1) درس فنزويلا
في فجر يوم عادي من بداية يناير/كانون الثاني 2026، استيقظ العالم على خبر صادم لم تكن تداعياته واضحة للوهلة الأولى: اعتداءٌ عسكري أمريكي غاشم، واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، في عملية معقدة نُفِّذت بدقة عسكرية واستخباراتية فائقة. وعلى الرغم من أن العملية تضمنت هجومًا عسكريًا مباشرًا وقصفًا مكثفًا وتدميرًا ممنهجًا لمخازن الأسلحة ومنصات الدفاع، فإنها استندت بشكل كبير إلى توظيف هائل للتكنولوجيا الرقمية؛ وهذا هو المحور الذي سنركز على تحليله هنا. وقد ركزت التغطية الإعلامية الرئيسية على الجوانب السياسية والدبلوماسية للحدث، من دون التفاتٍ حقيقي—سواء كان ذلك عفويًا أو مقصودًا—إلى الدور المحوري الذي لعبته التكنولوجيا المتقدمة في هذه العملية. لم تكن مجرد تدخل عسكري تقليدي كما حاولت بعض وسائل الإعلام الغربية تصويره، بل كانت حربًا رقمية شاملة ومنظمة سبقت الاعتقال بأشهر طويلة، إن لم يكن بسنوات من التخطيط والرصد والاستعداد.
وقبل الاستمرار، أود هنا الإشارة إلى تحفظي على سياسات نظام حكم مادورو في قمع المخالفين وتقييد الحريات والتضييق على اليساريين والنقابات العمالية. فنقدنا للتدخل الرأسمالي الأمريكي، وانتهاك القانون الدولي، واستخدام التكنولوجيا كسلاحٍ للهيمنة، لا يعني بأي حال تبرير الممارسات القمعية لنظام مادورو ضد القوى التقدمية والحركة العمالية في فنزويلا، وبالأخص الحزب الشيوعي الفنزويلي. إن الوقوف ضد العسكرتارية العدوانية للرأسمالية الأمريكية لا يتناقض مع نقد الاستبداد الداخلي، بل هو موقف متسق مع القيم اليسارية. ما نسلط الضوء عليه هنا هو الدرس التكنولوجي والاستراتيجي الذي تقدمه هذه الحادثة لجميع الحركات اليسارية والتقدمية، بغض النظر عن تقييمنا لنظام مادورو نفسه.
حسب ما تم تداوله في وسائل الإعلام، استُخدمت في هذه العملية أنظمة المراقبة الفضائية الأمريكية الأكثر تطورًا في العالم لتتبع تحركات القيادة الفنزويلية عبر الأقمار الصناعية الأمريكية التي تدور حول الأرض على مدار الساعة. ولم يقتصر تحليل البيانات الضخمة على رصد التحركات الجسدية فحسب، بل امتد ليشمل رسم خرائط دقيقة ومفصلة لشبكات الاتصالات الحكومية الفنزويلية بكل تعقيداتها وتفرعاتها. ولم يكن اختراق الأنظمة الإلكترونية عمليةً عشوائية، بل كان مخططًا له بدقة لتعطيلها، وكذلك تعطيل الاتصالات في اللحظة الحاسمة، مما جعل القيادة الفنزويلية معزولة تمامًا عن قواعدها وأنصارها، ضمن نمط عمليات أصبح معروفًا في الأدبيات العسكرية الغربية باسم «شلّ مراكز القرار قبل المواجهة المباشرة».
وتوظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل ملايين المكالمات الهاتفية والرسائل النصية والإلكترونية لم يكن مجرد عملية تجسس تقليدية، بل كان عملية معقدة لتحديد مواقع القادة بدقة متناهية، والتنبؤ بنواياهم وتحركاتهم القادمة قبل أن يتخذوها. فقد قامت خوارزميات التعلم الآلي بتحليل الأنماط السلوكية، ورصد التغيرات في طرق التواصل، واستخلاص المعلومات الاستخباراتية من كميات هائلة من البيانات غير المنظمة. كما كان التلاعب المبرمج والممنهج بوسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي حملة منظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتشكيل رأي عام محلي ودولي مؤيد للتدخل، وتصوير العملية على أنها «تحرير من دكتاتورية وتجارة مخدرات»، لا اعتداء على سيادة دولة مستقلة وخرق فاضح للقوانين الدولية. وكل ذلك التمهيد الإعلامي والرقمي لم يكن غاية في حد ذاته، بل وسيلة لإحكام القبضة على مقدرات البلد ونهب موارده الهائلة، وتعبيد الطريق لتنصيب نظام «كارتوني» سليب الإرادة، يدور في الفلك الأمريكي وينفذ أجندته.
هذه ليست سيناريوهات من أفلام الخيال العلمي، بل واقع موثق وملموس نعيشه اليوم. فوكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) تملك برنامج PRISM الذي كشف عنه إدوارد سنودن، الموظف السابق في المخابرات الأمريكية، والذي يراقب الاتصالات العالمية دون تمييز أو حدود. وشركات مثل Palantir Technologies—التي تأسست بتمويل من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية—تقدم أنظمة تحليل بيانات فائقة التطور للمؤسسة الاستخباراتية الأمريكية، تُستخدم تحت مسميات مثل «الحرب على الإرهاب» وتعقب الأهداف الاستراتيجية، بينما هي في جوهرها حروب موجهة ضد الحركات اليسارية والتقدمية والأنظمة المناهضة للهيمنة الأمريكية.
لقد أصبحت المنظومة التكنولوجية الرأسمالية اليوم قادرة—إلى حد كبير—على المراقبة الشاملة، والرصد الدقيق، والتتبع المنهجي للحركات السياسية والتنظيمات والفاعلين السياسيين. والأخطر من ذلك أنه من الممكن أن تكون هناك تقنيات وأساليب وأسلحة رقمية كثيرة ما تزال ضمن نطاق الخيال العلمي أو الدراسات الافتراضية، أو لم يُعلن عنها بعد؛ كما هو الحال مع العديد من التطورات التكنولوجية التي يجري تطويرها واستخدامها سرًا قبل أن تصبح متاحة للجمهور. والتاريخ يشهد أن الإنترنت نفسه، والعديد من التقنيات المتقدمة الأخرى، لم تُكشف للعامة إلا بعد سنوات طويلة من استخدامها داخل الأوساط العسكرية والاستخباراتية والأمنية والصناعية المغلقة.
2) التكنولوجيا كأداة للسيطرة والهيمنة الرأسمالية
ما حدث في فنزويلا ليس حادثة معزولة أو استثنائية في مسار التاريخ المعاصر. إنه جزء أساسي من استراتيجية رأسمالية رقمية شاملة ومتكاملة شهدناها تتطور وتتكرر في أماكن متعددة من العالم، وتُستخدم في صراع رقمي موازٍ للصراع في الشوارع والميادين. والدرس الأكثر قسوة والأوضح من حادثة اعتقال مادورو هو أن الرأسمالية في مرحلتها الراهنة لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية الصلبة التقليدية، على الرغم من أنها لا تزال تحتفظ بها وتستخدمها عند الضرورة. لقد طورت منظومة رقمية معقدة ومتشابكة قادرة على اختراق الحدود الجغرافية والسياسية، ومراقبة الأفراد والجماعات بدقة مذهلة، والتلاعب بالمعلومات وتشكيل الوعي العام بطرق لم تكن ممكنة في أي عصر سابق، وتقييد وشل الحركات اليسارية والتقدمية قبل أن تصل إلى مرحلة الخطر الحقيقي على مصالحها.
إنها حرب غير مرئية للعين المجردة؛ تدور كثير من معاركها في الفضاء السيبراني الرقمي، وفي خوادم البيانات، وفي الخوارزميات والشبكات العصبية الاصطناعية، لكنها أكثر فعالية وأقل تكلفة سياسية ومادية من القنابل والطائرات والدبابات والجنود والأجهزة القمعية. وقد أصبح الذكاء الاصطناعي العمود الفقري لهذه الحرب الرقمية، بما يوفره من قدرات غير مسبوقة في التحليل التنبؤي، والمراقبة الشاملة، والحرب النفسية الموجهة بدقة.
