الملخص بالعربية:
ينطلق هذا البحث من مساءلة العلاقة بين المفهوم والوجه والمعاناة والقول في الفلسفة المعاصرة، عبر تتبع خطّ تأويلي يبدأ من ليفناس ويمرّ بروزنسفاغ وينتهي بدريدا. ونُبيّن كيف أن مفهوم الوجه عند ليفناس، رغم نزعته الأخلاقية النبيلة، لا يسمح بالمشاركة التأويلية الخلاقة، بل يكرّس استجابة أخلاقية من طرف واحد. بينما يحتفي روزنسفاغ بالتوتر البنّاء بين المعلوم والمجهول ويرفض كليّة النسق، مقدّما بديلًا دراميًا يفتح المجال لصيرورة روحية مفتوحة. أما دريدا، فيُرجئ المعنى ويجعل من «الاختلاج» لحظة عبور نحو الحقيقة دون إمساك بها. وعلى امتداد هذا المسار، نقترح منظور الصيرورة الأصيلة كأفق فلسفي يدمج التوترات دون حسمها، ويُنصت للمعنى بوصفه نداء يتجلّى في المعاناة والوجه، لا في البنى المغلقة. ونقترح فلسفة الصيرورة الأصيلة كأفق يدمج التوترات، ضمن موقف من التجرؤ الوجودي في مواجهة نداء المعنى.الكلمات المفتاحية:
الوجه، المعاناة، الاختلاج، الغيرية، دريدا، ليفناس، روزنسفاغ، الصيرورة الأصيلة.
Résumé en français :
Face à l’énonciation : du visage à l’oscillation
Cette étude interroge la relation entre concept, visage, souffrance et énonciation dans la philosophie contemporaine, en suivant un fil herméneutique allant de Lévinas à Rosenzweig, pour aboutir à Derrida. Nous montrons que, malgré sa noblesse éthique, le concept de visage chez Lévinas ne permet pas une participation herméneutique créatrice, mais instaure une réponse unilatérale. Rosenzweig, quant à lui, célèbre la tension féconde entre le connu et l’inconnu, refusant toute clôture systémique, et esquissant une alternative dramatique ouverte à une spiritualité en devenir. Derrida, enfin, suspend le sens et fait de «l’oscillation» une traversée vers la vérité sans l’atteindre. À travers ce parcours, nous proposons la «philosophie du devenir authentique» comme horizon intégrateur des tensions, où le sens se manifeste dans la souffrance et le visage, plutôt que dans les structures closes.
Nous proposons la « philosophie du devenir authentique » comme horizon intégrateur des tensions, dans une posture d’audace existentielle face à l’appel du sens.
Mots-clés :
Visage, souffrance, oscillation, altérité, Derrida, Lévinas, Rosenzweig, devenir authentique.
-
في مواجهة القول المقدس:
لا يصدر القول الفلسفي من فراغ، بل ينبثق دومًا من لحظة توتر أصيل، من شعور دفين بأن ما يُقال باسم المطلق قد لا يكون كذلك، وأن ما يُلقّن بوصفه نهاية المعنى، لا بد أن يُفتح من جديد كسؤال. من هنا، فإن كل قول فلسفي هو، في جوهره، قولٌ في مواجهة الدين ليس بالمعنى العدائي أو الإلحادي بالضرورة، ولكن بالمعنى الوجودي لمفهوم المواجهة (confrontation) بوصفه استفاقة الكينونة على ضرورة الفهم.
لا تبدأ الفلسفة من الإيمان، بل من التحيّر. إنها لا تقبل المعنى المسلّم به، بل تطرق جذره، تسائل علّته، وتضعه في محك المساءلة الحرة. وما إن يبلغ هذا الفهم حدًّا من التماسك واليقين الداخلي، حتى يتحوّل القول الفلسفي إلى إيثيقا تنحت قيمها من داخل التجربة، لا من خارجها، ثم إلى سياسة تجرؤ على ترتيب العالم وفق نسق جديد من الحرية.
هكذا يغدو القول الفلسفي انزياحًا وجوديًا من وضعية التابع للقول المقدس إلى وضعية السيادة على السؤال. هو انتقال من التلقين إلى الفهم، ومن الخضوع إلى المشاركة في بناء المعنى، بل إلى مساءلته في جذريته.
2. تحت قناع الوجه: الآخر بين الفلسفة والدين في فكر ليفناس
يقول ليفناس: "الانتماء سابقٌ دومًا، لا نختاره، والانتماء إلى اليهودية تجربة غنية تمنح الوجود ذاته نظرا حادًّا،"
وإذا تأملنا في بعض التعبيرات الفلسفية التي تُقدّم نفسها بوصفها انزياحًا عن الدين، فإننا نكتشف، أحيانًا، أنها تعيد ترتيب العلاقة مع المقدس بدل تفكيكها.
