"الأرسلانية" الديكولونيالية أو فضح خيانة الإمكان التاريخي للتحرر - احمد الكافي يوسفي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

مقدمة:
في خضمّ الواقع العيني العربي والاسلامي وما يتميز به من احداث ماساوية كالحروب والاستعمار والتقسيم والغزو والمذابح والمجازر والصراعات الطائفية والقبلية يمكن للمفكر ان يثير الاسئلة المؤسسة لقراءة نقدية منصبّة على الاجتماعي والتاريخي. في هذا السياق يتنزّل السؤال "الارسلاني": "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟

ها هنا الإجابة ليست تقريرًا تاريخيًا بقدر ما هي محاولة لاستعادة "الممكن التحرري"  من خلال فضح السببيّة الثاوية في فعل التخلّف. لم يعد التخلف هنا من امور الطبيعة ولا القدر بل من امور المجتمع والتاريخ. فقد أدرك أرسلان، أن الاستعمار لم يأتِ فقط من الخارج، بل تسلّل من الداخل أيضًا، عبر بنى دينية ونخبوية خانت إمكانها التاريخي في التحرر.

انّ إعادة قراءة "الارسلانيّة" من زاوية ديكولونيالية تتيح لنا تفكيك بنية الخيانة التي أسّست للكولونيالية، سواء عبر صمت الجماهير، أو تبرير النخب للاحتلال باسم "الاعتذار الباطل"، أو عبر الاتجار بالدين والدنيا معًا. بهذا المعنى، تصبح "الأرسلانية" أرشيفًا نقديًا لخيانة التحرر، حيث يظهر فيها المسلم فاعلًا في تدمير نفسه، وشريكًا في تسهيل الاستعمار، سواء عن قصد أو غفلة.

إن هذه القراءة تسعى إلى مساءلة الأرسلانية لا كأيديولوجيا دفاعية، بل كنصّ يفضح إمكانًا تاريخيًا تمّت خيانته، إمكانا كان يُفترض أن يفضي إلى تحرر سياسي وفكري، لكنه أُجهض وما انفكّ يجهض من داخل الجسد الحضاري ذاته. ومن هنا، فإن هذا العمل يحاول أن يُعيد قراءة أرسلان بوصفه مفكرًا "ديكولونياليًا" ، عرّى البنية العميقة للخيانة الفكرية والسياسية التي سهّلت الغزو الكولونيالي، وربما ما زالت تعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة حتى اليوم.

1) في الارسلانية:

"الأرسلانية": نحت اصطلاحي يُشتق من اسم المفكر والمصلح العربي شكيب أرسلان (1869–1946)، أحد أبرز وجوه النهضة العربية الإسلامية. وقد ارتبط اسمه بمحاولة عميقة للإجابة عن سؤال "لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟"، وهو عنوان كتابه الأشهر الذي أصبح بمثابة مرجع في الفكر الإصلاحي العربي.
تدلّ "الأرسلانية" على موقف فكري إصلاحي محافظ، مزج بين الإحياء واليقظة والاعتزاز بالهوية مع نقد أسباب التاخّر. وفي سياق القراءة المغايرة، يمكن اعتبار "الأرسلانية" شكلًا من أشكال الديكولونيالية المبكرة، إذ سعت إلى فضح خيانة "الإمكان التاريخي للتحرر"، وانتقدت بعنف الاستعمار، والتغريب، وخيانة النخبة المتعلمنة أو المتخاذلة باسم الدين.
وقد وُصفت هذه النخبة في النصوص الأرسلانية بعبارات صارمة، منها: "الذين يخونون ملتهم، ويناصبون إخوانهم العداوة ابتغاء مرضاة الأجانب والحصول على دنيا زائلة"1، ما يجعل من الأرسلانية خطابًا كاشفًا لبنية التاخّر المقنّعة بمبررات زائفة او بلغة راسلانية "اعذار باطلة"

