تاريخ مفهوم الفراغ باعتباره أداة تعليميّة في تدريس الفيزياء* - فيصل الشعافي **

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

"نحن مقتنعون تمامًا بأن معرفة تاريخ العلم أمر بالغ الأهمية. بل أعتقد أنّه لا يمكن فهم علمٍ ما فهمًا كاملًا إلا بعد معرفة تاريخه"[1].أوغست كونت

 Abstract :

The notion of « vacuum » represents a concept that is at once scientific, philosophical, and experimental, whose understanding has evolved profoundly throughout the history of science. Teaching this concept in physics through its historical development allows educators to move beyond a purely descriptive approach and to introduce students to the dynamic process of scientific knowledge construction. From this perspective, the history and philosophy of science provide a particularly relevant didactic framework: they make visible the conceptual ruptures, controversies, and cognitive obstacles that have marked the elaboration of the idea of vacuum. Drawing on the works of Matthews, Clément, and Gagliardi, this article examines how integrating the historical dimension into physics teaching can foster deeper conceptual understanding among students. It proposes a pedagogical sequence centered on the evolution of the concept of vacuum, combining historical reflection, experimental analysis, and the progressive construction of the notions of pressure and space.

Keywords: history of science, physics education, vacuum, atmospheric pressure, teaching sequence.

 ملخّص:
تُعدّ فكرة الفراغ مفهومًا علميًا وفلسفيًا وتجريبيًا في آنٍ واحد، وقد شهدت فهمًا كان يزداد عمقا عبر مختلف مراحل تاريخ العلم. وفي درس الفيزياء، سيتيح تتبّع مسار هذا المفهوم التاريخي تجاوزَ المقاربة الوصفية البحتة، إذ إنّه يحفز المُدرّس على إدخال المتعلمين في صميم العملية الديناميكية لبناء المعرفة العلمية. ومن هذا المنظور، فإنّ تاريخ العلم وفلسفته يُشكّلان إطارًا تعليميًا ذا أهمية خاصة. فهُما يُبرزان الجدل الفكري الذي دار في الماضي تمهيدا لما وصل إليه العلم اليوم في ما يتعلّق بهذا المفهوم، ويكشفان عن العوائق المعرفية التي رافقت تشكّله عبر العصور. وفي هذا السياق، يتناول هذا المقال الكيفية التي يمكن من خلالها لإدماج البُعد التاريخي في تدريس الفيزياء أن يُسهم في تعميق الفهم مسألة الفراغ لدى المتعلمين. ثمّ إنه يقدّم مقترحَ سلسلة تربويّة حول تطوّر مفهوم الفراغ، تجمع بين التأمل التاريخي والتحليل التجريبي والبناء التدريجي لمفاهيم الضغط والفضاء.

الكلمات المفتاحية: تاريخ العلوم، تعليم الفيزياء، الفراغ، الضغط الجوي، التسلسل التعليمي.

 

يحتلّ مفهوم الفراغ مكانة مميّزة في تاريخ الفكر العلمي. فمنذ العصور القديمة، أثار هذا المفهوم  في سياق التقاطع بين الفلسفة والفيزياء والميتافيزيقا، نقاشات حادّة حول طبيعة الفضاء والمادة وحول وجود "اللاشيء" (Le rien) نفسه[2]. ومن ثَمّ، فإنّ تدريس مفهوم الفراغ لا يقتصر على عرض مجرّد فكرة فيزيائية ، بل هو يضع المتعلّمين أمام تساؤل فكري عميق: كيف تمكّن العلماء عبر القرون من خلال الجدل والتجريب، من بناء إمكانية التفكير في الفراغ  باعتباره واقعا فيزيائيا، وليس باعتباره مجرّد تجريد فلسفي؟

 بالانطلاق من منظور تعليميّ، يشكّل تاريخ العلم إطارًا غنيًا ومثمرًا لمعالجة مثل هذه المسألة المفهومية المعقّدة. ومثلما تؤكّد ذلك أعمال دوهامP. Duhem  وكوريA. Koyré  وغيرهما، فإنّ إدماج البعد التاريخي للمعرفة العلمية يتيح الوقوف على حقيقة التحوّلات النظرية والعوائق الإبستمولوجية التي واجهها العلماء أنفسهم خلال تطوّر الفكر العلمي[3]. فهذه المقاربة تُسهم في إثراء تدريس الفيزياء بشكل كبير، إذ إنّها تمنح المفاهيمَ المدروسة دلالة وعمقا بدل أن تبقي صيغا مجرّدة، وتساعد المتعلمين على فهم الديناميكيّة الداخلية لبناء المعرفة.

يندرج هذا المقال ضمن هذا التوجّه عبر سعيه إلى بحث الكيفيّة التي يمكن من خلالها توظيف تاريخ مفهوم الفراغ في خدمة تعليم الفيزياء في المرحلة الثانوية، بالاستناد إلى مراجع تاريخية دقيقة وإلى مقاربة تعليميّة قائمة على تحليل العوائق المفهومية. لذلك فإنّنا سنحاول بيان كون وضع مفهوم الفراغ في سياقه التاريخي لا يسمح فقط بفهم أعمق لإطاره العلمي، بل هو يثري العملية التعليميّة أيضًا. ويهدف هذا العمل إلى تصميم تسلسل تعليمي يُنسّق بين الأبعاد التجريبيّة والمفهومية والتاريخية، بغية تعزيز فهم أعمق وأكثر انفتاحا على النقد لهذا المفهوم المركزي في الفيزياء.

