فقهاء الإسلام ومنهجية السلف في التشريع: أية علاقة؟ - محمد نيات

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

     القواعد المنهجية التي تحكمت في تحديد معالم الخط التشريعي، الذي سار على منواله فقهاء الإسلام، كما القاعدة التي قال بها الإمام مالك: " لن يصلح امر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها "، وكذا قاعدة: " كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"، وكذا القاعدة القائلة بــ: " لا اجتهاد مع نص "... هي قواعد منهجية، فرضتها طبيعة مهمتهم في تخريج الأحكام الشرعية، الضامنة للاستقرار المجتمعي، الذي كان يبتغيه الحاكم الطاغية.

    لقد اتسمت منهجية الفقهاء بنزعتها النكوصية الماضوية، كنتيجة طبيعية لطبيعة المهمة التي أسندت لهم على مر العصور، في تخريج الأحكام التي كانت تأمر بها السلطة السياسية، ضمانا لاستقرارها واستمراريتها. لقد كان أخشى ما يخشاه الحاكم المستبد، هو التحولات التي قد يجئ به التطور الطبيعي للمجتمع، والتي قد تحمل معها بوادر التغيير التي قد تعصف به وبحكمه، لذلك فقد ظلت غايته القصوى دوما، هي محاولة الحد ما أمكنه ذلك، من وتيرة التغيير بداخل المجتمع، بأن يجعله منه ساكنا وجامدا، وهي الغاية التي ترجمها فقهاء السلطة أحكاما "شرعية"، من خلال تبنيهم لمنهجية تشريعية تعتبر كل محدثة ضلالة.

   لقد كان من الطبيعي بالنظر إلى طبيعة مهمة الفقهاء تلك، أن يتبنوا منهجية في التشريع، تنتج أحكاما شرعية، غايتها التحكم في وتيرة التغيير بداخل المجتمع، بما يضمن وضعية من السكون والجمود تضمن استمرارية الوضع على ما هو عليه، وذلك من خلال الدعوة إلى السمع الطاعة والخنوع لولي الأمر، والقبول والرضا بالظلم والجور الذي يمارسه في حق " الرعية " على أنه قدر إلهي، وبالتالي؛ فليس من الدين في شيء العمل على تغييره أو انتقاده حتى، وهذا ما لخصه فقيه كبير كابن حنبل حين قوله: "والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولى الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن ظهر عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين " ليضيف " ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق." (انظر دراستنا المعنونة بـ: " الفقه الإسلامي ومقاصد الدين").

 

  لم يكن من الصدفة تبعا لذلك أبدا، أن يخترع فقهاء السلطة نموذجا مجتمعيا إسلاميا، صالحا لكي يكون قدوة يحتذى به على مر العصور والأجيال، وهو ما يعرف في تراثنا الديني بـ "مجتمع السلف الصالح"، فأضحى من صميم الدين، أن يعمل الخلف على إعادة إحياء مجتمع السلف في أدق تفاصيله، وهو المجتمع الذي نحته فقهاء السلطة كما مجتمع مدينة فاضلة، مجتمع ملائكي فوق بشري، تخلصت فيه البشرية من كل غرائزها الحيوانية الأصلية، لتدشن عهدا جديدا من الرقي والتحضر لم تشهد الإنسانية له مثيلا من قبل، مجتمع يسوده الخير والإخاء والتضامن والفضيلة والعمل الصالح ومكارم الأخلاق... كل ذلك؛ كان ـ بحسب فقهاء السلطة ـ كنتيجة طبيعية ومباشرة لطاعة الرعية لأولياء الأمر، وهو ما ترجمه فقيه كبير من مؤسسي المذاهب السنية الرسمية؛ قاعدة منهجية تؤكد على أنه " لن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها" (الإمام مالك).

   لقد قدم الفقهاء مجتمع السلف، في صيغة طوباوية مثالية، لا علاقة تربطها بواقع مجتمع النبي والصحابة، مجتمع تسوده قيم الطاعة والخنوع والرضى...وقد كان الغرض الرئيسي من وراء ذلك؛ هو كبح عجلة التغيير بداخل المجتمع، أو على الأقل إبطائها إلى أقصى الحدود الممكنة، في محاولة لتوجيه المتغيرات الاجتماعية والسياسية التي قد يعرفها ذلك المجتمع، بما يضمن استمرارية السلطة السياسية. فأن تجعل المستقبل في إعادة إحياء الماضي، وأن تفسر سر نجاح السلف الصالح في بلوغ مجتمع الفضيلة ذاك، في طاعتهم العمياء لولي الأمر، وعدم الخروج عليه، وأن تجرم الاختلاف بكل أصنافه، فقد كان من الواضح، أن غرض فقهاء السلطة من وراء مناورة "مجتمع السلف الصالح"، لم يكن إلا بلوغ مجتمع راكد، ساكن، لا حركية فيه، بما يضمن استمرار الأوضاع على ما كانت عليه، وبالتالي ضمان استمرارية الحاكم على رأس السلطة السياسية، إذ يصبح والحالة تلك، كل جديد يجيء به التطور الطبيعي للمجتمع، ينظر إليه كجريمة دينية (سياسية) وجب التصدي لها، بمنطق " كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار".

   لقد صار فقهاء السلطة على نفس النهج جيلا بعد جيل، حتى أننا نجد فقيها مالكيا (إبراهيم اللقاني) عاش في القرن الحادي عشر الميلادي يتغنى شعرا بهذا المنهج قائلا:   

                       كل خير في اتباع من سلف      وكل شر في ابتداع من خلف

  وإذا ما نحن حاولنا رصد ما ميز مجتمع السلف الصالح، عما سواه من مظاهر الصلاح التي تحدث عنها رجال الدين المسلمون، بإسهاب وبمثالية وطوباوية منقطعة النظير، أمكننا الوقوف على حقيقة أنه لم يكن أكثر من مجتمع جد عادي، لا يختلف في شيء عما كان يميز باقي مجتمعات القرن السادس الميلادي من خصائص، بل إن عددا من الأحداث التي شهدها، كما وردت في كتب السير والأحاديث، تؤكد على العكس من ذلك، على أنه كان مجتمعا لا رابطة كانت تربطه بالصلاح والفلاح.

   وإذا كان قد سبق الحديث ـ في موضع آخر ـ عن مدى علمية القواعد المنهجية التي استخدمها الفقهاء، وتم الحكم تبعا لذلك بعدم علميتها، كونها تجاهلت إحدى مميزات المجتمع الإنساني، الموسوم بالحركية الدائبة والتطور غير المنقطع، فإن ما يؤكد صحة ما ذهبنا إليه، هو كون تحالف السلطتين السياسية والدينية، وبالنظر لخصوصيات المجتمع الإنساني تلك، لم يتمكنا من إيقاف عجلة التاريخ، حتى وإن نجحوا في عرقلتها وإبطائها. ولنا أن نتساءل: هل كانت رغبة الفقهاء حقا هي إحياء مجتمع السلف الصالح بصيغته الطوباوية التي قدموها هم أنفسهم؟ وهل الهمهم مجتمع السلف ذاك في إنجاز المهمة التي أوكلها لهم الحاكم في التشريع؟    

  لم تكن دعوة فقهاء السلطة لإحياء مجتمع السلف إلا مناورة سياسية، كان الغرض منها ما سبق وأن أوضحناه أعلاه، فبالرجوع إلى التاريخ كما ورد في الرواية السنية الرسمية، يمكننا الجزم أن رغبة الفقهاء لم تكن يوما هي إحياء مجتمع السلف، لما كان يتميز به من فلاح وصلاح، ذلك أنهم تجاهلوا كل ما لم يكن يساهم في تحقيق، ما سطرته لهم السلطة السياسية من أهداف؛ فهم لم يلتفوا جهة بعض التجارب الناجحة، التي كان أبطالها شخصيات من "السلف الصالح"، كونها لم تكن لتتماشى ورغبتهم في تطويع المجتمع على الطاعة العمياء والخنوع لولي الأمر.