اذن، يمكن القول ان الأرسلانية بعامّة هي ممارسة نقدية فاضحة لبنية التأخر المقنّعة ، فهي تشير الى الخطاب النقدي لهذا المفكّر الذي لا يكتفي بوصف التأخر الحضاري للمسلمين، بل يكشف عمق البنية الاجتماعية والسياسية التي تحافظ على هذا التأخر. فالأرسلانية ليست مجرد تحليل تاريخي، بل ممارسة نقدية جذرية تفضح التبريرات الزائفة التي توظف الدين والسياسة لتبرير الخيانة والركود، وتسهيل الاستعمار والهيمنة الخارجية.

2) التدمير الذاتي: حين يصبح المسلم عدو نفسه، والخيانة بنية لا فعلًا طارئًا

يرى شكيب أرسلان أن تأخر المسلمين لا يرجع فقط إلى قوة المستعمر، بل إلى ما يمكن تسميته اليوم بـ"آليات التدمير الذاتي" في داخل المجتمعات الإسلامية؛ أي حين يتحوّل المسلم إلى أداة في يد الاستعمار عبر خيانة دينه ووطنه، باسم السلطة أو المصالح. فالخيانة ليست هنا خيانة فردية فقط، بل نظام "خياني" مؤسَّس، يتجلّى في النخب السياسية والدينية التي "تجاسرت على الاتجار بدينها بعد الاتجار بدنياها"2، و"بلغت من الكِبَر عتيًّا" لكنها لا تزال حريصة على الزلفى إلى فرنسا "ولو بضياع دينه ودنياه"3

وهذا النمط من التدمير الذاتي — حيث تُمارس الخيانة من داخل الدين وباسمه — يكشف أن الكولونيالية لم تكن دائمًا قوة خارجية غازية فقط، بل مشروعًا وجد له أنصارًا من داخل الجسد الإسلامي نفسه. بهذا المعنى، فإن الاستعمار لم يَدخل فقط من البندقية، بل من فجوة في البنية الرمزية والأخلاقية التي ربطت الدين بالسلطة، وحوّلت الإسلام من رسالة تحرير إلى أداة هيمنة ومصالح.

إن هذا التحوّل البنيوي يُعدّ اليوم مفتاحًا لفهم قابلية العالم الإسلامي للاستعمار، لا بوصفها نتيجة غزو، بل نتاج بنية فكرية دينية سياسية تتواطأ مع الخارج ضد الذات، عبر جهاز من التبريرات والاعتذارات الباطلة.

3) الإسلام كقوة تاريخية للتحرر: ضد اختزاله في شكلانيات فقهية

لا يرى شكيب أرسلان في الإسلام مجرّد منظومة عباديّة أو فقهية منغلقة على ذاتها، بل يعتبره قوة اجتماعية حية، ذات طابع تحرريّ ومقاوم، تُستهدف من قبل الاستعمار تحديدًا لأنها تملك قدرة على تأطير المقاومة وتوحيد الصفوف. غير أن أحد أبرز أسباب التدهور يكمن، بحسب تحليله، في انحراف الإدراك الديني داخل المجتمعات الإسلامية، حيث تحوّل الإسلام من "براكسيس اجتماعي وتاريخي مضاد" إلى مجردات شكلية وأوهام روحية لا أثر لها في الواقع.

ينتقد أرسلان بشدّة هذا الاختزال قائلاً:

"وإذا كانت الأمة الإسلامية لا تزال تُبتلى بأناس يحولون دون إصلاحها بدعوى المحافظة على دينها، فإنها لا تستحق بعد ذلك أن يُرفع عنها البلاء"4
ويضيف أن العدو يخشى من الإسلام باعتباره مشروعًا للتحرير، لا مجرد طقوس وعقائد، بقوله:
"لو كان وراء هؤلاء أمة يخشونها ما تجاسروا على الإتجار بدينها بعد الإتجار بدنياها"5

يتّضح هنا أن الإسلام عند أرسلان ليس دين "بول البعير"، ولا اجتهادًا في "جنس" الملائكة، بل رؤية للعالم تنطلق من العدل الاجتماعي، والسيادة الوطنية، والتكافل، والتصدّي للهيمنة. فحين يُفرّغ الإسلام من مضمونه التحرري، ويتحوّل إلى أدوات لتخدير الوعي أو تبرير الاستكانة، فإن ذلك يخدم الاستعمار ويُحوّل الدين إلى أداة طيّعة للهيمنة.

