الفقه الإسلامي ومقاصد الدين - محمد نيات

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

    تعتبر القوانين الوضعية اليوم، هي المرجعية الرئيسية في التشريع للدولة الحديثة، وهي المرجعية المؤطرة بمجموعة من المواثيق والقوانين والبروتوكولات والقيم والمبادئ الدولية...التي صادقت عليها الدول المنضوية تحت لواء منظمة الأمم المتحدة، والتزمت بالتقيد بمضامينها حين وضع قوانينها الداخلية، ولم يعد من المقبول تبعا لذلك، أن تشرع أي دولة لقوانين تخالف مضامين تلك التوافقات، وهذا ما يفسر كيف استعاضت الدول الإسلامية الحديثة، عن المرجعية الفقهية في التشريع، كونها تخالف في العديد من أحكامها المرجعية الدولية، ففقه العبيد مثلا، وكما أخرج أحكامه فقهاء الإسلام، يعتبر اليوم بلغة القانون الدولي، جرائم ضد الإنسانية، ما دام أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يؤكد في مادته الرابعة على أنه " لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده، ويحظر الرق والاتجار بالرقيق بجميع صورهما ". كما وأن فقه الجهاد، بما يتضمنه من أحكام تخص جهاد الطلب، ليعتبر اليوم وبنفس معيار القانون الدولي، اعتداء غاشما على دولة ذات سيادة، وهو ما يصنف ضمن الجرائم الدولية، التي تقتضي فرض عقوبات قاسية على الدولة المعتدية. والشيء نفسه ينطبق على ما سنه فقهاء الإسلام من أحكام تخص فقه الحدود، ذلك أن كل العقوبات البدنية، أصبحت اليوم بلغة القانون الدولي، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

   لكن لماذا تجاوز الواقع الأحكام الفقهية، أو إن شئنا الدقة، لماذا لم يواكب الفقه الإسلامي حاجيات المجتمع في المادة التشريعية؟ ولماذا أخفق فقهاء الإسلام في مسايرة التطور الطبيعي للمجتمع الإنساني وما يفرزه من مستجدات ومحدثات؟

   يمكننا القول ـ قبل التفصيل في ذلك ـ أن الأمر يعود إلى سبب رئيسي؛ وهو المتمثل في توظيف الدين في السياسة، ففقهاء الإسلام، لم يكونوا أكثر من مثقفي السلطة ومنظريها، وقد كانت مهمتهم الأساسية هي تخريج الأحكام وفق حاجيات الحاكم المستبد.

   لقد كان من النتائج المباشرة لتشكيل السلطة السياسية لمذاهبها الدينية الرسمية، ولقرارها إغلاق باب الاجتهاد بعد ذلك، أن حدث جمود في عملية التشريع، فظهرت تبعا لذلك فجوات تشريعية كبرى، أخلت بالسير الطبيعي والعادي الذي كان من المفترض، أن تسير عليه تلك المجتمعات.

  لقد عمل الفقهاء تنزيلا لقرارات السلطة السياسية تلك، على التضييق على عملية الاجتهاد، بعدد من الآليات المنهجية الصارمة، التي كرست الجمود والاتباع، وضيقت بشكل كبير على حرية الإبداع والتفكير.    ـ الخط التشريعي للفقهاء والتضييق على الاجتهاد:

 

 التشريع الفقهي في الإسلام مؤطر بقواعد منهجية عديدة، هي ما حددت معالم الخط التشريعي الذي سار على نهجه فقهاء الإسلام على مر العصور، وهي القواعد المنهجية التي تتحد جميعها في توسيع دائرة الإلزام، والتضييق من دائرة المباح، وتنبذ الاجتهاد واستخدام العقل، وتقدس النص والتقليد... لقد كان العنوان الأبرز للخط التشريعي الذي سار على نهجه فقهاء الإسلام، هو القائل بــ: "شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" والمستمد من حديث نبوي صحيح رواه مسلم.

   لقد كان من الطبيعي جدا، وفقهاء الإسلام يتقيدون بهذه المنهجية في التشريع، أن تحدث فجوة كبرى بين ما استخرجوه من أحكام، وبين المتطلبات التشريعية الآنية والحقيقية للمجتمعات التي أوكلت إليهم مهمة التشريع لها، ذلك أن التزامهم بتلك المنهجية، لم يكن من الممكن أن يؤدي إلا إلى التضييق الشديد على الاجتهاد، وهو الضامن لمسايرة التشريع لحركية المجتمع وتطوره المستمرين. لقد ظل الفقهاء تبعا لتلك المنهجية، ينظرون إلى المجتمع البشري كما لو كان بنية ساكنة وراكدة ولا حياة فيها، ما داموا يعتبرون أن كل ما يفرزه من محدثات، على أنه شر الأمور، وزيغ وانحراف عن الطريق المستقيم، مما تستوجب مقاومته والتصدي أو تجاهله في أحسن الأحوال.

     علم الاجتماع البشري، يؤكد على حقيقة أن المجتمعات الإنسانية نابضة بالحياة، وبكونها وتبعا لذلك، تفرز ومن دون انقطاع، الكثير من المحدثات والنوازل، وهو ما يتطلب ممن أوكلت إليه مهمة التشريع، المواكبة المستمرة لما يفرزه التطور الطبيعي للمجتمعات من مستجدات، دون إغفال أو مراعاة خصوصية كل مجتمع على حدة، بما يضمن مصالح الفرد والمجتمع. هذا إذا لم تكن للمشرع رؤية استباقية، تجعله يتوقع المسارات المحتملة للتطور المجتمعي، ويشرع لها بشكل استباقي، لكن فقهاء الإسلام، ظلوا ينظرون إلى المجتمع كبنية راكدة وساكنة، وغير مسموح له بالتالي أن يفرز أي محدثات أو جديد، وأنه متى حدث ذلك، اعتبر انحرافا وزيغا، بل وتطاولا على ما سنوه من أحكام ثابتة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.

   لقد تحكمت تلك القاعدة المنهجية في تشكيل العقل الفقهي، ووجهت اشتغاله لقرون طويلة، وقد كانت كلفة ذلك جد باهظة، كونها عرقلت المسارات الطبيعية، التي كان من المفترض أن تسير عليها المجتمعات التي أوكلت فيها مهمة التشريع للفقهاء، وهو ما يفسر اليوم تذيلها لقائمة الدول من حيث مستويات التقدم والتنمية.

   لقد ظل فقهاء الإسلام، يرفضون باستماتة وإصرار كل جديد يجيء به تطور المجتمع الإنساني، بغض النظر عن مساوئه أو منافعه، فكان التحريم هو الحكم الشرعي الذي ظلوا يشهرونه في وجه كل جديد، كما سنرى ببعض من التفصيل فيما سيأتي.

   قاعدة منهجية أخرى وجهت عمل فقهاء الإسلام، وهي القائلة بـ: "لا اجتهاد مع نص"، وهي القاعدة التي عطلت هي الأخرى الاجتهاد، وحدت من ملكات الإبداع والتفكير والابتكار... وكرست مقابل ذلك نهج التقليد والجمود والاتباع.

    تتسم هذه القاعدة كما سابقتها بعدم علميتها، فهي الأخرى تنظر إلى المجتمع كبنية جامدة وساكنة، ما دامت تعتبر أن النص الذي قد يكون صلح لزمان ومكان ما، يبقى صالحا لجميع الأزمنة والأمكنة، على الرغم من كل المحدثات التي يجيء بها التطور الطبيعي للمجتمعات، والحال؛ أن النص الديني ومهما كان تفصيله، يبقى ضيقا على أن يستوعب الواقع بكل تعقيداته، ولا أن يتوقع المستقبل بكل محدثاته ونوازله.