  وما دمنا في إطار الحديث عن مجتمع السلف الصالح، وعن منهجية فقهاء الإسلام الماضوية، الداعية إلى إعادة إحيائه، فجدير بنا الحديث عن تجربة فريدة لأحد رجالات السلف الكبار في مجال التشريع، كونها دمغت بطابع الصحة الإلهية في أكثر من مناسبة، وهي المتعلقة بعمر بن الخطاب، الخليفة الثاني للدولة الإسلامية، لنتساءل: هل التزم فقهاء الإسلام بدعوتهم إلى الاقتداء بمجتمع السلف الصالح بأن اقتدوا بمنهجيته التشريعية؟ وهل ألهمتهم تلك المنهجية ـ وهي التي دمغت بطابع الصحة الإلهية ـ في إرساء منهجيتهم في التشريع؟

   لم يلتفت فقهاء السلطة إلى منهجية عمر التشريعية، ولم يقتبسوا منها شيئا على الرغم من أنها كانت التجربة التشريعية الوحيدة، التي زكى الإله نفسه الكثير من اجتهاداتها وأحكامها، وهذا ما يؤكد على أن دعوة الفقهاء لإحياء مجتمع السلف، لم تكن إلا مناورة سياسية إيديولوجية، كان الغرض منها هو ما سبق أن أوضحنا بعضا منه أعلاه. لم تكن الغاية من الدعوة إلى إحياء مجتمع السلف هو إدراك الصلاح والفلاح اللذان ميزاه، بل فقط كبح عجلة التطور، عبر إعادة توجيه حركية المجتمع إلى الوراء، عوض اتجاهها الطبيعي نحو الأمام.

    يعرف جمهور الفقهاء عصر السلف كما يلي: "هو العصر الذي عاش فيه المسلمون الأوائل من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم ما يطلق عليهم بالسلف الصالح الذي يعتبر القدوة الصالحة للخلف".

  لا جدال بحسب هذا التعريف، في كون الفترة التي عاشها عمر بن الخطاب، تندرج ضمن ما سماه الفقهاء بمرحلة السلف الصالح، وهي المرحلة الذهبية النموذجية التي سعوا دوما لإعادة إحياءها، ولعل عمر بن الخطاب، ليعتبر خير من يمثل مرحلة ورجالات تلك الحقبة التاريخية (بمعايير رجال الدين) وذلك للاعتبارات التالية:

ـ كونه من الصحابة الكبار والذين كانوا من المقربين جدا من النبي؛

ـ كونه من المبشرين العشر بالجنة (بحسب الرواية السنية الرسمية)؛

ـ كونه تقلد مهمة الخليفة الثالث للنبي، وترأس الدولة الإسلامية لمدة تزيد عن العشر سنوات؛

ـ كون الدولة الإسلامية على عهده، عرفت أوج قوتها العسكرية، واتساع رقعتها الجغرافية، حتى أنها شملت شبه الجزيرة العربية، والشام، والعراق، ومصر، وبلغت حدود أفغانستان، والصين، والأناضول وتونس...

ـ كون الوحي وافق اجتهاداته في حوالي عشرين نازلة؛

ـ كون الوحي نزل على لسانه في أكثر من مناسبة.

   وهو ما يمكن القول معه، أن عمر بن الخطاب كان خير من مثل رجالات السلف، وأن الفترة التي عاش فيها تمثل فترة ذهبية ونموذجية، وبالتالي صالحة لتكون مرجعا يحتذى به من قبل الخلف، إذا ما هم استهدفوا الصلاح والفلاح عملا بقاعدتهم المنهجية القائلة "لن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".  

   إن أهم ميزة ميزت شخصية عمر بن الخطاب كرجل دولة، والتي تفسر جزء كبيرا من النجاح الذي حققته الدولة الإسلامية على عهده، هي تلك المرتبطة بسياسته التدبيرية عموما، المتسمة بتغليب المصلحة العامة على ما سواها، وبسياسته التشريعية على وجه الخصوص، والمتسمة بالجرأة، والواقعية، والبرغماتية، والتي جعلت هي الأخرى، من المصلحة العامة أولى الأوليات.

   وإذا ما نحن حاولنا الحديث عن تجربة عمر التشريعية، فإنه لا بد لنا من التمييز فيها بين مرحلتين اثنتين:

  1ـ مرحلة الوحي؛

 2 ـ مرحلة ما بعد الوحي.

كما يمكن الحديث عنها، من خلال طريقته في التعامل مع النصوص الدينية، من خلال التمييز بين:

3 ـ تعامله مع النص القرآني؛

4 ـ تعامله مع الحديث النبوي.

1 ـ عمر مشرعا في فترة الوحي:

   كان عمر بن الخطاب بمثابة مستشار للنبي، يستشيره في عدد من الأمور العامة كما الخاصة، حتى أنه أفتى في الأمور الدينية من دون أن يعترض عليه في ذلك النبي. وتفيدنا الرواية الرسمية، بأن عمر تميز كمشرع تميزا لم يبلغه أحد غيره من الصحابة؛ فهو الصحابي الوحيد الذي أقر الوحي عددا من اجتهاداته، وهي ما يعرف في التراث الإسلامي بموافقات القرآن لعمر، والتي بلغت حوالي عشرون موافقة، وهذا ما يؤكد عليه عمر نفسه في رواية وردت عند البخاري من حديث عن أنس (ض) أنه قال: قال عمر (ض): وافقت الله في ثلاث أو وافقني الله في ثلاث، قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله تعالى: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " (البقرة 125) وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب، قال: وبلغني معاتبة النبي (ص) بعض نسائه فدخلت عليهن وقلت إن انتهيتن أو ليبدلن الله ورسوله خير منكن حتى أتيت إحدى نسائه فقالت يا عمر أما في رسول الله (ص) ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت فأنزل الله تعالى: "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات " (التحريم 5). 

