تجديد أسلوب الكتابة التاريخية في المغرب: كتاب" من عام الفيل إلى عام الماريكان" نموذجا - توفيق أكياس

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

يعتبر كتاب الدكتور عبد الأحد السبتي الموسوم" من عام الفيل إلى عام الماريكان" الذاكرة الشفوية والتدوين التاريخي"، كتابا ثمينا من نوع الكتب التي تقرأ أكثر من مرة، تلك الكتب التي تجعلك تسجل ملاحظات جديدة عند كل قراءة. كما أنه من نوع الكتب التي لا تقرأ قراءة مباشرة، حيث يجد القارئ نفسه في كل لحظة محتاجا للبحث في موضوع جديد، إذ لا يمكن فهمه إلا بعد ربطه بمجموعة من الكتب في مجالات علمية متعددة أثرت في المشروع العلمي لعبد الأحد السبتي الذي انتقل فيه من هاجس نمط الإنتاج والتشكيلة الاقتصادية والاجتماعية (أحمد توفيق، بول باسكون، عبد الله العروي...) إلى تركيبة تؤلف بين التاريخ الاجتماعي والأنثروبولوجيا والمقاربة النصية (جاك بيرك، ميشيل فوكو،لوفي ستروس، بول ريكور...).
لقد واكبت المقاربات التي تبناها السبتي في مشروعه التطور الذي عرفته الكتابة التاريخية مع " مدرسة الحوليات" الفرنسية و"مدرسة التاريخ من أسفل " البريطانية ومدرسة التاريخ الشفهي الأمريكية ومدرسة السوبالتيرن ستاديز الهندية…
ويندرج كتاب من عام الفيل إلى عام الماريكان في سياق التطورات التي عرفتها المعرفة التاريخية التي لاحظها فوكو في مدخل كتابه حفريات المعرفة إذ "أن الأدوات الجديدة التي صارت بيد المؤرخين مكنتهم أن يتبنوا داخل حقل التاريخ، طبقات رسوبية متباينة، فحلت مكان التعاقبات الخطية، التي تشكل موضوع البحث التاريخي عمليات سبر الأغوار بدءا من الحركية التي تطبع السياسة حتى التباطؤ الذي يميز الحضارة المادية، وتعددت مستويات التحليل، وتميز كل منها بانفصالاته الخاصة... وهكذا اخلت الأسئلة التقليدية التي كان التحليل التاريخي يطرحها (نحو ما الرابطة التي تجمع بين أحداث مشتتة؟ كيف نوجد بينها تسلسلا ضروريا؟ ما الاتصال الذي يسري فيها؟) أخلت السبيل لتساؤلات من نوع جديد (ما المراتب التي ينبغي إثباتها بين هذه السلسلة وتلك؟ وداخل أي جدول زمني رحب يمكننا أن نميز مجموعة من الأحداث؟)

وقد أسهم استيعاب السبتي للتحولات المنهجية العميقة التي مست الكتابة التاريخية، وقدرته على اقتحام قضايا " الظل" وأسئلة " الهامش" والتباسات" المنسي" في الاستفادة من فتوحات الدرس الأنثروبولوجي وإمكانات الحفر الأركيولوجي للمتون والوقائع التاريخية. من أجل خوض تجربة تخرج التاريخ من المنغلق الى المفتوح، في استمرار لمغامرة منهجية يعانق من خلالها سؤاله الأنطولوجي الذي كثيرا ما يردده في مشاريعه المعرفية. وهو كيف يمكن للبحث التاريخي أن يوظف تاريخ المجتمع لفهم منطق التاريخيات، ويوظف في آن واحد موضوع التاريخيات للكشف عن جوانب جديدة من تاريخ المغرب؟
انسجاما مع ما سبق، أثارت تسمية " الأعوام" المرتبطة بسنوات ظلت تختزنها الذاكرة الجماعية للمغاربة، الكاتب لإعداد دراسة تعتمد الزمن الممتد وترصد "الأعوام" في المصادر التاريخية المكتوبة، للكشف عن جوانب موقع الحدث ودلالاته ومختلف تجلياته بين الذاكرة الشفوية والكتابة التاريخية التقليدية بالمغرب. وقد انطلق من كون الثقافة المغربية التقليدية ليست ثقافة شفوية، بل هي في الواقع مزيج من الثقافتين. ومعلوم ان الثقافة الشفوية تعبر أكثر عن المعيش بينما تتسم الثقافة المكتوبة بطابع معياري يقوم على التمييز الضمني بين ما يقال وما يمارس، وما يمارس وما يكتب. فإذا كانت الممارسة الشفهية تهيمن على المجال الاجتماعي فإنها تعكس تفاعلات متعددة بين الشفوي والمكتوب" خاصة ان التعليم في المغرب أرتكز حتى بدايات القرن العشرين على السماع والذاكرة والرواية والإجازة.
