أنفاس في نطاق سعي الكنيسة الكاثوليكية لحصر أنشطتها، تنشر دوريا تقريرا إحصائيا بعنوان: -ANNUARIUM STATISTICUM ECCLESIAE-، تتناول فيه قياس تنامي أتباعها ورجالاتها ومؤسّساتها. والتّقرير عمل رسمي داخلي، يعدّه المكتب المركزي للإحصاء، وقد صدرت النسخة الأخيرة عن مكتبة الفاتيكان سنة 2006.
بلغت أعداد الكاثوليك المعمَّدين في العالم 1.098.366.000، ما يساوي 17،2% من العدد الجملي لسكّان المعمورة. ويتوزّع العدد، بحساب المليون، على النّحو التالي: إفريقيا (148.817)، أوروبا (278.736)، أمريكا (548.756)، آسيا (113.489)، الأوقيانوس (8.568).
وأمّا كبريات البلدان الكاثوليكية -بحساب المليون نفر- فهي: البرازيل (153.440)، المكسيك (94.964)، الفلبّين (67.112)، الولايات المتّحدة (66.668)، إيطاليا (56.036)، فرنسا (45.988).
بقيت الأعداد الدّيمغرافية للكاثوليك في أوروبا تقريبا ثابتة، مع أن عدد المعمدّين خلال 2004 سجّل تدحرجا نسبيا مقارنة بـ2003. أمّا بالنّسبة للعدد في إفريقيا، فقد ارتفع ثلاث مرّات خلال ربع قرن، وهو الازدياد الأكثر ديناميكية في العالم الكاثوليكي. كان العدد خلال 1978 55 مليونا تقريبا، وقد بلغ مع حلول 2004 149 مليونا. أمّا في القارة الأمريكية فالأوضاع تشهد استقرارا، حيث 62% من السكّان هم كاثوليك. وفي آسيا تطوّر العدد خلال نفس الفترة، من 2.5% إلى 3% مع 2004. ضمن هذه التحوّلات تبقى القارة الأمريكية تحوي أكثر من نصف كاثوليك العالم.
أما فيما يخصّ أعداد رجال الدّين فقد شهد تناميا، ارتفع عدد الأساقفة من سنة 1978 إلى 2004 بنسبة تفوق 28%، تحوّل فيها العدد من 3714 إلى 4784 أسقفا، بمعدّل عمر (65 سنة). الملاحظ أن الارتفاع الهائل في إفريقيا (%45.8+)، تليها الأوقياونوس (%34+)، ثم آسيا (%31.4+)، ثم قارة أمريكا (%27.2+)، وأخيرا أوروبا بنسبة (%23.3+). ومع تلك التطوّرات يبقى تركّز العدد الأكبر للأساقفة في أمريكا وأوروبا.
وعادة في نطاق سعي كنيسة روما للتحكّم بكنائس الأطراف وتفادي أي تململ، على نمط ما حدث عقب التجمّع الأسقفي بمادلين في كولمبيا سنة 1968، تعمل جاهدة لمزج التشكيلة الأسقفيّة المحلّية بموفدين غربيين أساسا، وقد بلغت أعداد هؤلاء 802 أسقفا يرافقون المحلّيين الذين يناهزون 3982. ومن هذا الباب توتّرت علاقة الفاتيكان مع الصّين، التي رفضت تلك الهيمنة الدّينية على ترابها من أجانب.
ولكن برغم تزايد عدد الرّهبان في إفريقيا بين 1978 و 2004، بنسبة تقدّر بـ%85+، وفي آسيا بنسبة %74+، تبقى أوروبّا محتفظة بالقسم الأكبر من الرّهبان، برغم التّراجع العددي فيها.
البيّن من خلال تحليل هذه الإحصاءات أنّ تراجع الكاثوليك في الغرب على مستوى الكوادر أيضا، وتناميهم بخلاف ذلك في القارات الفقيرة. المسألة عائدة بالأساس إلى ترسّخ وعي ذاتي داخل الفضاء الدّيني الغربي، أن نمط الرّهبنة الذي تفرضه الكنيسة هو نمط غير متّسق مع العصر الحديث، لما فيه من تبني أشكال الرّهبنة الكلاسيكية، بكافة شروطها وإلزاماتها المجحفة، من عزوبة وقطع مع العائلة الأصل وانضمام لعائلة الإكليروس، بدعوى التفرّغ التام للكنيسة.

