التشريع القانوني للمجتمعات، بما هي بنيات متحركة بل ودائبة الحركية، وجب أن يواكب القضايا والمستجدات التي تفرزها باستمرار ومن دون انقطاع، بما يضمن تطورها الطبيعي، وتوازنها المستمر، وانخراطها في العصر الذي تنتمي إليه. إن أي خلل في تحيين التشريعات بما يضمن كل ذلك، تترتب عنه بالضرورة اختلالات مجتمعية عميقة، ومشاكل بالجملة ولا حصر لها، تفضي إلى تخلف المجتمع، وعجزه عن مسايرة إيقاع ركب الحضارة الإنسانية. وهذا ما ينطبق تمام الانطباق، على المجتمعات التي أوكلت فيها مهمة التشريع لفقهاء الإسلام، كنتيجة طبيعة للاختلالات التشريعية الكثيرة، والتي ترتبت عن عدم قدرتهم على مسايرة دينامية المجتمع وحركيته غير المتوقفة، وهو ما يفسر اليوم، كيف أن المسلمين أضحوا في وضع أشبه بأطرش في حفلة غنائية صاخبة، لا هم قادرون على استيعاب حجم التطور المتسارع الذي شهدته وتشهده البشرية، ولا مسايرة إيقاع التحولات السريع الذي تسير وفقه، ولا الانخراط في عصرهم وهم يحملون عقلية ماضوية غير محينة، ما كان من نتائجه المباشرة أن تخلفوا عن ركب الحضارة الإنسانية، وظلوا تبعا لذلك في مؤخرة الأمم من حيث مؤشرات التنمية والتقدم.
لقد عرفت المجتمعات "المسلمة" منذ أن أوكَلَت السلطة السياسية مهمة التشريع فيها للفقهاء، اختلالات تشريعية عميقة، كنتيجة مباشرة وطبيعية لعدم قدرة التشريع الفقهي على الإجابة على مختلف النوازل والمستجدات التي كان يفرزها المجتمع باستمرار، وعجزه على ابتكار الحلول الواقعية والعملية للإجابة عنها. لقد كان هم السلطة السياسية الأول، هو الحفاظ على الاستقرار المجتمعي، المفضي إلى الاستقرار السياسي، فكانت تلك هي الغاية التي حددت معالم الخط التشريعي، الذي سار على منواله الفقهاء باعتبارهم المشرعين الذين أوكلت لهم السلطة السياسية مهمة التشريع للمجتمع. وهكذا، لم يكن من الغريب أبدا، أن يتبنى فقهاء الإسلام، منهجية تشريعية تستهدف ضمان الثبات والسكون والاستمرارية، بأن نبذت الاجتهاد والخلق والإبداع بما هم وقود عملية التغيير ومحفزها.
لقد حرم الفقهاء التفكير خارج الصندوق الذي وضعه الحاكم إطارا إيديولوجيا للسلطة الحاكمة، وهو الإطار المفروض بمنطق الغلبة وحد السيف، والذي لم يكن سوى ترجمة حرفية لمقاصد الحاكم المستبد الدنيوية لا لمقاصد الدين. لذلك؛ فلم يكن من الغريب أبدا، أن يلبسه فقهاء السلطة لباس القداسة، فأضحت تبعا لذلك، كل محاولة للتفكير خارجه، تصنف دينيا على أنها مروق وخروج عن صحيح الدين، حتى أنهم جاؤوا بحكم الردة كتهمة دينية مرعبة ومفزعة، قدموها هدية ثمينة على طبق من ذهب للحاكم الطاغية، ليتسنى له تصفية كل معارضيه السياسيين، من دون حتى أن يكلف نفسه تبرير فعله الإجرامي ذاك. لقد أضحت كنتيجة لذلك كل محاولة للتفكير خارج ذلك الصندوق، تصنف سياسيا كرغبة في زعزعة الاستقرار الضامن لاستمراريته الحاكم على رأس السلطة السياسية، وتصنف دينيا على أنها مروق وخروج عن صحيح الدين، بل وردة وجب دينيا على ولي الأمر، أن يقيم حد القتل على من وجهت له.
إن أخشى ما كان يخشاه الحاكم المستبد، هو قدوم رياح التغيير التي قد يجئ بها التطور الطبيعي للمجتمعات، والتي من شأنها أن تعصف به وبحكمه، لذلك؛ فقد ظلت رغبته دوما، هي إيقاف عجلة التاريخ في الوضع الذي يضمن بقاءه على رأس السلطة السياسية، وهي الرغبة التي ترجمها فقهاء السلطة دينيا حينما جاءوا بالقاعدة المنهجية القائلة: " كل مستحدثة بدعة، وكل بدعة ظلالة، وكل ظلالة في النار"، وهي القاعدة غير العلمية، التي كانت من وراء كل الاختلالات التشريعية، التي عرفتها المجتمعات المسلمة على مر العصور، والتي ترتب عنها اختلالات عميقة على جميع الأصعدة.