لقد وجه الاهتمام بالأعوام والتأريخ بالحدث الكاتب تلقائيا إلى الاهتمام بتاريخ الزمن إذ اعتبره الموضوع الرئيسي لكتابه، لأنه يعود بالمؤرخ إلى مجاله الخاص الذي يتصل بالتوقيت، والكرنولوجيا والتحقيب، واعتماد تعدد الأزمنة عند الحاجة من أجل إعادة النظر في تراتبية الحدث، وما يلازمها من تمييز بين اللاحدث والحدث، والحدث التاريخي الذي يكتسب هذه الصفة، بفضل تقييم المؤرخ المهني...الذي أصبح يتناول الحدث الذي كان من المنتظر ان يحدث، أو تم الإعلان عنه دون أن يحدث"
فقد أصبح للزمن نظام آخر في الكتابة التاريخية مع الانتقال من التاريخ التقليدي إلى التاريخ الجديد، حيث تم إغناؤه بالتصور الجديد للزمن التاريخي الذي قسمه بردويل إلى ثلاث أزمنة تعتبر وجوها تاريخية للزمان الواقعي المختبر والمعيش: زمان الوسط الجغرافي، وزمان المجتمع وزمان الحياة اليومية. فالزمان التاريخي هو هذا الزمان الاختباري المطلق وقد انطبع بطابع النسبية. فهو يفرز تواريخ نوعية متنوعة ومتباينة
إن الزمان التاريخي يغذو كذلك بفضل الخطاب وعن طريقه، خصوصا وأن التأريخ خطاب في التاريخ شكلا ومضمونا.
نجد في كتابات السبتي أثرا لوروا لادوري حامل شعار" تاريخ بدون إنسان" الذي دعا المؤرخ كي "يوجه اهتمامه في بعض الحالات إلى الطبيعة ذاتها بوصفها طبيعة، وفي مستطاعه أن يكشف لنا بفضل المناهج التوثيقية التي لا بديل عنها ، عن الزمان الخاص بالطبيعة، وعن إيقاع تقلباتها المناخية الحديثة العهد" .فبتأكيد لادوري على أن الطبيعة تاريخ، وأنها ليست صيرورة فارغة جوهرها التكرار، تكرار المتطابق وإعادة إنتاجه بل إنها تاريخ المختلف...حاول أن يبرز أنه ليست الصيرورة هي كل التاريخ، بل التاريخ هنا هو تلاقي مدتين: أحدها طبيعية والثانية إنسانية، ولكل مدة من المدتين أداة قياس تلائم مستواها ونوعيتها" .
لا يتقاطع اهتمام السبتي بالزمن التاريخي مع أعمال المؤرخين فحسب، بل كان محل اهتمام العديد من الفلاسفة وخاصة منهم رواد الفلسفة التأويلية. حيث اعتبر هايدغر في كتابه الوجود والزمان" أن الزمان ليس وعاء مطلقا تجري فيه الأحداث وتقع التغيرات، بل هو تابع للتغيرات ذاتها يتنوع بتنوعها ويتخصص بتخصصها، لأنه زمان علائقي ليس انسيابيا أو صيرورة…فليس هناك زمان واحد بل أزمنة كثيرة تعكس كثرتها تعدد مستويات الانتظام البنيوي ، كما اعتبر غادامير في كتابه الحقيقة والمنهج, أنه لا يمكننا أن نرى الماضي في حدود ذاته فحسب لأن معناه يتحدد على ضوء الأسئلة التي توجه إليه من الحاضر وأكد أن مفهوم المسافة الزمانية يعد من أهم المفاهيم المحددة للوعي التاريخي لكونها عاملا أساسيا في فهم التاريخ.