أنفاسمنذ اعتلاء البابا بندكتوس السّادس عشر كرسي البابويّة، شهدت الكنيسة الكاثوليكية تحويرات ومراجعات ذات شأن، مسّت اللّيتورجيا وأجهزة المؤسّسة الدّينية. وآخر هذه التحويرات الإقرار في الرّابع عشر من سبتمبر من العام الحالي العودة للقدّاس الترنتي –نسبة لمدينة ترنتو الإيطالية-. ويتمثّل التّراجع، في إقرار أداء القدّاس المذكور، وما يتضمّنه في نصّه من نعت لليهود بالمخاتلة والعمى ودعوة لهم بالتوبة والاهتداء للمسيحيّة، مما أثار بعضهم واعتبروه تنكّرا للمصالحة.
أمّا الجانب الأهمّ في الإصلاح اللّيتورجي فيتمثّل في إحياء استعمال اللّغة اللاّتينية في الصّلاة المسيحية، بعد أن جمدت على إثر المجمع الفاتيكاني الثّاني (1962-1965). تأتي العودة في ظلّ ردّ الاعتبار للعهد الترنتي -Tredentine-(1545-1563)، الذي تميّز بالتقليدية والإصرار على وحدة الشّعيرة، كردّ فعل على ما سمي بانحرافات المصلح البروتستاني مارتن لوثر حينها. فما هي مقاصد هذه العودة؟ كانت دواعي التخلّي خلال العقود السّابقة عن اللّغة اللاّتينية بدافع تقريب القدّاس من النّاس، وإقامته بلغات حيّة مفهومة، بدلا من اللّغة اللاّتينية المتوارية. ترتّب عن اتخاذ ذلك القرار المجمعي تبرّما لعديد رجال الدّين، باعتبار اللاّتينية لغة الكنيسة، والتي صارت تجري مجرى اللّغة المقدّسة، كما شأن العبرية والعربية لدى اليهود والمسلمين. نظرا للحميمية النّاشئة عن تزاوج المسيحية المأوربة مع اللاّتينية، اللّغة الأمّ لعديد اللّهجات واللّغات المنحدرة منها، كالفرنسية والكورسية والإيطالية والسّردينية والإسبانية وغيرها.

كان مبرّر التخلّي عن اللاّتينية بدعوى ابتعاد النّاس عن هذه اللّغة وعدم فهمهم عظة يوم الأحد، بصفة القدّاس موجّه لعموم النّاس لا لرجال الدّين، الذين يفترض إلمامهم بهذا اللّسان. والواقع، وإن بقيت اللاّتينية تدرّس في الثّانويات في البلدان الغربية في التخصّصات الأدبية، فهي عبارة عن تقليب جثمان ميّت، فهي لغة منقرضة لا يتكلّمها الطلاّب، والغرض من دراستها تعميق فقههم بلغاتهم المحلّية وتوسيع دائرة الفهم والدلالة لديهم. وقد عاينت موت اللّغة اللاّتينية حين كنت طالبا في الجامعة البابوية الغريغورية بروما، فطلاّب اللاّهوت يدرسون اللاّتينية لا ليستعملونها ولكن لإعانتهم على ربط صلاتهم بالمفاهيم والدّلالات اللاّهوتية، ذات الصّلة بالكتاب المقدّس المدوّن بتلك اللّغة لا غير.
لكنّ إلغاء اللاّتينية من الاستعمال في القدّاس مع قرار المجمع الفاتيكاني الثّاني، أوقد نارا بقيت خامدة، وأثار ثائرة العديد من رجال الدّين، ممن لم يتقبّلوا هذا القرار، الذي اعتبروه استئصاليا في حقّ تراثهم الكنسي. كان المونسنيور مارسال لوفابر الفرنسي أبرز من تزعّم الانشقاق، وشقّ عصا الطّاعة للكنيسة الكاثوليكية. انعزل رفقة جمع من رجاله وتحصّنوا بكنيسة القدّيس نيكولا دي شاردوني بباريس، نظرا لتوفّر حرّية أوفر في فرنسا. عرفت الجماعة حينها بـ"الأصوليين" أو بفتنة لوفابر تحقيرا لهم، وبلغت الأزمة أوجها بتسليط سيف الحرمان على الرّجل، وهو أعلى العقوبات التي يصدرها مجلس مراقبة العقيدة، وريث محاكم التّفتيش سيّئة الذّكر.
وفي نطاق اشتغال البابا الحالي راتسينغر على لم شمل الكنيسة، تركّزت اهتماماته على إرجاع أتباع لوفابر إلى حضن الفاتيكان. كانت استراتيجية المصالحة تأتي ضمن خطّة أشمل، من ردّ الاعتبار للّغة اللاّتينية. ففي ظلّ النزيف الذي تعرفه الكاثوليكية في فرنسا، والتي تشهد أسوأ أيّامها، لا تضاهيها فيه فترة ما بعد الثّورة الفرنسية، أو فترة إقرار العلمانية والفصل بين الكنيسة والدّولة سنة 1905.