لقد ابتكر فقهاء السلطة، في سعيهم الحثيث لترجمة رغبة الحاكم المستبد في إيقاف عجلة التاريخ، ومحاصرة رياح التغيير الذي قد يعصف بحكمه، نموذجا مجتمعيا إسلاميا مثاليا، وحده يتصف بصفات الكمال والرضى الإلهي، فجاءوا بما يعرف بمجتمع السلف الصالح، وهو المجتمع الذي جعلوا من ضرورة الاقتضاء به واجبا دينيا، حيث لا يمكن للمسلمين أن يدركوا شيئا من الصلاح والكمال، من دون إعادة إحيائه في أدق تفاصيله، وهو ما عبر عنه الإمام مالك حين قوله:" لن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ".
لقد أبدع فقهاء الإسلام في وضع نموذج مجتمع السلف الصالح، وفق ما كانت تشتهيه، بل وتمليه السلطة السياسية، من ضرورة تقيد العامة بالطاعة والولاء للحاكم، تقيدا بمجتمع السلف في علاقته بالنبي، وعدم الخروج عليه تحت أي ظرف، حتى وإن كان جائرا أو فاجرا. لقد حدد فقهاء الإسلام، نموذج مجتمع السلف الصالح في مجتمع تسوده قيم الخنوع والاستسلام لمشيئة الحاكم، والرضى بالقضاء والقدر خيره وشره، والصبر على الحاكم وإن كان جائرا، ذلك أن الفتنة كل الفتنة، إنما تتجلى في الخروج عليه، والفتنة أشد من القتل.
إن ابتكار الفقهاء لنموذج مجتمع السلف الصالح، كان يعني ضمن ما يعنيه، أن التشريعات التي صلح بها مجتمع السلف، هي وحدها الكفيلة بضمان صلاح مجتمع الخلف، وهو ما يعني أن منهجيتهم التشريعية، استندت إلى معطيات غير علمية، كونها تعاملت مع المجتمع الإنساني، كبنية ساكنة يمتد ثباتها وسكونها إلى ما لا نهاية، ما دام أن ما صلح به مجتمع السلف، هو وحده الكفيل بضمان صلاح مجتمع الخلف. وحيث أن صلاح مجتمع السلف، كان مرده إلى تقيده الدقيق بالتشريعات المتضمنة في النص الديني، سواء كان قرآنيا أو حديثيا، فإنه يغدو من الطبيعي والحالة هاته، أن ليس من طريق آخر لبلوغ ذلك الصلاح، إلا تقيد الخلف بنفس القواعد التشريعية التي تقيد بها السلف، فيصبح تبعا لذلك؛ النص الديني بنوعيه ملزم التطبيق على مر العصور، كونه صالح لكل زمان ومكان، ومن ثمة جاؤوا بقاعدة منهجية أخرى تقول: " لا اجتهاد مع نص ".
الخلاصة الأساسية التي يمكن الخروج بها من خلال ما سبق، هي كون المنهجية التي اشتغل بها فقهاء الإسلام، والتي كانت من وراء كل الاختلالات التشريعية وما ترتب عنها من اختلالات على جميع الأصعدة، إنما فرضتها طبيعة المهمة التي أوكلت لهم من قبل السلطة السياسية، الساعية دوما لضمان الاستقرار والسكون الضامنين لبقاء الحاكم واستمراريته، وهي المنهجية غير العلمية التي كلفت مجتمعاتنا الكثير، وضيعت علينا فرص لا حصر لها لمسايرة ركب الحضارة الإنسانية وما شهدته من تقدم ورقي. إن منهجية فقهاء الإسلام التشريعية، لم تتعامل يوما مع المجتمع الإنساني موضوع التشريع، وفق طبيعته المعلومة، المتسمة بالحركية الدائبة والتطور المستمر والتغير الدائم، ولم يعمل الفقهاء تبعا لذلك، على فتح باب الاجتهاد، للإجابة تشريعيا على كل المحدثات والمستجدات التي يفرزها بما يضمن توازنه، و سيره الطبيعي والعادي، بل وعلى العكس من ذلك تماما، ظلت تنظر إليه كصرح ثابت وجامد ولا حياة تعتريه وتتخلله، وبالتالي انصب اجتهادهم على وضع نموذج مجتمعي مثالي صالح لكل زمان ومكان، وهو الذي أطلقوا عليه مجتمع السلف الصالح.