هذا الواقع الجديد يطرح سؤالًا مصيريًا ووجوديًا على قوى اليسار والحركات التقدمية في كل أنحاء العالم، سؤالًا لا يمكن تأجيل الإجابة عنه: كيف يمكن لحركات تحررية لا تزال تعتمد في تنظيمها على الاجتماعات التقليدية، وتوزيع المنشورات الورقية في الشوارع، واستخدام الهواتف غير المشفرة لتنسيق أنشطتها، وتستعمل الإنترنت بشكل تقليدي بدائي، وتعتمد حلقات نقاش محدودة يسهل رصدها—أن تواجه منظومة رأسمالية رقمية بهذا المستوى المذهل من التطور والتعقيد؟ الإجابة واضحة ومؤلمة في آن واحد: لا يمكنها ذلك إلى حد كبير، إلا إذا قررت الدخول بشكل جدي وعميق واستراتيجي في المجال التكنولوجي؛ لا بوصفها مستهلكًا سلبيًا للتكنولوجيا الرأسمالية كما هو حاصل الآن، بل بوصفها مطورًا ومبتكرًا ومنتجًا لبدائل رقمية مستقلة تطور النضال وتحميه من الاختراق والقمع، وتعززه بأدوات فعالة تتناسب مع روح العصر ومتطلباته.
الذكاء الاصطناعي: سلاح الهيمنة الرأسمالية الجديد
لقد أصبح واضحًا اليوم، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الذكاء الاصطناعي—رغم إمكاناته الهائلة والواعدة في خدمة البشرية جمعاء—لم يعد مجرد تقدم علمي محايد ينتظر من يوجهه نحو الخير أو الشر. إنه، في واقع الحال، سلاح متطور ومعقد للغاية في يد الرأسمالية العالمية، يُستخدم بشكل منهجي ومدروس لتعميق سيطرتها على العمل البشري، وعلى الوعي الجماعي، وعلى البيانات الضخمة التي أصبحت «النفط الجديد» في العصر الرقمي، وعلى المجتمع برمته في كل جوانبه الاقتصادية والسياسية والثقافية والفكرية.
وتحتكر الشركات الرأسمالية الاحتكارية الكبرى اليوم تطوير وتشغيل أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي في العالم. وهذه الشركات ليست كيانات تقنية محايدة تعمل في فراغ سياسي واقتصادي كما تحاول أن تصوّر نفسها؛ بل هي، في الحقيقة، أدوات مباشرة في يد رأس المال العالمي، وتربطها علاقات وثيقة ومتشابكة مع البنتاغون والوكالات الاستخباراتية الأمريكية ومؤسسات الدولة الرأسمالية العميقة.
إعادة إنتاج الاستغلال الطبقي بوسائل رقمية
ما نشهده اليوم في كل مكان حولنا هو إعادة إنتاج الاستغلال الطبقي التاريخي نفسه، ولكن بوسائل أكثر علمية وتطورًا وتعقيدًا وخفاء. لم يعد هذا الاستغلال محصورًا في جدران المصانع حيث يعمل العمال على خطوط الإنتاج، أو في المزارع حيث يكدح الفلاحون تحت أشعة الشمس؛ بل امتد ليشمل الفضاء الرقمي ذاته الذي يتخيله كثيرون فضاءً حرًا ومفتوحًا.
ونرى اليوم كيف تُستخدم الخوارزميات في الشركات الرقمية لاستغلال شغيلات وشغيلة اليد والفكر بطرق أكثر دقة وقسوة من أي مدير/ة بشري/ة في التاريخ. فهذه الخوارزميات تحدد الأجور بناءً على العرض والطلب في كل لحظة، وتفرض ساعات عمل مرهقة دون أي اعتبار لحالة العامل الصحية أو الأسرية، وتصدر عقوبات تلقائية لأي تأخير أو خطأ، دون أي إمكانية للطعن أو التفاوض. وشغيلات وشغيلة اليد والفكر هنا لا يواجهون رب عمل يمكن التفاوض معه أو الاحتجاج أمامه، بل يواجهون خوارزمية لا تعرف الرحمة ولا تفهم الظروف الإنسانية.
