الوضع العربي وتحدّيات التّقسيم والاستعمار - حامد بن إبراهيم

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

"خطرُ تفتيت المُوحَّد وتقسيم المقسّم وتجزئة المُجزّئ وإشعال المُخْمَد وإخضاع المُمانع"
"إسرائيل الكبرى، ليست بالضّرورة جغرافيّةً...بل بالإخضاع السّياسي وبالهيمنة العسكرية"
***
بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، تبنّت أمريكا في سعيها لفرض هيمنتها كقطب واحد، توجهات عنصريّة تجاه العالم العربي والإسلامي، متأثرةً بطروحات منظّر اليمين المسيحي الصّهيوني المستشرق البريطاني الأمريكي برنارد لويس. وتجاهلت واشنطن في كثير من الأحيان راي مُنظّر الهيمنة بريجنسكي، الذي حذّر مثلا من التّورط في حرب العراق؛ وحاول في مقاله الأخير في 2016، ترشيد ما أمكن من الخيارات قبل فوات الأوان، حاثَّا آنذاك على "إعادة التّموقع" وتجنُّب المواجهة مع القوى العظمى، كي لا تُستنزَف الولايات المتحدة وتَفقِد موقعها. ولم تُعدِّل الإدارات الامريكية -الديمقراطية والجمهورية- بوصلتها وكابرت، فكانت النّتيجة ما نراه حاليّا، من ارتجاليّة في السّياسات وتلاشي الموثوقيّة في التّحالفات، فضلا عن الانقسام الدّاخلي وتصاعد مستوى العنف المجتمعي.

وبالنسبة للمنطقة العربية، فأهداف الولايات المتحدة الامريكية موثّقة ومنشورة منذ عقود؛ ويكفي الاطلاع على أفكار لويس للوقوف على جهنّميّة التّخطيط وهولِ الاستهداف. والمقولات التّي يردّدها السّفير الأمريكي بأنقرة طوم برّاك خلال جولاته بين سوريا ولبنان، حول طبيعة المجتمعات العربية، أغلبُها اقتباسات تكاد تكون حرفيّة من كتابات لويس. وأمّا تسميات "الفوضى الخلاّقة" و "الشّرق الأوسط الجديد" و "صفقة القرن" و "السّلام الابراهيمي" و"الولايات الابراهيميّة المتّحدة"، فهي تخريجات تكتيكيّة لمرتكزاتِ فكِر لويس، وتَصُبُّ في المستهدف الاستراتيجي الثابت لأمريكا، المتمثل في "تقسيم المقسّم" و"تجزئة المُجزئ" و "تفتيت المُوحَّد" (العقائدي) و "إشعال المُخْمَد" (نيرانُ الطائفية) و"إخضاع المُمانع".

ويُعتبر "الفضاء العربي" الغائب الخاسر في خضمّ التّحوّلات الحِقبيّة الجارية، والأمل كبير في استفاقة عربيّة، تحت وقع صدمة العدوان الإسرائيلي على الدّوحة، التي عرّت نهائيّا النّوايا الإسرائيلية تجاه المنطقة. وإن كانت مُجاهرةُ نتنياهو بخطّة ضمّ عدّة دول لإنشاء إسرائيل الكبرى، لا تترك مجالا للالتباس في طبيعة هذا العدو وجدّية المخاطر التّي يُشكّلها على الأمن القومي العربي والاسلامي. وإسرائيل الكبرى، ليست بالضّرورة جغرافيّةً، فيمكن ان تتحقّق بالإخضاع السّياسي وبالهيمنة العسكريّة وبِسلب استقلاليّة القرار الوطني، مثلما تظهره الاوضاع في سورية.

وليس خافيا على أحد، أنّ مراكز التّفكير في الغرب وخاصّة في الولايات المتحدة وإسرائيل، مُتمكّنة الى حدٍّ كبير من التّاريخ والفكر السّياسي العربي الإسلامي، ويعرفون أدقّ التّفاصيل المرتبطة بالفِتن. ولِتعذُّر الإطناب في هذا المقال، يمكن الاكتفاء ببعض الثنائيات التي تتفنَّن أجهزة المخابرات في التّلاعب بها عبر الإعلام والأطراف المشبوهة التي تُحرّكها: "سنّة/شيعة"، "سُّنةُ المذاهب الأربعة/السّلفية"، " السّلفيّة التكفيرية الجهاديّة/السّنة والشيعة والصّوفية".