لم تكن المنهجية التشريعية غير العلمية التي تبناها فقهاء الإسلام، لتفرز إلا اختلالات بالجملة وعلى جميع الأصعدة والمستويات؛ وهو ما يفسر تاريخيا سر التخلف الحضاري للمجتمعات التي اعتمدت الفقه الإسلامي تشريعا، عن باقي المجتمعات الإنسانية التي اعتمدت قوانين وضعية قابلة للتغيير والتطور بحسب ما كانت تعرفه المجتمعات من دينامية وحركية.
على المستوى المنهجي؛ لا جدال في أن اعتماد منطلقات خاطئة، يفضي بالضرورة إلى نتائج خاطئة، وهذا ما يفسر كيف أخفق فقهاء الإسلام في مهمة التشريع للمجتمعات التي اعتمدت الفقه الإسلامي مادة تشريعية، فهم انطلقوا على الأقل من مسلمتين خاطئتين:
ـ المسلمة الأولى: حين اعتبروا أن المجتمع الإنساني، هو بنية ساكنة وجامدة ولا حياة فيها، فاعتمدوا تبعا لذلك على منهج تشريعي، يقوم على صلاحية المادة التشريعية ـ التي صلح بها مجتمع السلف ـ لكل زمان ومكان، وعلى أنه لن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فظلت مهمتهم الأساسية تبعا لذلك؛ هي لي عنق الواقع حتى يستجيب للنص الديني الذي شرع لمجتمع السلف، عوض الاجتهاد في إخراج تشريعات جديدة، تواكب التحولات التي تحدث بالمجتمع دون انقطاع، بما يضمن توازنه، وقدرته على الاندماج في عصره؛
ـ المسلمة الثانية: حينما اعتبروا أن النقل هو المصدر الوحيد للمعرفة، فأهملوا تبعا لذلك العقل ومنهجه المنطقي البرهاني الرياضي، معتبرين أن النقل وحده قادر على الاستجابة لكل حاجيات المجتمع في المادة التشريعية. لم يقتصر الأمر عند هذا الحد وحسب، بل إنهم ظلوا يكنون للعقل عداء شديدا حتى أنهم صنفوا الاشتغال به، كمخالفة دينية من الدرجة الأولى تفضي إلى الكفر والزندقة. وهكذا؛ وإذا كانت الإنسانية مدينة للمنهج العلمي الرياضي المنطقي في كل ما بلغته من تقدم وتحضر وتنمية... فإن فقهاء الإسلام، قد ارتكبوا جريمة شنعاء في حق مجتمعاتهم، حينما اضطهدوا العقل والمشتغلين به، وكفروا كل من اتخذ من منهجه العلمي الرياضي المنطقي منهجا لاشتغاله، وهو ما كان من نتائجه المباشرة، أن تخلف المسلمون عن ركب الحضارة الإنسانية، الذي تجاوزهم بسنوات ضوئية طويلة، بفضل العقل ومنهجه ذاك.
لقد كان من الطبيعي جدا، أن يفضي منهج يعتمد منطلقات ومسلمات خاطئة بالضرورة إلى نتائج خاطئة وبالجملة، كان لها من الاثار المدمرة، ما يسهل اليوم رصده بالعين المجردة.
ـ تقييد العقل جناية الفقهاء الكبرى:
يعتبر جيل دولوز أن " مهمة الفلسفة هي مقاومة الغباء"، فالفلسفة بما هي تحفيز للعقل غير منقطع على التفكير وطرح الأسئلة والبحث عن الحلول المناسبة، فهي تحفز الذكاء والفعالية العقلية، وبالتالي القدرة على التمييز بين الأفكار الصحيحة والسقيمة. إن الفلسفة بما هي كذلك؛ فإنها تقاوم الغباء الذي ليس هو إلا إفراز مباشر لجمود العقل وتكلسه، كنتيجة طبيعية لتعطيله والحجر عليه.
وهكذا؛ وحينما حرم الفقهاء الاشتغال بالفلسفة، وكفروا كل من اشتغل بها، وحينما أفردت السلطة السياسية تبعا لذلك، لتهمة التفلسف عقوبات جسدية قاسية بلغت حد القتل، فقد هيئ حينها تحالف السلطة السياسية ورجال الدين، التربة الخصبة المواتية لنماء الغباء والبلادة، وهي رديف الجهل والتخلف والانحطاط...