  كما وأن روايات أخرى، تذهب حد التأكيد على أن الوحي قد نزل على لسان عمر بن الخطاب في أكثر من مناسبة، وهذا ما يؤكده بن عمر حين قوله: " ما نزل بالناس أمر قط، فقالوا فيه، وقال فيه عمر؛ إلا نزل القرآن فيه على نحو ما قال عمر"، وتؤكده كذلك عدد من الروايات، كتلك التي أخرجها عبد الرحمن بن أبي ليلى حين قال:" أن يهوديا لقي عمر بن الخطاب فقال: إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا، فقال عمر: من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال، فإن الله عدو للكافرين" (البقرة 98) قال فنزلت على لسان عمر"

  واضح إذن، أن عمر بن الخطاب كان مشرعا معتمدا من قبل الإله نفسه؛ فأن يزكي الوحي عددا من اجتهاداته، بل وينزل على لسانه حرفيا؛ فذاك دليل على كون منهجه في التشريع، كان متوافقا ورغبة الإله (وافقني الله في ثلاث)، ما يمكن اعتباره ـ بحسب منهجية الفقهاء ـ نموذجا إسلاميا صالحا بأن يقتدى به من قبل الخلف. لكن هل تم ذلك فعلا؟

  لم تكن تلك الحالات الثلاث وحدها، هي ما وافق فيها الإله عمر بن الخطاب فيما ذهب إليه من اجتهادات، فالرواية السنية الرسمية تسجل لنا ما يقارب عشرين موافقة، تبقى أهمها على الإطلاق تلك المتعلقة بحادث إقامة صلاة الجنازة على عبد الله بن أبي بن سلول، وتكمن أهميتها بشكل خاص، في كون الوحي كان قد وافق عمر في هذه النازلة، على حساب رأي النبي بعد خلاف حاد بين الرجلين. يروي لنا الطبري هذا الحدث كما يلي:" جاء ابن عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله حين مات أبوه فقال: أعطني قميصك حتى أكفنه فيه، وصل عليه واستغفر له، فأعطاه قميصه. فلما أراد أن يصلي عليه، جذبه عمر وقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: بل خيرني وقال (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم)، قال: فصلى عليه. قال: فأنزل الله تبارك وتعالى (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره)، قال: فترك الصلاة عليهم ". وفي رواية أخرى، وردت في صحيح البخاري لنفس الحدث، وبنفس التفاصيل، جاءت على لسان عمر بن الخطاب نفسه، تزيد عن الرواية الأولى بقولة عمر التالية: " فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله (ص) يومئذ والله ورسوله أعلم".

   وهكذا، وفي الوقت الذي كان ينوي فيه النبي إقامة صلاة الجنازة على عبد الله بن أبي بن سلول، سيصطدم بمعارضة شديدة من طرف عمر، الذي كان له رأي مغاير. وقد بلغ الخلاف حدا كبيرا من التوتر، لدرجة أن عمر تجرأ على النبي بأن جذبه من ثوبه، لمنعه بالقوة من إقامة تلك الطقوس، وهو الفعل غير اللائق الذي ندم عليه فيما بعد وهو يقول: "فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله (ص) يومئذ والله ورسوله أعلم".

وعلى الرغم من الحدة التي طبعت الخلاف بين الرجلين، إلا أن ذلك اعتبر خلافا في الرأي ليس إلا، لم يؤثر بأي شكل من الأشكال على علاقتهما فيما بعد، والتي استمرت كما كانت من قبل. لكن كيف حسم ذلك الخلاف بين النبي وعمر؟ ومن كان من الرجلين على حق فيما ذهب إليه؟

  تجيبنا الرواية الإسلامية الرسمية، بأن الوحي قد تدخل في الحين لحسم ذلك الخلاف في وجهات النظر، ليرجح رأي عمر ويزكيه، وذلك حين نزول الآية 84 من سورة التوبة: " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون".

   إن استقراء هذه الرواية، لكفيل بأن يمدنا بعدد من الضوابط والقواعد، التي كانت تحكم مجتمع النبي أو مجتمع السلف الصالح كما يحلو للفقهاء أن يسمونه، وتدحض تبعا لذلك، عددا من اليقينيات والثوابت التي أقروها وألبسوها لباس القداسة الدينية، فأصبح مجرد الاقتراب منها، أو مناقشتها، كافيا بأن يصنف في دائرة الكفر والزندقة. ففي هذه الرواية، ورغم حدة الخلاف بين الرجلين، فإن أحدا منهما لم يكفر الآخر كما دأب على ذلك الفقهاء ـ ولا يزالون ـ كلما اختلف معهم أحد في الرأي، وهو ما يعني أن التفكير لم يكن ينظر إليه كجريمة تستوجب التكفير. إن الخلاف هنا لم يكن عاديا، خصوصا وأحد طرفيه كان هو النبي، الذي هو أعلم بأمور الدين كما أقر بذلك عمر نفسه حين قوله (الله ورسوله أعلم)، ومع ذلك، فلم يكن عمر ليقبل بأمر لم يبد له معقولا ولا منطقيا، خصوصا وأن الإله كان قد نهى عن الصلاة عن المنافقين، وهو ما يفهم من سؤال عمر الاستنكاري (أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين؟).

   لم يكن النبي في حاجة لأن يذكره عمر بوجود النهي الإلهي عن الصلاة على المنافقين، لكن ومع ذلك ارتأى مخالفة ذلك النهي في تلك النازلة بالذات، وهو ما يؤكد على حقيقة لم يأخذ بها الفقهاء في منهجيتهم التشريعية، والمتمثلة في عدم وجود حكم شرعي ثابت مدى الدهر، لمجرد وروده في نص قرآني، فالنبي حتى وإن نهاه ربه عن الصلاة على المنافقين، فإننا نجده في هذه النازلة بالذات قد تجاوز ذلك النهي، وقرر الصلاة على عبد الله بن أبي بن سلول طلبا للمصلحة العليا للمسلمين. لقد تصرف النبي في تلك النازلة، بمنطق رئيس الدولة الذي لا يمكنه اتخاذ أي قرار، إلا بعد دراسته دراسة مستفيضة، وتمحيصه من كل جانب، واستحضار كل تداعياته المحتملة، خصوصا وأن عبد الله بن ابي بن سلول ذاك، لم يكن شخصية عادية، بل زعيما من زعماء قبيلة الخزرج، وهي القبيلة التي شكلت وقبيلة الأوس والنبي حلفا سياسيا وعسكريا، غير من موازين القوة في منطقة شبه الجزيرة العربية، ما مكن الدعوة المحمدية من تحقيق انتصارات عسكرية وسياسية ما كانت لتحققها لولا إقامة ذلك التحالف. وتبعا لذلك؛ لم يكن من الحكمة أبدا، أن تتم التضحية بحليف عسكري قوي، لمجرد عدم إقامة طقوس الجنازة على زعيمه. إن النبي إنما ارتأى مخالفة النص الديني القرآني الذي واجهه به عمر بن الخطاب، جلبا للمصلحة العامة، هادفا من وراء قراره ذاك، المحافظة على ذلك التحالف العسكري والاستراتيجي، الذي نجح في إقامته ـ بعد جهد جهيد ـ مع قبيلتي الأوس والخزرج، وكان من الغباء التضحية به لمجرد عدم إقامة طقوس شكلية، وهو التحالف الذي من دونه، ما كان من الممكن أن تقوم للدولة الإسلامية قائمة. لقد كانت حينها، القبيلة هي مرجع الانتماء، والعصبية القبلية هي المحدد الرئيسي لبنية العقل السياسي العربي حينها، الموجه لكل التحالفات والصداقات والعداوات والحروب، بل وحتى للعلاقات الاجتماعية والأسرية العادية، خصوصا وأن مفهوم الانتماء للعقيدة أو الدولة، لم يكن قد ترسخ بعد في الأذهان، وقد كان من الطبيعي في ظل وضع كذاك، أن يحافظ النبي ـ مهما كلفه الأمر ـ على ذلك التحالف، حتى وإن اضطر إلى مخالفة النص القرآني.