خذ مثلًا إيمانويل ليفناس، الفيلسوف الذي جعل من الوجه بؤرة الإيتيقا ومن الآخر مبدأً ميتافيزيقيًا. فظاهريًا، يبدو مشروعه انعتاقًا من اللاهوت الموروث، غير أن تمثله للمقدس ظلّ مشدودًا إلى الجدل التاريخي بين اليهودية والمسيحية، لا إلى أفقٍ كوني يتجاوزهما.
في حوار مرئي أُجري معه سنة 1981، صرّح ليفناس بوضوح:
" لأن الدين هو مصدر كل معنى (…) فالخطأ الكبير هو الاستمرار في تبرير الأمور الدينية بالأمور الفلسفية. في حين أن الدين، من حيث المعنى، ومن حيث قابلية الفهم، هو الأسبق (…).
إن الروحي يتجلّى للعالم بطريقتين أساسيتين (…) فهناك وجهان للواقع الروحي، وهذا بالتحديد هو: اليهودية والمسيحية! (…) وكلٌّ منهما كافٍ بذاته!
وإذا أردنا التفكير بطريقة أكثر تخصيصًا:
فإن اليهود قريبون من الآب، لكنهم نسوا العالم،
بينما المسيحية تسير عبر العالم لكي تقودهم إلى الآب."[1] (آخر جُمَلٍ تَوَّج بها كافة تحليلاته في التسجيل).
https://www.youtube.com/watch?v=kXIMsLzaAVo
ليفناس، وهو أحد أعمق من حرّر "المعنى" من قيود التنظير المجرد وردّه إلى نداء الآخر، ارتأى أن الحقيقة الروحية تتجلى في وجهين: اليهودية والمسيحية. يرى في الأولى قربًا من الأب، لكنه قرب منغلق، لا يعبر إلى العالم. ويرى في الثانية مسيرًا في العالم صوب الأب، لكنه تجسد محفوف بالمجازفات التاريخية.
و بقدر ما يكشف هذا القول عن بنية العلاقة التي يتصورها بين الديني والتاريخي، يبيّن أيضًا أن مفهوم "الآخر" عنده ليس كونيًا ولا مفتوحًا، بل محكوم بإحداثيات نزاع بين أبٍ وابن، بين أصلٍ ديني وتحققه السياسي. فالآخر عند ليفناس ليس "أي آخر"، بل "الآخر المسيحي"، أي الآخر داخل الحقل الإبراهيمي الغربي.
وهكذا، فإن القول الفلسفي عند ليفناس، رغم انقلابه الظاهري على الميتافيزيقا، يظل في عمقه قولًا في الدين، لا خارجًا عنه؛ إنه يخلخل بعض بنياته لكنه لا يغادر مدار تأثيره. بل يمكن القول إن وجه الآخر الذي يرفعه ليفناس إلى مرتبة المطلق، هو في ذاته صورة مستبطنة من القول المقدس ذاته وقد أُعيدت صياغته بمفاهيم فلسفية.
غير أن ما يُلفت، هو أن ليفناس يتغاضى تمامًا عن الإمكان الثالث الذي يتيحه الإسلام، لا كعقيدة في مقابل العقيدتين، بل كمجال تأويلي يحتضن لحظة الانكشاف الأولى (كالتي تمثلت في موسى)، ويمضي بها في مسار للعالم (كما في المسيح)، ثم يرفعهما رفعًا حافظًا في نسق متجدد، يعيد تأويل المعنى دون أن يبطل أثره.
في الإسلام، لا يُقدّم الله كأب، ولا يُجسّد كابن، بل يُستبقى كحقيقة مطلقة تتجلّى في آيات الوجود والمعنى والوجه. ومن ثم، فالإسلام لا يحصر الروحي في قرب صوفي أو في سيرة مجسّدة، بل يضع الإنسان في صيرورة كشف وتأويل دائم، حيث المعنى يُستبقى وهو يرتقي، يُؤلف طبقا على طبق وهو يُفكك.
ولهذا فإن ما يغفله ليفناس – وهو الفيلسوف الذي أدرك وجه الآخر – هو أن الوجه في الإسلام لا ينتهي عند نداء غيروي أخلاقي، بل يتصل بأفق أسمى: هو وجه الله [2] الذي تنداح منه كل وجوه الممكن، وتشتق منه كل علاقة مسؤولة.
إن الإسلام، من هذا المنظور، ليس امتدادا لدينين، ولا يطلب الاكتفاء بدائرته، بل ينفتح على الكلّ في صيرورة من التوحيد التأويلي الرافع، تحفظ المعنى من البِلى والتآكل، وترفعه من الدوغما إلى النداء المتجدِّد.