I - الإطار التاريخي: نشأة وتطوّر مفهوم الفراغ.

  • الأصول الفلسفية لفكرة الفراغ:

شغلت فكرة الفراغ منذ القدم مكانة محوريّة في التأمّلات الكوسمولوجيّة حول طبيعة العالم والمادّة. فقد صاغ أرسطو مبدأ استحالة الفراغ الذي يفترض أنّ الطبيعة تنفر من الفراغ وتسعى دائمًا إلى ملئه[4]. وبحسب تصوّره، فإنّ وجود فضاء خالٍ تمامًا من أيّ مادة هو أمر مستحيل، لأنّ كل حركة أو تغيير يفترض وجود وسطٍ متصل[5]. وقد تبنّت الفلسفة المدرسيّة في العصور الوسطى هذا الموقف وطوّرته، ليصبح المرجع السائد في الفكر الغربي لقرون طويلة.

وفي المقابل، تبنّى الذرّيون مثل ديموقريطس وأبيقور رؤية مغايرة جذريًا، مفادها أنّ الكون مكوّن من ذرّات تتحرّك في فراغ. فالفراغ في نظرهم لا يمثل استحالةً ميتافيزيقيّة وفيزيائيّة، بل هو واقع فيزيائي ضروريّ لجعل حركة الجسيمات الأوليّة (الذرّات) ممكنة. ويمثل الجدل بين النزعة الاتّصالية عند أرسطو والنزعة الانقطاعيّة لدى الذرّيين أحد أبرز الانقسامات الإبستمولوجية في تاريخ العلم الفيزيائي. فهو يعبّر منذ البداية عن التوتّر القائم بين رؤية كيفيّة ورؤية ميكانيكية للعالم، وسيؤثر بعمق في تطوّر الفيزياء اللّاحق.

  • الثورة العلميّة في القرن السابع عشر:

يمثّل القرن السابع عشر نقطة تحوّل حاسمة في فهم الفراغ، إذ شهد الانتقال من التساؤل الفلسفي إلى المقاربة التجريبيّة. وقد شكّلت تجربة إيفانجيليستا توريشيللي[6]  Evangelista Torricelli سنة 1643   لحظة مفصلية في هذا المسار: ففي تجربته على أنبوب الزئبق، الذي يُعدّ السّلف الأول للبارومتر، أثبت أنّ للهواء وزنًا وأنّه يُمارس ضغطًا. أمّا الفراغ الذي يظهر في أعلى الأنبوب، فبدل أن يُنظر إليه كحالة ترفضها “الطبيعة”، أصبح الدليل الملموس على إمكانية وجود فضاء خالٍ من المادة.

وقد تابع بليز باسكالBlaise Pascal  هذا الاكتشاف بإجراء تجاربه الشهيرة فوق جبل بوي دو دوم (Puy de Dôme)، حيث لاحظ أنّ ارتفاع عمود الزئبق يتناقص مع الارتفاع، ممّا يدل على تغيّر درجة الضغط الجوّي حسب عمود الهواء. ثم جاءت أبحاث روبرت بويلRobert Boyle  حول انضغاط الغازات وتمددها لتؤكّد وجود فراغ جزئيّ وتسمح بوضع تصور فيزيائيّ للضغط قابل للقيْس. وبذلك لم يعد الفراغ مسألة ميتافيزيقيّة، بل أصبح موضوعًا علميًا خاضعًا للتجربة والقياس الكمّي.

  • نحو مفهومٍ معاصر للفراغ:

ازداد مفهوم الفراغ تعقيدًا وتطورًا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ذلك أنّ الفراغ "الكلاسيكي" الذي تصوّره علماء القرن السابع عشر باعتباره مجرّد غيابٍ للمادة، قد تمّ استبداله تدريجيًا بفهمٍ أكثر ديناميكية. فقد بيّنت اكتشافات الكهرومغناطيسية، ثم ميكانيكا الكمّ، أنّ الفراغ لا يمثّل خلاء مطلقا: إذ تمرّ عبره حقول وتحدث فيه تذبذبات وجسيمات افتراضية. وبذلك أضحى "الفراغ الكمّي" (Le vide quantique) فضاءً للطاقة والتفاعلات المحتملة، مما زعزع الفكرة البديهيّة عن "الخلاء المطلق".

من المؤسف ألّا يتمّ تناول هذا التطوّر التاريخي في المرحلة الثانويّة من التدريس إلّا بصفة محدودة. فالفراغ يُقدَّم عادةً على أنّه مكان خالٍ من الهواء، بهدف إدخال مفهوم الضغط الجويّ وإجراء بعض التجارب الأساسيّة (مثل تجارب الجرس المفرغ من الهواء أو البارومتر أو المحقنة (seringue)  وغيرها). غير أنّنا بالنظر عن قرب في المسألة، سنكتشف أنّ تاريخ هذا المفهوم يتضمّن بعدًا تربويًا ذا ثراء لافت، إذ يُظهر كيف تمكّنت العلوم من تحويل فكرة فلسفية مثيرة للجدل إلى مفهوم علميّ فعّال، قابل للتجريب وغنيّ من الناحية المفهوميّة.