لقد ارتكب فقهاء الإسلام، جناية كبرى في حق المجتمعات التي أوكلت لهم فيها مهمة التشريع، حينما زاغوا عن المنهج العقلي، معتبرين النقل (النصوص الدينية) هو المصدر الأول والرئيسي للمعرفة، فجعلوا من العقل مجرد تابع وخادم للنقل. لقد وضع الفقهاء مبدأ أصوليا يؤكد على أن " ليس كل ما جاز عقلا جاز شرعا "، وهو المبدأ الذي كبل اشتغال العقل في البيئة الإسلامية، وحد من تأثيره وفعاليته بأن وضع أمامه متاريس من الخطوط الحمراء الكثيفة؛ فهم حددوا له مهمة حصرية غير مسموح له بأن يتعداها، وهي خدمة النقل من خلال مساعدة الفقهاء على فهم النص الديني، واستخراج الأحكام الشرعية المملاة عليهم من قبل السلطة السياسية، وهو ما عبر عنه الإمام الشاطبي حين قوله: " إن تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية، فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعا، ويتأخر العقل فيكون تابعا، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يشرحه النقل" (الموافقات ج 1 ص 87) فالعقل هنا، ليس هو ذاك العقل الحر الخالص، والموسوم بالجرأة والاستقلالية، والمنتج للأفكار والتصورات دونما رقابة أو وصاية، والمرتبط بقيم التحرر والحرية، والذي يعود له فضل كل التقدم والتطور الذي حققته الإنسانية على مدى قرون من الزمن، بل هو عقل مدجن، مكبل ومقيد بعدد لا حصر له من الضوابط الفقهية، والخطوط الحمراء الإيديولوجية، حددت له مهمة حصرية هي خدمة النقل، بما ييسر من مهمة فقهاء الإسلام على استخراج الأحكام الشرعية، المملاة عليهم من طرف السلطة السياسية، فكانت النتيجة المباشرة لكل ذلك، أن دبر الشأن العام للمسلمين بمنطق اللامنطق، في غياب هدى العقل ونوره ونجاعته وفعاليته فـ "من تمنطق فقد تزندق"،... وكان من الطبيعي والحالة تلك، أن تكون الحصيلة سلسلة غير منقطعة من الأخطاء التدبيرية القاتلة، تراكمت على مدى قرون طويلة، فأنتجت مجموعة من الاختلالات البنيوية العميقة، هي ما يفسر الوضع الذي تعيشه المجتمعات المسلمة منذ قرون، والموسوم بالتخلف والانحطاط، وانتشار الخرافة والفكر الغيبي، بل وتقديس الجهل واعتباره من صميم الدين.
إن التضييق على العقل، ورسم حدود اشتغاله حصريا في خدمة الغيب، جعل منه عقلا معطلا وعديم الجدوى، هذا إن لم نقل أن توظيفه بتلك الطريقة التعسفية والمهينة، أدى إلى نتائج عكسية لما يفترض أن يفرزه توظيف المنهج العقلي الرياضي المنطقي، في تدبير الشأن العام من نتائج إيجابية، ذلك أن الجمع بين العقل والغيب في تركيبة واحدة، هو كمن يحاول خلط الماء بالزيت قصرا، فاختلاف طبيعة كل منهما لم يكن يوما بسيطا ولا سهلا حتى يمكن الجمع بينهما في منهج واحد، بل هو اختلاف جدري وعميق لا يسمح أبدا بأن يجتمعا في بوتقة واحدة، من دون أن يؤدي ذلك إلى اختلالات بالجملة. إن توظيف العقل في مجال الغيب، يفقده بالضرورة هويته العلمية البرهانية الرياضية المنطقية، غير القابلة للتغيير أو التجزيء أو التدجين، ويحد من فعالية ونجاعته، وهو ما يمكن القول معه، أن غاية الفقهاء لم تكن يوما هي توظيف العقل في خدمة النقل، لإدراكهم التام والجازم، بأنه لن يستجيب لرغبتهم تلك، ولن ينصاع لهم ولحاجياتهم التشريعية، كون طبيعته لا تتلائم ومجال اشتغالهم الغيبي الميتافيزيقي، فالعقل لا يمكنه أن يشتغل بشكل سليم إلا في البيئة المواتية له، وهو بهذا المعنى كما بعض الكائنات الحية التي لا يمكنها العيش أبدا خارج المجال البيئي والطبيعي الملائم لها، ولطبيعتها الفيزيولوجية وتركيبتها البيولوجية.
لقد سعى فقهاء الإسلام إلى تدجين العقل والحد من فعاليته من خلال تعطيله عبر ربطه بالنقل، وهذا ما نفهمه من مقولة الشافعي التالية: "إن العقل يجب ان يكون عقلا مستنيرا بنور الشريعة"، فالشافعي يحدد للعقل مجال اشتغاله حصريا في خدمة الشريعة، وإلا اعتبر عقلا شاذا وغير مستنير، من دون أن يوضح من أين يمكن للشريعة أن تستمد النور الذي قد تنير به العقل؟ ولا كيف يمكنها ذلك وهي المستمدة من تصورات لاهوتية غيبية لا دليل على صحتها، فيما المنهج العقلي يظل صارما ومتشددا ومنضبطا، ولا يمكنه أن يؤمن ولا أن يقبل بغير ما ثبت بالدليل والبرهان القاطعين؟
لقد كان من الطبيعي جدا أن ينحصر الفكر العقلاني في المجتمعات التي هيمن فيها الفقهاء، وكان من المنطقي جدا تبعا لذلك، أن يكون المصير الذي لازمها، هو التخلف والانحطاط والانحدار إلى أسفل سلم الحضارة الإنسانية.