طبيعي أن تنعكس هذه الاتجاهات العلمية والانعطافات الفكرية على المقاربات التي تبناها السبتي وهو ينتقل بنا من عام الفيل إلى عام الماريكان، لتتبع العلاقة المعقدة بين الذاكرة الجماعية وتاريخ الوقائع التي تعكسها ظاهرة الأعوام. حيث اعتمد في دراسته على الذاكرة التاريخية المكتوبة كمتن أساسي، منطلقا من قضية التقاطع بين الذاكرة الشفوية والذاكرة المكتوبة للكشف عن آليات اشتغال الذاكرة الجماعية، وقد تعامل مع الثقافة الشعبية من منظور اجتماعي تاريخي، يتناول علاقتها مع المجتمع والسلطة والمكتوب" من أجل الجواب عن الأسئلة المتعددة حول ثنائية الشفوي والمكتوب التي نستحضرها عند التفكير في تسمية الأعوام. من قبيل، من أطلق اسما معينا على العام الفلاني؟ وكيف انتقت الكتابة التاريخية أعواما معينة، ومحكيات معينة حول الأحداث التي تتصل بتلك الأحداث؟ ... وهي أسئلة يتوخى بها السبتي تحليل الذاكرة الجماعية منطلقا من أفكار عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالفاكس، الذي أنسب الذاكرة إلى كيان جماعي يسميه المجموعة والمجتمع، وتتجلى أهمية هذا المفهوم في كونه شكل مقدمة للتباين الحاصل مع الذاكرة الجماعية من جهة، والتاريخ أو الذاكرة التاريخية من جهة ثانية كما تأكد في الدراسات التاريخية ابتداء من ثمانينيات القرن الماضي مع المؤرخين الفرنسيين بيير نورا وجاك لوغوف وغيرهما. حيث تأخذ الذاكرة الجماعية صورة ذكرى أو مجموعة ذكريات واعية أو غير واعية لتجربة معاشة أو مشبعة بحمولة أسطورية، قوامها هوية جماعية ذات ارتباط وثيق بالإحساس بالماضي ذكرى أحداث لاتزال حية... أو منقولة عن طريق الكتابة أو الفعل أو الرواية الشفهية...ذاكرة فاعلة تحت رعاية المؤسسات والطقوس والإستوغرافيا، أو ذاكرة خفية وأحيانا مستعادة، مثل ذكريات الأقليات الاثنية والاجتماعية المضطهدة أو المهضومة الحقوق، ذاكرة رسمية وإرادية حاملة لمخيال محكم ...، أوذاكرة دون ذاكرة، سرية وميتاتاريخية، أو ذاكرات أخرى.
من هذه الزاوية تظهر أهمية كتاب " من عام الفيل إلى عام الماريكان" فقد أثار اهتمام المشتغلين في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية والأدب وديداكتيك العلوم الاجتماعية، إذ نهج مقاربة خصبة لامست الـتأريخ بالأعوام من منظور متعدد، يوفق بين صرامة البحث العلمي والسعي إلى مخاطبة جمهور واسع من القراء، حيث أشرك القراء في منطلقاته المنهجية لتكون خارطة طريق تسهل عليهم تتبع المسار المتشعب للكتاب. ويتكون هذا العمل من شقين اثنين:
أولهما شق تحليلي يحمل عنوان " مفاتيح القراءة" هو في الآن نفسه بمثابة دراسة قائمة بذاتها، تشكل حيزا تاريخيا إشكاليا وتركيبيا، غنيةٌ جدا بمتنها وهوامشها المليئة بالإحالات التي منحت هذا الشق شحنة معرفية. وهو في آن واحد، مدخل للنصوص، من حيث توطينها وسياقها وتأليفها. بدل فيه السبتي مجهودا تحليليا هائلا لمساعدة القارئ على التعاطي مع النصوص قد تغنيه عن العودة إليها. رغم أنه يقر بأن النصوص تبقى قابلة لتأويلات جديدة.
الشق الثاني من الكتاب يضم مجموعة من "النصوص المختارة" تضع القارئ أمام أجناس مصدرية متعددة يرصد السبتي من خلالها " الأعوام" في المصادر التاريخية المكتوبة، بالرغم من ندرة النماذج الواردة في ذلك المتن على امتداد الحقب التي غطتها تلك المصادر بين بداية العصر الإسلامي وبداية القرن العشرين، انطلق في مستوى المجالات المؤرّخ لها من المغرب، وسجل نماذج من بقية بلدان المغرب العربي، وبعض أقطار المشرق العربي. حيث تبين له أن المصادر مع ندرتها يمكن أن تنطوي على فائدة استكشافية، لا تخلو من أهمية فالأعوام باعتبارها ذاكرة شفوية سجلها التدوين التاريخي هي بقايا من ممارسة أكثر انتشارا، ومن الممكن أن تسلط الضوء على ظواهر ثقافية وتاريخية جديرة بالاهتمام.