   إن اعتماد المنهج القائل بألا اجتهاد مع نص، والذي يعني بالضرورة صلاحية النصوص الدينية لكل زمان ومكان، يعني منهجيا غلق باب الاجتهاد، ما دام أن الفقهاء كانوا مصرين على أن النص الديني الذي شرع لأمر ما في زمن ما، سيظل يستجيب إلى ما لا نهاية لحاجيات المجتمع التشريعية، إذ يصبح الاجتهاد والحالة هاته، مقيدا بالنص الديني، وغير مسموح له بتجاوزه، وتصبح مهمة المشرع تبعا لذلك، هي البحث لكل نازلة عن حكم شرعي سابق، أو نص ديني يسعفه في استخراج الحكم المناسب لتلك النازلة. 

  لقد كان من الطبيعي، وفقهاء الإسلام منضبطون لقاعدة " لا اجتهاد مع نص "، أن يجدوا أنفسهم في مأزق حقيقي، وهم يقفون على حقيقة أن الواقع يتجاوز بكثير إمكانية النص الديني، في أن يحيط بمختلف المحدثات والنوازل العديدة والمتباينة وغير المنقطعة، باعتبارها إفرازات طبيعية لحركية المجتمع وتطوره المستمرين، وللخروج من هذا المأزق ابتكروا آلية منهجية عرفت بالقياس، وهي المنهجية التي اعتمدت مبدأ لي عنق النص حتى يستجيب للواقع، واعتصاره اعتصارا حتى يُستخرج منه عضبا الحكم الشرعي المراد استخراجه، حتى أن ذلك مكنهم من التطاول على اختصاص حصري للإله، وهو المتمثل في الإباحة والتحريم، وهذا ما يبدو واضحا من قولة الشافعي التالية: "أن يكون الله أو رسوله حرم الشيء منصوصا، أو أحله لمعنى، فإذا وجدنا ما في مثل ذلك المعنى فيما لم ينص فيه بعينه كتاب ولا سنة: أحللناه أو حرمناه؛ لأنه في معنى الحلال والحرام" (1)

  إن الشافعي يقر هنا، وبكل الوضوح الممكن، على أنه تقمص دور الإله في التشريع (فإذا وجدنا ما في مثل ذلك المعنى فيما لم ينص فيه بعينه كتاب ولا سنة: أحللناه أو حرمناه) من دون أن يفصح عن الجهة التي منحته تلك الصلاحية، التي هي اختصاص حصري للإله، فحتى الرسول لم تكن مهمته تشريعية، بل كانت تبليغية ليس إلا، وهو ما أكدته مجموعة من الآيات القرآنية كالآية 9 من سورة الأحقاق:" قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين" والآية 99 من سورة المائدة "ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون". إن الشافعي يعطي لنفسه الحق في أن يحلل ويحرم فيما لم ينص عليه فيه بعينه كتاب ولا سنة، هذا في الوقت الذي نجد فيه أن الإله يؤكد على أن ما لم يأت فيه حكم بعينه فهو مباح صريح ومقصود، ولم يكن عن سهو أو نسيان، بل يؤكد على إن غايته من ذاك العفو هي توسيع دائرة الحرية والمباح ورفع المشقة عن المؤمنين، وهذا ما توضحه الآية 64 من سورة مريم: "وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان الله نسيا " وما يوضحه الحديث القائل:" الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله العافية، فإن الله لم يكن نسيا" ثم تلا " وما كان ربك نسيا" ". فكيف يمكن القبول إذن بأن تمتد يد البشر لتحرم ما أحل الله؟ وبأي حق قيد فقهاء الإسلام ما جعله الله عافية ورحمة؟ وهل يمكن الحديث بعد أن امتدت يد البشر للتشريع باسم الإله عن دين سماوي خالص؟

   إن هذه النصوص الدينية وغيرها كثير، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك، على أن تخريج أحكام الإباحة والتحريم هي مهمة إلهية حصرية، وليس لأحد مهما كان أن يقتحمه ولا أن يفتي فيه، ويبدو هذا الأمر أكثر وضوحا في الآية 1 من سورة التحريم: "يا أيها النبي، لم تحرم ما أحل الله لك، تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم"، فالنبي نفسه لم يكن له أن يحرم شيئا مما أحله الله، وما تأنيب الإله له في هذه الآية سوى توكيد على هذه الحقيقة، فالسؤال هنا استنكاري، اتخذ طابع التقريع والتأنيب، لجسامة الهفوة التي ارتكبها النبي وهو يقتحم مجالا خاصا بالإله، حين حرم شيئا أحله الله (لم تحرم ما أحل الله لك)، وهذا ما تؤكد عليه بكل الوضوح الممكن الآية 116 من سورة النحل: " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون"، وهي الآية التي فسرها القرطبي في تفسيره كما يلي: " ومعنى هذا: أن التحليل والتحريم إنما هو لله ـ عز وجل ـ وليس لأحد أن يقول أو يصرح بهذا في عين من الأعيان، إلا أن يكون البارئ ـ تعالى ـ يخبر عنه".

  واضح إذن، أن الشافعي وغيره من فقهاء الإسلام، قد تقمصوا ـ عن سبق إصرار ومعرفة ـ دور الإله في التحريم والإباحة، فهل يمكن الحديث بعد كل هذا عن دين سماوي خالص؟

   لقد اعتمدت آلية القياس، على رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم، فبحسب الفقهاء، لا تخلو أي نازلة مهما كانت طبيعتها من حكم الله، فقط يجب إلحاقها بما يشبهها مما هو منصوص على حكمه عبر توظيف آلية القياس.

   إن القياس بالمعنى الذي اشتغل به الفقهاء، ليس في آخر المطاف إلا عملية اجتهاد بشرية، أفضت إلى تقمص الفقهاء لدور الإله في الإباحة والتحريم، حتى أنهم حرموا بعضا مما أحله الله، وحرموا بعضا مما أحله، ولتوكيد هذه الحقيقة نورد هنا مثالا صادما يتفادى رجال الدين المسلمين الخوض فيه، وهو المتعلق بـ "الحكم الشرعي" الذي أخرجه الشافعي والقاضي بإباحة زواج الرجل من ابنته من الزنى، يقول الماوردي في الحاوي الكبير في فقه مذهب الشافعي: " فأما وطء الزنا فلا يتعلق به تحريم المصاهرة بحال، فإذا زنا الرجل بامرأة لم تحرم عليه أمها ولا بنتها، ولم يحرم على أبيه ولا على ابنه"(2) ليضيف بوضوح أكثر: " وإذا لم يلحق ولد الزنا بالزاني، وكانت ثيبا جاز للزاني أن يتزوجها عند الشافعي" (3)، هذا في الوقت الذي نجد فيه أن الله قد حرم ضمن المحرمات الحصرية التي جاء بها القرآن، عددا من النساء على الرجل من ضمنها بناته، وهذا ما يبدو واضحا في الآية 23 من سورة النساء: " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم الاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبناكم الذين من أصلابكم وأن يجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما". 