II-  الرهانات التعلّميّة والإبستمولوجية:

  • العوائق المعرفية والمفهومية لدى المتعلّمين:

يطرح مفهوم الفراغ صعوباتٍ معرفية كبيرة لدى التلاميذ. فقد أظهرت دراسات عديدة في تعلّميّة العلوم أنّ المتعلمين يدخلون إلى القسم وهم يحملون تصوّرات مسبقة ومترسّبة ناتجة عن خبراتهم اليومية وعن تمثّلات ثقافية سابقة. وغالبًا ما يُختزل الفراغ لديهم في "اللّاشيء المطلق" (Le rien) أو في الغيابٍ التامّ للمادة، أو في فضاء "خالٍ من الهواء". بل إنّ بعضهم يظنّ أنّ الفراغ "يشفط" الأجسام وأنّه فضاء غير ممكن الوجود[7]. ويلتقي هذا التصوّرٍ حدسيّا مع التصوّر الأرسطي الذي يقرّ نفور الطبيعة من الفراغ.

تنسجم هذه التصوّرات مع منطق الحسّ المشترك، وتشكل ما يسمّيه باشلار "عوائقَ إبستمولوجية". فهي تمنع المتعلّم من إدراك الفراغ باعتباره حالة قابلة للقياس (mesurable) تكون جزئية ونسبية ومرتبطة مباشرةً بمفهوم الضغط الجوّي. وبناء على ذلك فإنّ المهمة التعلّميّة تكمن في جعل هذه التمثّلات تتطوّر نحو فهمٍ علميّ للفراغ، قائمٍ على البرهان التجريبي والمنظور التاريخي لتطوّر هذا المفهوم.

  • إسهام تاريخ العلوم في تجاوز هذه العوائق:

يمثّل تاريخ العلوم وسيلة مميّزة لمرافقة هذا التحوّل المفهومي. فمن خلال تتبّع النقاشات التي رافقت بناء مفهوم الفراغ، يتيح الأستاذ للمتعلمين فرصة إعادة عيش المراحل الكبرى التي مرّ بها التفكير العلمي، لكنْ بمراعاة مستواهم التعلّمي. إنّ المقارنة بين التصوّرات القديمة والرّافضة لوجود الفراغ (مثل آراء أرسطو وديكارت) والاكتشافات التجريبية (مثل تجارب توريشيللي وباسكال[8] وبويل[9]) تُظهر أنّ الصعوبات التي يواجهها التلاميذ ليست أخطاءً فردية، بل هي إعادة بناء طبيعية لتساؤلاتٍ عرفها تاريخ الفكر العلمي ذاته.

وبذلك فإنّ هذه المقاربة تُساهم في تنمية روحٍ نقديّة لدى المتعلمين الذين يتعلّمون أنّ تطوّر العلم لا يتمّ بتراكم الوقائع، بل عبر مراجعة المفاهيم السابقة وإعادة صياغة المشكلات. ومن خلال إدخال نصوصٍ تاريخية مختارة، أو تجارب علمية شهيرة، أو سردٍ لجدالاتٍ علمية كبرى، يضع الأستاذ المعرفة في سياقٍ فكري متحرّك تتطوّر فيه الأفكار بفعل التفاعل بين التجربة والتفكير العقلاني.

  • مبادئ لتحقيق إدماجٍ تعلّميّ ناجح:

لكي يؤدي تاريخ مفهوم الفراغ دوره التربوي الكامل، ينبغي إدماجه في التسلسل التعليمي بطريقة مدروسة ومنهجية. ويمكن اعتماد ثلاثة مبادئ أساسية لتحقيق هذا الغرض:

  • حسن اختيار الأمثلة: يتم اختيار الحوادث أو التجارب التاريخية التي تُسلّط الضوء مباشرة على العوائق المفهومية التي يواجهها المتعلمون اليوم. فتجربة توريشيللي مثلا تمثّل انتقالًا من تصوّر كيفيّ للفراغ إلى مقاربته مقاربة كمّية دقيقة.
  • الربط بين التاريخ والتجريب: يجب أن يُقرَن كلّ حدثٍ تاريخي بنشاط عمليّ أو بنموذجٍ تجريبيّ ملموس. فإعادة تنفيذ التجارب التاريخية القديمة تمكّن المتعلّمين من استيعاب المفاهيم بطريقة فاعلة وتفاعلية.
  • إثارة النقاش وتنمية التفكير: تساعدُ عمليّة تشجيع التلاميذ على مقارنة تمثّلاتهم الخاصّة بتمثّلات العلماء في الماضي على إدراك طبيعة العمل العلميّ بوصفه بناءً تراكميًا ونقديًا في آنٍ واحد، تتطور فيه الأفكار باستمرار بفعل الحوار بين الفكر والتجربة.