وفي مجال الوعي والأيديولوجيا، تُستخدم خوارزميات المنصات العملاقة مثل فيسبوك وتويتر (X) ويوتيوب وتيك توك وغيرها لتشكيل وعي مليارات البشر حول العالم. هذه الخوارزميات لا تعمل بحياد كما تدعي الشركات، بل تروّج بشكل منهجي لأيديولوجية الاستهلاك الرأسمالي وثقافة الفردانية والمنافسة وأزلية النظام الرأسمالي، بينما تحارب المحتوى اليساري والتقدمي عبر تقنيات «تقليل المدى» و«الحظر الظلي» الذي يجعل المحتوى غير مرئي تقريبًا دون حذفه رسميًا. فالملايين من الأجيال الشابة يتشكل وعيهم اليوم ليس عبر القراءة والتفكير النقدي، بل عبر خوارزميات تقرر ما يرونه وما لا يرونه، وما يعرفونه وما يجهلونه.
وفي مجال المراقبة والسيطرة الأمنية والحروب المعاصرة، تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم أداةً مركزية لتعميق السيطرة السياسية والاجتماعية بطرق لم تكن ممكنة في أي مرحلة سابقة. أنظمة التعرف والتحليل الخوارزمي تتيح تتبع الناشطات والناشطين السياسيين، ومراقبة سلوكهم وشبكاتهم وتحركاتهم بدقة عالية. ولا تبقى هذه التقنيات محصورة بالدول التي طورتها، بل يجري تسويقها وتصديرها على نطاق واسع للأنظمة الاستبدادية والقمعية، بما يحول الفضاء الرقمي والعام معًا إلى مجال مراقبة دائم. وفي السياق نفسه، يجري توظيف الذكاء الاصطناعي في إدارة العنف والحروب بشكل منهجي، حيث تُسنَد قرارات مصيرية تتعلق بالحياة والموت إلى أنظمة حسابية تقوم بالتصنيف والتقدير واتخاذ القرار وفق منطق تقني بارد منفصل عن أي اعتبار إنساني أو أخلاقي. وهكذا تتحول التكنولوجيا—التي يفترض أن تكون نتاجًا للتقدم البشري—إلى أداة لإعادة إنتاج القتل والقمع بكفاءة أعلى، في خدمة منطق الهيمنة الرأسمالية والعسكرتارية، لا في خدمة البشر وحقهم في الحياة والحرية.
3) الرهان التاريخي لليسار
إن العامل التكنولوجي لم يعد مجرد إضافة ثانوية أو كمالية في معركة اليسار ضد الرأسمالية محليًا وعالميًا، بل أصبح شرطًا أساسيًا وحيويًا للبقاء والفعالية والتأثير. ومواجهة هذا الواقع لا يمكن أن تقتصر على النقد والتشخيص، بل تتطلب مواقف وسياسات محددة وملموسة تتجاوز مجرد فضح الهيمنة الرأسمالية إلى العمل على تفكيكها وإعادة توجيه التكنولوجيا عمومًا، والذكاء الاصطناعي خصوصًا، نحو خدمة عموم الجماهير بدلًا من استعبادها.
الحاجة إلى بدائل تقدمية
بدلًا من ترك التكنولوجيا في أيدي حفنة من الشركات الرأسمالية والدول، يجب دفع تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي يسارية تقدمية. لكن هذا التحول لا يمكن أن يحدث دون تغيير جوهري في البنية السياسية والفكرية والتنظيمية للقوى اليسارية نفسها، وفي نظرتها ومقاربتها للتكنولوجيا. لا يكفي التعامل السلبي مع التكنولوجيا بحجة أنها أداة رأسمالية متخصصة، أو استخدامها بشكل محدود وسطحي؛ بل يجب إتقانها وفهمها بعمق، واختراق حصونها، وإعادة توجيهها لخدمة مصالح شغيلات وشغيلة اليد والفكر وعموم الجماهير.