   ما يمكن الخروج به من خلاصات من خلال عرض بعض من فصول هذه النازلة، هو أن مطلب المصلحة هو ما كان يوجه عمل النبي كمشرع، حتى وإن اقتضى الأمر مخالفة الأوامر الإلهية المنصوص عليها في نصوص قرآنية صريحة الدلالة، وهو ما يعني أن النبي، إنما كان يقتدي حين اضطراره لاتخاذ القرارات الحاسمة، بمنهجية (أنتم أعلم بشؤون دنياكم). لقد اضطر النبي في هذه النازلة طلبا للمصلحة العامة، الكامنة في ضرورة المحافظة على الحلف السياسي والعسكري الذي كان يربطه بقبيلة الخزرج، إلى مخالفة نهي النص القرآني الصريح، على الرغم من إلحاح عمر المتكرر والقوي والمدعم بالنص القرآني، ففي رواية أخرى عن نفس الحدث، رواها عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب يقول فيها " ... حتى إذا أكثرت عليه قال: أخر عني يا عمر إني خيرت فاخترت، وقد قيل لي: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) وسأزيد عن السبعين ". إن النبي في هذا الحادث، سيضطر إلى الاجتهاد مع وجود نص قطعي الدلالة، في سبيل الحفاظ على المصلحة العليا للدولة الإسلامية، فالنص هنا واضح، ولا يحتاج إلى أي تأويل أو تفسير، وهو الذي فسره الطبري كما يلي: " ومعناه: إن استغفرت لهم، يا محمد، أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم ". إن مواجهة عمر للنبي بهذه الآية، وإلحاحه الشديد على الالتزام بها، قد وضع النبي في موقف حرج جدا (حتى إذا أكثرت عليه قال: أخر عني يا عمر)، فالنص القرآني صريح جدا، ولا يحتاج تأويلا، لكن المصلحة العليا اقتضت مخالفته، وتعطيله على الأقل في تلك النازلة، فكيف تصرف النبي؟ وهل ضحى بالنص أم بالمصلحة العليا للدولة؟

   لقد عمد النبي طلبا للخروج من المأزق الذي وضعه فيه عمر، إلى الاجتهاد في تأويل النص، بل وخارج حدوده بأن قال "وسأزيد عن السبعين"، أي أنه سيعمل على طلب المغفرة لعبد الله بن أبي بن سلول أكثر من سبعين مرة التي ذكرت في الآية، حتى يصبح من الممكن إقامة الصلاة عليه. لكن ما يجب الإشارة إليه هاهنا، هو أن الصيغة اللغوية التي نزل بها النص القرآني، تفيد بل وتجزم، على أن المغفرة للمنافقين لن تتحقق أبدا مهما فعل النبي، حتى وإن ظل يستغفر لهم إلى ما لا نهاية كما فسر ذلك الطبري، لكن وأمام الأهمية البالغة التي كان يحظى بها أمر المحافظة على تحالفات الدولة الإسلامية، في مرحلة جد دقيقة وحساسة، وبالنظر إلى ما يمكن أن يترتب عن عدم إقامة صلاة الجنازة، على زعيم كبير من زعماء قبيلة الخزرج من تداعيات خطيرة، قد تعصف بذلك التحالف السياسي والعسكري الذي جمعهم بالنبي، فقد كان من الضروري التصرف بسرعة وحكمة وبرغماتية، إزاء معارضة عمر الشديدة لإقامة تلك الطقوس، وهي الطقوس التي كانت ستحافظ على اصطفاف قبيلة الخزرج، كحليف عسكري قوي إلى جانب الدعوة المحمدية، وهي التي يرجع لها الفضل الكبير في كل النجاح الذي حققته في بداياتها الصعبة.

   لقد اضطر النبي إلى تعطيل النص القرآني صريح الدلالة، الذي نهاه الله فيه عن الاستغفار للمنافقين، كون الله لن يغفر لهم مهما بلغ حجم استغفاره لهم، وذلك طلبا للمصلحة العليا للدولة الإسلامية، فأقام صلاة الجنازة على عبد الله بن أبي بن سلول، وهي القاعدة المنهجية التي كان من المفترض أن يستخلصها فقهاء الإسلام، بل ويعملوا بها، كون مصدرها هو النبي، لا أن يتجاهلونها عن قصد، ويؤصلوا لقاعدة تخالفها كليا وهم يقرون قاعدة " لا اجتهاد مع نص". وحتى يحيد عنه معارضة عمر الشديدة، سيضطر النبي (إن صحت الرواية) إلى تأويل آية المنع تلك بأن فسرها كما يلي: (إن استغفرت له سبعين مرة أو أقل، فلن يغفر الله له، وإن زدت عن السبعين فسيغفر الله له، وسأزيد عن السبعين استغفارا حتى يصبح من الممكن إقامة صلاة الجنازة عليه)، وبهذا سيقبل عمر بالأمر، وسيسمح بإقامة صلاة الجنازة.  

  مسألة أخرى وجب الوقوف عندها في هذه النازلة، وهي المتعلقة بحجية كلام النبي وما إذا كان من الدين، وما إن كان ملزما وواجب الطاعة والتطبيق دون نقاش أو معارضة، كما أصل لذلك فقهاء الإسلام، بعد أن جاؤوا بأحاديث لا حصر لها (مشكوك في صحة نسبتها للنبي)، فرضوها فرضا، بل وصنفوها وحيا ثانيا، وجعلوا لها حجية دينية توازي النص القرآني، بل وتفوقه في الكثير من الأحيان. لقد جعل الفقهاء من كلام النبي، نصا دينيا واجب الانصياع والتطبيق حتى من دون تفكير أو نقاش أو جدال، وقد جاؤوا بأحاديث كثيرة تؤكد على ذلك من قبيل الحديث القائل:" كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" (رواه البخاري).

   وإذا كان النص القرآني قد تحدث عن وجوب طاعة الرسول في عدد من الآيات؛ كالآية 80 من سورة النساء: " ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا " والآية 132من سورة أل عمران: " وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون " وغير هذه النصوص كثير، فإن ما ينبغي التنبيه إليه هاهنا؛ هو ضرورة التمييز في الخطاب القرآني بين شخص الرسول وشخص النبي، فهو حينما يتحدث عن الرسول، فإنما المقصود به هو محمد مبلغ الرسالة الإلهية عن طريق الوحي، وهو حينما يتكلم بهذه الصفة، فإنما يتكلم وحيا، حينها فقط وجب الامتثال إلى ما قاله بلسانه نيابة عن الإله، ووجبت طاعته التي هي طاعة لله، لكن فيما عدا ذلك؛ فهو نبي، وشخص طبيعي كما كل البشر، وبالتالي فإن كلامه هو كما كلام كل البشر العاديين، قد يؤخذ به وقد يرد، قد يصيب وقد يخطئ، وهو ما يفسر، كيف أن عمر بن الخطاب لم يمتثل لقول النبي في هذه النازلة، ولماذا ظل يجادله ويناقشه فيما كان ينوي القيام به. لم يؤنب الوحي عمر بن الخطاب على جرأته على النبي، ولم يؤاخذه على موقفه ذاك في عدم الانصياع لما كان يقول، بل على العكس من ذلك تماما، نزلت الآية 84 من سورة التوبة، لتزكي موقفه على حساب موقف النبي، ولعمري؛ ليعتبر هذا الحدث أكبر دليل يدحض حجة فقهاء السلطة، في جعل كلام النبي (وليس الرسول) وحيا إلهيا منزلا (الوحي الثاني كما دأبوا على تسميته)، وجعلوا منه نصا دينيا ـ لغرض في نفس الحاكم المستبد ـ يوازي النص القرآني، بل ويفوقه منزلة.

