«ياموسوكرو، كوت ديفوار، 1995». اجتمع في قاعة المحاضرات في «دار السلام» عشراتٌ من الفلاسفة الأفارقة. كان الحدث نادرًا: فرانكفونيون وأنغلوفونيون مجتمعون، وآتون من مالي أو كينيا، ومن بنين أو الكونغو، ومن السنغال أو إفريقيا الجنوبية. لم أكن من بينهم بالصدفة؛ كنتُ في ذلك العهد مستشارًا لمدير اليونسكو في الفلسفة، وكانت مهمتي تنظيم لقاءات في مختلف بلدان العالم في إطار برنامج «الفلسفة والديمقراطية في العالم» الذي كنت مسؤولًا عنه. وطيلة عامٍ ونصف عملتُ، بالتعاون الواسع مع ثلاثة فلاسفة أفارقة: بولان هونتوندجي (Paulin Hountondji)، وجان-غودفروي بيديما (Jean-Godefroy Bidima)، وسليمان بشير دياغنو (Souleymane Bachir Diagne)، ولكل واحد منهم مؤلفاتٌ مهمة عن الفلسفة في إفريقيا، على صياغة برامج لهذا اللقاء.
لا أعرف شيئًا—أو تقريبًا ما زلتُ في البداية—عن فلاسفة إفريقيا، وقد تعلمتُ، شيئًا فشيئًا، كيف أحددهم. وما شدّني طيلة هذه الأيام من العرض والنقاش النشيط هو النوعية المتميزة للمداخلات؛ فجميعها تقريبًا متينة ودقيقة جدًا. كلٌّ يحمل أفقَ تحليلٍ جديد، ويضيف عناصرَ مهمة. وليس الأمر على هذه الحال دومًا، وهذا أقل ما يمكن قوله، في اللقاءات الدولية الكبرى. لقد اكتشفتُ إذن، بصورة جلية وبديهية، حيوية التفكير الفلسفي المعاصر في إفريقيا.
فممثلوه نادرون جدًا؛ يستندون إلى الفلسفة التحليلية أو الفينومينولوجية، وهم ما بعد-ماركسيين أو ما بعد-فرويديّين، وقرّاء لفيدغنشتاين أو فوكو، ولحَنّة آرنت أو دريدا. وتندرج تحليلاتهم في تيار هابرماس وريكور أو فرانز فانون… جميعهم قرؤوا كثيرًا وتأملوا بحقّ، وهم يعرفون كيف يبتكرون مساراتهم الخاصة. ويتساءلون عن وسائل توظيف أدواتهم النظرية في إيضاح المسائل الخاصة بإفريقيا اليوم، وفي فهم معضلاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، حتى لو أدى الأمر—وهذا بديهي—إلى تغيير الأدوات المفهومية أو نحتِ أُخَرَ.
يوجد إذن بالفعل فلاسفة في إفريقيا، غير معروفين غالبًا. وعلى وجه العموم مقروءون قليلًا، وقد نُشرت كتبهم بشكل سيّئ. غير أنهم واضحون، نشطون، ودقيقون. هذا ما اكتشفته، بغبطة، في تلك السنة التي أضحت بعيدة.
هل إن وجود فلاسفة في إفريقيا اليوم ينجم عنه—أو يقتضي—وجود فلسفة إفريقية؟
نعم، بالفعل، إذا ما أحلنا إلى هذه الفورة المتعددة التي تظهرها حاليًا المنشورات والمجلات ومراكز البحث، والتي يجدر اكتشافها.
ولا أيضًا، إذا ما فكرنا في الماضي، وإذا ما سعينا إلى العثور، في تاريخ القارة الإفريقية، على مكتبات مماثلة لتلك التي لاحظنا تطورها وتناقلها لدى فلاسفة الهند والصين والتبت واليابان والعالم العربي. إن مسألة المكتبات هذه، ومسألة نقل التقاليد النقدية المكتوبة، مسألة مركزية. إنها تقتضي بعض التفسيرات.
المعقولية والشفوي
إذا ما سلّمنا مع ديكارت بأن «العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس»، وإذا ما كنا نملك ضمانًا بأن كل كائن بشري قد وُهب هذا العقل، فلماذا كان الماضي الطويل لإفريقيا لا يملك فلاسفة؟ إن قدرة ثقافات ولغات إفريقيا على إنشاء مقولات وتصنيفات ومفاهيم مجردة وتأملات لن تكون أقل من ثقافات أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
لقد أسالت هذه المسألة في العشرية الأخيرة كثيرًا من الحبر. ففي 1949 نشر الأب الكاهن بلاسيد تامبلس (Placide Tempels) كتاب «فلسفة البانتو»، حيث استند إلى خصائص هذه المجموعة من اللغات ليستنبط فلسفة «القوة الحيوية»، بل نسقًا يكون فيه كل عنصر تعبيرًا عن قوة. وأعاد الفيلسوف والمنطقي البلجيكي ليو أبوستال (Leo Apostel) بناء أنطولوجيا البانتو، حيث تُحلَّل كل مسارات فعلها في الواقع وفق مصطلحات «التكثيف» (intensification) أو «الإضعاف» (affaiblissement) لقوى، وتراتبية، وتأثيرٍ متبادل فيما بينها.