3. الردّ الفلسفي باسم الدين: ليفناس في مواجهة هيغل
في إحدى لحظاته التأملية العميقة، يستحضر ليفناس أثرًا حاسمًا من فيلسوف ألماني يهودي يُدعى
Franz Rosenzweig ، والذي يؤكد أن:
"الدين هو أصل كل معنى."[3]
من خلال هذا القول، لا يخفي ليفناس موقفه الحقيقي:وهو اعتراض صريح على هيغل، لا فقط في منطقه الديالكتيكي، بل في رؤيته للعقل والدولة بوصفهما مصدر المعنى وقوام الحقيقة. فليفناس يرى أن هيغل ارتكب خيانة أنطولوجية حين جعل من الدولة روحًا للعالم، ومن التاريخ ساحةً لتحقّق المطلق.
وفي المقابل، يؤمن ليفناس أن المقدّس، لا الدولة، هو منبع المعنى الأصيل، وأن الوجه، لا النظام، هو الذي ينادي الكينونة إلى مسؤوليتها.
هنا نلمس الحدّ الذي يتوقف عنده الانزياح الفلسفي لدى ليفناس: هو لا يقطع مع الدين، بل يُعيد تثبيته كمبدأ أولي يسبق كل فلسفة، ويعلو عليها أخلاقيًا وروحيًا. هكذا، يعود "الوجه" في فلسفته إلى مكانه الأصلي: أيقونة للمقدّس، لا مفهومًا للعدالة. ويعود القول الفلسفي إلى لحظة توق ديني، لا إلى تجربة نقدية خالصة.
4. الوجه بين الغيرية القاطعة وأفق الصيرورة الأصيلة
رغم نُبل القصد الأخلاقي عند ليفناس، إذ تخلّص الغيرية اللفيناسية الذات من نرجسيتها، وتجعلها تقرّ بوجود الآخر في تمام غيريته، إلا أن مفهومه للوجه يظلّ مشدودًا إلى أفق غيرية قاطعة
(une altérité radicale) تُؤسَّس على قطيعة لا تُرفع، بحيث لا تسمح للذات بالمشاركة التأويلية الخلّاقة، بل تبقيها في وضعية استجابة أخلاقية مطلقة، من طرف واحد.
فالوجه عنده لا يُدرَك ولا يُحتوَى[4]، بل يفرض نفسه كأمرٍ أخلاقي مطلق، يخرج الذات من ذاتها، ويُلزمها بالخضوع لمسؤولية لا تنبع من داخلها، بل تُلقى عليها من الخارج، من الآخر بوصفه الغير الذي لا يُردّ إلى هوية.
صحيح أن الغيرية اللفيناسية تخلّص الذات من النرجسية، لكنها تتركها بلا أفق، بلا قدرة على التجاوز، بلا كرامة تكوينية.
في المقابل، الوجه في فلسفة الصيرورة الأصيلة ليس نداءً من الآخر فحسب، بل إشراق يتخلل المتواجد من حيث هو كائن متورط في صيرورة الكينونة. هو ليس فقط علقة أخلاقية - أي مرتبطا بأواصر قبلية أو دموية - بل أفقٌ كوني يلامس كل ما في الوجود من قابلية للانخطاف نحو المعنى.
إنه تعالٍ متداخل مع التاريخ لا منفصل عنه، وحرية لا تلغي التورط، بل تُنيره.
5. فلسفة الاختلاف بين دريدا والصيرورة الأصيلة: من تخوم الحضور إلى عمق الانوجاد
حين واجه جاك دريدا الكوجيطو، لم يكن يسعى فقط إلى خلخلته، بل إلى نسف أسطورة الهوية الصلبة التي تجعل الذات تتمايز بتقابلها مع الغير، وتطمئن إلى حضورها بوصفه اكتمالًا وهميًا.
وقد بلور أطروحته هذه في قلب مفهومه المحوري:[5] (la différance)، الذي يتجلى بأوضح صوره في تحليله للكتابة. فحين نكتب كلمة مثل عدالة، فإن المعنى لا يحضر دفعة واحدة، بل يُؤجَّل باستمرار، لأن كل لفظ يحيل إلى لفظ آخر في سلسلة لا تنتهي، ولأن القارئ لا يستقبل النص في لحظة حضور المتكلم، بل يُنتج معناه من غياب القائل.
ونقترح بالنسبة لهذا المفهوم المفصلي الذي صاغه دريدا ، في أفق الصيرورة الأصيلة، أن نترجمه إلى "الاختلاج".
-
لماذا "الاختلاج" بدلًا من "الاختلاف"؟
حين نتناول فلسفة دريدا، لا يمكن أن نمرّ على مفهومه الجوهري la différance دون أن نتوقف عند الترجمة. فقد جرت العادة على ترجمتها إلى "الاختلاف"، غير أن هذا الترجمة تغفل البعد الزمني والتوتري الذي تنطوي عليه الكلمة، بل تُسقط الفارق الذي تعمّده دريدا حين اختار حرفًا لا يُنطق
(le « a » الصامت) ليفصل بين différence وdifférance، ويُربك كل يقين حول المعنى.