ـ تحريم الاشتغال بالعلوم العقلية:
حصر فقهاء الإسلام مفهوم العلم في العلوم الشرعية دون غيرها، فالعلم النافع بحسب تصنيفهم ليس إلا العلم بأمور الشريعة الإسلامية دون غيرها، وما عداه فليس بنافع، وهو التعريف الذي أورده أبن رجب الحنبلي حين قوله: " فالعلم النافع هو ضبط نصوص كتاب الله والسنة وفهم معانيها، والتقيد بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام والزهد والرقائق والمعارف وغير ذلك " (فضل علم السلف على علم الخلف ابن رجب الحنبلي ص 45)، وهذا ما يزكيه كذلك ابن حجر العسقلاني في شرحه " والمراد بالعلم العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر عبادته ومعاملاته والعلم بالله وصفاته". (فتح الباري ج 1 ص 141). فما عدا العلم الشرعي، فكل الحقول المعرفية الأخرى لا تصنف داخل دائرة العلم، وفي أحسن الأحوال ضمن العلم النافع، وهذا هو التعريف الذي أورده كذلك الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، حين أوصى ورغب في دراسة العلوم الشرعية دون غيرها من العلوم، حيث قال: " وبهذا تبين أن أشرف العلوم العلم بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله والعلم بالطريق الموصل إلى هذه العلوم فإياك أن ترغب إلا فيه وأن تحرص إلا عليه ". لقد حرم فقهاء الإسلام الاشتغال بالفلسفة والمنطق وكل العلوم العقلية، وهي الحقول المعرفية التي كان لها كل الفضل في كل التطور والتقدم الذي عرفته البشرية، وهذا ما يوضحه ابن تيمية حين قوله "وكون الواحد منكم حاذقاً في طب، أو نجوم، أو غرس، أو بناء، هو لقلة معرفتكم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وعبادته، وقلة نصيبكم وحظكم من هذا المطلب، الذي هو أجلّ المطالب، وأرفع المواهب، فاعتضتم بالأدنى عن الأعلى، إما جهلاً أو تفريطاً "، فشيخ الإسلام هنا وبكل ثقة في النفس، يتهم كل المثقفين الذين اشتغلوا في مجالات معرفية أخرى غير الدينية بالجهل، مصنفا العلم الشرعي على أنه أعلى مرتبة من المجالات المعرفية الأخرى، وهي المجالات التي كان ولا يزال وسيظل لها تأثير مباشر على تحسين وتجويد حياة الإنسان ورفاهيته مثل الطب والزراعة والبناء...ولنا أن نتصور كيف كان يمكن للمجتمع الإنساني أن تكون أوضاعه اليوم، لو التزم بفتاوي ابن تيمية ذاك وغيره من الفقهاء، واكتفى بدراسة العلم الشرعي دون غيره؟
ولا يقتصر الأمر بحسب فقيهنا شيخ الإسلام بن تيمية، في الدفاع عن وجهة نظره من الاشتغال بالحقول المعرفية العقلية الأخرى دون الشريعة وحسب، بل يتعداه حد تصنيف ذلك ضمن الخطايا والكبائر الدينية ما دام أن: "الكيمياء محرمة باطلة " بل هي " أشد تحريما من الربا "، وما دام " إن كفار اليهود والنصارى أشرف علماً وعملاً من الفلاسفة”. وهم الذين "... أفسدوا على الناس عقولهم وأديانهم".
ويذهب الشافعي أبعد مما ذهب إليه ابن تيمية، بأن شرعن اضطهاد الفلاسفة والمتكلمين، وأجاز التنكيل بهم حين قوله: " حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر والقبائل يقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام ".
لم يكن فقهاء الإسلام بتحريمهم الاشتغال بالحقول المعرفية العقلية، يعبرون إلا عن توجه السلطة السياسية، باعتبارهم مثقفيها والمعبرين الإيديولوجيين الرسميين عن توجهاتها، ولم يكن بالتالي السماح بالاشتغال بالشريعة دون غيرها، بل وبالنسخة الرسمية منها فقط، إلا بسبب كونها الصرح الإيديولوجي للسلطة الحاكمة، وهو ما يعني أن السلطة السياسية، قد وظفت الدين إيديولوجيا كوسيلة فعالة للتحكم في الرعاع أو الدهماء بحسب النعوت القدحية والتحقيرية التي كان يطلقها الفقهاء على عامة الناس.