أنفاس أخذت معطيات التراث القديم تعكس أصداءها مغذية ومعمقة للتيارات الفكرية الإسلامية منذ أواخر عصر الراشدين. ولم يكن بوسع الخلفاء مقاومة هذه التأثيرات طالما لم يستطيعوا وقف حركة التطور الاجتماعي الجانحة نحو «الدنيوية». بل أخذت الثقافة الدينية تفيد من تراث الأوائل في بلورة اتجاهاتها، وتباينت هذه الاتجاهات وفقاً لمعطيات الواقع السياسي والاجتماعي الذي أعيدت صياغته في العصر الأموي.
وتعبر نوعية الثقافة في المدن الإسلامية القديمة والمستحدثة عن خاصية التنوع والتباين تلك في جلاء تام، إذ ظهرت بواكير مدارس فكرية في دمشق والفسطاط والمدينة والبصرة والكوفة. كان لبعضها تأثيرات تالية على حواضر الغرب الإسلامي مثل القيروان وقرطبة. ويرى الأستاذ أحمد أمين أن هذا التباين والتخصص لم يكن جزافاً بل كان انعكاساً لأوضاع اجتماعية.
ففي المدينة ـ التي فقدت مركزها السياسي بانتقال الخلافة إلى دمشق ـ حيث استقرت فلول «الأرستقراطية الثيوقراطية» ـ ساد تياران يتمشيان مع الواقع الجديد، أولهما ديني قح ويتمثل في دراسة الفقه والحديث، ويعول على النص أكثر من التأويل. ومذهب مالك يقدم في هذا الصدد أقوى دليل. والثاني دنيوي ترفي مرح يتمثل في الشعر والغناء والطرب والملح والنوادر، ويعكس حالة الثراء لتلك الأرستقراطية المؤثرة للدعة المجترة أصداء زمن الجاهلية.
وفي دمشق ـ مركز الثقل الجديد ـ تلونت الثقافة بالوضعية المستحدثة مع تأثيرات من تراث السريان، في محاولة بلورة شخصية فكرية مميزة، وليس جزافاً أن يختص أهل الشام بمذهب في الفقه يختلف عن مذهب أهل العراق، أعني مذهب الأوزاعي الذي لا يخلو من بصمات «هللينستية». وازدهار الشعر السياسي والخطابة مرده خدمة القضية الأموية أو معارضتها. بل ليس جزافاً أن ينمو الفكر السياسي «الجبري» والإرجائي في أحضان دمشق الأموية. وكان رواج القصص والأخبار وسير القدماء تعبيراً عن الطابع الأرستقراطي لعقلية «النظام الأموي» وتنطق قصور الأمويين ومنشآتهم المعمارية ذات الطابع العسكري بتأثيرات يونانية تعبر عن خصائص نظام فرض وجده بالقوة بدلاً من الشرعية.
وفي الكوفة والبصرة ـ وهما مصران عربيان مستحدثان منافسان لدمشق ـ امتزجت الأرستقراطية العربية بالموالي، وكان عرب العراق في العصر الأموي دون عرب الشام من حيث المكانة الاقتصادية والاجتماعية، ولا غرو فقد كانوا إما مناصرين للأرستقراطية الثيوقراطية أو من «أنصار التيار الثوري» الذي انقسم إلى شيعة وخوارج. وقد أفضى انتقال السلطة للأمويين، وكذا اختلاطهم بالموالي، إلى تضييق الهوة الاجتماعية بينهم واتخاذهم معاً موقف المعارضة.
وعبرت ثقافة المصرين عن هذا الوضع أصدق تعبير، فمذهب أبي حنيفة في الفقه يعول على القياس والرأي، وذيوع «القدرية» في مواجهة «الجبرية» يتسق مع المنحى نفسه، وتضافر العرب والموالي على دراسة اللغة العربية ووضع أصول النحو يعبر عن عملية المزج السلالي والثقافي. وتبني الآراء السياسية الثورية ذات المغزى الاقتصادي الاجتماعي ـ والتي لا تخلو من بصمات «مزدكية» غصلاحية ـ لم يحدث عفواً، إنما نبتت هذه الأفكار بفعل المناخ الملائم الذي هيأته إرهاصات البورجوازية.