ويصبح تاريخ مفهوم الفراغ من خلال اتّباع هذه المبادئ، أداةً قويّة لتجاوز العوائق المعرفية وتعزيز الوضوح المفهومي، فهو يحوّل درس الفيزياء من مجرّد عرضٍ للمعارف إلى مسارٍ حقيقي للتفكير العلمي، حيث يشارك المتعلّمون في بناء المعرفة بدل تلقّيها بشكل سلبيّ.

III - مقترح تسلسلٍ تعليميّ:

1-    الأهداف التعليميّة:

يهدف تدريس مفهوم الفراغ من خلال المقاربة التاريخية إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المترابطة:

  • على المستوى المفهومي: فهم الفراغ بوصفه حالة فيزيائية جزئية وقابلة للقيس تكون مرتبطة بمفهوم الضغط الجوي، ثمّ التمييز بين "الفراغ المطلق" والفراغ الذي يمكن بلوغه تجريبيًا.
  • على المستوى الإبستمولوجي: إدراك أنّ المفاهيم العلمية ليست معطيات جاهزة، بل هي نتاج تاريخي لتطوّر الفكر العلمي عبر النقاشات والمراجعات المستمرة.
  • على المستوى المنهجي: توظيف التجريب والنمذجة والحِجاج العقلاني لبناء تفسيرات متماسكة ومبرهَنة.
  • على مستوى عمليّة بناء الموقف: تنمية حبّ الاستطلاع العلميّ وروح النقد والاهتمام بالمنهج التجريبيّ.

2- مسار التسلسل التعليميّ:

تمتدّ هذه السلسلة التي نقترحها على ثلاث حصص تكون مدة كلّ واحدة منها حوالي ساعة ونصف، ويتمّ تخصيصها لتلاميذ المرحلة الثانوية (المستوى الثاني أو الأول، حسب البرامج الدراسيّة). وهي تقوم على الربط بين مراحل التساؤل والتجريب والتأمل التاريخي.

الحصة الأولى: الفراغ، بين الحدس والجدل.

* الهدف: استكشاف التصوّرات الأوّلية لدى التلاميذ وتقديم موضوع الفراغ في إطارٍ تاريخي.

* الأنشطة:

  • نقاش افتتاحي: "هل يوجد فراغ فعلاً؟" جرد التمثّلات والتصورات العفوية لدى التلاميذ.
  • قراءة وتحليل مقتطفات قصيرة مختارة من نصوص أرسطو الواردة في الكتاب الرابع من الفيزياء وكذلك من نصوص الذرّيّين أو شذراتهم لإبراز النقاش الذي دار بين التصوّر الاتصاليّ للمادّة والتصوّر الانقطاعيّ.
  • مناقشة جماعية: تحديد الأفكار الرئيسية ومقارنتها بتصورات التلاميذ بغية إبراز أوجه التشابه والاختلاف بين الفكر القديم وتمثّلاتهم المسبقة.

* المهارة المستهدفة: صياغة إشكالية علميّة انطلاقًا من تساؤلٍ فلسفي.

الحصة الثانية:  تجربة الفراغ، من توريشيللي إلى باسكال.

* الهدف: فهم الكيفية التي مكّن بها التجريب من تحويل النقاش حول الفراغ إلى مسألة علميّة قابلة للدراسة.

* الأنشطة:

  • عرض تجربة البارومتر الزئبقي لدى توريشيللي: القيام بالملاحظة ووضع رسم تخطيطي وشرح الظاهرة.
  • تجربة باسكال: بيان تغيّر الضغط مع تغير مستوى الارتفاع (باستخدام محاكاة رقمية أو مقطع فيديو.
  • المقارنة بين التصوّرات القديمة والنتائج التجريبية الحديثة.
  • وضع المسألة في المنظور التاريخي: الانتقال من الفراغ الفلسفي إلى الفراغ الفيزيائي القابل للتكميم.
  • المهارة المستهدفة: تفسير ظاهرة علمية انطلاقًا من معطيات تجريبية، وربط الملاحظة بالنمذجة النظرية.

الحصة الثالثة: الفراغ اليوم، الضغط والفضاء والتقنيات الحديثة

*  الهدف: ربط فهم الفراغ بتطبيقاته المعاصرة وترسيخ مفهوم الضغط.

* الأنشطة:

  • تجارب الجرس المفرغ من الهواء: (أمثلة: انتشار الصوت، غليان الماء، انكماش البالون.)
  • مناقشة: حول التقنيات التي تعتمد على الفراغ (المضخّات المفرّغة، الفضاء، أبحاث فيزياء الجسيمات).
  • تأمل فلسفي وعلميّ في تطوّر المفهوم وصولًا إلى مفهوم الفراغ الكمّي، حيث "لا يكون الفراغ خلاءً مطلقا".
  • المهارة المستهدفة: نقل المفهوم العلميّ إلى سياقات جديدة ومتعددة التخصصات.

        * الوسائل والموارد:

  • نصوص تاريخية مبسّطة: مقتطفات من أرسطو، ديكارت، باسكال، توريشيللي...
  • وثائق علميّة: رسوم تجريبية، قياسات، مقاطع فيديو لعرض التجارب.
  • معدات فيزيائية: جرس مفرغ من الهواء، محقنة، بارومتر، حساس ضغط capteur de pression
  • موارد رقمية: محاكيات تفاعلية (مثل منصّة PhET[10])، ومقاطع فيديو تعليميّة حول تاريخ الفراغ.