لقد استثمرت السلطة السياسية في انتشار الغباء والجهل، حين محاربتها للفلسفة وتضييقها على العلوم العقلية، وحين فرضها لنسخة دينية رسمية وحيدة، وحين رسمت حدود اشتغال العقل بشكل دقيق لا يتعدى خدمة النقل، وهو ما روج له الفقهاء على نطاق واسع، بل وأفردوه أهمية بالغة حتى أنهم أجمعوا ـ وقلما يجمعون ـ على أن الجهل أنفع للمرء من الاشتغال بالعلوم بما فيها العلم الشرعي نفسه، وهو ما عبر عنه صراحة وبكل الوضوح الممكن، أبي حامد الغزالي حين قال: " ولا ينكر كون العلم ضاراً لبعض الناس كما يضر لحم الطير وأنواع الحلوى اللطيفة بالصبي الرضيع، بل رب شخص ينفعه الجهل ببعض الأمور". ولعل هذا التوجه هو ما كان من وراء المحنة، التي تعرض لها فيلسوف قرطبة ابن رشد، من قبل السلطة السياسية، بعد أن اتهم بالإلحاد والزندقة، وتم نفيه وحرق كتبه، وكانت التهمة بحسب ما هو مثبت بمنشور الخليفة هي الاشتغال بالعلوم العقلية، إذ نقرأ: " وقد كان في سالف الدهر قوم... خلدوا في العالم صحفاً، مالها من خلاق، مسودة المعاني والأوراق.. يوهمون أن العقل ميزانها، والحق برهانها... ونشأ منهم شياطين يخادعون الله والذين آمنوا... فكانوا أضر عليها من أهل الكتاب... فاحذروا ـ وفقكم الله ـ هذه الشرذمة حذركم من السموم السارية في الأبدان. ومن عُثر له على كتاب من كتبهم فجزاؤه النار التي بها يعذب أربابه، وإليها يكون مآل مؤلفه وقارئه ومآبه... والله تعالى يطهر من دنس الملحدين أصقاعكم ويكتب في صحف الأبرار تضافركم على الحق واجتماعكم، إنه منعم كريم ".
إن التهمة هنا محددة بدقة شديدة وواضحة بشكل جلي، وهي الاشتغال بالعقل (يوهمون أن العقل ميزانها) وهي التهمة التي تحيل على تهمة أخرى دينية خطيرة وهي الإلحاد؛ فالاشتغال بالعلوم العقلية يعني الإلحاد (والله تعالى يطهر من دنس الملحدين أصقاعكم) وهو ما يترتب عنه بالضرورة جزاء أخروي وهو "... النار التي يعذب بها أربابه" بل إن العذاب بالنار لا يقتصر على واضع الكتاب وحسب، بل ويتعداه إلى قارئه أيضا "وإليها يكون (أي النار) مآل مؤلفه وقارئه".
لقد أوضح المنشور بكل وضوح، موقف السلطة السياسية من كل العلوم العقلية، وتوجسها الشديد من مضامينها، كونها تهدد الاستقرار الضامن للاستمرارية التي تظل أعز ما يطلب بالنسبة للحاكم المستبد، ومن ثمة، تصبح العلوم العقلية (أشد ضررا من أهل الكتاب)، ويصبح تبعا لذلك؛ واجبا دينيا إعدام تلك الكتب على كل مسلم وقعت بين يديه، عبر حرقها بالنار التي يعذب بها أربابها، بل وحتى قارئها.
وكما هي عادة فقهاء الإسلام متى رغبوا في تأصيل أمر من الأمور وشرعنته دينيا، فقد جاؤوا بنصوص دينية حديثية نسبوها للنبي، ليؤكدوا على أن العلم الوحيد المرخص الاشتغال به من قبل الإله، هو العلم الشرعي دون غيره، وهكذا جاؤوا بحديث " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله به طريقا إلى الجنة". فالعلم بحسب هذا النص ليس إلا التفقه في الدين، وهو وحده الكفيل بضمان بطاقة ولوج الجنة.