إن تطوير القدرات اليسارية في المجال التقني ضرورة حياتية لا تقل أهمية عن تطوير القدرات في المجالات السياسية والفكرية والتنظيمية والإعلامية والعمل الجماهيري. فكما أن قوى اليسار لا يمكنها الاعتماد على وسائل الإعلام الرأسمالية وتسعى إلى بناء إعلامها المستقل، وكما تطور فكرها وسياستها وأدواتها التنظيمية بشكل مستقل بعيدًا عن قوالب الهيمنة الرأسمالية، يجب عليها أيضًا العمل على بناء بدائلها التكنولوجية المستقلة—سواء في شبكات التواصل أو الذكاء الاصطناعي وغيرها—لخدمة مشروعها التحرري الشامل.
الحلول الممكنة والجذرية
الحل الممكن الآن هو تطوير أنظمة مفتوحة المصدر، شفافة، ومحايدة التوجه، تُدار بشكل ديمقراطي مع ضوابط مجتمعية، إضافة إلى الدفع نحو سنّ قوانين دولية تضبط عمل الذكاء الاصطناعي وتضمن خدمته للمجتمع ككل، لا لمصالح الدول الكبرى والشركات الرأسمالية.
لكن هذا لا يكفي. الحل المطلوب والجذري هو بناء بدائل تكنولوجية يسارية حقيقية ذات توجهات تقدمية وملكية مجتمعية، يتم من خلالها انتزاع هذه التكنولوجيا من قبضة السوق، وتوظيفها في تفكيك علاقات الاستغلال، والمساهمة في بناء مجتمع جديد أكثر عدلًا وإنسانية، قائم على المساواة والتعاون والإشباع العادل للاحتياجات.
الاستخدام الحذر والواعي للذكاء الاصطناعي
يجب أن يكون استخدام اليسار للذكاء الاصطناعي الحالي دقيقًا ومتعمّدًا وحذرًا. فلا يمكن الوثوق بالتطبيقات المطوّرة ضمن بيئة رأسمالية ومن قبل الاحتكارات والشركات دون وعي نقدي عميق بآلية عملها. فبينما تتيح العديد من هذه الأدوات تحليل البيانات بدقة، والتخطيط، ومراقبة اتجاهات الرأي العام، وتحسين سياسات وأساليب التنظيم والحشد والتواصل، إلا أنها قد تحمل في بنيتها انحيازات خفية تعيد إنتاج الهيمنة الرأسمالية داخل عمل التنظيمات اليسارية نفسها.
لذلك يجب توخي الحذر الشديد عند التعامل مع البيانات والمعلومات الحساسة؛ لأن الاستغلال غير المدروس لهذه الأدوات قد يؤدي إلى اختراق أمني أو تسريب معلومات يعرض التنظيمات اليسارية للخطر، خاصة في الدول الاستبدادية. ومن ثمّ، من الضروري تطوير بروتوكولات أمن رقمي متقدمة، واعتماد تطبيقات مفتوحة المصدر أكثر استقلالية، وتدريب الأعضاء على ممارسات الأمن الرقمي، لضمان أن يكون استخدام الذكاء الاصطناعي في خدمة النضال، لا أداة قمعية واستخباراتية تُستخدم ضده.
نحو ثورة رقمية تحررية
ما تكشفه الثورة الرقمية الحالية—وتطور الذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص—هو أننا نعيش لحظة تاريخية تتضح فيها التناقضات بين التطور الهائل للقوى الإنتاجية والعلاقات الاجتماعية الرأسمالية التي لم تعد قادرة على احتواء هذا التطور أو توجيهه لصالح الجماهير. فعلى الرغم من الإمكانات الهائلة التي تقدمها هذه الثورة الرقمية لتحرير الإنسان من العمل المرهق وضرورات العيش، فإنها مقيدة ومعاد هندستها ضمن منطق الهيمنة والربح الرأسمالي.
