدَرِّبُنا فَقَطْ عَلَى رُؤْيَةِ المُجْتَمَعِ بِطُرُقٍ جَدِيدَةٍ، بَلْ يُمَكِّنُنا مِنَ التَّفْكِيرِ بِطَرِيقَةٍ نَقْدِيَّةٍ حِيالَ العالَمِ الَّذِي نَعِيشُ فِيهِ. وَهُوَ لا يَكْتَفِي بِتَوْسِيعِ مَدارِكِنا النَّظَرِيَّةِ، بَلْ يُزَوِّدُنا أَيْضًا بِأَدَواتٍ لِفَهْمِ الواقِعِ وَتَحْلِيلِهِ بِهَدَفِ تَغْيِيرِهِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الزَّاوِيَةَ النَّقْدِيَّةَ الَّتِي يُوَفِّرُها عِلْمُ الاجْتِماعِ النَّقْدِيُّ تُعَدُّ هِبَةً مُزْدَوَجَةً؛ فَهِيَ تُساعِدُنا عَلَى تَجاوُزِ الفَهْمِ السَّاذَجِ أَوِ السَّطْحِيِّ لِلْعالَمِ، وَفِي الوَقْتِ ذاتِهِ، تَدْعُونا إِلَى اتِّخاذِ مَوْقِفٍ مَسْؤولٍ مِنَ القَضايا الَّتِي تَهُمُّنا كَمُواطِنِينَ، وَكَبَشَرٍ، وَكَأَعْضاءَ فِي مُجْتَمَعاتٍ نَسْعَى إِلَى تَحْسِينِها.

لَقَدِ اسْتَكْشَفْنا فِي هَذا المَقالِ الرَّوابِطَ بَيْنَ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ وَالتَّفْكِيرِ السُّوسِيُولُوجِيِّ عَبْرَ عِدَّةِ أَبْعادٍ؛ إِذْ تَبَيَّنَ لَنا أَنَّ المَنْظُورَ السُّوسِيُولُوجِيَّ، بِما لَهُ مِنْ حِسٍّ نَقْدِيٍّ سِياقِيٍّ وَشُمُولِيٍّ، هُوَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ لِفَهْمِنا وَاسْتِجابَتِنا إِزاءَ الظَّواهِرِ وَالقَضايا الاجْتِماعِيَّةِ المُعَقَّدَةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّفْكِيرَ السُّوسِيُولُوجِيَّ نَقْدِيٌّ ضِمْنِيًّا فِي مُجْمَلِهِ، بِفَضْلِ خَصائِصِهِ فِي الكَشْفِ وَالتَّشْكِيكِ فِي الظَّواهِرِ السَّطْحِيَّةِ، فِي سَعْيِهِ لِلْكَشْفِ عَنِ الحَقائِقِ الأَساسِيَّةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ بَعْضَ أَنْماطِ السُّوسِيُولُوجيا نَقْدِيَّةٌ صَراحَةً، بِفَضْلِ الْتِزامِها بِالقِيَمِ الَّتِي تُوَجِّهُ هَذِهِ السُّوسِيُولُوجيا نَحْوَ نَقْدِ الهَيْمَنَةِ الاجْتِماعِيَّةِ بِاسْمِ تَحْرِيرِ الإِنْسانِ.

هوامش:

1- Theodor W. Adorno. Modèles critiques. (Paris: Payot, 1984), p. 282.

2- Grauerholz, Liz and and Sharon Bouma-Holtrop. 2003. “Exploring Critical Sociological Thinking.” Teaching Sociology 31:485-496).

3- Steven M. Buechler. "What’s Critical About Sociology?" Teaching Sociology, vol. 36, no. 4, 2008, pp. 318–330. DOI: 10.1177/0092055X0803600402.

4- Peter Berger. Invitation to Sociology. (New York: Doubleday, 1963).

5- C. Wright Mills. The Sociological Imagination. (New York: Oxford University Press, 1959).

6- Steven M. Buechler. "What’s Critical About Sociology?", op. cit.

7- Steven M. Buechler. Critical Sociology (Boulder, Colorado: Paradigm Publishers, 2008).

8 - من أبرز رواد هذه النظرية: دوروثي سميث (Dorothy E. Smith)، باتريشيا هيل كولينز (Patricia Hill Collins)، سيلفيا والبي (Sylvia Walby)، آن أوكلي (Ann Oakley)، نانسي تشودورو (Nancy Chodorow)، جوديث لوربر (Judith Lorber)، سيمون دو بوفوار (Simone de Beauvoir)، بيل هوكس (bell hooks)، جوديث بتلر (Judith Butler)، نانسي فريزر (Nancy Fraser).

 

[1]- Grauerholz, Liz and and Sharon Bouma-Holtrop. 2003.  “Exploring Critical Sociological Thinking.”  Teaching Sociology 31:485-496).

[2]- Steven M. Buechler. "What’s Critical About Sociology?" Teaching Sociology, vol. 36, no. 4, 2008, pp. 318–330. DOI: 10.1177/0092055X0803600402.

[3]- Peter Berger. Invitation to Sociology. (New York: Doubleday, 1963).

[4]- C. Wright Mills. The Sociological Imagination. (New York: Oxford University Press, 1959).

[5]- Steven M. Buechler. "What’s Critical About Sociology?" Teaching Sociology, vol. 36, no. 4, 2008, pp. 318–330. DOI: 10.1177/0092055X0803600402.

[6]- Steven M. Buechler. Critical Sociology (Boulder, Colorado: Paradigm Publishers, 2008).

[7]- Theodor W. Adorno. Modèles critiques. (Paris: Payot, 1984), p. 282.

 

د. علي أسعد وطفة
جامعة الكويت