لقد كانت العلوم الشرعية، هي المعبر الإيديولوجي عن السلطة السياسية الحاكمة، وهو ما يفسر التوجه الرسمي في تشجيع الاشتغال بها دون غيرها، وهو ما زكاه الفقهاء دينيا حينما جعلوا من ذلك ضمانة موثوقة لدخول الجنة، لكن وجب التنبيه هنا، أن الاشتغال بالعلوم الشرعية لم يكن على إطلاق، بل إن المقصود بالعلوم الشرعية بحسب فقهاء السلطة، هي تلك النسخة الرسمية التي أقرتها السلطة السياسية، والتي صنفت ما عداها داخل دائرة الزندقة والخروج عن صحيح الدين، حتى أن فقهاء السلطة عبروا عن ذلك من خلال وضع حديث نسبوه إلى النبي، يؤكد على أن الحقيقة كل الحقيقة، تمتلكها فرقة واحدة دون غيرها، هي من سيفوز بنعيم الجنة ، وهي فرقة أهل السنة والجماعة المتحدث الرسمي والمعبر الإيديولوجي الوحيد عن السلطة الحاكمة، يقول الحديث: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل من هي يا رسول الله ؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي." (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم).
لا غرابة إذن، وفي ظل وضع سياسي تلك هي سماته الكبرى، أن يكون موقف الفقهاء بما هم مثقفو السلطة السياسية، هو العداء لكل فكر غير رسمي، خصوصا ما تعلق بالعلوم العقلية، وهي العلوم التي كانت السلطة السياسية تكن لها عداء شديدا، كونها ظلت خصما فكريا شرسا، للفكر الديني الغيبي الذي اعتمده الحاكم مرجعية إيديولوجية، استند عليها ليستمد شرعيته السياسية من الإله مباشرة، وهو العداء الذي ترجمه فقهاء السلطة دينيا حينما حرموا الاشتغال بكل تلك العلوم، وصنفوا المشتغلين بها في خانة الشرك والزندقة وممارسة السحر والشعوذة ...فهذا شيخ الإسلام ابن تيمة، يتحدث عن الكيمياء قائلا:" والكيمياء أشد تحريما من الربا" وعن المنطق والفلسفة "من تفلسف تمنطق ومن تمنطق فقد تزندق" ومن الرياضيات: " لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى، وما لم يقم عليه الدليل فظنون وأباطيل ".
لا يمكن بالمطلق، والسلطة السياسية، تكن كل ذلك العداء الشديد، للعقل ومناهجه وعلومه وكل إنتاجاته العلمية والمعرفية، وأن تضيق عليه أشد ما يكون التضييق، أن نتصور نتيجة أخرى غير هذه الحصيلة الثقيلة من التخلف والجهل والانحطاط، التي لازمت المجتمعات المسلمة منذ أن تبنت السلطة السياسية بها الفكر الديني كإيديولوجية رسمية للدولة، وجعلت منه "العلم الشرعي" الوحيد المسموح الاشتغال به، بأن حاربت وضيقت على ما دونه من علوم عقلية. وهي التجربة نفسها التي عاشتها المجتمعات الأوربية الغربية، حينما كان الكهنوت الديني، جاثما على أنفاسها لقرون عديدة، فهي عاشت تجربة مطابقة تمام التطابق، لما عاشته وتعيشه المجتمعات المسلمة من جهل وتخلف وقهر سياسي واجتماعي... كنتيجة طبيعية لهيمنة الكهنوت على تدبير الشأن الدنيوي، وعدائه الشديد للعقل وإنتاجاته، وهي التجربة التي ما كان لها أن تنتهي إلى تلك المآلات السعيدة، ولا أن تحقق شيئا مما حققته على درب التقدم والرقي والتنمية... لولا أن أزاحت من طريقها سطوة وهيمنة الكهنوت الديني، وبالتالي رجحت كفة العقل والعلم على حساب الفكر الغيبي الكنسي.
صادفنا ونحن بصدد إنجاز هذا المبحث، حديث نبوي هو عبارة عن دعوة ملحة لتحمل المشاق مهما بلغ حجمها في سبيل طلب العلم، يقول نص الحديث: "اطلبوا العلم ولو في الصين" (أخرجه ابن عدي والبيهقي). وما أثارني في هذا الحديث حقا، هو أن المراد بكلمة العلم الواردة فيه، لا يمكن بحال أن تعني العلم الشرعي، ذلك أن طلب هذا الصنف من العلم لا يمكن أن يكون في دولة الصين التي لم تكن زمن النبي، قد بلغتها جيوش المسلمين بعد، ولم تكن الصين حينها على علم بدين اسمه الإسلام ولا بعلوم شرعية. وهكذا زاد حماسي لفترة، كوني وجدت نصا دينيا قد يسعفني في الرد على الفقهاء، على أن غاية الدين هي طلب العلم على إطلاقه دونما تمييز، وأن حصر العلم في العلوم الشرعية دون غيرها لم يكن إلا غاية الحاكم وفقهاء السلطة فقط، لكن وحين تعميق البحث، وجدت أن رجال الحديث قد ضعفوا هذا النص، ولم يأخذوا به، فقد قال عنه البيهقي: " متنه مشهور وأسانيده ضعيفة "، وقال عنه الإمام المناوي: " باطل لا أصل له"، وهو ما زادني يقينا على الرغم من ذلك، أن حصر العلم في العلوم الشرعية دون غيرها، لم يكن من مقاصد الدين، بل من مقاصد السلطة السياسية الذي ترجمها الفقهاء دينيا، فتضعيف هذا الحديث ما كان له أن يكون، لو كان بإمكان الفقهاء تفسير كلمة العلم الواردة فيه على أن المقصود بها هو العلم الشرعي، وحيث أن ذلك لم يكن ممكنا، بالنظر إلى الأسباب السابق ذكرها، فقد كانت أقرب طريق لتعطيله وإزاحته هو تضعيفه.