      * التقييم وآفاق المتابعة:

يعتمد التقييم على عدّة أساليب:

  • تقييم تكويني طوال الحصص (أسئلة، تقارير تجريبيّة، إعادة صياغة المفاهيم).
  • تقييم إجمالي نهائي: كتابة نصٍّ قصير يشرح كيف تطوّر مفهوم الفراغ من العصور القديمة إلى اليوم، مستندًا إلى تجربة علميّة محدّدة كمثال تطبيقي.

     * آفاق التوسّع المحتملة:

  • دراسة بين-تخصصية (interdisciplinaire) في علاقة بالفلسفة: طرح سؤال "اللاشيء rien" و"العدم" ومفهوم "الصفر" في الرياضيات.
  • الانفتاح على المباحث العلميّة المعاصرة: في مجل دراسة الفراغ الكمّي، طاقة الفراغ، والكوسمولوجيا وغيرها.
  • تنزيل ذلك في إطار سلسلة بيداغوجيّة أشمل ضمن وحدة أوسع حول الضغط والغازات.

تُظهر هذه السلسلة التعليميّة ثراء المقاربة التاريخية والتجريبية لمفهوم الفراغ. فهي تمكّن المتعلمين من بناء معنى المفهوم بصفة نشطة، ومن فهم الطبيعة الديناميكية للمعرفة العلميّة وإدراك العلم باعتباره نشاطًا إنسانيّا متحوّلا باستمرار. فبدل أن يكون الفراغ مجرد موضوع فيزيائي، يصبح أداة لتطوير التفكير النقدي والفهم العلمي العميق في إطار تربية علمية منتجة

. IV - المناقشة وتحليل النتائج :

  • المساهمات والمكاسب التربوية :

يقود إدماج تاريخ مفهوم الفراغ في تسلسل تعليمي داخل درس الفيزياء إلى نتائج تربوية ملموسة. فالملاحظات الأولى في القسم تُظهر تزايدا واضحا في تفاعل التلاميذ بفضل تدخّل البُعدين السّردي والإشكالي لتاريخ العلوم. ثمّ إنّ إدراك المتعلّمين أنّ علماءَ مثل أرسطو وتوريشيللي وباسكال قد تناولوا نفس التساؤلات التي تُطرح عليهم اليوم في القسم، يخلق صلة فكرية مباشرة بين المتعلّم والعلم. فهذا التوجّه يجعل المعرفة أكثر دلالة وأقل تجريدًا وجفافا.

وعلى المستوى المفهومي، يستطيع التلاميذ التمييز بسهولة أكبر بين الفراغ المطلق والفراغ التجريبي، ويتمكّنون من الربط بين مفهوم الفراغ ومفهوم الضغط الجوّي ومن إدراك أنّ "اللّاشي" لا وجود له في الفيزياء. ويسهم استخدام التجارب التاريخيّة المرتبطة بأنشطة تجريبية بسيطة في تسهيل نمذجة الظاهرة (modélisation du phénomène) ، ممّا يدلّ على أنّ المقاربة التاريخية تلعب هنا دور الوسيط المعرفي الذي يتيح تجاوز العوائق المفهوميّة المتعارف عليها في الدراسات التعليميّة.

ومن جهة أخرى، يساهم البُعد البَيْن-تخصّصي الذي يجمع بين الفيزياء والتاريخ والفلسفة في تنمية روح النقد لدى التلاميذ. فهم يتعلّمون أنّ العلم ليس معرفة ثابتة، بل إنّه بناء جماعيّ يشهد انقطاعات ونقاشات مستمرّة. ويبدو أنّ هذا البُعد الإنساني في تدريس العلوم يحفّز المتعلمين ويجعل من تصورهم للفيزياء نشاطًا فكريًا حيًا ومتجدّدًا.

  • الحدود والصعوبات المُلاحَظة :

غير أنه رغم الفوائد الواضحة لهذه المقاربة، إلّا أنّها تصطدم ببعض القيود. فمن جهة أولى تُشكّل إدارة الوقت تحديًا كبيرًا: إذ يحتاج إدماج البُعد التاريخي والتأمّلي ضمن برنامج كثيف أصلًا، إلى تخطيطً دقيقً. لذلك يجب على المُدرّسين أن يختاروا الحوادث التاريخية والنصوص بعناية، حتى لا تثقل السلسلة التعليمية كاهل المتعلمين أو تشتّت تركيزهم.

ومن جهة أخرى فإنّ فهم النصوص القديمة قد يُشكل عائقًا. فبعض المقتطفات من أرسطو أو باسكال، حتى عند تبسيطها، تتطلّب وساطةً بيداغوجيّة كبيرة لتكون مفهومة لدى جميع التلاميذ. وتكمن الخطورة هنا في إمكانية طغيان التأملات التاريخيّة على الفهم العلميّ نفسه. ومن ثمّ، تتأتّى ضرورة توفّر تكوين خاص للمدرّسين يشمل قراءة تاريخ العلوم بطريقة ديداكتيكية لتحقيق التوازن بين البعدين التاريخي والعلمي.