   إن عمر بن الخطاب، لم يتعامل في هذه النازلة، مع كلام النبي كما لو كانت له أي قدسية خاصة تميزه عن كلام البشر العاديين، ولم يستقبله كما لو كان وحيا منزلا من السماء، وجبت طاعته طاعة عمياء ومن دون نقاش أو جدال، بل إن الرواية الرسمية، تفيدنا على أنه تعامل مع كلامه ككلام أي بشر عادي، لا قدسية تميزه. لقد توجه عمر للنبي، حين عقد العزم على إقامة صلاة الجنازة على بن أبي بن سلول، متسائلا بصيغة استنكارية: "أليس قد نهاك الله أن تصلي عن المنافقين؟ ورغم الجواب الذي قدمه النبي، إلا أن عمر لم يقتنع، وظل يجادله بحدة في الموضوع (فلما أكثرت عليه) حتى أن بدا الضيق على النبي، فتوجه إلى عمر قائلا: "أخر عني يا عمر". لقد بلغت حدة النقاش درجة من التوتر، جعلت من عمر يخجل فيما بعد مما أقدم عليه في حق النبي (فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله).

   إن هذه الرواية، توضح بما لا يدع مجالا للشك، على أن فقهاء الإسلام مدفوعين باعتبارات سياسية وإيديولوجية أملتها السلطة السياسية، هم من جعلوا من كلام النبي العادي في غير ما أنزل عليه من وحي كلاما مقدسا، بل وبلغت جرأتهم حد تصنيفهم إياه كلاما إلهيا، تكلم به الله على لسان نبيه، فصنفه الشافعي تبعا لذلك وحيا ثانيا، يوازي الوحي الحقيقي، بل ويفوقه منزلة كلما اقتضت مصلحة الحاكم ذلك، ألم يقل الفقهاء بجواز نسخ الحديث ظني الثبوت للوحي الذي هو قطعي الثبوت؟

  لقد كانت الغاية من جعل كلام النبي العادي وحيا مقدسا، هو صناعة النصوص الدينية، التي من شأنها تيسير مهمة الفقهاء في تخريج الأحكام الشرعية، التي كانت السلطة السياسية في حاجة إليها لأغراض دنيوية محضة. إن كلام النبي فيما عدا الوحي، ليس إلا كلام بشر عادي، يتميز بما يتميز به من نسبية وقصور، ولو كان الأمر غير ذلك، لما كان لعمر (وهو من تكون مكانته الدينية) أن يزيد في الكلام، أو يعترض، أو يجادل فيما أمر به الإله على لسان نبيه، ولما كان له أن يدخل مع النبي في نقاش بلغ من الحدة ما جعله يندم فيما بعد على ما أقدم عليه، ولكان عمر قد قال منذ اللحظة الأولى، سمعا وطاعة، ولما اعترض على قرار الإله الذي جاء على لسان نبيه.

2 ـ عمر مشرعا ما بعد الوحي:

  حين صار عمر بن الخطاب خليفة للمسلمين، كان الوحي قد انقطع بموت الرسول، وبالتالي لم يعد من الممكن تزكية تشريعاته من قبل الوحي كما كان عليه الأمر زمن النبي، إلا أنه لا بد من الإشارة، إلى كون عمر قد ظل على نفس النهج التشريعي الذي أقر الوحي عددا من اجتهاداته، وهو النهج الذي يمكن الحديث عن بعض خصائصه الكبرى كما يلي:

ـ عدم الاقتصار على القضايا التي لم يرد فيها وحي، بل حتى تلك التي كان فيها نص قرآني صريح الدلالة والثبوت؛

 ـ طلب المصلحة العامة واعتبارها الغاية القصوى من كل تشريع؛

ـ عدم التقيد في سن التشريعات الجديدة إلا بما تقتضيه المصلحة العامة حتى وإن اقتضى الأمر مخالفة النص القرآني صريح الدلالة؛

ـ عدم الالتفات إلى الحديث النبوي وعدم التعامل معه كما لو كان نصا دينيا.

   لقد كانت لعمر كمشرع، طريقته الخاصة في التعامل مع النصوص الدينية، يمكن الحديث عنها من خلال التمييز بين تعامله مع النص القرآني، وتعامله مع النص الحديثي.

3 ـ عمر بن الخطاب والنص القرآني:

  فيما يخص النص القرآني، تفيدنا الرواية السنية الرسمية، أن عمر بن الخطاب اجتهد في عدد من النوازل مع وجود النص القرآني الصريح، بل وخالف مضامينه طلبا للمصلحة حتى قبل توليه مهمة الخلافة، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ فقد عطل الآية 6 من سورة المائدة " وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحدكم من الغائط أو لامستم النساء فلم يجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا" حينما أفتى بـ: "من لم يجد ماء لا يصلي".

  كما عطل الآية 60 من سورة التوبة " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم" خصوصا ما تعلق بإلغاء سهم المؤلفة قلوبهم، إذ تذكر لنا الرواية الرسمية، أن الخليفة أبا بكر، قد كتب للمؤلفة قلوبهم كما جرت العادة بذلك على عهد النبي، أمر تحصيل سهمهم المعتاد، لكنهم حينما ذهبوا إلى عمر لاستخلاصه، فوجئوا برفضه صرف مستحقاتهم، بأن مزق كتاب الخليفة حتى من دون الرجوع إليه، وقال لهم: " لا حاجة لنا بكم فقد أعز الله الإسلام وأغنى عنكم". فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا: أأنت الخليفة أم هو؟ فقال: بل هو إن شاء الله، وتراجع فيما كتب موافقا رأي عمر.

  وقد أفتى عمر كذلك، مخالفا النص القرآني في الآية 229 من سورة البقرة: "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " فبدل هذا الحكم بحكم جديد من صميم اجتهاده يقول فيه: طلقة واحدة فعلية بلفظ الثلاثة، تحرم على الزوج زوجه.

  كما أفتى بإلغاء سهم قرابة الرسول، مع وجود نص قرآني صريح يحدد لهم مقدارا مما يتم تحصيله من غنائم. وقد ارتأينا، ونحن بصدد الحديث عن المنهجية العمرية في التشريع، أن نركز على هذه النازلة بالذات للاعتبارات التي سترد فيما سيأتي.

  تضمن الآية 41 من سورة الأنفال، مقدار خمس عائدات الغنائم لفائدة قرابة الرسول (واعلموا أنما غنمتم من شيء، فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى)، وقد كان قرابة الرسول من بني هاشم وبني عبد المطلب يستفيدون من ذلك السهم بغض النظر عن مستواهم الاجتماعي، وما إن كانوا فقراء أم اغنياء، لكن عمر بن الخطاب حاول تقنين هذا السهم بداية قبل أن يلغيه بصفة نهائية، ففي رواية أخرجها أحمد، يجيب ابن عباس نجدة الحروري حين سأله: "عن سهم ذي القربى: لمن تراه؟ قال ابن عباس: هو لنا؛ لقربى رسول الله، قسمه رسول الله (ص) لهم، وقد كان عمر عرض علينا منه شيئا، رأيناه دون حقنا، فرددناه عليه". وفي رواية أخرى " فأبينا عليه إلا أن يسلمه لنا كله، وأبى ذلك علينا ". " وكان الذي عرض عليهم: أن يعين ناكحهم، وأن يقضي عن غارمهم، وأن يعطي فقيرهم، وأبى أن يزيدهم على ذلك."