هذه الأعمال التي رحّب بها الأفارقة أنفسهم—وليس أقلهم شأنًا، بما أن ليوبولد سنغور أو شيخ أنتا ديوب قد احتفيا بهذا الاعتراف الفلسفي—وجدت نفسها فيما بعد تحت نيران النقد.
أدان بولان هونتوندجي «الفلسفة الإثنية» (ethnophilosophie) التي بُنيت على منظور أبوي ومتعالٍ لمبعوثي القوى الاستعمارية. فلا توجد بالنسبة إليه «فلسفة إفريقية»، بل فحسب «أفارقة يتفلسفون».
وإذا ما شئنا النظر بوضوح في هذه المسألة، حيث تتشابك جملة من الحجج والمسلمات والجدال، فيبدو لي أن هناك ثلاث نقاط لا بد من أخذها بعين الاعتبار.
من المناسب، بادئ ذي بدء، أن نضع في اعتبارنا أن فلسفةً ما لا تختزل في «رؤية للعالم». فـ«الرؤية للعالم» (Weltanschauung) هي تمثّلٌ للوجود عامة، ولدور وواجبات الإنسانية بالخصوص، وللكون في مجموعه، وللآلهة والأنواع الحيوانية وعلاقاتها… إلخ. وتحتوي كل ميثولوجيا وكل نسق معتقدات هذا النوع من التمثلات، بشكل صريح أو ضمني، تبسيطي أو معقد. لكن ليس هذا في ذاته فلسفيًا. ذلك أن المسار التكويني للفلسفة يبدأ فقط عندما يعود الفكر على معتقداته وتمثلاته، وعندما يتساءل عن محتواها وصلاحيتها ومعناها وحقيقتها. وليس بالضرورة لهدف هدمها، ولا حتى لوضعها موضع تساؤل، بل لفحصها قبل كل شيء. فلا تتمثل الفلسفة، بهذا المعنى، لا في الكلام ولا في التفكير—وهو ما تفعله دائمًا الكائنات البشرية—بل في التدقيق في كيفية كلامنا، وفي البحث في كيفية تفكيرنا. فالفكر، على صورته هذه كفكر مألوف، ليس فلسفيًا؛ بل يصبح «فكر الفكر» فلسفيًا حالما يمتد في الوجود.
والنقطة الثانية تتعلق بوجود ممتد لعودٍ تفكري للفكر على نفسه داخل ثقافة محض شفوية. بيد أنه يبدو فعلًا أنه لا استحالة في هذا الباب. فالتفكير في طريقة النظر، وإخضاع وجهة نظر لأسئلة ونقد، ومساءلة تمثل، كل ذلك ليس ممكنًا فحسب، بل لا مفر منه غالبًا على امتداد المناقشات والحوارات والمحادثات والمناوشات الكلامية المألوفة دائمًا لدى الثقافة الإفريقية. فلا شيء يمنع إذن من افتراض تطور أشكال من الفلسفات النقدية الشفوية، المماثلة—مع تعديل ما يلزم—لما نجده مثلًا في التقاليد الشفوية للهند.
إن وجود فلسفات شفوية إفريقية (فلسفية حقًا، وشفوية حقًا، وإفريقية حقًا) محتمل… ومحتمل فقط. ذلك أن النقطة الثالثة: في غياب آثار كتابية، ومكتبات، ونقلٍ يحفظها، يصبح من الصعب جدًا ملاحظتها—إن لم نقل من المستحيل—على الأقل لهاوٍ مستنير. ففي كل ميدان ثقافي أثرناه سابقًا، تكثر الكتب، وتُبقي خطابات سليمة وحتى تحليلات قديمة جدًا. فالباندِت الهندي، والرسائل الصينية، والرهبان البوذيون اليابانيون أو التايلنديون، وعلماء الإسلام، هم جميعًا رجال كتابة وتدوين. بيد أن إفريقيا تفتقر إلى هذه المكتبات، مثلما هو الشأن بالنسبة لأمريكا.
وإذا كان الفلاسفة هم بالأساس شأن مكتبات، فليس من مبررٍ أن تكون الكتابة شرطًا ضروريًا لظهورهم. لكن المكتوب يظل—على الأقل—الشرط الضروري للحفاظ عليهم، وبالتالي على معارفهم عبر القرون. ماذا نعرف عن حوارات سقراط، ومحادثات كونفوشيوس، وتأملات ديوجين، والسهروردي، لو لم يصل إلينا لا الرق ولا الألواح ولا المخطوطات؟
تستمر حاليًا عديد البحوث من أجل محاولة إعادة بناء هذه الفلسفات الشفوية، والوصول إلى بناء نماذج معقولة أو حتى صادقة. هذه البحوث واعدة بالتأكيد، لكن من المبكر جدًا استخلاص نتائج منها. ولهذا لا نجد في هذا التاريخ الموجز فصلًا بعنوان: «في عقول الفلاسفة الأفارقة».
روجي بول-دروا، «رحلة في فلسفات العالم»، دار «بلان ميشيل» (Plon Michel)، 2021، ص 270–272.