والنضال في هذا الفضاء الرقمي يجب أن يتحول إلى امتداد عضوي للنضال الاشتراكي على الأرض، لا مجرد ساحة عمل ونقاش منفصلة عن الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وهذا النضال ضد الهيمنة الرقمية لا يمكن أن يقتصر على الفضاء الافتراضي فقط، بل يجب أن يكون امتدادًا لحركة ونضال شغيلات وشغيلة اليد والفكر والحركة الجماهيرية الميدانية. إن الربط بين النضال التكنولوجي والنضال الطبقي على الأرض أمر أساسي، لأن الهيمنة الرقمية ليست إلا امتدادًا لهيمنة رأس المال على الإنتاج والسيطرة على قوة العمل.
4) اللحظة التاريخية الحاسمة لليسار
ما حدث مع الرئيس الفنزويلي مادورو ليس حادثة معزولة ولا استثناءً عابرًا في صراع القوى العالمي، بل هو إنذار حاد وصارخ لكل الأنظمة التقدمية والحركات اليسارية في العالم. إنه إعلان عملي بأن المعركة الرقمية تحولت إلى ساحة صراع طبقي مركزية ومهمة، تدور هنا والآن، وتهدد الوجود السياسي والتنظيمي لكل مشروع تحرري خارج الطاعة الرأسمالية، وبالأخص الأمريكية في عهد ترامب. وما جرى في فنزويلا يكشف أن الرأسمالية الرقمية باتت تعتمد على ثغرات تقنية تمنحها إمكانية التأثير في استقرار الأنظمة التقدمية، ومحاولة شل قياداتها أو إرباك حركاتها، والمراهنة على هندسة وعي مجتمعاتها رقميًا؛ وهو ما يمنحها خيارات هجومية تتجاوز في فعاليتها أحيانًا أساليب التدخل العسكري التقليدي أو الاحتلال المباشر.
الخطر لا يطال فنزويلا وحدها، بل يمكن أن يمتد ليهدد كل تجربة يسارية وتقدمية، وكل حكومة تحاول الخروج عن منطق السوق والهيمنة الرأسمالية، وكل حركة عمالية أو جماهيرية تسعى إلى تغيير جذري. نحن أمام مرحلة جديدة من الصراع الطبقي تُستخدم فيها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي سلاحًا استراتيجيًا لضرب الحركات اليسارية والتقدمية في مهدها، ومحاصرة أي إمكانية لبناء بدائل تقدمية مستقلة. إن النضال الاشتراكي العالمي اليوم مستهدف بشكل مباشر؛ لا فقط بالقمع العسكري والاقتصادي، بل بالاختراق الرقمي، والمراقبة الشاملة، والتجفيف المسبق لأي فعل ثوري محتمل.
السؤال الأساسي—وهو وجودي ومصيري—هو: هل نحن، كقوى يسارية وتقدمية، مستعدون فعلًا لخوض هذه الحرب الرقمية المعقدة والطويلة والمتعددة الجبهات؟ بعد كل ما خسرناه من مواقع، وبعد كل التراجعات والانقسامات، هل نملك الجرأة لإعادة بناء اليسار فكريًا وتنظيميًا وتقنيًا لمواجهة الرأسمالية في أقصى درجات تطورها العلمي والتكنولوجي الرقمي؟ هل نحن مستعدون لتجاوز التشتت المحلي والانقسام العالمي والصراعات بين القوى اليسارية، وفهم أن مصير كل تجربة تقدمية بات مترابطًا عضويًا مع مصير غيرها؟
إن اللحظة التاريخية لا ترحم، والرأسمالية الرقمية المسلحة بالتكنولوجيا المتطورة والذكاء الاصطناعي لا تنتظر ترددنا ولا بطئنا. إما أن ننخرط بوعي ونضال وتنظيم في هذه المعركة، ونعيد صياغة مشروع بديل اشتراكي قادر على مواجهة العصر الرقمي، أو نُترك على هامش التاريخ خاضعين لأشكال جديدة من الاستغلال والقمع، أكثر نعومة وأشد فاعلية. إن قبول هذا المصير الأخير هو بعينه الاندثار المحتوم.