  واضح من هذه الرواية، أن عمر تصرف كما كان يجدر برئيس دولة أن يفعل، محكوما بالحرص الشديد على المحافظة على المال العام، وحسن تدبيره، وصرفه فيما يحقق المصلحة العامة لا الخاصة. لقد اقترح على ذوي قربى الرسول، أن يقنن من مقدار سهمهم بحسب ما تقتضيه الحاجة، بأن يحصر لائحة المستفيدين منه فقط على فقرائهم ممن لهم أسر يعيلونها، لكنهم رفضوا ذلك، متشبثين بنصيبهم كاملا دون نقصان (فأبينا عليه إلا أن يسلمه لنا كله)، لكنه رفض مقترحهم فألغى السهم كله (وأبى علينا ذلك).

  إن عمر يبطل هنا، حكما شرعيا أقره الإله نفسه بنص قرآني صريح الدلالة (واعلموا أنما غنمتم من شيء، فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى)، وقد كان مدفوعا في ذلك بتحقيق المصلحة العامة للمسلمين، والتي لا يمكن أن تتحقق من دون سد عدد من ثقوب الميزانية العامة للدولة، كتلك التي كانت تمنح عددا من المستفيدين تعويضات لم تعد أسباب استمراريتها قائمة.

  لقد تعامل عمر مع هذه النازلة بواقعية وبرغماتية وتجرد، كما يليق ـ بالضبط ـ لرئيس دولة أن يتصرف إزاء قوانين شرعت في عهد سابق لغايات محددة، ولم تعد لتساير الواقع الجديد، فاضطر إلى تعديلها وفق ما تقتضيه المصلحة العامة، حتى وإن كان الأمر يتعلق بذوي قربى النبي، وحتى مع وجود نص قرآني صريح يضمن لهم ذلك الحق.

  إن عددا من الموجهات التي تحكمت في قرار عمر بن الخطاب، هي نفسها التي تحكم الدولة الحديثة اليوم من قبيل:

ـ المحافظة على المال العام والحرص على أن يصرف فيما يضمن تحقيق المصلحة العامة، وليس مصلحة فئة من المجتمع دون الفئات الأخرى؛ لقد كان عمر أول من قنن المال العام بأن وضع ديوان بيت المال للدولة الإسلامية، وهو الديوان الذي حدد فيه قواعد الجباية، وطرق ومجالات صرف الأموال العامة؛

ـ إقرار مبدأ العدالة الاجتماعية، وسواسية المواطنين في الحقوق كما الواجبات؛ إذ وبقراره إبطال حق قرابة الرسول من خمس العائدات، كان قد حال دون تشكل طبقة اجتماعية مخملية، ستشكل عبئا ماليا واجتماعيا على الدولة الإسلامية الناشئة، من دون أن تقدم لها أية قيمة مضافة؛

ـ محاربة اقتصاد الريع الذي من شأنه أن يقوض مبدأ العدالة الاجتماعية، ويعمق من الفوارق الطبقية، ويقوض مبادئ العدل والاستحقاق، ويقوي الإحساس بالغبن وضعف الانتماء للدولة (الوطن). 

   إن أهم ما يجب التركيز عليه في النوازل التي سقناها أعلاه ومثلها كثير، هو أن عمر لم يجتهد فقط فيما لم يرد فيه نص قرآني، بل اجتهد حتى مع وجود النصوص القرآنية صريحة الدلالة، بأن عطل العديد منها ولم يأخذ بها، ولم يكن يوجه اجتهاداته تلك غير تحقيق المصلحة العامة، وما يستسيغه العقل والمنطق ومبادئ العدل والإنصاف...

   نلاحظ إذن؛ أن المنهجية التشريعية التي جاء بها فقهاء الإسلام فيما بعد، والقائلة بـ "لا اجتهاد مع نص" وكذلك تلك المستمدة من الأحاديث الصحيحة: " من قال في كتاب الله برأيه فليتبوأ مقعده من النار" (رواه الترمذي والالباني) وكذلك "من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ " (أخرجه الترمذي وأبو داوود)، لم تكن لتتوافق مع المنهجية العمرية في التشريع ولا مع منهجية النبي نفسه، وهو مأ أوضحه ابن تيمية حين قوله: " فمن قال في القرآن برأيه، فقد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما امر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر، لكان قد أخطأ؛ لأنه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل، فهو في النار، وإن وافق حكمه الصواب ". لقد اجتهد عمر برأيه في القرآن، بكل جرأة وواقعية ومع وجود الحكم الشرعي صريح الدلالة، بأن عطله ولم يعمل به، وهي المنهجية التي أقر الوحي عددا من أحكامها وتشريعاتها وزكاها في أكثر من مناسبة، وهي التي لم يعترض عليها لا النبي ولا خليفته أبا بكر (في حادثة المؤلفة قلوبهم) ولا أحد من فقهاء الصحابة، وهو ما يعني بالضرورة، أن المنهج العمري في التشريع، قد حضي بأعلى مراتب الموثوقية والمصداقية، فأن يقر الإله رأي عمر في مواجهة رأي النبي في حادث صلاة الجنازة على عبد الله بن أبي بن سلول، فذاك لم يكن يعني شيئا آخر، غير أن منهجية عمر في التشريع، قد استوفت كل شروط الاجتهاد في الإسلام، وأنها بالتالي؛ هي المنهجية النموذجية الواجب اتباعها والالتزام بقواعدها.

  لقد اجتهد عمر برأيه في عدد من النوازل، مع وجود النص القرآني صريح الدلالة، بأن خالف مضامينه ولم يلتزم  بها، من دون أن يعترض عليه أحد من مجتمع السلف من صحابة الرسول، وقد كان منهم العديد من فقهاء الدين كما أكد على ذلك ابن القيم الجوزية وهو يقول: " والذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله (ص) مائة ونيف وثلاثون نفسا، ما بين رجل وامرأة "، وهذا دليل قوي آخر، على أن منهجية عمر في التشريع، كانت هي المنهجية الشرعية المعمول بها من قبل فقهاء السلف أنفسهم، ما داموا لم ينكروا عليه اجتهاداته تلك، ولم يعترضوا عليها، وهو ما يعني؛ أن فقهاء المذاهب الأربع الرسمية الذين جاؤوا فيما بعد، لم يلتزموا بمنهجية السلف في التشريع التي كان عمر خير من جسدها، وهي المنهجية التي زكاها الوحي والنبي ومجتمع الصحابة، وهو ما يعني كذلك؛ أن منهجية التضييق، والتشديد، والتقييد التي اشتغل بها فقهاء الإسلام فيما بعد، لم تكن إلا صناعة فقهية خالصة، كانت بدوافع سياسية وإيديولوجية محضة.

  وإذا ما نحن ارتأينا أن نعطي عنوانا مناسبا لمنهجية عمر التشريعية، فلن يكون عنوان آخر أفضل من مقولة النبي " أنتم أعلم بشؤون دنياكم ". وإذا كان فقهاء الإسلام قد جاؤوا بقاعدتهم المنهجية القائلة " لن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها " فقد كان من الأجدر والأولى أن تكون تجربة عمر التشريعية تلك، هي ما وجب الاقتداء به، في إطار المهمة التي أوكلت لهم كمشرعين للمجتمع الإسلامي، لكنهم ولاعتبارات سياسية وإيديولوجية، نسخوا تلك التجربة وطمسوها، فجاؤوا بمنهجية تقوم على التضييق والتشديد والقهر... وهي المنهجية المواتية، لتخريج ما كانت ترغب فيه السلطة السياسية من أحكام.