ونرى أخيرًا أنّ تقييم نتائج هذه المقاربة يبقى مسألة دقيقة: فبينما تبدو المكاسب المتعلّقة بالتحفيز والمشاركة واضحة، فإنّ قياس التعلّم المفهومي على المدى الطويل يحتاج إلى أدوات أكثر دقة تجمع بين الملاحظة والمناقشة وتحليل إنتاجات التلاميذ.

  • آفاق تعلّميّة :

تفتح نتائج هذه التجربة آفاقًا مثيرة للاهتمام في تدريس الفيزياء وفي تكوين الثقافة العلمية عمومًا. إنّ نجاح هذه السلسلة التعليمية يُظهر أنّ تاريخ العلوم يمكن دمجه بشكل عضويّ في الدرس ليس باعتباره فاصلا ثقافيّا، بل باعتباره أداة لتوضيح المفاهيم. ويمكننا على المدى الطويل توسيع هذه المقاربة لتشمل مفاهيم أساسية أخرى مثل الجاذبية والضوء والطاقة، والتي يعتمد فهمها الحالي أيضًا على تطوّر تاريخي معقّد. وبذلك ستساهم المقاربة التاريخية في بناء ثقافة علميّة شاملة قادرة على الربط بين المعارف والمناهج وقيم العلم.

وأخيرًا، على المستوى المؤسّسي، فإنّه من شأن إدماج التاريخ والفلسفة العلميّة بشكل صريح في البرامج الدراسية أنْ يعزّز البُعد التأملي والنقديّ للتعليم العلمي، وأن يحفّز تكوين مواطنين قادرين على التفكير في المعارف ليس باعتبارها حقائقَ ثابتةً بل باعتبارها بناءً عقلانيّا مؤقتا وقابلا للتحسين المستمر.

* دراسة كُتبت في إطار أعمال البحث في مدرسة الدكتوراه مخبر STL بجامعة ليل ننشرها هنا لأهمية إثارة هذا المبحث في الدراسات الديداكتيكيّة العربية المعاصرة.

** باحت في مجال ديداكتيكا العلوم في جامعة ليل، فرنسا.

[1] A. Comte, Cours de philosophie positive, ROUEN FRÈRES LIBRAIRES –ÉDITEURS, Paris,1830, Tome I, 2e leçon, p. 82.

[2]  أنظر في ذلك مثلا: Pierre Duhem, Le Système du monde, Tome VIII, chapitres

[3]  يرى أوغست كونت أنّ "كلّ العلوم يمكن تقديمها وفق مسارين متمايزين جوهريًا، ولا يمكن لأي طريقة أخرى للتقديم إلّا أن تكون مزيجًا منهما: المسار التاريخي، والمسار الدوغمائيّ". (Ibid., p. 77). فالتدريس التاريخي للعلم - كما كان متبعًا في التراث القديم، عند الإغريق مثلًا - من شأنه أن يثير مشكلة رئيسية: استحالة جعل العقل الفردي للمتعلم يسلك المسار الطويل والمعقد للعلم الذي يمثل ثمرة العمل الجماعي لأجيال بأكملها: "تتمثل المشكلة العامة للتربية الفكرية في الارتقاء بذهن فرد واحد غالبًا ما يكون متواضعًا، وفي غضون سنوات قليلة، إلى نفس مستوى التطور الذي تمّ بلوغه على امتداد قرون طويلة من قبل عدد كبير من العباقرة المتفوقين الذين كرّسوا حياتهم وكلّ طاقاتهم لدراسة الموضوع نفسه. من الواضح، إذن، أنه على الرغم من أن التعلم أسهل وأسرع كثيرا من الاختراع، فأنه من المؤكد أنه سيكون من المستحيل تحقيق الهدف المقترح إذا تمّ إرغام كلّ عقل فردي على المرور بنفس المراحل التي كان على العبقرية الجماعية للجنس البشري أن تمرّ بها. من هنا تكون الحاجة التي لا غنى عنها للعرض الدوغمائيّ، والتي تتجلى بشكل خاص اليوم في أكثر العلوم تقدمًا، والتي لا يُظهر أسلوب عرضها العادي اليوم أي أثر لتفاصيل مسارها التاريخي ( ibid. p. 79)". لكن كونت يلاحظ رغم ذلك أن التعليم التاريخي يظل ضروريًا بشرط أن يكون متناسبًا مع مستوى التعلّم: "رغم ذلك يجب أن نضيف، تجنّبا لكلّ شطط، أنّ كلّ أسلوب عرض حقيقي هو بالضرورة ضرب من المزج بين العرض الدوغمائيّ والعرض التاريخي يكون فيه الأول فقط هو المهيمن باستمرار وبشكل متزايد. فلا يتسنى للعرض الدوغمائيّ في الحقيقة أن يُتبع بطريقة صارمة(...)، والعيب الوحيد الذي يمكن بسببه إلقء الّلوم على المنهج الدوغمائيّ، يتمثل في كونه يتركنا جاهلين بكيفية تشكل الصور المختلفة للمعرفة الإنسانية. ذلك هو الأمر الذي، على الرغم من كونه مختلفًا عن اكتساب هذه المعرفة نفسها، فإنّه يمثل في حد ذاته أمرا ذا أهمية قصوى لأي عقل فلسفي" ( Ibid. pp. 79-80. )