وقد صاغ دريدا هذا المفهوم الإشكالي — الذي نترجمه بـ"الاختلاج" — للإشارة إلى حركة لا تُمسك، تولّد الفروقات من دون أن تستقرّ في أصل سابق، ولا تنتمي إلى لحظة من الحضور التام. يقول دريدا في محاضرته الشهيرة [6]:
ما يُكتب بـ différance سيكون إذًا حركة اللعب التي «تُنتج»، بفعل ما ليس مجرد نشاط، هذه الاختلافات، هذه الآثار للاختلاف.
ولا يعني ذلك أن الـ différanceالتي تُنتج هذه الاختلافات هي سابقة عليها، في حاضر بسيط، خالص، وغير متغير، وغير-مُفرِّق (in-différente).
فالـ différance هي «أصل» غير ممتلئ، غير بسيط، أصلٌ مُركّب ومؤجِّل (différante) للاختلافات. ولهذا فإن اسم «الأصل» لم يعد يلائمها.
وهذا النص يمنحنا مشروعية اختيار لفظ "الاختلاج" بديلاً عن الترجمة المعتادة بـ"الاختلاف المؤجل"، لأن في معنى الاختلاج حضورًا يتسم بالغرابة وقوة التوتر في آن، وهو معنى يلامس الكيان الإنساني بوصفه وعدًا بشيء ما، يحضر بالقوة لكنه لا ينتقل مباشرة إلى التجلي التام.
فالاختلاج، بهذا المعنى، ليس مجرد تأجيل للمعنى، بل هو اضطراب بنيوي في مبدأ التعيّن ذاته؛ إنه خفق داخلي للممكن، اهتزاز غير مُستقرّ يولّد المعنى من خلال غيابه. ومن هنا يُفهم أن دريدا لا يحدد "الاختلاج" كأصل، بل يرفض حتى تسميته بالأصل، لأنه "أصل غير ممتلئ، غير بسيط، أصل مؤجَّل وبنيوي للفروقات"، على حد تعبيره.
-
نقد دريدا لليفناس:
ليس عبثًا أن يصرّ دريدا على أن "المقدّس" يسبق حتى علاقة الإيمان واللاإيمان، لأنه فضاء أولي لا يتحقق فيه الله إلا كمفعول متأخر عن أثر الاختلاف:
«Le sacré est le “seul espace essentiel de la divinité”... en deçà de la foi et de l’athéisme.»[7]
إنه هنا لا يسلب الإله قيمته، لكنه يؤجل ظهوره خلف بنية لغوية زلقة، فيقول:
«Ce n’est qu’à partir de l’essence du Sacré qu’il faut penser l’essence de la Divinité.»[8]
في هذا السياق، لا يصبح «الله» اسمًا لحضور محقّق، بل أثرًا ضمن حركة اللغة والكينونة التي تتجاوز التعيين.
ومن اللافت أن جان-لوك ماريون، في تأملاته حول العدمية الدينية، يُحذر من النزوع إلى جعل الله مجرد قيمة ذاتية، لا يقوم له وجود إلا بإقرار الإنسان أو نفيه. يقول: "العدمية، في أحد وجوهها، هي القول إن الإله ليس إلا قيمة، وإن وجوده (أو عدمه) لا يقوم إلا بتصديق البشر أو إنكارهم له. وفي النهاية، يصير هذا الإله على صورة من يؤمن به. وبالتالي، فهذا الإله ليس هو الإله، بل هذا الإله ميت".[9]
إن هذا القول يتقاطع بصورة مباشرة مع نقد دريدا لفكرة الحضور الكامل، ويُبرز أن تمثُّل المقدس ليس استحواذا عليه، بل اختلاجٌ دائم في حضرته، يُقاوم كل تثبيت مفهومي أو إسقاط رمزي. فالإله الذي يُعرَّف لكي يُمتلك، هو إله ميت بالمعنى الماريوني للكلمة.
إن الاختلاج (la différance) عند دريدا، في هذه القراءة، ليس مجرّد تلاعب دلالي أو إرجاء لغوي، بل هو وعي أنطولوجي بفجوة المعنى، يُرغم المتواجد – كما يفعل الدازاين عند هايدغر – على الاعتراف بأنه لا يملك المعنى بل يتألمه، لا يعبّر عن المطلق بل يرتجف في حضرته.