كما تُدرك دوائر التّخطيط، انّ الانقسام المذهبي والانفلات الإفتائي في الفضاء السّّنّي لا حدود له؛ خاصّة منذ نهاية القرن التاسع عشر بعد تراجع الالتزام بمرجعيّة المدارس المعتدلة كالزيتونة والازهر. وقد فُتح للأسف المجال للتّلاعب بالإفتاء وتطويعه لمشاريع سياسويّة، ولتفريخِ الفِرق حسب خُطط الاستهداف ومشاريع التّقسيم، كما أثبتته تجربة أفغانستان والعراق وسوريا ونيجيريا والصّومال. وفي مقابل هذا الوضع، تستفيد المجتمعات الشّيعية مما يمكن تسميته بالثّبات المذهبي، بسبب ما يُعرف عندهم بفكرة المرجعيّة أو الولاية. فالاتّجاهات منحصرة في الإمامية الجعفرية الإثناعشريّة والاسماعيليّة والزّيدية، مع إمكانية إضافة الموحّدين (الدروز) والعلويّة. وكُلّها فرق قد تتمسّك بمواقف رفضيّة لمسلّمات عند السّنة، مثل الاجماع حول عدل الصحابة، الا انها لا تتجاوز مستوى النّقاش العقائدي وتتّفق في عدم التّكفير.

وبمتابعة التّحولات الجارية في المنطقة، يبدو من الممكن ان تلعب المملكة العربية السّعودية دورا محوريّا في ريادة العالم السُّني وحصر تأثير التّيار السّلفي، وربّما يُساعدها التّعامل بإيجابية مع سياسة اليد المفتوحة المتّبعة -على الأقل تواصُلياّ- من قبل إيران والثنائي الشّيعي بلبنان، على الاستفادة من قدراتهم كأوراق قوّة في مفاوضاتها مع الأطراف الدّوليّة الفاعلة في الاقليم. ولما لا، استغلال هذه القناة لرأب الصّدع في العلاقة مع الحوثيين والتّوصل الى حلّ لمشكلة اليمن وتوحيده، باعتباره عمقا استراتيجيا لكل دول الخليج.

وتستدعي دقّة المرحلة، القفز على الكثير من الاختلافات وتجاوز آثار الفتن التي مّزقت المجتمعات العربية والإسلامية لقرونٍ، وحرمتها من الاستفادة من الوزن الجيوسياسي والديمغرافي والمالي للمنطقة. ولا بديل عن حشد التّوافق على نهج أكثر استقلالية في العمل العربي المشترك؛ للتّمكن من مواجهة التّحديات والضغوطات الخارجيّة؛ التّي تأخذ اشكالا مختلفة، منها النّزاعات المفتعلة مع الجوار، وتحريك النّعرات الدّاخلية لشقِّ الوحدة الوطنية، والأخطرُ لعبُ ورقة الأمن المائي والغذائي، كما نشهدُه مع مصر والسّودان.

والواقع الجديد، قد يَفرِضُ على الولايات المتحدة التفاوض مع القوى الإقليمية الوازنة، خاصة الثنائي السعودي الباكستاني وإيران والحوثيين، للتوصّل الى شكلٍ من اشكال التّهدئة؛ لأن واشنطن ليس من مصلحتها فتحُ مواجهة إقليمية، قد تُؤدّي لطردها من الشّرق الأوسط ومن آسيا. وتُدرك دوائر القرار الامريكية، أنّ مواصلة السّكوت على الانفلات الإسرائيلي سَيَنتهي بكارثة تنسف مصالحها في المنطقة. كما أنّ التّواطؤ المفضوح مع اليمين الإسرائيلي المتطرّف، سيرتدُّ سلبيّا على وضعها الدّاخلي، بسبب الانقسام الحاد حول مستوى المساندة المسموح به لإسرائيل. فالتّحالف مع إسرائيل، أصبح محلّ رفض علني في اوساطٍ لا تتردّد في المصارحة بِعدائها للصّهيونية، بما فيها فئاتٌ يهوديّة مستقلة او منتمية حزبيّا، خاصّة للدّيمقراطيين.