[5]  الفيزياء، الكتاب الرابع، الفصول من 8 إلى 13. حيث يستعرض أرسطو أراء السابقين وآراء معاصريه المختلفة  (خاصة منها آراء الذرّيين) حول الفراغ، ثم يقوم باستعراض تصوّره الخاص الذي يقوم على القول باستحالة الفراغ في الطبيعة. في الفصل الثالث عشر يصرح أرسطو بنتيجة بحثه قائلا:

« § 14. De tout ce qui précède, il résulte que le vide n'est point séparé, qu'il n'existe point absolument, qu'il n'est pas dans ce qui est rare, et qu'il n'est pas non plus en puissance, à moins qu'on ne veuille à toute force appeler vide la cause de la chute des corps. » 

[6]   تتمثل تجربة توريشيلي التي أجراهاسنة  1643 في ملء أنبوب زجاجيّ بالزئبق، ثم قلبه وغمره في وعاء يحتوي أيضًا على الزئبق. أثبتت هذه التجربة وجود وزن للهواء، ومكّنت من اختراع أول بارومتر وأظهرت أن مستوى الزئبق سينخفض ​​مُشكلًا عمودًا مستقرًا بفعل الضغط الجوي الذي يدفع الزئبق في الوعاء.

[7]  يتعرّض المؤرخ بيير دوهام إلى مسألة التجارب التي أقامها القدامى لإثبات استحالة الفراغ في كتابه نظام العالم، المجلد الثامن، الفصل التاسع، الفقرة العاشرة (ترجمه إلى العربيّة محمد عادل مطيمط، دار المقدمة، تونس، 2024). ويمكننا أن نرصد في هذه التجارب بعضا من التمثلات الأوّلية لمسألة الفراغ لدى التلاميذ. نورد هنا هذا النص المقتطع من نفس الفصل لإمكان استغلاله في توضيح تصور القدامى الرافضين لإمكان وجود الفراغ في الطبيعة: " لكي نعثر على أصول نظريّة "الخوف من الفراغ"، يجب علينا أنْ نعود أيضا إلى بدايات العلم التجريبي. ومن بين التجارب الأساسيّة التي استخدمتها هذه النظريّة، توجد تجربةٌ قديمة جدّا تقدّمها إحدى المسائلProblèmes  المنسوبة إلى أرسطو على أنّ واضعها هو أناكساغوراس Anaxagore. غير أنّ أناكساغوراس، إذا صدّقنا ما يَرِدُ في هذه المسألة نفسها، لم يطرح على نفسه أبدًا مسألة اثبات عدم قدرة الطّبيعة على تحمّل وجود فضاءٍ فارغ . فما كان يريد إثباتَه هو فقط كون الهواء جسمًا.

وقد اتخذ أناكساغوراس مثالا على ذلك تلك الجرّة المثقوبة في أسفلها (سَرَّاقَةُ الماءِ = Clepsydre). وما تقوله مسائل أرسطو عن هذه الجرّة (vase) هو أنها كانت ذات شكل طويل (Allongé)، وأنّها كانت لها فَتْحَةٌ (orifice) في جزئها العلوي يمكن سدّها بإصبع اليد، وأنّها كانت مثقوبة في جزئها السفلي بثقوب صغيرة.

إذا قمنا بتغطيس، الجزء السفلي من تلك الجرّة في الماء بعد أنْ نَكونَ قد سَدَدْنا الفتحةَ العليا، فإنّ الماء لن ينفذ إلى داخلها. فلا يمكنه أنْ ينفذَ عبر الثقوب الصغيرة إلا بقدر ما تكون الفتحةُ قد فُتِحَتْ. تلك هي حسب المسائل التجربة التي فسّرها أناكساغوراس على وجه التحديد بوجود الهواء في الجرّة. فما دام الهواء لا يستطيع الخروج عبر الـفتحة العلويّة، فإنّه يمنع الماء من النفاذ إلى داخلها. وقد استنتج أناكساغوراس من ذلك أنّ الهواء جسمٌ .

وتشير المسائل إلى تجارب مختلفة يمكننا إضافتها إلى تجربة أناكسوغوراس مثل التجربة التّالية: فلنقم بتغطيس تلك الجرّة المثقوبة في الماء، مُحافظين على الـفتحة العليا مسدودة: سنرى أنه في الوقت الذي سيدخل فيه الماء عبر بعض الثقوب سيُفلت الهواء عبر الثقوب الأخرى.