وبهذا المعنى، تصبح الكتابة عند دريدا نموذجًا لغياب الأصل، ومسرحًا لا تتجلى فيه الحقيقة، بل تُرجأ، تُزاح، تتوارى تحت طبقات من العلامات. فاللغة لا تكشف، بل تُؤجل. والحضور ليس مصدر المعنى، بل علامة على افتقاده.
لكنه، في هذا المسار، توقّف عند آلية التفكيك دون أن يتقدم نحو مبدأ التكوين. لقد تخلّى عن الجوهر، نعم، لكنه لم يجرؤ أن يمنح الكينونة أصلًا نابضًا يتجاوز الحضور والغياب معًا.
فالعالم عند دريدا يظل في حالة انزلاق لغوي دائم، لا يُمسك، ولا يترسّخ، ولا يهدأ.
وقد عبّر دريدا عن هذا الطابع المراوغ للكينونة حين قال إن الوجود نفسه لا يكون بلا عنف، لأن كل ظهور هو فعل تفكيك وتعيين:
«Un être sans violence serait un être qui se produirait hors de l’étant: rien; non-histoire; non-phénoménalité.»[10]
وهكذا، فإن أي محاولة للحديث عن وجه أو عن قداسة أو عن لقاء، تظل محكومة بلغةٍ لا تنفكّ تُنتج الفارق، وتُدخل التوتر حتى في أحشاء الوصل.
-
من زاوية الصيرورة الأصيلة:
أما نحن، في فلسفة الصيرورة الأصيلة، فنعترف بأن الهوية الثابتة خدعة، لكننا لا نستعيض عنها بمفهوم التأجيل الدائم، بل نرى أن الصيرورة هي الأصل، لا باعتبارها دوامة عمياء، بل بوصفها فعلًا مبدعًا للكينونة، يوجِد ويُعدِم، يُكثف ويذيب، في حركة لا تنفصل عن نور الوجه.
وقد قلتُ، من مقام التجربة والتفكر، إن كل ما يحيط بالوجود، بما فيه الوجود نفسه، إنما هو ذبذبات لجواهر لا تكفّ عن الاهتزاز والحركة.[11] فليست هناك "هوية" صلبة، بل تعيّنات مؤقتة تنخرها الصيرورة، وتكشف زيفها لحظة الانهيار.
غير أن هذا الكشف لا ينبثق من مراقبةٍ خارجية، بل من منظار المتواجد المتورط في لعبة الحياة، ذاك الذي يخوض الصراع، ويُنهكه الألم، ويقوده التعب إلى التساؤل من جديد، وهناك، على الحافة، يطالع من خلال محنته سر الوجود المتعالي.
فتنبثق رابطة القرب، لا من امتياز معرفي، بل من سعي قاصد، وجهد أصيل، لطلب الوجه الغائب الحاضر.
أما إن رفض الإنسان السعي، وركن إلى التمرد الأجوف أو الشكوى المتواكلة، فإن حائط العبث يرده، وتُجمَّد أوتار المعنى في نواة جوهره. فالوجود لا يُعطى مجانًا، ولا يُنقذ بالتمرّد، بل بالمكابدة والذكر، بالصلاة وصنوف العبادات والمعاملات، كما وجد الغزالي في سلوكه الذي أوصله إلى حضرة القرب، وكما يُعلن الله في الحديث القدسي:
"وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به..." صحيح البخاري
هذه ليست صيغة دينية فقط، بل بيان أنطولوجي في جوهره: لحظة يتجاوز فيها المتواجد حالة الفراغ، لا بتشييد هوية جديدة، بل بأن يغدو كينونته متخللة بنور المعنى، ومضاءة بفعل القرب من المتعالي.
6. خاتمة: من مساءلة المقدس إلى رعاية الكينونة
في هذا المسار المتعرّج الذي بدأ من ليفناس، مرورا بروزنسفاغ، وانتهاء بدريدا، لم تكن غايتنا تسطير الخلافات، بل الإنصات إلى المعاناة الأصلية التي دفعت كلًّا منهم إلى الفلسفة.
فـليفناس لم ينكر وجود الله، بل حاول أن يُقيم له وجهًا في الآخر.
وروزنتسفايغ، رغم لغته الرمزية وصياغته اللاهوتية، لا يُقحم الإيمان في منطق اكتمال ميتافيزيقي، بل يحتفي بالتوتر، ويرى أن اللقاء مع الإله يمرّ عبر انكسار الكلّية، تمامًا كما تمرّ الصيرورة عبر انفتاح الزمن على المفاجأة. ولأنه لم يقف عند فكرة الله كجوهر بسيط، بل قدّمه كنداء متجدد في التاريخ، فإن فكره يشكّل جسرا إلى فلسفة الصيرورة الأصيلة، حتى لو لم يقصده صراحة.
ودريدا لم يعبث بالمفاهيم، بل هاله أن تُستعمل اللغة لحجب الحقيقة تحت أقنعة الحضور الزائف.