  وبغض النظر عن التخريجة الفقهية التي اتبعها الشافعي لاستخراج هذا "الحكم الشرعي" المشين والمقيت، فإنه يمكن التعليق على هذا الأمر كما يلي:

ـ أن تحريم زواج الرجل من ابنته جاء واضحا في النص القرآني الوارد أعلاه؛

ـ أن الشافعي تجاهل عن قصد الحكم الشرعي الوارد في الآية، وهو يتقمص دور الإله في الإباحة لشيء محرم بنص قطعي الدلالة والثبوت، من دون أن يفصح عن الجهة التي منحته هذه الصلاحية؛

ـ أن هذا "الحكم الشرعي" وبغض النظر عن التخريجة الفقهية التي تم اتباعها في استخراجه، ليعتبر حكما غريبا وشاذا، كون النفوس البشرية السوية تشمئز منه أيما اشمئزاز، وكون الفطرة الإنسانية السليمة تمقته غاية المقت؛ فزواج الرجل من ابنته لم ولا تعمل به حتى المجتمعات البدائية التي لم تصلها أي رسالة سماوية، كونه مخالف للفطرة الإنسانية السليمة التي فطر الله الإنسان عليها؛

ـ أن هذا "الحكم الشرعي" الغريب الذي جاء به الشافعي، لم يحض بإجماع فقهاء المذاهب الأخرى إذ نقرأ لأبي حنيفة قوله:" الزنا كالحلال في تحريم المصاهرة، فإذا زنا رجل بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها" (4)

    الخلاصة الرئيسية التي يمكن الخروج بها ونحن نورد هذا المثال (وغيره كثير)، هو أن يد البشر، أو إن شئنا الدقة، يد السلطان قد امتدت إلى تشكيل الدين، فأنتجت لنا نسخة بشرية طمست مقاصده الأصلية، ونسخت كل ما جاء به من قيم فضلى ومكارم الأخلاق.

    لقد كانت غاية الحاكم المستبد، هي التحكم في مفاصل المجتمع عبر التضييق على الحريات إلى أقصى الحدود الممكنة، فإذا كان الإله قد حدد المحرمات بشكل حصري في أربعة عشر ليس إلا، وجعل ما سواها مباحا، فإن ذلك يعني أن غاية الإله كانت هي ترك مجال واسع من الحرية للبشر، حتى يدبروا شؤونهم وفق المقاربة التي جاء بها الحديث النبوي "أنتم أعلم بشؤون دنياكم "، إلا أن الحاكم وفي سعيه الدؤوب إلى فرض سطوته على الرعية، لم يكن ذلك التوجه القرآني ليسعفه على تحقيق غاياته في الهيمنة والاستبداد، لذلك، فقد كانت مهمة الفقهاء الأولى، هي ترجمة رغبته تلك تشريعيا، ولم يكن ذلك ممكنا من دون العمل على تقليص دائرة المباح مقابل توسيع دائرة الإلزام، وهذا ما  استنكره فقيه كبير من حجم ابن حزم الأندلسي حين قوله: " فجمع هذا الحديث (ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فآتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) (جمع) جميع أحكام الدين أولها عن آخرها، ففيه أن ما سكت عنه فلم يؤمر به ولا نهى عنه فهو مباح، وليس حراما ولا فرضا، فالشريعة كلها إما فرض يعصى من تركه، وإما حرام يعصى من فعله، وإما مباح لا يعصى من فعله ولا من تركه " (5)

  إن ابن حزم هنا، يستند إلى نص حديثي للتأكيد على أن مهمة تخريج الأحكام الشرعية هي مهمة إلهية خالصة، فالله هو من فرض الفرائض، وهو من نهى عن أشياء، وعفا عن أشياء وسكت عن أشياء أخرى وليس أحدا آخر غيره. والأكثر من ذلك، أنه وحين سكوته عن أشياء لم يكن ذلك عن سهو أو نسيان (وما كان ربك نسيا)، بل رحمة بالمؤمنين ورفعا للمشقة وتيسيرا للعيش، وتضييقا لدائرة الإلزام وتوسيعا لدائرة المباح والحرية، وتبعا لذلك؛ فإنه ليس لأحد الحق في أن يفتي فيما سكت عنه الإله، كون سكوته ذاك كان برغبة منه وغايته من ذلك كانت هي توسيع دائرة المباح. فهل التزم فقهاء السلطة بهذا المنهج؟

  يسجل لنا التاريخ كيف تم الانقلاب على النسخة الدينية الإلهية الربانية، ليعوضها الحاكم بنسخة بشرية تسببت في الكثير من المآسي الإنسانية، والكثير من الخسائر التي لا تزال المجتمعات المسلمة تؤدي ضريبتها حتى اليوم. وهذا بالضبط ما استنكره ابن حزم في موضع آخر، وهو يتوجه بكثير من اللوم والعتاب لفقهاء المذاهب السنية الأربع الكبرى إذ يقول: "ووجدناه قد قال تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، فأيقنا أن الدين قد كمل وتناهى، وكل ما كمل فليس لأحد أن يزيد فيه ولا أن ينقص منه ولا أن يبدله". (6)

   لم يكن النص القرآني ليسعف الفقهاء على تلبية كل متطلبات الحاكم التشريعية، لذلك ابتدعوا آليات منهجية أخرى سهلت من مأموريتهم في استخراج ما كانت السلطة السياسية في حاجة إليه من أحكام، فجاؤوا تبعا لذلك بالإجماع والقياس، والاستحسان والمصالح المرسلة، والعرف وسد الذرائع، وعمل أهل المدينة وقول الصحابة، والبراءة الأصلية والاستصحاب، والاستقراء وشرع من قبلنا...وهو ما أفضى في نهاية الأمر، إلى ظهور دين بشري موازي للدين الأصلي، بل إن شئنا الدقة؛ إلى دين بشري نسخ الدين الأصلي وطمس كل مقاصده.

  إلا أن أخطر ما لجأ إليه رجال الدين المسلمون على الإطلاق، في إطار سعيهم الحثيث لتلبية الحاجيات التشريعية للسلطة السياسية، كان هو اختراعهم لنوع جديد من النصوص الدينية، لم يكن معتمدا لا زمن النبي ولا زمن الخلفاء الراشدين، وهو ما عرف بالحديث النبوي. فإلى حدود نشأة الفقه الإسلامي، لم يكن الحديث النبوي مصنفا كنص ديني، قبل أن يؤصل لذلك الشافعي ويجعل منه وحيا إلاهيا يوازي النص القرآني، بل ويفوقه مرتبة خصوصا حينما أجاز الفقهاء نسخ الحديث للنص القرآني. (انظر دراستنا المعنونة بـ: السنة النبوية وسؤال الشرعية التشريعية)

  لقد لجأ رجال الدين المسلمون، إلى وضع أحاديث على مقاس ما كانوا يرغبون في تخريجه من أحكام، وهذا ما أكده ابن أبي حديد حين قوله: " إن أصل الأكاذيب في أحاديث الأفاضل كان منهجية الشيعة، فإنهم وضعوا في مبدا الأمر أحاديث مختلفة في صاحبهم، حملهم على وضعها عداوة خصومهم. فلما رأت البكرية ما صنعت الشيعة صنعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث" (7)  

   يؤكد لنا  ابن أبي حديد في هذا النص، كيف أن النصوص الحديثية كانت توضع وضعا لكل غاية مفيدة، في إطار ذلك الصراع المحموم حول السلطة السياسية، فلن يحتاج الباحث في التراث، إلى ذكاء خارق للقول بأن أحاديث على شاكلة ما رواه البخاري ومسلم: " من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية" وكذلك:" من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، فمات فميتته جاهلية. ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو لعصبة أو ينصر عصبة، فقتل فقتلته جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا ينحاش عن مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه" وكذلك: " من خلع يدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة الجاهلية" (وغير هذه النصوص كثير) لن يحتاج الباحث إلى ذكاء خارق للقول على أنها نصوص موضوعة على مقاس ما كان يقتضيه استخراج حكم عدم جواز الخروج عن الحاكم، وهو الحكم الذي تحقق حوله إجماع كل المذاهب الرسمية. 