 

وانّ النّجاح في تفكيك ديناميكيّة العلاقات الدّولية، وفي تقديرِ مدى تأثير تقلُّب موازين القوى في العالم على الاطراف العربية والإسلامية، مشروطٌ بفهم التَّفاعلات الجارية بين الأقطاب الثّلاثة: أمريكا والصّين وروسيا. فتأكُّد واشنطن مؤخرا من مدى قوّة الصين، ومن جديّة الحلف الاستراتيجي الرّوسي الصّيني، اثّر في سلوكها في الفترة الأخيرة تجاه العديد من القضايا، كاستفزاز فينزويلا ومحاولة الاستقواء على طالبان، ولو كلاميّا، بطرح موضوع استرجاع قاعدة باغرام. وهذه ليست الاّ محاولات للتعويض عن العجز في الحسم في ملفّات الشرق الأوسط واكرانيا.

ويمكن القول، أن سلوك الولايات المتحدة وإسرائيل والافراط في الاحتكام للقوّة العسكرية، تهديدا او تفعيلا، هو مؤشّرٌ على الضُّعف ويَشهدُ على تراجع قدرة الرّدع. فالدّول التي تضطرّ للدّخول في حروب دائمة لضمان مصالحها، هي في الحقيقة عاجزة عن ردع أعدائها ومنافسيها لمنعهم من تشكيل خطرٍ تجاهها. واللّجوء المتكرِّر للقوة، يعكسُ عجزا عن تشبيك المصالح والتّحالفات بنحوٍ يُجنِّب استنزاف القدرات في واقع متغيّر، يشهد صعود قوى جديدة لا يمكن مواجهتها عسكريا كالصين. وقد شكّل مشهد ظهور بوتين وتشي جين پنغ وزعيم كوريا الشمالية كيم جون يونغ في بيكين في سبتمبر 2025، الذي وصفه الجنرال الألماني المتقاعد رالف تِيِلَ "بمشهد الثلاثي السّاحق"، صدمة للغرب ولحظة استفاقة من وهم إمكانية مواصلة السّيطرة الأحاديّة على العالم. وردود فعل الرئيس ترامب حينها على الحدث، هي ترجمة لا لبس فيها لإدراك أمريكا أن ريادة الكون وسطوةَ القطبِ الواحد قد أصبحت من الماضي.

وعلى الصّعيد الاقتصادي والمالي، تعاني الولايات المتحدة الامريكية من مديونية ثقيلة تقترب من 35 ترليون دولار، ولا يسمح هذا الوضع لواشنطن ادعاء ريادة العالم؛ رغم الاحتفاظ بما يزيد عن 800 قاعدة بحريّة موزّعة على جميع القارّات. فحسب قانون فيرغسون، إذا صار حجم الإنفاق على خدمة الدّين أعلى من الإنفاق على الدّفاع، فتلك بداية النّهاية لكلّ قوّة عظمى؛ وهذا ما حصل بالفعل للمرة الأولى منذ 1934 في الولايات المتّحدة الامريكية. وإذا تواصل هذا الاختلال بالوتيرة الحاليّة، فسنرى خدمة الدّين ترتفع الى ضعف حجم الانفاق الدّفاعي مع حلول سنة 2049، وبالنّسبة لعُمُر الدول فهذا أفق زمني ضيق جدّا.

ويمكن التّأكيد على انّ عسكرة العلاقات الدّولية، وضرب دَورِ الأطُر متعدّدةِ الأطراف في حلّ النزاعات سلمِيّا، يُفقد الدّول المعتدية تضامُن الأصدقاء ويحرج الحُلفاء، ويتسبب في عدم الاستقرار ويُضِرّ بالتّوازنات الكبرى في العالم. وفقدان أمريكا لموقعها المتقدّم اقتصاديا وعسكريّا، واهتراء صورتها ورصيدها الأخلاقي، سيُوصِلها الى التّقوقع في فضائها المباشر؛ وربّما يكون في ذلك فرصة للدّول العربية لاستنشاق الانفاس والتخلّص من الضّغط، لربط تحالفات جديدة تخدم مصالح شعوبها وتتماشى مع بنيتها الثقافية ورسالتها الحضاريّة، التي تتجاوز ثلاثيّة الاستهلاك والرّبحيّة والنّمو.

 وفي الختام، المهم مستقبليّا بالنسبة للدول العربية والإسلامية استثمار الموارد في نهضه علميّة وتقنيّة حقيقيّة، خاصة في مجال التّسلُّح، لأنه القطاع الوحيد المرتبط باستقلال القرار. وتجربة إيران وتركيا وباكستان واليمن ولبنان وغزة في تقنية الصّواريخ والمسيّرات، بمستوياتها المختلفة، اثبتت ان العقول في المنطقة العربيّة والإسلامية قادرة على الابتكار والتّطوير والتّصنيع.

  • حامد بن إبراهيم/ استشاري في العلاقات الدولية