غير أن ما يعوز هؤلاء جميعًا، هو ما نحاول أن نُبرزه في فلسفة الصيرورة الأصيلة:
أن الحقيقة لا تُنال بالتمرد على المقدّس، ولا بالعزلة اللاهوتية داخل مثلث التجلي المقطوع عن صراع الأغيار، ولا بإرجاء المعنى، بل بمواصلة التورط النوراني في درب الكشف والمعاناة، حتى يشرق الوجه من ثنايا الزمن.
وهذا ما تنفرد به فلسفة الصيرورة الأصيلة، إذ لا تقف عند تخوم المقدّس كبنية لغوية، بل تجترح مجازفة الكشف كإقامة فعلية في النور المتعالي.
فنحن نقول: نعم، لا يُدرك الله كمجرد كائن-داخل-اللغة، بل كـنور وجه لا يتجلّى إلا عبر العبور الوجودي الذي يخوضه المتواجد حين تنكسر أوهام الحضور، لا ليبقى في التأجيل، بل لينفتح على اكتمال لا يتعين.
فالصيرورة الأصيلة ليست انحيازًا ضد الدين، بل مساءلة لما سُمي دينًا وقد تجمّد.
وليست تخلّيًا عن الهوية، بل تحرّكًا دائمًا في أفق الوجه المتعالي، حيث تتخلّق الهويات من الفعل، لا من القوالب.
وليست جسرًا إلى العدم، بل ضوءًا يرشد المتواجد في ليله الطويل، كلما أُطفئت شموع المعنى من حوله.
هكذا، لا نغلق باب القول الفلسفي، بل نفتحه على لحظة أعمق:
لحظة يلتقي المفهوم بالوجد، والفكر بالوجه، ونربط بين السؤال والتعبد.
هناك، في نقطة التوتر العليا تلك، تولد الحرية الأصيلة، وتُستَحقٌّ الأمانة، لا كإرادة بلا قيد، بل كرامةً آدمية، ومَددا إلهيا لا ينقطع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-
لائحة المراجع:
-
FRANZ ROSENZWEIG, “THE STAR OF REDEMPTION”. In Translation by Barbara E. Galli. Copyright © 2005. The Board of Regents of the University of Wisconsin System.
-
Emmanuel Lévinas, « Totalité et Infini », Martinus Nijhoff, 1971.
-
Jacques Derrida, « L'écriture et la différence », ÉDITIONS DU SEUIL 27 rue Jacob, Paris VIe, 1967.
-
Jacques Derrida , "La différance" – in "Marges de la philosophie". LES ÉDITIONS DE MINUIT (1972).
-
عزالدين جباري، "رباط الحقيقة والأخلاق في سياق الصيرورة الأصيلة"، الناشر: e-Kutub Ltd، الطبعة الأولى، لندن، 2005.
روابط:
· Entrevue avec Emmanuel Levinas philosophe Par Marcel Brisebois, 3 novembre 1981. https://www.youtube.com/watch?v=kXIMsLzaAVo
-
Entretien avec Jean-Luc Marion. Par Franz-Olivier Giesbert , SEP 18, 2023. https://www.revuedesdeuxmondes.fr/entretien-jean-luc-marion-franz-olivier -giesbert -christianisme/
الملحق الاصطلاحي
أولًا: مفاهيم في العلاقة الغيرية:
-
الغيرية القاطعة: مفهوم أقصد به أن الآخر ليس امتدادًا للذات ولا موضوعًا لها، بل كائنٌ لا يُختزل ولا يُحتوى. تتجلى هذه الغيرية في السياق الأوروبي غداة الحرب العالمية الثانية، حيث سادت رغبة عميقة في القطع مع مآسي النزعة الكونية الشمولية التي أسفرت عن الإبادة، فبرزت فلسفة الآخر كضمانة أخلاقية لعدم التكرار. عند ليفناس، الآخر يحمل وجهًا مقدّسًا يلقي على الذات مسؤولية لا فكاك منها، دون المرور عبر صيرورتها أو تعاقدها الداخلي. ولكنه في نهاية المطاف يظل الآخر المألوف في النسيج الإبراهيمي الغربي، لا آخرَ كونيًا.
-
العلاقة الأخلاقية: صيغة عامة تشير إلى التفاعل القيمي بين ذات وأخرى، وقد تتضمن التزامًا أو استجابة، لكنها محايدة من حيث الدلالة؛ قد تكون علاقة تكافل أو خضوع، صدق أو تمويه.