  السلطة السياسية وتقنين الحقل الديني:

  يسجل لنا التاريخ، بعضا من فصول ذلك التحالف القوي والمتين الذي ربط دوما السلطة السياسية بفقهاء الإسلام، فهؤلاء لم يكونوا أكثر من مثقفيها ومنظريها الإيديولوجيين، وأن دورهم إنما كان محددا في بلورة النسخة الرسمية من الدين، بما هي صرح الدولة الإيديولوجي، وبالتالي تخريج "الأحكام الشرعية" وفق متطلبات الحاكم المستبد، وهذا ما تؤكده الرواية السنية الرسمية، من خلال عدد من الروايات، فقد أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء على لسان أبا حنيفة النعمان ما يلي: " دعاني المنصور وقال لي إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد، فهيء لي من مسائلك الشداد الصعاب، فهيأت له أربعين مسألة " (8)

  واضح من هذه الرواية، أن الفقهاء لم يكونوا أكثر من مثقفي السلطة السياسية والمناظرين عنها إيديولوجيا، في مواجهة فرق المعارضة السياسية الدينية، كما وأن هذه الأخيرة كانت توظف هي الأخرى فقهاء الدين لنفس الغاية. لقد ظهرت العديد من المذاهب الدينية، كان بعضها يعبر إيديولوجيا عن فرق سياسية كان له طموح قوي في بلوغ السلطة " حتى أنها عدت خمسين مذهبا، انقرض غالبيتها مثل مذهب الليث بن سعد، وداود بن علي الظاهري، وعبد الرحمن الأوزاعي... ولم يبق منها إلا أربعة سنية، وأخرى غير سنية كالمذهب الجعفري، والزيدي، والإمامي، والإباضي وغيرها من المذاهب التي تتوزع مختلف أقطار العالم الإسلامي " (9)، ويذكر لنا السيوطي بعضا من تلك المذاهب الدينية التي اختفت واندثرت فيقول: " وقد كان في القرون الخوالي نحو عشرة مذاهب مقلدة أربابها مدونة كتبها، وهي: الأربعة المشهورة، ومذهب سفيان الثوري، ومذهب الأوزاعي، ومذهب الليث بن سعد، ومذهب إسحق بن راهويه، ومذهب ابن جرير الطبري، ومذهب داود الأصفهاني، وكان لكل من هؤلاء أتباع يفتون بقولهم ويقضون، وإنما انقرضوا بعد الخمسمئة لموت العلماء وقصور الهمم." (10)

   لم يكن اندثار تلك المذاهب الفقهية وانكماش بعضها، بسبب ما أورده السيوطي من موت العلماء وقصور الهمم، إذ لكل عصر مجتهدوه ومثقفوه، بل إن ذلك كان كنتيجة مباشرة لسياسة الدولة في تقنين الحقل الديني، وهي التي سعت بكل وسائلها إلى إحداث مذهب رسمي للدولة، واعتبار ما عداه خارجا عن الشرعية الدينية (السياسية)، وقد كان هذا المطمح على جدول الأعمال منذ البدايات الأولى لقيام الدولة العباسية مع الخليفة أبو جعفر المنصور، الذي سعى إلى إرهاص مذهب ديني رسمي للدولة، عبر "جعل العلم واحدا ". نقرأ في رواية وردت عند القاضي عياض يقول فيها: " قال له أبو جعفر (قال للإمام مالك) وهو بمكة، اجعل العلم يا أبا عبد الله علما واحدا... فقلت له (أي مالك) إن أهل العراق لا يرضون علمنا، فقال أبو جعفر: يضرب عليه عامتهم بالسيف، وتقطع على ظهورهم بالسياط" (11) ، وفي رواية أوردها الزرقاني تقول: " ولئن بقيت لأكتبن كتابك بماء الذهب وفي رواية كما تكتب المصاحف ثم أعلقه في الكعبة وأحمل الناس عليها" (12)

   واضح إذن؛ من خلال هاتين الروايتين، أن تأليف كتاب الموطأ كان بطلب من الخليفة أبي جعفر المنصور، وقد كانت غايته من وراء ذلك، إقرار نسخة دينية رسمية للدولة بأن يجعل من الدين واحدا، تفرض قسرا على الجميع (أحملهم عليه)، ويترتب عن مخالفتها أن " يضرب عليه عامتهم بالسيف وتقطع على ظهورهم بالسياط "، وكان من الطبيعي والحالة هاته أن يكون هذا الكتاب، تعبيرا مباشرا عن الحاجيات التشريعية للسلطة السياسية.

   كتاب الرسالة للإمام الشافعي، أُلف بدوره تحت طلب من السلطة السياسية، مباشرة بعد أن التحق مؤلفه بمعسكرها قادما إليه من المعارضة، إذ نقرأ في سير أعلام النبلاء ما يلي: " كتب عبد الرحمن بن مهدي (فقيه سلطة) إلى الشافعي وهو شاب أن يضع له كتابا فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ، فوضع له كتاب الرسالة" (13)  

   لقد كان كتاب الرسالة هو منتوج الصفقة التي أبرمها الفضل بن الربيع وزير هارون الرشيد مع الشافعي، مقابل تخليصه من مصير الإعدام الذي كان ينتظره ورفاقه في التنظيم السري المعروف بالزيدية العلوية، بعد أن قادت هذه الفرقة اضطرابات شهدتها اليمن. فالمعلومة التي لن تجد لها أثرا بكتب التراث السنية كلها، هي أن الشافعي كان معتزليا قبل اعتقاله ومثوله أمام الخليفة هارون الرشيد، وأن اعتقاله ذاك كان بسبب انتمائه للزيدية، وهي فرقة شيعية المذهب معتزلية العقيدة.

    الرواية السنية الرسمية، تبدو ضعيفة ومتهافتة وهي ترجع سبب محنة الشافعي إلى وشاية حاقدة أوقعت بينه وبين الخليفة، بعد أن اتهم بقيادة تنظيم شيعي يهدف للاستيلاء على السلطة، وأن السبب المباشر الذي كان من وراء عفو الخليفة عن الشافعي، وعدم تنفيذ حكم القتل في حقه دونا عن بقية رفاقه من قادة التنظيم، يعود إلى إعجابه الشديد إبان المحاكمة ببلاغته وحسن بيانه وقوة حجته.  لكن الوثائق التاريخية المتوفرة، تفند هذه الرواية، وتؤكد على حقيقة أن الشافعي كان بالفعل معارضا شرسا للسلطة، وكان قائدا كبيرا لفرقة الزيدية التي كانت تنازع بني العباس في شرعية الحكم، وهذا ما تؤكده الرسالة التي بعث بها والي اليمن حماد البربري إلى الخليفة هارون الرشيد والتي من ضمن ما جاء فيها: "إن تسعة من العلوية تحركوا...وإني أخاف أن يخرجوا، وإن ها هنا رجلا من ولد شافع المطلبي لا أمر لي معه ولا نهي... وانه يعمل بلسانه ما لا يقدر عليه المقاتل بسيفه" (14)

  لكن، هل يمكن القبول برواية ترجع سبب العفو عن معارض سياسي شرس لمجرد كونه مناظر قوي؟

   يمكن القبول بما ورد في الرواية السنية الرسمية، من كون السبب المباشر لعفو الخليفة عن الشافعي كان هو إعجابه الشديد بقدراته الخارقة في السجال والتناظر، خصوصا وأن الوثيقة المدلى بها أعلاه تؤكد على ذلك "وأنه يعمل بلسانه ما لا يقدر عليه المقاتل بسيفه"، فهارون الرشيد ووزيره الفضل بن الربيع قد يكونا بالفعل أعجبا بالملكات التواصلية للشافعي، وهي القدرات التي تؤكدها العديد من الروايات، لكن هل يفسر هذا الإعجاب لوحده سبب العفو كما ورد في الرواية الرسمية؟

   تؤكد العديد من الروايات على حقيقة أن الشافعي كان مناظرا قويا، يتوفر على ملكات في التواصل والإقناع خارقة، فقد أورد الذهبي رواية على لسان هارون بن سعيد الأيلي تقول: " لو أن الشافعي ناظر على أن هذا العمود الحجر خشب لغلب، لاقتداره على المناظرة " (15)، وكذلك ما رواه على لسان ابن عبد الحكم: " ما رأيت الشافعي يناظر أحدا إلا رحمته، ولو رأيت الشافعي يناظرك، لظننت أنه سبع يأكلك، وهو الذي علم الناس الحجج " (16)

  لم تكن السلطة السياسية لتتساهل مع معارضيها، وما المصير الذي لحق برفاق الشافعي الذين أعدموا جميعهم، إلا تأكيد على ذلك، لكن استثناءها للشافعي مع ما كان يشكله من خطر عليها بفعل ما كان يمتلكه من قوة في السجال والتناظر ليبدو أمرا غير منطقي بالمطلق، إذ لا بد من وجود تفسير معقول لذلك العفو. 

