(1)
في يوم انعتاقك السعيدِ، وكان الشتاء في جانفي ،
قبَّل الثرى، فِتْيانُ الحاراتِ البازغونْ،
وقد انتبهوا إلى قاماتِهم وحناجرِهم فجأةً،
ركضوا إلى رسائلِهم المنسيّة،
وأوراقِهم المخطوطةِ التي لم يدفعوا بها إلى البريد،
نشَروا هلْوساتِ غُرَفِهم الخفِّيةَ العَتْمِاء،
عزفوها في بيانٍ ثائرٍ هدَّارِ
وهمَسْ مزمار بدويّ.
في مساء ذلك اليوم الفانتازي ،
وأنت بعد مدهوشةٌ وعَليلهْ،
سكَب العُشَّاقُ البَهاليل، مائةَ قارورة نارَنْجِ
في غاب " بني مَطير"،
ألفَ كيس من الملحِ في سباخِ "القيروان"ْ،
دسّوا أنوفَهم المُتْرَبةَ في شعركِ السَّائحِ المنهوب،
على ثغورِ الرِّيح والنَّارِ ِ.
(2)
سلَوناكِ،ِ وكان الربيعُ في أفريل ْ،
فلمّا جِئْنا نَتعرَّى في نِهْرِ مِرآتكِ الصَّافي،
لم نجدِ طيب الياسمين في "أبي سعيد الباجي"
لا ريحَ الزَّعترِ في الشمالِ الغربيّ،
لا شِيحًا في السُّهوبِ،
لم نر في جنَّةِ العُلَّيْقِ تُوتا، ولا شجرًا على الضِّفافِ.
كُنْتِ أيتُها الأرضُ الخضراء،
امرأةً في العراء، متشردةً وبردانة،
تتخبَّطُ الوديانُ ملتاعةً فيكِ،
وماؤُها الهائلُ مسافرا، باتَّجاهِ البحْرِ.
أبكيناكِ عفوًا!
لمْ نجدِ القُبَّعةَ المُلائِمَةَ لنُحيِّيكِ
ولا الطاعةَ الذّلولَ بَيْن أولادٍ عاقِّينَ وأُمٍّ شابَّةٍ،
تترَهَّلُ كأرامل الحروب بسُرْعَةٍ،
كالمُطَلَّقَاتِ خارجَ البيوت.