ولكن توجد تجربة أخرى تمثل مبرّر استخدام "سرّاقة الماء" في حدّ ذاته. فالكلمة نفسها، "كلابسيدر"Clepsydre، (ϰλεψύδρα   المُركّبة من ϰλέπτω، وتعني "أَسْرِقُ" - Je vole-، وὒδωρ،  وتعني الماء -L’eau-)  تبيّن بشكل كافٍ الغرض الذي كانت تُستخدم من أجله. فبمجرّد أن تُملأ الجرّةُ بالماء، يتم سدّ الفتحة العليا بالأصبع ليتسنى حينئذ إخراجها من الماء ونقلها إلى حيث شئنا دون أن يتمكّنَ السائل الذي تحتويه من الخروج منها. لقد كانت تلك هي الملاحظة التي سيتمّ الاستنادُ إليها لإثبات كون الطّبيعة تمنع تشكّلَ فضاءٍ فارغٍ.

ويلاحظ كاتب المسائل أنّه إذا اكتفينا مع أناكساغوراس بالقول إنّ الهواء هو سبب ذلك، سيكون تفسير هذه التجربة منقوصًا. فمن المؤكد أن الهواء هو سبب ذلك، ولكن يجب أن نحدّد الكيفيّة التي يُجرِي بها فِعْلَهُ. وها هي ذي الطريقة التي يفسّر بها كاتِبُ المسائل هذه الملاحظة:

»إن العلّة التي تفسّر عدم انسكاب الماء عندما تكون الفتحة العليا مسدودة هي التّالية:

«  بنفاذ الماء داخل سرّاقة الماء يقوم بطرد كلّ الهواء الذي كانت تحتويه منها بعنف. نُعايِنُ ذلك في ذلك النّفْخِ [الذي يخرج من الـفتحة] وفي القرقرة الخافتة التي نلاحظ حدوثها في الكلابسيدر خلال دخول الماء. ثم إنّه عندما يدفع الماءُ عند دخوله الهواءَ بعنفٍ، فإنّه يغوص في أنبوب الكلابسيدر، ويلتصق هناك مضغوطًا ومُحكمًا دون أي رابط يمنعه، كأنّه إسفين خشبي أو مسمار نحاسي، إلى أن تأتي قوّة غريبة لتطرده كما لو كان الأمرُ يتعلّق باقتلاع مسمارٍ. « 

ذلك هو على وجه الدقّة ما يحدث عندما يتمّ فتحُ الفتحةِ العليا. ففي تلك اللّحظة ، يضغطُ الهواءُ الذي يدخل باندفاع إلى الجرّة، على ذلك الماء الذي يجذبه وزنُه إلى الأسفل. صحيح أنّ الهواء الخارجيّ يقاومُ وينزع إلى منع الماء من الخروج عبر الثّقوب الصغيرة، ولكن هذه المقاومة أضعف من قوّة الهواء الذي ينفذ بعنف عبر الفتحة  [العليا*] الضيّقة، والذي يُسْنِدُهُ في ذلك ثقلُ الماءِ".

[8]   تجربة باسكال على الفراغ تجربة علمية شهيرة أُجريت سنة 1648 لإثبات الضغط الجوي باستخدام مبدأ مقياس توريشيلي الزئبقي. أجرى باسكال التجربة في موقعين: عند سفح جبل بوي دو دوم وقمته  وسط فرنسا، مُثبتًا أن مستوى الزئبق ينخفض ​​مع الارتفاع بسبب انخفاض كثافة الهواء قرب الأرض، ومُثبتًا بذلك وجود فراغ جزئي في الأنبوب.

[9]   أمّا تجربة بويل حول الفراغ فقد أُجريت سنة 1659 مع مساعده روبرت هوك Robert Hooke ، وتضمنت استخدام آلة هوائية لضخ الهواء من كرة زجاجية ثمّ ملاحظة آثار الفراغ الاصطناعي على الأجسام داخلها. فأثبتا بذلك  أنّ الصوت لا ينتقل عبر الفراغ وأنّ الفراغ لم يعد يحتوي على الأكسجين اللّازم للاحتراق (بإطفاء الشموع).

[10] مشروع PhET للمحاكاة التفاعلية هو مشروع تأسس في جامعة كولورادو بولدر، وهو مشروع غير ربحي للموارد تعليمية مفتوحة، يُنشئ ويستضيف شروحات قابلة للاستكشاف. تأسس المشروع سنة 2002 على يد كارل ويمان، الحائز على جائزة نوبل وانطلق برؤية ويمان لتحسين أساليب تدريس العلوم وتعلمها. وتتمثل مهمته المعلنة في "النهوض بنشر العلوم والرياضيات وتعليمها في جميع أنحاء العالم من خلال عمليات محاكاة تفاعلية مجانية". كان اختصار المشروع "PhET" في الأصل يرمز إلى "تكنولوجيا تعليم الفيزياء"، لكن سرعان ما توسع نطاقه ليشمل تخصصات أخرى. يُصمم المشروع حاليًا ويُطور ويُصدر أكثر من 125 عملية محاكاة تفاعلية مجانية للاستخدام التعليمي في مجالات الفيزياء والكيمياء والأحياء وعلوم الأرض والرياضيات. وقد تُرجمت عمليات المحاكاة إلى أكثر من 121 لغة بما في ذلك الإسبانية والصينية والألمانية والعربية. وفي سنة 2011 استقبل موقع PhET الإلكتروني أكثر من 25 مليون زائر.

 

فيصل الشعافي
(باحث في مجال تعليمية العلوم، جامعة ليل، فرنسا، مخبر S.T.L)