   لقد كان المعتزلة مناظرين أقوياء، وكانت قوتهم تكمن في منهجهم الاستدلالي الحجاجي المنطقي (وهو الذي علم الناس الحجج)، وقد كانوا تبعا لذلك يفحمون الفقهاء في كل مناظراتهم، ولم يكن "الانتصار الفكري" الذي حققه أهل السنة والجماعة على ما عداهم من الفرق، إلا بسبب ترجيح السلطة السياسية لكفتهم. وتبعا لذلك، يبقى التفسير المنطقي الذي يبرر عفو الخليفة عن الشافعي، هو الصفقة التي تمت بين الطرفين، والتي انتقل بموجبها الشافعي من معسكر المعارضة إلى معسكر الحكم، ومن زمرة القادة المعارضين إلى جوقة فقهاء السلطة.   

   إن ما يرجح فرضية إبرام الصفقة، هو ما حظي به كتاب الرسالة من رعاية من قبل السلطة السياسية، إذ تم تعميمه على كافة أرجاء البلد، وأصبح يدرس في حلقات الدرس "حتى ما بقي في المسجد غيره "، وهذا ما تؤكده رواية وردت عند الخطيب البغدادي تقول: " لما قدم الشافعي إلى بغداد وكان في الجامع إما نيف وأربعون حلقة أو خمسون حلقة، فلما دخل بغداد ما زال يقعد في حلقة حلقة ويقول لهم: قال الله وقال الرسول، وهم يقولون: قال أصحابنا، حتى ما بقي في المسجد غيره" (17)

  ما يهمنا من هذه الرواية، هو النتيجة التي ترتبت عن التحاق الشافعي بمعسكر السلطة، وهي التي عبر عنها الخطيب البغدادي بـقوله "حتى ما بقي في المسجد غيره"، وهو ما يوضح لنا كيف أن الشافعي تحول من معارض شرس للنظام إلى فقيه للسلطة، مهمته الأساسية هي الدفاع عن شرعية الحاكم والنظام السياسي القائم. إن بقاء حلقة درس الشافعي دون غيرها من حلقات الدرس العديدة التي كان يشهدها مسجد بغداد، يعكس لنا كيف كان صدر السلطة السياسية يضيق بالاختلاف، وكيف أنها منعت الرأي المخالف من التعبير عن نفسه، وكيف أنها احتكرت الفضاء العام للترويج للإيديولوجية الرسمية، بل إنها منعت حتى مناقشة الفكر الرسمي للدولة من خلال منع مناظرة أو مجادلة فقهاءها، فقد أورد أبو العباس الشريشي رواية توضح كيف أن الخليفة هارون الرشيد غضب غضبا شديدا حين علمه بمجادلة الفقيه محمد بن الحسن للشافعي، تقول الرواية: " وناظر الشافعي محمد بن الحسن الكوفي بالرقة، فقطعه الشافعي (أفحمه)، فبلغ ذلك هارون الرشيد، فقال: أما علم محمد بن الحسن إذا ناظر رجلا من قريش، أنه يقطعه؛ سائلا أو مجيبا، والنبي (ص) يقول: قدموا قريشا ولا تقدموا عليها، وتعلموا منها ولا تعلموها، فإن علم العالم منها يسع طباق الأرض " (18)

  لقد لجئت الدولة العباسية، في إطار تضييقها على المذاهب الدينية، والحد من انتشارها، حد فرض إتاوات مالية باهظة كشرط تعجيزي حتى يتم الاعتراف بها رسميا من قبل الدولة، فقد أورد الأصفهاني رواية نقلاً عن كتاب تهذيب الأنساب ونهاية الأعقاب لأبي الحسن محمد بن أبي جعفر توضح هذا الأمر، حيث جاء فيها: " وبالجملة لما اضطربت العامة وازدحمت العامة أيضا اتفقت كلماتهم وعقيدة عقلائهم على فرض مبلغ كبير من المال على أصحاب كل مذهب خطيرا من المال ويلتمسوا آلاف الدراهم ودنانير من أرباب الآراء في ذلك المقال. فالحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية لوفور عدتهم وبهور عدتهم جاؤوا بما طلبوه، فقرروهم على عقائدهم الباطلة، وأبقوهم في آرائهم العاطلة، وكلفوا الشيعة المعروفة في ذلك العصر بالجعفرية لمجيء ذلك المال الذي أرادوا منهم، ولما لم يكن لهم كثرة مال توانوا في الإعطاء ولم يمكنهم ذلك...فلذلك لم يدخلوا مذهب الشيعة والخاصة ضمن تلك المذاهب، وأجمعوا على صحة خاصة الأربعة مذاهب واتفقوا على بطلان سائر المذاهب... والعامة قد جوزوا الاجتهاد في المذهب ولم يجوزوا الاجتهاد عن المذاهب". (19)

  نجاح الثورة العباسية، لم يكن ليمر من دون ارتدادات سياسية، فقد ظل الهاشميون والعلويون والخوارج ينازعون في أحقيتهم في السلطة، ويطالبون بها، وإذا كان لهذا الصراع وجهه الدموي المعلوم، فإنه اتخذ كذلك طابعا إيديولوجيا دارت رحاه بحلبة الدين، وهو ما يفسر سعي الخلفاء العباسيين الحثيث إلى احتكار توظيف الدين لصالحهم من خلال جعله "علما واحدا"، وكذا إقرارهم لمذاهب دينية رسمية للدولة، يعتبر ما عادها باطلا وخارجا عن الشرعية الدينية السياسية. وتبقى الوثيقة القادرية، خير معبر عن نزعة الهيمنة الدينية السياسية لدى خلفاء بني العباس.

   لقد أصدر الخليفة القادر بالله سنة 408 هــ وثيقة عرفت بالوثيقة القادرية، حددت على سبيل الحصر المعتقدات المسموح الاعتقاد بها، ومنعت على الرعية الاعتقاد بشيء خارج ما سطرته تلك الوثيقة، تحت طائلة التنكيل والعقاب، وقد منعت الاجتهاد خارج المذاهب الرسمية السنية الكبرى، حيث نقرأ في رواية وردت عند ياقوت الحموي ما يلي: " تقدم القادر بالله إلى أربعة من أئمة المسلمين في أيامه في المذاهب الأربعة أن يصنف له كل واحد منهم مختصرا على مذهبه، فصنف له الماوردي " كتاب الإقناع " وصنف له أبو الحسن القدوري مختصره المعروف على مذهب أبي حنيفة، وصنف له القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن محمد نصر المالكي مختصرا آخر، ولا أدري من صنف له على مذهب أحمد، وعرضت عليه فخرج الخادم إلى أقضى القضاة الماوردي ، وقال له: أمير المؤمنين يقول لك حفظ الله عليك دينك كما حفظت علينا ديننا" (20)، ويؤكد الزركشي في البحر المحيط هذه الرواية حين قوله: " وقد وقع الاتفاق بين المسلمين على أن الحق منحصر في هذه المذاهب وحينئد فلا يجوز العمل بغيرها " (21). والحقيقة ألا أحد يعلم حتى اليوم كيف وقع هذا الاتفاق بين المسلمين وقد كانوا منقسمين على أكثر من خمسين مذهبا؟