-
العلقة الأخلاقية: مصطلح نقدي ذو دلالة قدحية (péjorative) في فلسفة الصيرورة الأصيلة، ويشير إلى نوع من الارتباط الأخلاقي القهري أو البيولوجي اللاواعي، أشبه بـ"علقة الدم" أو التعلّق القَبلي بالرمز أو الهوية، حيث تلتصق الذات بغيرها دون فرز أو تمييز، كما في التماهي الطفولي أو العاطفي غير المفكَّك. إنها علاقة تقع في أدنى مراتب الوعي، لا تُنتج كرامة ولا تفتح أفقًا.
ثانيًا: مصطلحات فلسفة الصيرورة الأصيلة
-
الرباط الأخلاقي: هو العلاقة الأخلاقية الحرّة التي تنشأ من داخل صيرورة الذات، لا تُفرض عليها من خارجها، بل تتولد من التورط، النضج، والانفتاح على الكرامة. هو ما يربط المتواجد بالآخر دون أن يُذيب ذاته، ويجمع بين الصراع والمسؤولية في أفق الوجه.
-
الوجه: مظهر إشراقي متعالٍ، يدلّ على أفق الكرامة المتجذرة في الكينونة، ويتخلل الصيرورة دون أن يُستهلك فيها.
-
المتواجد: الذات التي لا تُعرّف بهوية مصمتة بل بتورطها في الصيرورة، وهي المفهوم الوجودي البديل عن “الإنسان” في صيغته الثابتة.
-
جوهر المسافة: البنية التكوينية التي تتيح الانفتاح على الآخر دون تماهي، وتحفظ الكرامة دون انغلاق؛ وهو من المفاهيم المركزية في الرباط بين الأخلاق والحقيقة.
-
الصيرورة الأصيلة: ليست مجرد حركة، بل هي صيرورة تتخللها الكرامة والوجه والمعنى، وتُنتج حضورًا غير مستقر لكنه مفعم بالنور.
-
التورط الحافّي: وضعية الكائن حين يقف على حافة التحقق الكامل، بين الإمكان والتجلّي، دون أن يحسم مساره، ويظل في يقظة مستمرة.
-
دوائر السوء: نمط من التكرار السلبي الذي يُجمّد الحركة النورانية في الكينونة ويُحيل الذات إلى نمط ميت داخليًا.
[1] Par ce que c’est la religion qui est source de tous sens (…) la grande erreur c’est de consister toujours à justifier les choses religieuses par les choses philosophiques. Alors qu’ils sont au point de vue du sens, au point de vue intelligibilité, ils sont premières (…)
Le spirituel se révèle au monde de deux manières essentielles(…) il y a deux faces de la réalité spirituelle, et que ça précisément Judaïsme et Christianisme ! (…) et que chacun des deux suffit !
Et pour penser de manière plus particulière :
Les juifs sont près du père mais ils ont oublié le monde, le christianisme marche à travers le monde pour leur mener au père.
[2] شروح فلسفية:
-
الوجه الإلهي: في فلسفة الصيرورة الأصيلة، لا يُرى وجه الله كمقولة دينية فقط، بل كـأفق للكرامة والحرية الأصيلة، يهب كل وجه إنساني قداسته.
-
رفع حافظ: أساس هذا المفهوم قد حدده هيغل تحت مسمى (aufhebung)، وهو هنا في هذا السياق يستخدم لتوضيح كيف أن الإسلام يحتفظ بجوهر المعنى الأخلاقي والعرفاني دون أن يسقط في التكرار أو التجميد، بل يرفعه كما ترفع الجدلية الهيغلية مراحلها السابقة، إذ تحفظها في جوهرها و تتجاوزها في الآن نفسه.
-
الاستعراف: يظهر هنا كمسار ثالث بعد القرب اليهودي والمسير المسيحي، مسار التعرّف المستمر على المعنى في كل تجلٍ، وفي كل صراع.
[3] يقول فرانز روزنتسفايغ في كتابه The Star of Redemption، الصفحة 32:
"الكلّ، باعتباره مفهومًا من بين مفاهيم أخرى؛ إذا أردنا ذلك، فإن اللاهوت السلبي لنيكولا دي كوزا أو للرجل القادم من كونيغسبرغ (1) سيكون، بطبيعة الحال، الهدف العلمي الوحيد؛ إذ في هذه الحالة يكون "السلبي" قد حُدِّد سلفًا كهدف منذ نقطة انطلاق الفكر؛ فالمفهوم الذي يُعدّ واحدًا من بين مفاهيم أخرى هو دائمًا سلبي، على الأقل من حيث معارضته لسواه؛ وإذا ادّعى كونه غير مشروط، فلن يكون في متناول العلم سوى أن يتناول اللا-مشروطية بصيغة العدم.
لكننا قد تخلّينا تحديدًا عن هذا الافتراض المسبق الذي يفترض الواحد والكلّي الشامل. نحن نبحث عن الله، كما سنبحث لاحقًا عن العالم والإنسان، لا بوصفه مفهومًا من بين مفاهيم أخرى، بل في ذاته، قائمًا بذاته وحدها، في واقعيته المطلقة—إن لم يكن هذا التعبير مضلِّلاً—أي في إيجابيته تحديدًا."