شكّل الارتباط المتين للنصّ القرآني بالنصّ التوراتي، سواء في المجالات العقدية أو التّشريعية، إضافة إلى تجارب التّعايش الاجتماعي المبكّرة بين أبناء الملّتين، الإسلامية واليهوديّة، مرجعيّة ثريّة للفكر الإسلامي الكلاسيكيّ وللفكر العربي الحديث في معالجة الظّاهرة اليهوديّة. وبفعل ثقل التاريخ واستفزاز الوقائع، وما نجم عنهما من تطوّرات، جرّاء تغيّر بنية الخارطة السياسيّة للعالم العربي، بتأسّس دولة عبريّة تستلهم وجودها الحضاريّ من المقاصد العامّة للتّراث التوراتي، تأتّى انشغال الفكر العربي المستجدّ باليهوديّة واليهود. فكان الاهتمام بهذا المعطى، بالقدر الذي يثيره الماضي فإن الحاضر يستلزمه، انجرّ عن ذلك تراكم قائمة مرجعية دراسيّة هامّة في المكتبة العربيّة، انشغلت بهذا الحقل، تمازج فيها الإيديولوجي بالعلمي والدّيني بالسّياسي.

جاء اهتمامنا بالمقاربة الدّينية لليهوديّة في الفكر العربي، خلال النّصف الثّاني من القرن العشرين، ضمن هذا الانشغال، فما هويّة هذه المقاربة؟

إنها نظريّة فكر ومنهجه لفكر آخر، سائرة بحسب منظومة تعقّل مسلَّطة على حقل المقدّس في دين محدّد، أطلقنا عليها تسمية الاستهواد. رمنا من خلالها متابعة محاولات التفهّم الدّائرة في حقل الدّيني والمقدّس، السّاعية لفهم الظّاهرة اليهوديّة، بغية الغوص في مدلولات تشكّلها وخفايا رموزها. فالمقاربة الدّينية محاولة لحصر الموضوع في حقل الفكر الدّيني، وإن دعت الحاجة للاستعانة بمناهج حقول أخرى، تاريخية وسوسيولوجية، لمتابعة المسار اليهودي العام. وقد تمّ تحديد مجال هذه المقاربة بالفكر العربي، وبالنّصف الثّاني من القرن العشرين، لضرورات منهجية.