ومن ثمّ، فإن الإسلام، حسب أرسلان، ليس قولًا ميتافيزيقيًا متعاليا عن المجتمع والتاريخ، بل بنية مقاومة تحركها مقاصد اجتماعية وتاريخية، وهو ما يجعل من الجمود الفقهي أو التواطؤ باسم الدين نوعًا من الخيانة الرمزية، التي لا تقل خطرًا عن الخيانة السياسية، بل قد تُشرعنها وتغلفها بهالة القداسة.

4) تبرير الاستعمار: حين تُصبح الخيانة أيديولوجيا ويتحوّل المُعتذرون إلى حرّاس الغزو

في تحليله العميق لأسباب التأخر، لا يتوقّف شكيب أرسلان عند نقد الفعل "الخياني" المباشر، بل يُسلّط الضوء على نوع آخر من الخيانة: خيانة النخبة التي تصنع الأعذار للاستعمار وتُشرعن وجوده باسم الحكمة أو الإصلاح أو الضرورة. يهاجم أرسلان هؤلاء بقسوة، قائلًا:

"إنما أتت الغوائل على المسلمين من قِبل أناس قلائل من أنفسهم، يبيعون دينهم بدنيا غيرهم6
ويتابع:
"إن المستعمرين لم يأتوا البلاد الإسلامية بقوة الحديد فقط، بل استُقبلوا بأكف من تُسمّي نفسها عقلاء، يبررون وجودهم"7

هذا النمط من التبرير لا ينتمي إلى مجال الضعف أو الانسحاب، بل إلى صناعة خطاب يخدع الناس ويُغطّي المشروع الكولونيالي بغطاء عقلاني أو ديني أو إنساني. إنه ما يُمكن تسميته بـ"الأيديولوجيا الخيانية"، التي تُنتجها طبقة من "المثقفين-الوسطاء" بين المستعمر والمجتمع، والذين يُمارسون دورهم في صياغة وعي زائف يُبرر النهب والغزو والاستعباد.

وهؤلاء يشبهون، في تعبير بول نيزان الشهير، "كلاب الحراسة" الذين يحمون مصالح الطبقات المسيطرة و"يُفسّرون للعالم لمَ كان القمع ضروريًا، ولمَ الاستعمار حتميًا، ولمَ الغزو أخلاقيًا"8.

هكذا تُصبح الخيانة هنا ليست فقط خيانة الدين أو الوطن، بل خيانة الوعي ذاته، وخيانة الإمكان التاريخي للتحرر. وبذلك، تتكرّس الخيانة كأحد الأعمدة الأيديولوجية للاستعمار، لا كحالة فردية معزولة.

اجمالا، يمكن القول ان الخيانة، في منظور شكيب أرسلان، ليست مجرّد فعل عرضي أو انحراف فردي، بل هي نمط مكرّس في البنية المجتمعية للعالم الإسلامي، يتجذّر في التكوين النفسي والسياسي والديني معًا. فهي أولًا تدمير ذاتي : إذ أن "أكبر أعداء المسلمين هم المسلمون أنفسهم"9، في ظلّ بنية فكرية تحتقر الإصلاح وتُتاجر بالدين، ممّا يجعل الطريق مفتوحًا أمام الاستعمار للتسلل إلى قلب الأمة عبر خيانات داخلية مبرمجة. وثانيًا، هي خيانة جماعية تتجاوز الفرد، حيث "الظلم يخصّ والبلاء يعمّ"10، أي أن السكوت العام، الصمت المتواطئ، هو شكل من أشكال الخيانة، التي تُمارس من خلال التبرير والاعتذار والمهادنة، باسم "قلة منحرفة"، في حين أن "لو كان وراء هؤلاء أمةٌ يخشونها لما تجرّؤوا على الإتجار بدينها"11.