على سبيل الختم:
إن العقل هو المصدر الوحيد للمعرفة الصحيحة والموثوقة، فمنهجه الاستدلالي البرهاني، المستند على السببية وعدم التناقض، يعد الضمانة الرئيسية والموثوقة على صحة ما ينتجه من أفكار ومعارف، وهذا التعريف هو مطابق للتعريف الذي قال به الكندي (وهو الذي كفره فقهاء الإسلام) في تعريفه للعقل على أنه: "جوهر بسيط مدرك للأشياء بحقائقها".
لا يمكن للمعارف مهما كانت طبيعتها، أن توسم بالصحة واليقينية من دون أن ترد إلى العقل، فهو الميزان القادر على فرز الأفكار وتصنيفها بحسب معيار الصحة والموثوقية، فمبادئه يقينية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وهو تبعا لذلك؛ يعتبر المصدر الوحيد للمعرفة الصحيحة والموثوقة والشمولية، القابلة للتعميم على كل العقول البشرية في كل زمان ومكان.
لا يمكن بحال من الأحوال وتبعا لما سبق، بلوغ التقدم والتنمية في أي مجتمع إنساني كان، من دون الاعتماد والارتكاز على المعرفة الصحيحة، ولا يمكن بلوغ ذلك الصنف من المعرفة من دون إعمال العقل، والثقة في منهجه الاستدلالي البرهاني الصارم والفعال. وهكذا؛ وبمفهوم المخالفة، متى ابتعدت المجتمعات الإنسانية عن المنهج العقلي، متى حال ذلك بينها وبين المعرفة الصحيحة، ومتى كان مصيرها هو التخلف والانحطاط وانتشار الغباء والجهل...
لقد ارتكب فقهاء الإسلام جنايتهم الكبرى في حق المجتمعات التي جثموا ـ ولا يزالون ـ على أنفاسها، حائلين بينها وبين المعرفة الصحيحة، وبالتالي بينها وبين بلوغ التقدم والتطور، حين حرموا الاشتغال بالعقل، وكنوا له العداء الشديد، وكفروا كل المفكرين المستنيرين الذين اعتمدوه منهجا ونبراسا لبلوغ المعرفة الصحيحة، القادرة على انتشال مجتمعاتهم من التخلف والانحطاط.
لم يكن من الممكن للفقهاء أبدا، بالنظر إلى الدور الذي حدده لهم الحاكم المستبد، أن يعتمدوا منهج العقل وطريقته الاستدلالية الاستنباطية، في إنتاج الأفكار المكونة للصرح الإيديولوجي للسلطة السياسية الحاكمة، فالعقل بما هو ميزان الفكر القادر على غربلة الأفكار صحيحها من سقيمها، فهو غير معد طبيعيا ليكون حليفا للحاكم المستبد، ومنتجا تبعا لذلك للأفكار المكرسة للاستبداد والقهر والظلم والطغيان... كونها أفكار فاسدة غير صحيحة، فيما هو مختص في إنتاج المعرفة الصحيحة دون غيرها.
إن العقل حليف للفضيلة، ولمكارم الأخلاق، وللقيم الإنسانية النبيلة... ولا يمكنه تبعا لذلك أن يشتغل من دون أن تكون تلك المرجعية الأخلاقية، هي موجهه ونبراسه في إنتاج الأفكار الصحيحة. العقل لا يمكنه أن يؤدي وظائفه بفعالية إلا في مناخ مفعم بالحرية، وهو تبعا لذلك غير معد لإنتاج الأفكار تحت الطلب، كونه موسوم بالصدق والجرأة اللتان تحولان دونه ودون التواطؤ مع الطاغية، لشرعنة ما لا يستسيغه ولا يقبله منطقه الصارم المتشدد الميال إلى الخير والفضيلة. وهذا هو ما يفسر لماذا ظل العقل العدو الأول للفقهاء وللحاكم المستبد.