  الفقهاء والسلطة:

  وحين الاطلاع على تفاصيل أحداث التاريخ الدموي لبني العباس، يسهل علينا فهم الخلفيات التي تحكمت في نشأة الفقه الإسلامي، وتشكله وفق ما جاء عليه، ولماذا كان رأي الفقهاء في أمور بعينها مخالفا لمقاصد الدين الإسلامي كما وردت في النص الأصلي (القرآن)، ولتوضيح الصورة أكثر، نورد هنا نموذجا واحدا لما شرعه الفقهاء من أحكام دمغت بطابع الشرعية الدينية استجابة لحاجيات الحاكم التشريعية، يقول الإمام أحمد بن حنبل: "ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يبيت ولا يراه إماما عليه، برا كان أو فاجرا، فهو أمير المؤمنين" (22). هذا القول هو لأحد كبار فقهاء الإسلام، بل ولمؤسس لأحد المذاهب الرسمية الأربع الكبرى في الإسلام السني، الإمام أحمد بن حنبل. لن يحتاج الأمر حال قراءة هذا "الحكم الشرعي" إلى فراسة أو حذاقة للقول أن حكما كهذا هو أعز ما يطلب بالنسبة لحاكم مستبد، هو في صراع محموم ودائم لضمان استمراريته على رأس السلطة، في مواجهة عدد من الخصوم السياسيين الذين ينهلون من نفس المنابع الإيديولوجية التي يوظفها في القول بشرعيته، ليأتي الفقهاء بهكذا "حكم شرعي" في مواجهة هؤلاء الخصوم، وهم الذين كانوا يوظفون خطابا أخلاقيا لتأليب العامة على الحاكم، من خلال فضح ممارسات حكام بني العباس، خصوصا وأن عددا منهم كانوا فجارا حقيقيين بمعايير الفقهاء، وسفاحين وشواذ...، بل إن منهم من لم يكن مؤمنا من الأصل بالرسالة المحمدية. ويحق لنا التساؤل: كيف يمكن التشريع دينيا بأن يكون أمير المؤمنين غير مؤمن (فاجرا)؟ وكيف يمكن القبول بالاستبداد والتسلط والظلم...على أنه من عند الله وهو الذي يسمي نفسه بالعدل؟

  لم يقتصر الأمر على أحمد بن حنبل، بل إن إجماعا تحقق بين كل المذاهب السنية الرسمية، حول "الحكم الشرعي" القاضي بعدم جواز الخروج عن الحاكم، وفي جميع الأحوال والظروف، كما يفهم من قول ابن تيمية التالي: " كان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة...ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة، للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي (ص)، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم " (23)

    واضح إذن، أن هذا "الحكم الشرعي" ومثله كثير، لم يكن من مقاصد الدين ولا غاياته، بل كان من مقاصد الحاكم المستبد ونزعاته نحو شرعنة الاستبداد والتحكم،  فإله الإسلام لم يكن له ليحث الناس على الصبر على جور الأئمة، والقبول بالظلم والطغيان، وهو الذي جعل من العدل مقصدا من مقاصد الدين، حتى أنه سمى نفسه بالعدل وأمر به في عدد من الآيات القرآنية، كالآية 118 من سورة الأعراف "وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون" وكذلك في الآية 42 من سورة المائدة " وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب المقسطين" وكذلك في الآية 58 من سورة النساء " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نعما يعظكم، إن الله كان سميعا بصيرا" وغيرها كثير، وهذا ما أكد عليه فقيه كبير كابن حزم، وهو يستنكر إجماع فقهاء السلطة على عدم جواز الخروج على الحاكم الجائر، حين قوله: " فإنه أتى فيما ادعى فيه الإجماع: أنهم أجمعوا على أن لا يخرج على أئمة الجور، فاستعظمت ذلك! ولعمري إنه عظيم أن يكون قد علم أن مخالف الإجماع كافر ـ فيه تفصيل ـ، فيلقى هذا إلى الناس، وقد علم أن أفاضل الصحابة وبقية الناس يوم الحرة خرجوا على يزيد بن معاوية، وأن ابن الزبير ومن اتبعه من خيار المسلمين خرجوا عليه أيضا " (24)

  لقد كان فقهاء السلطة، يتجاهلون عن قصد النص القرآني في تخريج الأحكام الشرعية، حتى وهو النص الأصلي، كونه لم يكن ليساير هوى السلطان في التشريع، فإله الإسلام كما هو واضح من الآيات التي أوردناها أعلاه، حث على العدل والقسط والإنصاف... لكن الحاكم المستبد الساعي إلى فرض هيمنته وسطوته على الجميع، لم يكن النص القرآني ليستجيب لرغبته في شرعنة الاستبداد والقهر والظلم...فما كان من الفقهاء إلا أن وضعوا نصوصا دينية حديثية على مقاس ما كان يرغب فيه السلطان من أحكام. وهكذا، وحتى يتسنى للفقهاء إخراج "الحكم الشرعي" القاضي بعدم جواز الخروج عن الحاكم، نجدهم وقد وضعوا نصوصا حديثية كثيرة حظيت بأعلى درجات الصحة السنية، على شاكلة الحديث التالي الذي رواه الشيخان: "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات، فميته جاهلية. "

     منهجية الفقهاء في التشريع وسؤال العلمية:

    مما سبق، يمكن القول؛ أن الفقه الإسلامي لم يكن إلا تعبيرا إيديولوجيا عن السلطة السياسية، وهو ما يفسر كيف أن هذا المنتوج الفكري البشري، يتماهى وحاجيات الحاكم المستبد في التشريع، ولماذا كانت منهجية الفقهاء قائمة على التضييق والتشديد عوض التيسير والتبسيط، ولماذا كانوا يمقتون ـ كما الحاكم المستبد ـ العديد من القيم الفضلى التي دعا إليها النص القرآني، من قبيل الحرية والعدل والتسامح والرحمة ونبذ العنف والجنوح إلى السلم وصيانة الحقوق ونبذ الغلو... 

   إن الغاية الكبرى التي وجهت عمل فقهاء الإسلام، هي ما كانت تعبر عنه السلطة السياسية من حاجيات في مجال التشريع، بما يمكنها من ضبط المجتمع والتحكم في جميع مفاصله، كما عبر عن ذلك صراحة الخليفة أبو يعقوب المنصور مخاطبا الإمام مالك: " يضرب عليه عامتهم بالسيف وتقطع على ظهورهم بالسياط "، وهذا ما يفسر لماذا اختار الفقهاء خطا تشريعيا متسما بالتشدد والتزمت والانغلاق...يستجيب ورغبة الحاكم في التضييق على الحريات، وهو ما ترجمه الفقهاء منهجيا عبر توسيع دائرة الإلزام مقابل تقليص دائرة المباح إلى أقصى الحدود الممكنة، حتى أنهم أفتوا في كل الأمور دونما استثناء بما فيها الأمور الخصوصية، بل والحميمية للأفراد.

  لقد كانت "الأحكام الشرعية" التي يستخرجها فقهاء السلطة، على أنها تعبير عن إرادة الإله، تتماهى وحاجيات السلطة السياسية في تشكيل وعي الناس على قيم الرضى والقناعة والتسليم والطاعة والقبول بالتحكم وبالاستبداد والطغيان، وهو ما يبدو واضحا من خلال ما شرعه أحد الفقهاء الكبار من مؤسسي المذاهب في الإسلام، ابن حنبل الذي يقول:" والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين، البر والفاجر، ومن ولى الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن ظهر عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين" (25)، ليضيف لمزيد من التوضيح والتوكيد: " ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق" (26). فبحسب ابن حنبل؛ فأوامر الحاكم ونواهيه يجب أن تكونا مجابة ومطاعة، ولا مجال لمناقشتها أو التحفظ عليها، وأن ذلك يدخل في إطار الشرع الإسلامي الذي هو تشريع إلهي، فطاعة الأمير هنا تضحى طاعة لله الذي اختاره ليكون أميرا للمؤمنين. لا يهم فقيهنا إن كان أمير المؤمنين هذا مؤمنا أو غير مؤمن، ظالما أو عادلا، جاء به الناس عن طواعية واختيار أو اغتصب الحكم بالسيف والغصب، فالأهم من ذلك كله هو طاعته.