وبناء عليه، فإن الرهان التاريخي الحقيقي والأوحد لمشروع التحرر—على الرغم من كل تعقيد المسارات—هو أن يتحول إلى مشروع رقمي بوعي وتنظيم؛ إذ ليس له من خيار ثالث سوى أن يصبح رقميًا كي يبقى.
يجب أن تصبح المعرفة التقنية الرقمية وفهم آليات عمل الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من الثقافة اليسارية المعاصرة. وهنا يبرز الدور الحيوي للشباب بوصفهم طليعة لهذا التحول؛ فهم الأقدر على تطويع هذه الأدوات وقيادة الابتكار الرقمي داخل الحركات التقدمية. يجب أن نبني كوادر تقنية يسارية تستثمر طاقات الأجيال الشابة في تطوير أدوات رقمية بديلة، وأنظمة ذكاء اصطناعي خدماتية لا استغلالية، وشبكات تواصل لا تخضع لخوارزميات رأس المال. يجب أن نفهم الكود البرمجي كما نفهم النص السياسي، وأن نتقن الخوارزميات كما نتقن التحليل الطبقي، وأن ننظر إلى البيانات الضخمة كساحة صراع لا كمجرد أرقام محايدة.
وهذا الجهد يتطلب التنسيق والعمل المشترك عالميًا، من خلال بناء تحالفات وأمميات رقمية هدفها تطوير النضال الرقمي لليسار في العالم أجمع. وكما كانت الأممية الأولى والثانية والثالثة استجابات تاريخية لمراحل تطور الرأسمالية، فإن الأممية الرقمية اليوم ضرورة استراتيجية لمواجهة الرأسمالية في طورها الرقمي الأكثر شراسة.
بيد أن بناء هذه البدائل التكنولوجية المستقلة محفوف بمعضلات جسيمة: معضلة الاعتماد على المعرفة والأدوات المطورة في كنف النظام الرأسمالي ذاته، ومعضلة الموارد الهائلة المطلوبة للمنافسة، ومعضلة التنسيق بين قوى يسارية متناحرة. لذلك لا يمكن لهذا المشروع أن يكون طوباويًا منفصلًا؛ بل يجب أن يكون تكتيكًا استراتيجيًا يبدأ من الاستخدام النقدي والحذر للأدوات المتاحة، وبناء شبكات تضامن تقنية على أساس القضايا العملية المشتركة، والسعي لتطوير نواة بديلة في المساحات التي تتيحها التكنولوجيا مفتوحة المصدر والشبكات اللامركزية، مع الإقرار بأنه مشروع تراكمي طويل الأمد لا حلًّا سحريًا فوريًا. وهي المهمة التاريخية التي تقع على عاتق شبابنا لدمج قيم اليسار والعدالة بآفاق التكنولوجيا.
إن اليسار الذي كان له الدور المشهود في تعزيز الحريات والمساواة والعدالة يمكنه تجاوز هذه الحالة الراهنة. وكما طورت الرأسمالية نفسها بشكل هائل، فلتكن هذه المعركة الرقمية لحظة تطوير نوعي لليسار الراهن نحو يسار إلكتروني-رقمي مدموج بالنضال الميداني على الأرض: أكثر جرأة، وأكثر جذرية، وأكثر علمية، وأكثر قدرة على التجدد وقيادة نضال عصره، والدفاع عن مستقبل البديل الاشتراكي في وجه أخطر هجوم تتعرض له في تاريخها الحديث.
إن المعركة من أجل السيطرة على التكنولوجيا الرقمية ليست معركة تقنية فحسب، بل هي معركة من أجل مستقبل الإنسانية ذاته. إن الاشتراكية الرقمية، بهذا المعنى، ليست خيارًا بين خيارات؛ إنها الشرط الوجودي لبقاء المشروع الاشتراكي ذاته في القرن الحادي والعشرين.