أوّلا: حتى يتيسّر حصر الأدبيّات والرّؤى والأفكار المعنيّة، لتقديرنا أن الانتاجات العربيّة تهون متابعتها على الباحث الفرد، وتتعذّر لو وسِّعت لمجال الفكر الإسلامي، لامتداد حيزه خارج اللّسان العربي، إلى لغات أخرى، كالأردية والتركية والفارسية وغيرها، وهو ما يتطلّب طابور باحثين.
ثانيا: التزامنا بالنّصف الثّاني من القرن العشرين لاعتبارات عدّة، منها انخراطنا في الإشكاليات المطروحة على فكرنا الحديث أساسا، ولما عرفه الانتاج العربي الحديث في هذا المجال، من تراكم كمّي وكيفي مع هذه الفترة، حيث بدأ التخصّصي يؤسّس هويّته واستقلاليته في ميدان اليهودية؛ إضافة إلى قناعتنا أن دراسات الأديان، في أبعادها التّاريخية والاجتماعية، لا تجد فاصلا في تداخلها مع الحديث والحاضر، فالخطّ الرّابط متّصل لا منفصل، إذ "تاريخ الأديان" جدّ مرتبط بـ"حاضر الأديان".

أما عن هيكلة البحث فقد أتت كالآتي: اهتمّ الباب الأوّل بالفكر العربي واليهودية، الذي عالجنا في مستهلّه دواعي الانشغال باليهودية في الفترة الحديثة، مشيرين في ذلك إلى المنشأ السّياسي لحقل هذه الدّراسة، ولما للمسألة الفلسطينية من دفع للاهتمام بالإسرائيلي وبعث اليهودي الهاجع في الذّاكرة الإسلامية المبكِّرة.

أنفاستتيح العودة إلى تاريخ المغرب للباحث الفاحص إمكانية الوقوف على ثلاثة ثوابت رئيسية تحكمت إما عن طريق التناوب أو مجتمعة في تحديد مسار هذا التاريخ ومنعطفاته الكبرى، ونعني بهذه الثوابت الصحراء، الجبل والبحر. وإذا كان حضور الصحراء في التطور الحضاري للمغرب قد حظي ولا يزال باهتمام الدارسين والباحثين، فإن دوري الجبل والبحر ظلا بمنأى عن السبر والتناول العميقين. فباستثناء قلة من الدراسات التي تناولت سيولة الحركة التجارية في بعض المدن المرفئية، لا نكاد نعثر على أعمال جادة تتيح فرصة توضيح مساهمة البحر في تخصيب الحياة السياسية والاجتماعية والذهنية للمغاربة عبر مختلف الحقب والعصور.

وبالمثل، فإن الجبال المغربية ظلت موضوع اهتمام علماء الأرض والجغرافيين، وقلما لفتت أنظار المؤرخين. ونعتقد أن غياب دور الجبال من جدول أعمال المؤرخين يؤثر على قيمة عدد من الخلاصات التي تم التوصل إليها بخصوص التطور التاريخي للمجتمع المغربي. ذلك أن الجبل لم يكن فقط مصدرا للمياه والأخشاب والمعادن، بل كان أيضا منطلقا وملجأ للعديد من التدفقات البشرية، كما كان أيضا نقطة انطلاق إحدى أهم دول الغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط ونعني بها دولة الموحدين. وإذا كنا في هذا المقال سنقتصر على مناقشة دور البحر في تاريخ المغرب الوسيط انطلاقا من دراسة حضوره خلال عصر الموحدين بالذات، فإننا نأمل في العودة إلى تبيان دور الجبال وحضورها الوازن في صنع تاريخ المغرب في مناسبة لاحقة.

لقد ارتبط تاريخ المغرب منذ أقدم حقبه وعصوره بالبحر، ولهذا السبب بالذات، فإن أية قراءة لهذا التاريخ لا تستحضر العمق البحري للمغرب تعد ناقصة إن لم تكن غير ذات جدوى. فموقع المغرب على البحر الأبيض المتوسط جعله نقطة عبور أساسية للعديد من الشعوب والأجناس الباحثة عن موطئ قدم لها بالقارة الإفريقية. كما أن موقعه على المحيط الأطلسي جعله أيضا معبرا أساسيا للمغامرين الأوروبيين الباحثين عن المواد الأولية والأسواق واليد العامل الرخيصة.