   إن ابن حنبل، يشرع هنا لمنطق غريب أشد ما تكون الغرابة؛ فهو يحث الناس على ضرورة الخنوع والاستسلام للحاكم والقبول بظلمه وجوره واستبداده، ضدا على مقاصد الدين التي يبقى إقرار العدل أحد مقاصدها الكبرى، هذا بالإضافة إلى كون دعواه تلك تتنافى والفطرة الإنسانية السليمة، التي فطر الله الناس عليها، والتي تجنح تلقائيا إلى العدل والحرية والمساواة وصون الكرامة الإنسانية...والغريب في الأمر، أن يطلب منهم ـ من دون أدنى حرج ـ الطاعة العمياء لأمير للمؤمنين هو غير مؤمن من الأصل (كما عرف عن عدد من خلفاء بني العباس)، ويطالبهم بالصبر على الظلم والجور والاستبداد على أن ذلك هو من عند الله. وهل كان الله الرحمان الرحيم العدل ليقبل بطاغية ممثلا له في الأرض وهو القائل في الآية 42 من سورة المائدة " وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب المقسطين"؟ لكن متى علمنا أن ما شرعه ابن حنبل هنا، كان استجابة للحاجيات التشريعية للحاكم المستبد، متى فهمنا كيف كانت تصنع الأحكام الشرعية، وماذا كانت الخلفيات الإيديولوجية والسياسية التي تحكمت في نشأة وبلورة فقه إسلامي كما تشكل عبر التاريخ.

   لقد كانت مهمة الفقهاء من حيث موقعهم كمثقفي السلطة، هي تشكيل وتنميط وعي الناس، على الطاعة والخنوع والاستسلام والقبول بالظلم والجور، ولم يكن ذلك ممكنا من دون أن يتم إضفاء هالة من القداسة عليهم، تجعل منهم ناطقين رسميين باسم الإله، وذلك حتى تتخذ أحكامهم طابع القداسة الدينية، ومن ثمة طابع الإلزام، وهو ما يفهم مما قاله ابن عبد البر في جامع البيان: "... فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة التي تنزل بها... ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها وأنهم المرادون بقول الله عز وجل " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"(27)

   لم يتورع فقهاء السلطة، في توظيف كل الوسائل التي كان من شأنها أن تحقق غاياتهم، في تشكيل وعي الناس وفق ما  كانت تشترطه السلطة السياسية، حتى أنهم لجؤوا إلى التعسف في تأويل النصوص القرآنية لاستخراج ما كانوا يرغبون في ترسيخه من أفكار، فابن عبد البر هنا يقر أن العلماء أجمعوا (لم يختلفوا) على أن المراد بأهل الذكر الواردة في القرآن الكريم هم " علماء الإسلام"، وذلك حتى يضفي عليهم هالة من القداسة تجعل من العامة تقبل بفتاويهم دون جدال أو نقاش، وهو بذلك ـ كما "علماء الأمة"ـ قد تعسف في تأويل النص القرآني، بأن فسر أهل الذكر على أنهم هم "علماء الأمة" (المرادون بقول الله عز وجل " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون")، والحقيقة التي يعلمها كل رجال الدين، بما فيهم ابن عبد البر ذاك، هي أن المقصود بالذكر في القرآن هي الكتب السماوية السابقة الأخرى، أي التوراة والإنجيل، ومن ثمة فلم يكن المقصود بأهل الذكر في تلك الآية هم فقهاء الإسلام، بل المقصود بهم كما أوضح ذلك الطبري في تفسيره للآية 7 من سورة الأنبياء حين قال: "فاسألوا أهل الكتب من التوراة والإنجيل".  

   إن ما أجمع عليه فقهاء المذاهب الرسمية للدولة، من وجوب طاعة أمير المؤمنين حتى وإن تمكن من السلطة بالغلبة والقوة والغصب، وحتى وإن كان فاجرا، ليفتح هفوة تشريعية خطيرة تمنح الشرعية الدينية والسياسية، لأي مجرم أو بلطجي أو قاطع طريق، سيتمكن من السلطة بالسيف والغلبة، لكي يصبح أميرا للمؤمنين، وجبت طاعته طاعة عمياء، ولا يحل تبعا لذلك قتاله لرفع ظلمه وجوره عن العامة.

      لقد كان من الطبيعي وبالنظر إلى الدور الذي كان محددا لفقهاء السلطة، أن ينهجوا خطا تشريعيا يضيق أشد ما يكون التضييق على الاجتهاد؛ ففتح باب الاجتهاد على مصراعيه وأمام الجميع، لم يكن يعني شيئا آخر، غير مناخ مواتي لنقاش عمومي لن تكون فيه كفة السلطة راجحة بكل تأكيد، وهو ما يفسر سعي السلطة السياسية الدائم إلى غلق باب الاجتهاد، بعد أن اكتملت المذاهب الرسمية للدولة، وهو ما جسده الخليفة القادر بالله بشكل رسمي، حين إصداره لما يعرف بالوثيقة القادرية، والتي حددت على سبيل الحصر المذاهب الدينية التي تكتسي طابع الشرعية الدينية السياسية.

   لم يعد الاجتهاد بعد أن حددت السلطة السياسية مذاهبها الرسمية ليتم خارج ما أقرته تلك المذاهب، ولم يعد بالتالي مسموحا لأحد من الفقهاء الخوض خارج ما أخرجته المذاهب الأربع الكبرى من أحكام، وهو ما أكده الشافعي حين قوله: " لم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله" حتى أنهم شرعوا لمنهجيتهم تلك من خلال وضع حديث نسب إلى النبي يقول فيه: " شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في النار".

ـ الفقهاء وسؤال المنهج

  وإذا كان فقهاء الإسلام، قد استمدوا منهجيتهم في التشريع، والمتسمة بالجمود ونبذ الاجتهاد، اعتمادا على حديث نبوي، مدموغ بطابع الصحة الدينية كونه صُحح من قبل مسلم، والذي نسب القول فيه للنبي "شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة"، فإن أحاديث أخرى مدموغة هي الأخرى بنفس طابع الصحة ذاك، تخالف في مضامينها هذا الحديث، وتدعو على عكس ما دعا إليه إلى الخلق والاجتهاد وإعمال الفكر، للإجابة على مستجدات الأمور، لم يلتفتوا إليها ولم يأخذوا بها. ففي حديث صححه مسلم يقول فيه النبي: "من سن في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، من بعده لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا". وفي حديث آخر ورد في صحيح البخاري يقول فيه النبي: " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر". وفي حديث آخر أخرجه مسلم " عن أنس (ض) أن رسول الله (ص) مر بقوم يلقحون النخيل فقال: لو لم تفغلوا لصلح، قال: فخرج شيصا (تمرا رديئا) فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا...قال: أنتم أعلم بشؤون دنياكم". وهكذا فإذا كان النص الأول ينبذ الاجتهاد ويكرس الجمود والاتباع، كونه يعتبر أن كل جديد (محدثة) جاء به التطور الطبيعي للمجتمع، شرا وبدعة وجب رفضها تلقائيا، بل والتصدي لها ومقاومتها، وعدم السماح لها بأن تتسبب في اختلالات للمجتمع، فإن النصوص  الأخرى وعلى عكس النص الأول، تدعو إلى إعمال العقل والاجتهاد والبحث عن حلول للنوازل الطارئة، باعتبارها إفرازات طبيعية لحركية المجتمع وتطوره، فــ "من سن سنة حسنة "، تعني أن باب الخلق والاجتهاد مفتوح أمام الجميع، لكي يسنوا الجديد. فلو أن باب الاجتهاد كان مغلقا، لما كان بمقدور أحد أن يسن شيئا، وهو ما يبدو أكثر وضوحا في النص الثاني: " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر"، وهو النص صريح الدلالة الذي شجع فيه النبي على الاجتهاد وحث بل وحفز عليه، حين ضمن للمجتهد الأجر في كل الحالات، فهو إن أصاب فسيفوز بأجرين اثنين، فيما لو لم يصب، فمع ذلك لن يخرج خاوي الوفاض، بل سيفوز مع ذلك بأجر المحاولة، وهو تشجيع صريح على الاجتهاد والخلق والإبداع.