من أجل توضيب هذا العمل، اعتمد السبتي على نصوصية متعددة، فعلى مستوى المصادر التاريخية انتقل من كتب الأخبار والحوليات السلطانية، إلى كتب التراجم والمناقب، الى كتب الرحلات، ثم كتب النوازل الفقهية، فنماذج من مجموعة خطب الجمعة. وقد توزعت هذه المصادر بين ثلاثة روافد. فرافد علم الحديث حاضر في كتب الأخبار والسيرة النبوية والتراجم. ويظهر رافدي الأدب والحكمة في الكتابات التي تناولت موضوع الزمن عند العرب المسلمين وغيرهم، بين ابن قتيبة والمسعودي، وبشكل متميز في كتابات ابي الريحان البيروني الذي كان أول عالم درس ثقافة الزمن في منظور عالمي في كتابه" الآثار الباقية عن القرون الخالية".
ومن أجل تعرف طريقة اشتغال الذاكرة الشفوية في التاريخ القريب، من خلال نماذج ملموسة، عمد المؤلف على الاستعانة ببعض القنوات المتاحة، حيث طرح سؤال الأعوام على أشخاص ينتمون إلى محيطه المباشر، كما استعمل متن زرنين الذي طلب من تلامذته بإحدى ثانويات سيدي قاسم تدوين " الأعوام" انطلاقا من ذاكرة المسنين من أفراد عائلاتهم. أجرى الباحث كذلك مقابلات شفوية في قرية بهودة بناحية تاونات. كما اقتحم أرشيف تقارير "التدريب القروي" التي أعدها طلبة " معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة" تحت إشراف عالم الاجتماع بول باسكون.
ولمواجهة ندرة التأليف التاريخي التي واجهها في حقبة الحماية استثمر الكاتب المصادر المعاصرة من زجل الملحون، وكلمات أغاني شعبية وروايات وسير ذاتية ومقالات صحفية وبرامج تلفزيه.
يصنف كتاب السبتي ضمن نمط الكتابة بواسطة النصوص وإعطاء الكلمة للنصوص والشواهد دون منحها الثقة الكاملة، وهي كتابة تجمع بين التوثيق والإستشكال. وتقترح تأويلات معينة دون أن تدعي أنها استنفذت مضمون النصوص المنتقاة.
يتبادر إلى الذهن هنا تصور بول ريكور للتاريخ بكونه يشتغل " بالتتالي كعدسة مكبرة، بل مثل مجهر أو تلسكوب" لأن عمل المؤرخ مهما تعددت الاجتهادات، يبقى في نهاية المطاف تفكيكا وبناء وإعادة بناء، تعليقا وتعليقا على تعليق، كتابة وإعادة كتابة، عودة لمقولات كلاسيكية وإعادة صياغتها، استعمالا لمفاهيم واستعارات، اختيارات لكلمات ومقولات، انتقاء لأحداث وظواهر، تأويلا للماضي على ضوء الحاضر، وتأويلا للحاضر على ضوء الماضي. وفي كل هذا غالبا ما يذوب منطق التحليل والتفصيل، وفي المقابل تبقى الفكرة تبقى الكتابة، أو بالأحرى يبقى النص، يبقى السرد. " بتصوره على هذا النحو، فإن المستوى السردي لأي عرض تاريخي يكون له مرجع مختلف تماما عن المرجع الخاص بمستوى الإخباريات. في حين أن الإخباريات تمثل الأحداث على أنها توجد داخل الزمن فإن السرد يمثل أوجه الزمن التي يمكن أن ترى فيها النهايات على أنها مرتبطة بالبدايات لتشكيل استمرارية داخل الاختلاف. إن معنى النهاية الذي يربط نهاية سيرورة بأصلها بطريقة تضفي على ما حدث بينهما معنى يمكن التوصل إليه فقط من خلال الاستبطان، الذي يتحقق من خلال القدرة البشرية على ما سماه هايدغر المعاودة REPITITION. هذه المعاودة هي الشكل المحدد لوجود الأحداث في نطاق التاريخية على عكس وجودها في الزمن. أما في التاريخية فمن جهة ماهي متصورة بوصفها معاودة، فنحن ندرك إمكان استعادة قدراتنا الكامنة الأكثر أساسية والموروثة من ماضينا في شكل المصير الشخصي والقدر الجماعي.