وهكذا، فإن البحر ظل دوما حاضرا في مجمل التطور الحضاري الذي عرفته المجتمعات الإنسانية وضمنها المجتمع المغربي، ولم يقتصر دور البحر على المساهمة في النشاط الاقتصادي بل كانت له كذلك أدوار أساسية أخرى نذكر منها مساهمته في نقل التيارات الحضارية والثقافية من بلد إلى آخر ومن قارة إلى أخرى. وينبغي الاعتراف في الآن نفسه بأن البحر كان له حضوره الوازن في ترجيح كفة الدول خلال فترات الحروب والصراعات العسكرية، من هنا كان منشأ الاهتمام بتطوير الأساطيل الحربية. وقد أصاب المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل F.Braudel حينما أشار إلى أن المتحكم في البحر يكون دوما هو المتحكم في الثروة، وأن البحر لا يقبل إلا سيدا واحدا.

أنفاسعندما تفلس أمة، وتفقد قيمها تلك المعاني الحضارية الجميلة المتوهجة التي توارثتها جيلا بعد جيل، فانه يتسلط عليها من هم دون مستوى تلك القيم الروحية والفكرية والجمالية بدعواتهم المتغابية ورداءتهم الطموحة، الى إعادة النظر في تاريخ الشعوب والأمم، وتشكيل رموزه عن طريق استنساخه من الخلايا الحية باستغلال منهج الهندسة الوراثية، أو استعارة منهج اعترافي يساعدهم على تعرية مشاعرهم وأفكارهم التي ورثوها عن عصاب اجتماعي موغل في التعصب، مولع بركب أمواج الموضة والدعوة إلى الانسلاخ دون أي مبرر أخلاقي أو فلسفي أو ديني أو تاريخي.
إن معارضة التاريخ وحشره في مناهج تعسفية على حد تعبير شبنجلر:<< ومعارضة لكل هذه المناهج التعسفية والمنشقة من التقليد والاختيار الشخصي والتي حشر فيها التاريخ حشرا لهو ضرب من الجنون والتعبير عن نيات سيئة ونظريات واهية تبدو في عيون     أصحابها سليمة، وتبدو لغيرهم ممن أمعنوا النظر في لوحات هيرودوت وكتابات أفلاطون وأرسطو وشيشرون وأوغسطين وابن رشد وتوما الأكويني بأنها سطحية ومتعارضة >>..وهذا ما وصفهم به أيضا واحد من كبار مفكري هذا العصر  الذين أوغلوا بعيدا في الفلسفات والحضارات والديانات محاورا ومجادلا وناقدا ومفندا:     <<وهذه النظرية لا تجد إلى اليوم شراحا يحرصون على الغلو في مداها، وعلى نسيان الروابط الكثيرة التي ربطت جميع ثقافات البحر الأبيض المتوسط وآسيا الصغرى بعضها ببعض>>.

نعم إن هذه القراءات التي تستمد قوتها، وتستلهم حججها من مثل هذه النظريات التي يلجأ أصحابها إلى التسلح بجميع الأساليب والحيل لإقامة نظرية في علم الاجتماع الثقافي، تقوم أساسا على تنفيذ الأوامر وانتظار المكافآت قد دحضها سارتر مرتين، مرة عندما كتب قائلا:<< إن حكام المستعمرات لا يؤجرون لكي يقرؤوا هيغل، وهم لهذا قلما يقرؤونه، ولكنهم ليسوا بحاجة إلى هذا الفيلسوف ليعرفوا إن الضمائر الشقية كانت تتشوش بمتناقضاتها">>؛ ومرة عندما راح يشرح فكرة الاستعمار كنظام متخذا من الجزائر نموذجا فكتب قائلا:<< تلك هي الحجة؛ وقد أجاب عليها زعماء جبهة التحرير الوطني بقولهم: إننا سنحارب حتى ولو كنا سعداء في ظل الحراب الفرنسية>>.