  وتبقى مقولة " أنتم أعلم بشؤون دنياكم " الأكثر تعبيرا وترجمة لمقاصد الدين الحقيقية، التي عمل فقهاء الإسلام على طمسها، تطبيقا لتوجيهات السلطة السياسية. لقد كان من المفترض ـ لولا النزعة الاستبدادية للحاكم ـ أن تكون مقولة "أنتم أعلم بشؤون دنياكم"، هي القاعدة المنهجية الموجهة لعمل المشرع، والذي ليس بالضرورة أن يكون من فئة الفقهاء، وهي القاعدة التي اعتمدت في عملية التشريع بالمجتمعات التي تخلصت من وصاية الكهنوت، وهي التي يرجع لها كل الفضل في كل التقدم الذي حققته تلك المجتمعات، كونها تستجيب لمتطلبات عملية التشريع، وما تقتضيه من مواكبة مستمرة وتجديد غير منقطع، وعقلانية ونزعة براغماتية، ومناخ مفعم بالحرية والاستقلالية.

  إن تحكم السلطة السياسية في عملية التشريع وتوجيهها وفق متطلباتها، كان من نتائجها المباشرة، منتوج فقهي شاذ، شرعن للظلم والاستبداد والطغيان... وطمس كل المقاصد الكبرى للدين، بل يمكن القول؛ أنه نسخ الدين الأصلي، فجاء بدين بشري لا علاقة تربطه بالدين الأصلي، كما ورد أول الأمر في النص القرآني.

  يسجل لنا تاريخ الدولة الإسلامية، تجربة فريدة وناجحة وجريئة في مجال التشريع، اتخذت مقولة "أنتم أعلم بشؤون دنياكم" منهجا، كان بطلها الخليفة الثاني للنبي: عمر بن الخطاب، وهي التجربة التي عطلت النص القرآني صريح الدلالة والثبوت، ولم تلتفت إلى النص الحديثي، ومع ذلك لم يعترض عليها أحد من الصحابة الكبار أو من الفقهاء، وهي التجربة التي سنتحدث عنها بشيء من التفصيل فيما سيأتي.  (يتبع)

الهوامش:

1 ـ محمد الشوكاني: إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول، تحقيق أحمد عزو عناية، الناشر، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، 1419هـ/ 1999م، الجزء الثاني صفحة 34

2 ـ الماوردي: الحاوي الكبير في فقه الشافعي كتاب إلكتروني منشور بالموقع الإلكتروني المكتبة الشاملة الجزء التاسع صفحة 214

3 ـ نفس المصدر الجزء التاسع صفحة 219

4 ـ نفس المصدر الجزء الرابع صفحة 214  

5 ـ المحلى في شرح المجلى بالحجج والآثار لمؤلفه الأمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي الظاهري كتاب إلكتروني منشور بالموقع الإلكتروني المكتبة الشاملة الجزء الأول صفحة 83؛

6 ـ الإحكام في أصول الأحكام لأبى محمد علي بن حزم الأندلسي نسخة رقمية منشورة بالموقع الإلكتروني "المكتبة الشيعة" الجزء الأول صفحة 11

7 ـ شرح نهج البلاغة بن أبي حديد الجزء الثالث ص 26

8 ـ   شمس الدين بن محمد بن أحمد الذهبي: سير أعلام النبلاء كتاب إلكتروني منشور بالمكتبة الإسلامية موقع إسلام ويب الجزء السادس صفحة 258

9 ـ الموقع الإلكتروني الرسمي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية

10 ـ جلال الدين السيوطي: الحاوي للفتاوي كتاب إلكتروني منشور بالموقع الإلكتروني المكتبة الشاملة الجزء الثاني صفحة 189  

11 ـ القاضي عياض: ترتيب المدارك وتقريب المسالك كتاب إلكتروني منشور بالموقع الإلكتروني المكتبة الشاملة الجزء الثاني صفحة 72

12 ـ   نفسه ص 71

13 ـ شمس الدين الذهبي: سير أعلام النبلاء كتاب إلكتروني منشور بالموقع الإلكتروني (إسلام ويب) المكتبة الشاملة الجزء العاشر صفحة 44.                          

14ـ شهاب الدين ياقوت الحموي: معجم الأدباء كتاب إلكتروني منشور بالموقع الإلكتروني (إسلام ويب) المكتبة الشاملة الجزء السادس صفحة 2396.

15 ـ شمس الدين الذهبي: سير أعلام النبلاء كتاب إلكتروني منشور بالموقع الإلكتروني (إسلام ويب) المكتبة الشاملة الجزء العاشر صفحة 51

16 ـ نفسه الجزء العاشر صفحة 50

17 ـ الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد كتاب إلكتروني منشور بالموقع الإلكتروني (إسلام ويب) المكتبة الشاملة الجزء الثاني صفحة 409  

18 ـ أبو العباس الشريشي شرح مقامات الحريري كتاب إلكتروني منشور بالموقع الإلكتروني (إسلام ويب) المكتبة الشاملة الجزء الثاني صفحة 473  

19 ـ الميرزا عبد الله الأفندي الأصبهاني: رياض العلماء وحياض الفضلاء، تحقيق أحمد الحسيني، منشورات مكتبة المرعشي النجفي قم إيران سنة 1403 هـ كتاب إلكتروني منشور بالموقع الإلكتروني Internet Archive الجزء الرابع صفحة 33 و 34

20 ـ شهاب الدين ياقوت الحموي: معجم الأدباء إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب المحقق: إحسان عباس الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م الجزء الخامس صفحة 1956 كتاب إلكتروني منشور بالموقع الإلكتروني للمكتبة الشاملة

21 ـ بدر الدين الزركشي: البحر المحيط في أصول الفقه كتاب إلكتروني منشور بالموقع الإلكتروني المكتبة الشاملة ج 8 ص 242

22 ـ أحمد ابن حنبل: شرح أصول السنة كتاب إلكتروني منشور بالموقع الإلكتروني المكتبة الشاملة صفحة 42

23 ـ أبن تيمية: منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية كتاب إلكتروني منشور بالموقع الإلكتروني المكتبة الشاملة الجزء الرابع الصفحة 529

24 ـ ابن حزم الأندلسي: مراتب الإجماع كتاب إلكتروني منشور بالموقع الإلكتروني المكتبة الشاملة صفحة 178

25 ـ أحمد ابن حنبل: شرح أصول السنة كتاب إلكتروني منشور بالموقع الإلكتروني المكتبة الشاملة صفحة 42

26 ـ نفس المصدر صفحة 47.                                                                                                                                       27 ـ ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله كتاب إلكتروني منشور بالموقع الإلكتروني المكتبة الشاملة الجزء الثاني صفحة 989 تحقيق أبو الأشبال الزهيري – طبعة دار ابن الجوزي

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