FRANZ ROSENZWEIG, “THE STAR OF REDEMPTION”. In Translation by Barbara E. Galli. Copyright © 2005. The Board of Regents of the University of Wisconsin System. P, 32.
نستخلص من هذا الاقتباس نتيجتين رئيستين:
-
أولوية الله لا كمفهوم بل كواقعة حية
روزنتسفايغ يرفض أن يكون الله "مفهومًا بين مفاهيم"، أو "شيئًا ضمن الكل"، بل يصرّ على أن يكون الله هو البداية الحية للمعنى، لا نتيجته. وهذا يتقاطع مع القول إن الدين (أي العلاقة الأولية مع الله) هو أصل كل معنى وليس مجرد تمظهر أو تأويل لاحق للوجود.
-
الدين كممر من العدم إلى المعنى
وحين يقول إننا نبدأ بالله كـ"عدم"، ولكن لا لنبقى هناك، بل لنتقدّم صوب ما ليس عدماً، فإنه يجعل من التحول من العدم إلى المعنى فعلًا دينيًا بامتياز. فالدين، بهذا المعنى، هو التحول الأول من اللاشيء إلى الحقيقة الحية، أي من العدم إلى حضور المعنى.
[4] يكتب ليفناس:
“Le désir métaphysique a une autre intention – il désire l’au‑delà de tout ce qui peut simplement le compléter. Il est comme la bonté – le Désiré ne le comble pas, mais le creuse…”
(Emmanuel Lévinas, Totalité et Infini, Martinus Nijhoff, La Haye 1961, p. 22).
= في هذا النص، يصوغ ليفناس مفهوم الرغبة الميتافيزيقية كميل لا يسعى إلى الإشباع، بل يتغذى من غيابه، حيث لا يُقيم وجه الآخر العلاقة عبر القرب، بل عبر المسافة كشرط للصلة الأخلاقية. غير أن هذا التصور، رغم طابعه المتجاوز، يُقصي المشاركة التأويلية ويعطل إمكان الصيرورة المشتركة، إذ يثبّت العلاقة في نمط أحادي: وجه يداهم وذات تنصت. وهو ما يتنافى مع منظور الصيرورة الأصيلة التي ترى الكرامة وليدة التفاعل والتوتر الخلاق بين الأغيار، وليس كمجرد استجابة أخلاقية.
[5] شرح دريدا بإسهاب دواعي هذا الاختيار في مقاله الشهير "La différance" :
وهو محاضرة ألقيت في الجمعية الفلسفية الفرنسية بتاريخ 27 يناير 1968، ونُشرت في الوقت نفسه في نشرة الجمعية الفلسفية الفرنسية (يوليو–سبتمبر 1968) ضمن سلسلة Tel Quel.
[6] "Ce qui s’écrit différance, ce sera donc le mouvement de jeu qui « produit », par ce qui n’est pas simplement une activité, ces différences, ces effets de différence. Cela ne veut pas dire que la différance qui produit les différences soit avant elles, dans un présent simple et en soi immodifié, in-différent. La différance est l’« origine » non-pleine, non-simple, l’origine structurée et différante des différences. Le nom d’« origine » ne lui convient donc plus."
Jacques Derrida , "La différance" – in "Marges de la philosophie". LES ÉDITIONS DE MINUIT (1972). P,12.
[7] Jacques Derrida, L'écriture et la différence, ÉDITIONS DU SEUIL. P :215.
[8] Ibid.
[9] Entretien avec Jean-Luc Marion. Par Franz-Olivier Giesbert , SEP 18, 2023. https://www.revuedesdeuxmondes.fr/entretien-jean-luc-marion-franz-olivier-giesbert-christianisme/
[10] Ibid., p. 218.
[11] عزالدين جباري، رباط الحقيقة والأخلاق في سياق الصيرورة الأصيلة. ص: 279.
النبذة الشخصية:
عزالدين جباري، كاتب وباحث مستقل في الفلسفة المعاصرة، يهتم بفلسفات الغيرية والصيرورة، ويطوّر مشروعًا نظريًا خاصًا بعنوان "فلسفة الصيرورة الأصيلة". صدرت له أعمال في النقد الفلسفي والتأويلي، من بينها كتاب "رباط الحقيقة والأخلاق في سياق الصيرورة الأصيلة"، فضلًا عن مقالات منشورة في عدد من المنصات والمجلات الإلكترونية. يعمل أستاذًا للغة العربية بالتعليم الثانوي التأهيلي منذ سنة 2009، بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة الدار البيضاء-سطات، وهو حاصل على الإجازة في اللغة العربية وآدابها.