نعم إننا لسنا قي حاجة إلى قراءة القديس أوغسطين لكي نكتشف تاريخ أمتنا من جديد، أو نصلح اعوجاجا في حضارتنا، أو كأن نباعد بين حلقاتنا الثلاث بقدر ما نحن في حاجة إلى قراءة هذا القديس الفيلسوف قراءة ابستمولوجية متأنية، أو قراءة بنيوية تفكيكية انثروبولوجية بعيدة عن المسخ الأيديولوجي, أو كأن نطبق عليه منهجا مقارنا يسمح لنا باكتشاف ذواتنا فيه, بدلا من الأحكام التوتولوجية المتواطئة التي تنطلق من خلفيات يتحكم فيها وضع أمني متسلط, وآخر سياسوي متعفن يريد أن يوهم الناس بأن لهم في التاريخ أسماء كبيرة غير ماسينيسا ويوغرطا والأب دونات الذي أخذ مكانه القديس أوغسطين ..

أنفاسإذا كان العالم يعرف شكلا من إشكال العولمة يتمثل في وجود قوى دولية تشارك بصورة مباشرة في السياسات العالمية، عبر قنوات متعددة تصل المجتمعات بعضها ببعض، وفي شكل علاقات غير رسمية تقوم بين النخب الحكومية والغير حكومية، وبواسطة منظمات عابرة للقوميات كالمنظمات الدولية والشركات والبنوك متعدية الجنسيات، تلعب دورا مهما في تلك العلاقات.
ويكتمل هذا الشكل من أشكال العولمة مع النظام العالمي الذي استقر في إعقاب الحرب العالمية الثانية بإنشاء منظمة الأمم المتحدة وشبكة المنظمات والمؤسسات والوكالات المتخصصة المتفرعة عنها والعاملة في إطارها.
فهذان النمطان للعولمة، يخلوان من الهيمنة والسيطرة، وفرض النفوذ الواسع بدعوى الانفراد بالقوة المتفردة. وقد عاش المجتمع الدولي في ظل هذين النظامين ما يزيد عن أربعة عقود, إلي أن تغيرت الخريطة السياسية العالمية, واخذ بالتبلور والتشكيل في إعقاب انتهاء الحرب الباردة، قد انتهى إلى إيجاد آلية للتعامل على المستوى العالمي تقضى بإخضاع العلاقات الدولية في مجالات التجارة والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا إلى نظام ذو طابع عالمي موحد, والى إكساب العلاقات الدولية طابع العالمية, وهو ما  يصطلح عليه "العولمة"، فان المصالح المشتركة للشعوب والحكومات لن تتحقق في إطار هذا النظام بتجاوز هويات الأمم والشعوب، أو بمحو خصوصيتهم الثقافية والحضارية، وآيا كانت الأسباب وراء طبيعة العلاقات الدولية، فان هناك اتفاق بين الدارسين والباحثين والمفكرين بأن هذه العلاقات تنطوي على (صراع لا ينتهي على القوة من اجل المصالح)، ولكن على أساس ما يعرف بنموذج" الاعتماد المتبادل" ، فالعولمة تعني كما يقول "جوزيف س.ناي الابن" (زيادة في نمو شبكات من الاعتماد المتبادل بين الدول والجماعات على صعيد العالم كله)،  الذي يؤكد على الأبعاد التعاونية في الطبيعة الإنسانية وفي العلاقات بين الدول، (كما سنرى لاحقا انه لا يمكن للولايات المتحدة أن تحكم العالم وحدها دون التعاون مع باقي الدول والشعوب) وهذا النموذج "الاعتماد المتبادل" يستند إلى قوى روابط التعليم والتفاعلات الثقافية والتنمية الاقتصادية والتجارة الدولية، والتقدم التكنولوجي، ويعزز بذلك إمكانيات السلام الدولي، والكرامة والحريات الإنسانية الأساسية، وهذا النموذج للعولمة يرى العالم على انه يمثل (مجتمعا) من الدول (المجتمع الدولي) التي تتفاعل فيما بينها على مستوى عالٍ له ديناميكيته الذاتية في مجالات التبادل الدبلوماسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي.