 4 ـ عمر بن الخطاب والنص الحديثي:

   لم تتميز منهجية عمر بن الخطاب في التشريع، بتعاملها المتميز مع النص القرآني وحسب، بل وبتعاملها مع النص الحديثي أيضا. فهو لم يلتفت جهة الحديث أبدا، ولم يأخذ به، ولم يتعامل معه كما لو كان نصا دينيا من الأصل، حتى أنه منع جمع الرواية عن النبي وكتابتها، واتخذ إجراءات صارمة في حق كل من خالف أمره ذاك، بل وأمر بحرق ما كان قد كتب منها، وهو الذي رفع شعار "حسبنا كتاب الله" والرسول لا يزال على قيد الحياة. (انظر دراستنا المعنونة بـ: السنة النبوية وسؤال الشرعية التشريعية).

  تنقل لنا الرواية السنية الرسمية، تفاصيل الساعات الأخيرة من حياة النبي، وهو على فراش الموت، حين توجه للحاضرين من حوله قائلا: "ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا"، وكيف أن عمر بن الخطاب منعهم من ذلك قائلا: "إن النبي قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله" (ورد في صحيح البخاري تحت رقم 5345 وفي صحيح مسلم تحت رقم 1637). وتفيدنا هذه الرواية التي حظيت بأعلى درجات الصحة السنية، أن عمر بن الخطاب لم يكن يرى في كلام النبي أكثر من كلام عادي، وأن لا قدسية له، وألا قيمة دينية أو تشريعية تميزه، بدليل قوله "عندكم القرآن حسبنا كتاب الله". وقد استمر عمر على نفس النهج في تعامله مع النص الحديثي حتى آخر حياته، إذ تورد لنا نفس الرواية الرسمية، تفاصيل الساعات الأخيرة من عمره، حين طعنه أبو لؤلؤة، إذ قال " أوصيكم بكتاب الله، فإنكم لن تضلوا ما اتبعتموه" (أخرجه أحمد في المسند تحت رقم 1/419).

  وحيث أن عمر بن الخطاب كان مخضرما، إذ عاصر النبي، بل وكان من صحابته الكبار والمقربين، كما عاش من بعده أكثر من اثنتي عشر سنة، وتقلد مهمة خلافته لما يزيد عن العشر سنوات، فقد كان من الطبيعي تبعا لذلك، أن يتعامل مع الخطاب النبوي بصيغتين اثنتين؛ الأولى: كمتلقي لكلام النبي بشكل مباشر ومن دون وساطات، والثانية: كمتلقي لكلام النبي عبر الرواة.

   أولا: فيما يتعلق بتعامل عمر بن الخطاب مع كلام النبي بشكل مباشر، سنعتمد مرة أخرى على نفس الرواية التي أوردنا بعض تفاصيلها أعلاه، وهي المتعلقة بنازلة إقامة صلاة الجنازة على عبد الله بن أبي بن سلول، لاستثمار كل ما سبق أن أوردناه من تفاصيل تخصها. فقد قدمت لنا الروايات الرسمية، تفاصيل الحوار الذي دار بين النبي وعمر، وهو الحوار الذي شهد بعض الحدة والتوتر، نتيجة لاختلاف وجهات النظر بين الرجلين، في مدى صحة إقامة صلاة الجنازة على عبد الله بن أبي بن سلول، خصوصا وأن نهيا إلهيا قرآنيا كان واضحا في شأن الصلاة على من يصنفون ضمن فئة المنافقين. ما يهمنا في هذه الرواية؛ هو أن النقاش لم ينته ولم يحسم بمجرد أن تكلم النبي، و قدم التوضيحات اللازمة المعللة لموقفه ذاك، ذلك أن عمر لم يقتنع بدفوعاته وتبريراته فاستمر في مخالفته ومجادلته، وهو ما يستفاد من قولتي عمر التاليتين: (فلما أكثرت عليه) وكذا (فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله، والله ورسوله أعلم)، وهو ما يفيد بالضرورة، أن عمر لم يتلق كلام النبي على أنه وحي منزل من السماء (كما صنفه فقهاء الإسلام فيما بعد)، وجبت طاعته طاعة عمياء، وعدم مناقشته أو الاختلاف مع مضامينه، (كما أصر على ذلك فقهاء الإسلام) بل تعامل معه كأي كلام عادي من بشر عادي، وهو ما لم يؤاخذه عليه أحد، لا النبي، ولا الوحي، ولا أحد من الصحابة الكبار، بل على العكس من ذلك تماما، نجد أن الإله بجلالته، سيزكي موقف عمر بن الخطاب فيما ذهب إليه، حينما نزلت الآية 84 من سورة التوبة.

  إن كلام النبي الموجه إلى عمر في واقعة عبد الله ابن أبي بن سلول، لم يكن منقولا إليه عبر وسائط من الرواة جيلا بعد جيل، اختلفت الآراء في موثوقيتهم وصدقهم، بل كلاما مباشرا موجها إليه بصفة خاصة، وسمعه منه مباشرة ومن دون واسطة، ومع ذلك لم يتعامل معه كما لو كان نصا دينيا مقدسا، وجبت طاعته طاعة عمياء من دون تفكير أو نقاش، أو وحيا إلهيا ثانيا كما قال بذلك الشافعي، بل تلقاه ككلام عادي صادر عن بشر عادي، قد يؤخذ به وقد يرد، قد يصيب وقد يخطئ، وهو ما أكده الوحي نفسه حينما زكى موقف عمر، على حساب ما ذهب إليه النبي.

    ثانيا: فيما يتعلق بتعامل عمر مع الرواية الحديثية المنقولة، نورد هنا رواية تذكرها كتب التراث السني، وهي المتعلقة بنزاع عمر بن الخطاب مع العباس عم الرسول، بشأن داره التي كانت متاخمة للمسجد النبوي، ذلك أن عمر اقترح على العباس، تمكينه من داره تلك بغرض توسعة المسجد، مقابل تعويض يرضيه، لكن العباس رفض العرض وتشبت بالبقاء بداره. وامام إصرار عمر على إتمام الصفقة، حتى وإن اقتضى الأمر اللجوء إلى نزع الملكية بالقوة، اقترح العباس أن يتم الاحتكام إلى طرف ثالث يفصل في أمرهما، فوقع الاختيار على أبي بن كعب، بحسب الرواية الواردة عند ابن سعد في الطبقات الكبرى، إذ هناك العديد من الروايات المتباينة بشأن الحَكَمِ الذي فصل في هذا النزاع، فقد وردت العديد من الأسماء كحذيفة بن اليمان، وأبي بن كعب، والقاضي شريح بن الحارث....