انسجاما مع ما سبق حاول السبتي استعادة التاريخ بين ما كتب في التاريخ حقا وبين ما بني في شكل مرويات ومحكيات على هامشه، وبما أن التاريخ يتعلق بأفعال الناس في الماضي فإن ذلك يستتبع أن لدراسة الماضي هدفها الملائم في الفهم التأويلي لأفعال البشر، وهو ما يتطلب إدراكها معا كأجزاء من كليات ذات معنى تشمل النوايا التي تشكل حوافزا للأفعال والأفعال ذاتها وتبعاتها، كما تنعكس في السياقات الاجتماعية والثقافية.
إن الترميز الكامن في السرد التاريخي يوفر أداة خطابية تؤكد وبشكل ذي معنى أن حال الأفعال البشرية واقعي وملغّز في الآن ذاته، أي أنه واقعي بشكل ملغز، وأن ما لا يمكن تفسيره يمكن من حيث المبدأ فهمه... هناك إذا درجة من الضرورة في العلاقة بين السرد، المتصور على أنه بنية خطابية رمزية أو ترميزية، وتمثيل الأحداث ذات الطبيعة التاريخية المحددة. وتنشأ هذه الضرورة من حقيقة أن الأحداث البشرية تكون أو كانت منتجات للأفعال البشرية، وأن هذه الأفعال لها تبعات على بنيات النصوص... وبالتالي فإن فهم النصوص يعتمد على إعادة إنتاج السيرورات التي أنتجت من خلالها.
لتحقيق هذا الهدف جعل السبتي من الزمنية مرجعه النهائي من خلال دراسة زمن المجتمعات المدروسة وهو: إما زمن معيش كزمن الإنتاج والتبادل والشعائر الدينية والسلطة والعنف والاحتفال والسفر.
وإما زمن تاريخي يتصل بأشكال تمثل المجتمع للزمن والتحول. وفقا لتصنيف كريسطوف بوميان لنظام الزمن الذي ميز فيه بين أربع آليات وهي:الكرونوميتريا (قياس الزمن بواسطة وحدات وتقاويم)، والكرنولوجيا (تنظيم الزمن بشكل خطي بواسطة علامات محددة) ،والكرونوغرافيا (وصف مضمون الزمن)، الكرونوزفيا (الاعتماد الضمني أو الصريح لمبدأ يعطي دلالة معينة للأخبار)
وقد ساهمت هذه الاختيارات في هندسة الكتاب. حيث توزعت شواغله على أربعة فصول: خصص الفصل الأول للثقافة التأصيلية، سلط فيه الضوء على أحداث مفصلية، تعود إلى تاريخ العرب قبل الإسلام، ومرحلة الإسلام المبكر، وهي عام الفيل، وإحداث العام الهجري. وما وازاها من بنيات زمنية أخرى. الفصل الثاني خصصه للأعوام التي تؤرخ للكوارث الطبيعية من قبيل المجاعات والأوبئة. وخصص الفصل الثالث لأعوام المعارك العسكرية. بينما خصص الفصل الرابع لمرحلة الحماية، وركز فيه على سنوات الشدائد التي عرفها المغرب خلال الحرب العالمية الثانية.
ثم ختم السبتي الكتاب ببعض الخلاصات عن القضايا الثلاث التي انطلق منها وهي الذاكرة والحدث والزمن.
فيما يخص الذاكرة، أكد السبتي أن ظاهرة الأعوام تعكس علاقة معقدة بين الذاكرة الجماعية وتاريخ الوقائع فالأعوام تستعمل مبدئيا كأداة كرنولوجية، حين تعتمد الحدث المفرد، لكنها تطلق تسميات تكرارية على الكوارث الطبيعية والمعارك العسكرية مثل عام الجوع وعام يرني وعام الهربة. إلا أنها مدة زمنية غير محددة بقياس إذ لا تقاس بحجمها وإنما بما يترتب عنها، فهو يعني زمنا لا يحدد في الزمنية ذاتها بل في التحليلات التي تحيط به، لأن الزمن إفراز لحس ثقافي وليس معطى سابقا مودعا في الذاكرة.
فيما يخص الحدث، فقد انطلق السبتي من كون صفة الحدث لا تنطبق على كل ما يقع على مستوى الفرد والمجتمع، فالمؤرخ المهني هو الذي ينسب صفة الحدث على واقعة معينة. وهو ما لا يساعد على فهم الأحداث التي تم توظيفها في تسمية الأعوام التي تستند على رهانات محلية محدودة، أو على بنيات عامة يطلق عليها أحيانا مصطلح النظام الديموغرافي العتيق. وهو ما قاده إلى التمييز بين صنفين من الأحداث وهما الحدث العلامة الذي يمكن وزنه فيما وراءه من دلالات ثقافية أو رمزية. والحدث المؤشر الذي ربطه بثلاثة معاجم، وهي معجم البحث البوليسي، ومعجم الكشف الطبي، ومعجم التحليل النفسي.