لذلك فان العولمة لا يمكن أن تكون مجالا نقيضا للهوية دائما، ولن تكون بديلة عنها، والعولمة بهذا المفهوم وفي هذه الحدود، وفي إطار "التنوع الثقافي" وازدهار هويات الشعوب، وفي ظل الحوار الراقي الهادف بين الحضارات، هي الخيار الإنساني المتاح والمفتوح أمام مستقبل البشرية، وهو الأمر الذي سيؤدي وبالتتابع وبتراكم التجارب إلى تعميق الاحترام المتبادل بين الجميع.

أنفاسالعولمة ظاهرة متعددة، سياسية، اقتصادية، ثقافية،...الخ، وما يهمنا هو البعد الثقافي للعولمة، فعندما نتطرق لمفهوم العولمة نقصد به "العولمة الثقافية"، فماذا نقصد بالعولمة الثقافية؟.
إن صياغة تعريف دقيق للعولمة تبدو مسألة شاقة، نظرا إلى تعدد تعاريفها والتي تتأثر أساسا باتجاهات الباحثين أو الأحكام التي يبثونها رفضا أو قبولا، فضلا على أن العولمة ظاهرة غير مكتملة الملامح كما يدعي كثير من الباحثين.
والعولمة في أصلها اقتصادي، قائمة على إزالة الحواجز والحدود أمام حركة التجارة، وإتاحة حرية تنقل السلع والخدمات. مع أن الاقتصاد والتجارة مقصودتان لذاتهما في العولمة، إلا أنها لا تقتصر عليهما وحدهما وإنما تتجاوزهما إلى المجال السياسي والثقافي والاجتماعي بما يتضمنه ذلك من أنماط سلوكية ومذاهب فكرية ومواقف سياسية، وكل ذلك هو الذي يصوغ هوية الشعوب. والعولمة ليست مركب متجانس ظهرت كل أبعاده فجأة، بل هناك مجالات سبقت الأخرى.
أما بالنسبة لتأريخ ظاهرة العولمة، فهناك اتجاهان بارزان يطرحان العولمة إما أنها وليدة حقبة التسعينات وما رافقها من انهيار المنظومة الاشتراكية وتغيرات بنيوية على مختلف الأصعدة التي واكبت نهاية القرن العشرين والمتسمة بالهيمنة الأمريكية وبقيم الثقافة الغربية، وهنا تبدو العولمة نتيجة مسببات راهنة، تخدم الوضع الدولي القائم الآن. في مقابل هذه المقاربة التاريخية الإختزالية، هناك وجهة نظر تذهب إلى القول بتاريخية العولمة، فالعولمة الراهنة ما هي إلا صورة منفتحة ومتطورة لعولمة تعود إلى بداية التاريخ. وكما يقول د.إبراهيم أبراش: "بأن العولمة كفكر وتطلع إنساني يتجاوز قيود الحدود السياسية والخصوصيات الثقافية الموهومة والتطلع نحو عالم يعترف بإنسانية الإنسان ككائن ينتمي إلى وطن عالمي وقانون عالمي، تقترب بجذورها إلى ما قبل وجود الولايات المتحدة على الخريطة السياسية الدولية، بل قبل وجود الرأسمالية كنظام اقتصادي والليبرالية كنظام سياسي. ويمكن القول أن الفلسفة الرواقية أول من بشر ودعا إلى العولمة دون أن تسميها عولمة، وذلك من خلال مبدأين الدولة العالمية والمواطنة العالمية أو مدينة العالم، ..كذلك لا تخلو الديانة الإسلامية من شكل من العولمة، فدعوة الإسلام للتوحيد وعدم التفرقة بين الناس على أساس العرق أو المكانة الاجتماعية، وكونه رسالة لكل البشر في كل زمان ومكان، وحيث أنه عبادات ومعاملات تحدد للبشر المبادئ العامة لأسلوب حياتهم، فهذا يعني أنه دعوة مبكرة للعولمة. والعولمة متضمنة أيضا في الدعوات المبكرة في عصر التنوير في أوروبا، لوضع قانون دولي عام أو قانون للأمم كما سماه"جيرمي بيتنام" وفكرة تأسيس منظمات دولية لا تخلو من فكر معولم.