   لقد حاول أبي بن كعب الفصل في ذلك النزاع عبر الاستناد إلى نص حديثي كان قد سمعه من النبي، وهو النص الذي كان يؤيد موقف العباس بن عبد المطلب في الإبقاء على داره، إذ وبعد أن عرضت عليه النازلة، توجه إلى المتنازعين قائلا: عندي في هذا خبر، ثم قال: "سمعت رسول (ص) يقول: إن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس جعل كلما بنى حائطا أصبح منهدما فأوصى ابنه إليه أن لا تبني في حق رجل حتى ترضيه". إن الحَكَمَ في هذه النازلة، سيواجه الخليفة بنص حديثي لا تشوبه شائبة، كونه لم ينقل عبر سلسلة من الرواة ينتمون إلى أجيال متعددة، من ضمنهم من هو مشكوك في صدقه، بل نقله شخص ثقة واحد، سمعه من النبي مباشرة (سمعت رسول الله(ص) يقول)، وهو الشخص ذو المصداقية والموثوقية الكبيرتين، بدليل قبول طرفي النزاع بتحكيمه وخليفة المسلمين أحدهما. وتفيد بعض الروايات لنفس الحدث، أن أبي بن كعب قد جاء بثلاثة أشخاص آخرين، سمعوا من النبي ما كان قد سمعه، ليؤكدوا للخليفة صحة ذلك الحديث. إلا أن عمر بن الخطاب ومع كل تلك الضمانات، سيتجاهل ذلك الحديث، ولم يأخذ به، ولم يعمل بمضمونه، بل نجده وقد تصرف إزاء تلك القضية، بما كان يستوجبه أمر تحقيق المصلحة العامة من إجراءات، بأن نزع ملكية دار العباس بالقوة، ووسع على حسابها المسجد النبوي، ووضع مقدار التعويض ببيت مال المسلمين، رغم عدم موافقة العباس على ذلك، وهذا ما يؤكده الطبري حين قوله: " وفي هذه السنة ـ أعني سنة سبع عشر ـ اعتمر عمر، وبنى المسجد الحرام، ووسع فيه، وأقام بمكة عشرين ليلة، وهدم على أقوام أبوا أن يبيعوا، ووضع أثمان دورهم في بيت المال حتى أخدوها" تاريخ الطبري ج 4 ص 68.

  على سبيل الختم:

    إذا ما نحن حاولنا أن نعطي عنوانا مناسبا للخط التشريعي الذي صار عليه عمر بن الخطاب، أمكننا دون تردد وضع عنوان "أنتم أعلم بشؤون دنياكم "، وهو المنهج الذي لا يمنح أية صلاحية للكهنوت، لكي ينوب عن الإله في تخريج الأحكام إن بالإباحة أو بالتحريم، كما يفهم من الآية 116 من سورة النحل: "ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون".

   بعض النصوص الحديثية المعتمدة من قبل رجال الدين المسلمين نفسها، تؤكد على صلاحية هذا المنهج الذي ورد هو نفسه في نص حديثي (أنتم أعلم بشؤون دنياكم)، وهي المنهجية التي تأخذ بعين الاعتبار طبيعة المجتمع الإنساني، الموسوم بالحركية الدائبة والتطور المستمر، وتتوافق وتنسجم وما تفرضه مهمة المشرع، من فهم عميق لخصوصيات المجتمع، ومواكبة مستمرة لمستجداته، ومن اجتهاد وابتكار للحلول غير منقطعين، ومن إجابة عن مختلف النوازل التي يفرزها الواقع باستمرار ومن دون انقطاع، ومن نزعة برغماتية تستهدف المصلحة حيثما وجدت.

  إن عمر بن الخطاب، لم يتعامل مع كل محدثة أفرزها التطور الطبيعي للمجتمع، على أنها شر الأمور أو بدعة أو ضلالة، بل كمستجد طبيعي وجب التعامل معه بواقعية وفهم عميق، ومن دون قيود نصية أو غيرها، وهو تبعا لذلك؛ تعامل بخلاف ما أقره فقهاء الإسلام فيما بعد، من قواعد منهجية كبحت روح الاجتهاد وكبلته، بل وجرمته.  لقد كان عمر فقيها مجتهدا باعتراف النبي نفسه حين قال: " إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه"، وباعتراف كبار الصحابة كذلك، كما أقر بذلك عبد الله بن مسعود حين قوله: " لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان، ووضع علم أحياء الأرض في كفة، لرجح علم عمر بعلمهم، ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم"، وكذا باعتراف فقهاء السنة اللاحقين، إذ يقول ابن القيم الجوزي: " والذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله (ص) مائة ونيف وثلاثون نفسا، ما بين رجل وامرأة، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر"..." ولا تذكر لنا الرواية الرسمية أن أحدا من فقهاء الصحابة الكبار، ولا من فقهاء التابعين، وتابعي التابعين، ولا من فقهاء الإسلام اللاحقين، قد اعترض أو تحفظ على ما أقره عمر من اجتهادات بلغت حدود تعطيل النص القرآني، ولم تلتفت جهة النص الحديثي أبداً، بل ولم تتعامل معه على أنه نص ديني من الأصل. لقد أقر الوحي وزكى منهجية عمر بن الخطاب تلك في أكثر من مناسبة، وهو ما يفيد مطابقتها للمرجعية الدينية الإسلامية.

   لقد كان عمر صحابيا من الدرجة الأولى، عايش الرسول إبان حياته، وخلفه في مهمة رئاسة الدولة عند مماته، وهي الفترة التي يسميها الفقهاء بأول هذه الأمة، أو فترة السلف الصالح. وقد عرفت المرحلة التي تقلد فيها مهمة الخلافة أوج قوة الدولة الإسلامية، وهو ما يعني ـ بحسب منهجية الفقهاء ـ أنها كانت فترة نموذجية حتى يتم الاقتضاء بها من قبل الخلف، بغية إحياء "أمجاد الدولة الإسلامية"، تقيدا بالقاعدة المنهجية الفقهية " لن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها". لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل شكلت فترة عمر بن الخطاب مرحلة مرجعية بالنسبة للفقهاء؟ وهل ألهمتهم منهجيته في التشريع وهي المدموغة بطابع الصحة الإلهية؟

   لقد كان من المفترض، أن يقتضي فقهاء الإسلام (وفقا لمنهجيتهم السلفية) بمنهجية عمر التشريعية، كونه خير من كان يمثل مجتمع السلف، وهي التجربة التي كان لها كل الفضل فيما بلغته الدولة الإسلامية الناشئة من قوة وتقدم (بحسب رأي الفقهاء)، على اعتبار أن منهجيته التشريعية تلك، هي ما يرجع لها كل الفضل في كل ما تحقق؛ بما كانت تعنيه من اتخاذ للقرارات الصائبة، والضامنة لمصلحة الدولة الإسلامية، وهو الذي لم يجعل للاجتهاد من قيود تكبحه أو تكبله، لإدراك المصلحة حيثما وجدت.

 لقد كانت تجربة عمر التشريعية، ماثلة أمام الفقهاء من مؤسسي المذاهب الرسمية، وهو أفضل من كان يمثل "السلف الصالح"، لكنهم تجاهلونها عن قصد وسبق إصرار، كونها لم تكن لتتماشى وغايات الحاكم المستبد، في تخريج الأحكام الشرعية الداعمة لحكمه، والمشرعنة لاستبداده وجبروته.

   لم تكن منهجية عمر التشريعية لتوافق فقهاء السلطة، لاختلاف الخلفيات والغايات التي تحكمت في عملية التشريع في كلتا الحالتين؛ فعمر كان يقتفي المصلحة العامة أولا وأخيرا وحيثما وجدت، حتى أنه لم يتردد للحظة واحدة في تعطيل النص القرآني متى كان ذلك ضروريا، هذا في الوقت الذي كانت تمثل فيه المصلحة العامة، آخر اهتمامات الحاكم الطاغية. من أجل ذلك؛ نجد أن فقهاء السلطة، قد ابتدعوا منهجية تشريعية خاصة، تستجيب وتتناغم وطبيعة مهمتهم في تخريج الأحكام الشرعية، التي كان يأمر بها الحاكم المستبد.