أما ثالثًا، فالأخطر هو تحوّل الخيانة إلى أيديولوجيا، أي إلى خطاب يُنتج التبرير الكاذب، ويصوغ دفاعًا عقلانيًا عن الغزو والكولونيالية، كما في عبارة بول نيزان الشهيرة إنهم "كلاب حراسة"،12 : يحرسون بالمعرفة والأعذار مصالح الاستعمار. هؤلاء ليسوا مجرد متواطئين، بل صنّاع للوعي الزائف.

في هذا السياق، تصبح الخيانة ليست انحرافًا عن النظام، بل جزءًا من آليته: تُنتجها البنية ذاتها، وتُعيد إنتاج ذاتها من خلال الفتاوى، والمقالات، والأحزاب، وخطباء المصالح. وهكذا فإن الجواب عن سؤال "لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟"، يكمن في جوهره، في حضور الخيانة كقيمة مقنّعة، وكإستراتيجية فكرية ودينية واجتماعية وثقافيّة لتسويغ الاستسلام.

خاتمة:

ربّما ما يحدث في سوريا اليوم يُمثّل، بالجوهر، الجواب المأساوي على سؤال شكيب أرسلان: "لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟"، إذ تنكشف فيه آليات التخلّف لا كقدرٍ تاريخي، بل كنتاجٍ لخيانة بنيوية اجتماعية، والتباس المفاهيم بين الجهاد والخيانة، والدين والتبعية.

ربّما ما يحدث في سوريا اليوم يُعدّ تحققًا مأساويًا لرؤية أرسلان؛ إذ يُستدعى الجهاد دينيًا ولكن يُختطف سياسيًا لخدمة مشاريع استعمارية جديدة. والمجاهد – في صورة "الجهادي" – أصبح أداة في يد القوى الخارجية، كما تنبأ أرسلان بأن الاستعمار "يستظهر بأناس ممن يزعمون أنهم يهدمون الإسلام بمعاول في أيدي أبنائه13.

فالحدث السوري ودمويته يذكرنا بهذا السؤال "الأرسلاني"  ويرسم راهنيته ليتشكّل في صيغته "البلازيسيّة" ككسرٍ مستمر للجمود وخلق دائم للكثرة والتصيّر، متجاوزًا السببية الخطية، ومؤكدًا على التعقيد والالتباس والتفاعل في تدبير الخيانة وأسبابها.

واخيرا، ان رسم بعض معالم قراءة نقدية لهذا السؤال الذي يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بـ"جينيالوجيا" الخيانة يمكن ان يعدّ من خصائص الفكر المترحل الذي يفجّر الأنظمة السائدة، ليتفاعل مع الظواهر الفعلية للبشر الفعليين، وبخاصة "المسلمين" كما هم في لحميتهم، ووجودهم المحسوس والمرئي والعيني.

الهوامش:

1) شكيب أرسلان، لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟، ص. 27

2المرجع نفسه، ص. 27

3) المرجع نفسه، ص. 24

4) المرجع نفسه، ص. 27

5) المرجع نفسه، ص. 24

6) المرجع نفسه، ص 21

7) المرجع نفسه، ص 23

8) بول نيزان، كلاب الحراسة، ترجمة فالح عبد الجبار، دار الفارابي، بيروت، 1980

9) المرجع نفسه، ص. 25

10) المرجع نفسه، ص. 22

11) المرجع نفسه، ص. 23

12) Paul Nizan, Les chiens de garde, 1932، ترجمة فالح عبد الجبار، دار الفارابي

13) المرجع نفسه، ص. 2