فيما يخص الزمن، فقد تبين من تتبع تسمية الأعوام في الثقافة الشعبية أنها أسلوب لتحديد الزمن، يتمفصل بين ثلاثة أنماط من الأزمنة وهي:
الزمن الزراعي: وهو تقويم شفوي مبني على الشهور الفلاحية و" المنازل" ينتمي أيضا الى ثقافة مكتوبة تنتمي إلى أدب الأنواء. ويتميز بكونه. زمنا محليا لا يؤرخ للمجال المغربي بكامله. وزمنا دوريا يعكس توالي فصول السنة والتعاقب بين سنوات الجفاف والخصاص. وزمن الهشاشة التي تمس الجسد والموارد ويستبطنها المجتمع والدولة.
الزمن المنقبي: يؤرخ لرجال الصلاح والتصوف والزوايا، حيث تقوم الذهنية المنقبية على عنصرين أساسيين ، هما اعتماد التربية بواسطة النموذج القدوة. وتدخل المقدس في سير شؤون الطبيعة والبشر من خلال خرق العادة.
زمن القيامة: زمن دائري يقوم على عمليتين متوازيتين، وهما استعادة وإعادة تصوير مسبق لمشاهد قيام الساعة، ويرتبط بالكوارث الطبيعية، وانتشار المفاسد وقيام الثورات. غير أنه زمن ساكن لا يولي أهمية لما يحدث في انتظار قيام الساعة.
تلتقي الأنماط الثلاثة في صورة الزمن، فهو في آن واحد زمن دائري ومتصل زمنيا وحاضر أبدي. وترتبط بقضية الأجناس في تراث الكتابة التاريخية العربية الإسلامية، كما أنها مازالت فاعلة في حاضر مجتمعنا.
وأخيرا يمكن القول إن كتاب من عام الفيل إلى عام الماريكان يعتبر أسلوبا جديدا ومجددا في الكتابة التاريخية المغربية عمل فيه عبد الأحد السبتي على وضع قواعد إجرائية ومرجعية للبحث في الذاكرة الشفوية في علاقتها بالتدوين التاريخي، بناها على حس منهجي دقيق ينم عن مواكبته واستيعابه للتحولات المنهجية التي عرفتها الكتابة التاريخية في العقود الأخيرة. والتي برزت تجلياتها في الكتاب عبر أربع نقاط أساسية:
أولا: توسيع دائرة المصادر بتفادي الاقتصار على الوثيقة الرسمية، وابتكار وثائق أخرى غير رسمية والانفتاح على أنماط مصدرية جديدة كالآثار المادية، والرواية الشفهية، والثقافة الشعبية والصورة وكل ما من شأنه إنارة مناطق الظل في ماضي المجتمع
ثانيا: تحويل الاهتمام من البحث في الأحداث إلى البحث في البنيات، من البحث في الحاكمين إلى البحث في المحكومين، من البحث في البلاطات إلى البحث في البيوتات.
ثالثا: الاحتكاك بالعلوم الاجتماعية من سيسيولوجيا وأنثروبولوجيا وجغرافيا، والنهل من معارفها وأدوات اشتغالها لتجاوز مستوى الوصف إلى مستوى التفسير.
رابعا: الاستفادة في تحليل النصوص وتأويلها بالتطور الذي عرفته الدراسات اللغوية مع ظهور اجتهادات تؤول الممارسة اللغوية والكتابة على ضوء العامل الخارجي، وتأسيس اللسانيات الاجتماعية التي دعت إلى معالجة ظروف إنتاج الخطاب واشكال تداوله، وأعادت الاعتبار للتاريخ والمحيط الاجتماعي داخل الحقل اللساني.
إن كتاب السبتي بتعبير صاحبه يمكن أن يكون مقدمة ورش بحثي واسع، ولا يسعني إلا أن أدعو كل المهتمين بالحقل التاريخي من مؤرخين وباحثين وطلبة ومفتشين ومدرسين وواضعي المناهج، بالقراءة المتأنية لهذه الدراسة، والتفاعل معها كل من مجال اختصاصه.

 

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