الكوجيتو بين القياس والانكشاف: دفاع فلسفي عن القراءة الوجودية في ضوء ديكارت وغيلسون وماريون - عزالدين جباري

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

الملخّص بالعربية
يروم هذا البحثُ تحريرَ موردِ النزاع في فهم الكوجيتو الديكارتي بين القراءةِ القياسية التي يمثلها سعيد فودة، والقراءةِ الوجودية التي يدافع عنها أبو يعرب المرزوقي. ويُظهر التحليل أن ديكارت، في «تأملاته الميتافيزيقية»، لم يُقِم برهانا صوريّا بل كشفا أنطولوجيا للوعي في حضوره لذاته. فعبارة «أنا أفكر، إذن أنا موجود» ليست استنتاجا بل تجربة تأسيسية تُنقل فيها الحقيقة من ميدان القياس إلى أفق البداهة الوجودية. ويُبرز البحث تلاقي هذه القراءة مع تأويلات غربية كبرى: مع غيلسون في حديثه عن الحدس الذهني، ومع ماريون في مفهوم الكرامة الأنطولوجية، ومع كريشمارينو في بيانه لتحوّل المبدأ الأوّل من مبدأ الكائن إلى مبدأ المعرفة.  وبهذا يؤكد المقال أنّ الكوجيتو يمثل لحظة انتقالٍ من المنطق المدرسي إلى المنطق الوجودي، ومن البرهان إلى الانكشاف.

الكلمات المفتاحية:  ديكارت، الكوجيتو، أبو يعرب المرزوقي، سعيد فودة، ماريون، غيلسون، كريشمارينو، البداهة، الانكشاف، الكرامة.

Résumé en français

Cet article vise à clarifier le différend autour de l’interprétation du cogito cartésien entre la lecture syllogistique défendue par Saïd Foudah et la lecture existentielle d’Abou Yaârab al-Marzouqi. L’analyse montre que, dans les Méditations métaphysiques, Descartes n’établit pas une déduction formelle mais une révélation ontologique de la conscience à elle-même. L’énoncé « je pense, donc je suis » n’est pas une conclusion logique, mais une expérience fondatrice où la vérité passe du domaine du raisonnement à celui de l’évidence existentielle. L’étude met en lumière la convergence avec certaines interprétations occidentales : chez Gilson, par l’intuition de l’esprit ; chez Marion, par la dignité ; et chez Crîșmăreanu, par le déplacement du principium entis au principium cognitionis. Ainsi, le cogito marque le passage du logique scolastique au logique ontologique, du raisonnement à la manifestation.

Mots-clés : Descartes, cogito, Abou Yaârab al-Marzouqi, Saïd Foudah, Marion, Gilson, Crîșmăreanu, évidence, dévoilement, dignité.

المقدّمة

يتنازع قراءات الكوجيتو الديكارتي — "أنا أفكر، إذن أنا موجود" — اتجاهان متقابلان:
الأول يراه قياسًا منطقيًا من صيغ المنطق الأرسطي،
والثاني يعتبره تجربة وجودية مباشرة يعي فيها الفكرُ وجودَه دون توسّط استدلالي.

وقد مثّل هذا الانقسام، في الفكر العربي المعاصر، الخلافَ بين الدكتور سعيد فودة الذي تبنّى القراءة القياسية الصورية، والدكتور أبي يعرب المرزوقي الذي رأى في الكوجيتو شهادةً وجوديةً لا تخضع لمنطق الحدّ الأوسطي.

تسعى هذه الدراسة إلى تحرير مورد النزاع وتدعيم القراءة الوجودية للمرزوقي عبر نصوص ديكارت الأصلية، وتأييدها بشواهد من جان-لوك ماريون وإتيان غيلسون، مع الاستئناس بتحليل فلورين كريشمارينو (Florin Crîșmăreanu)  في بحثه La question du premier principe  الذي يبيّن استمرارية العلاقة بين ديكارت والموروث الميتافيزيقي الوسيط.

أولًا: تحديد مورد النزاع

هل الكوجيتو («أنا أفكر إذن أنا موجود») استدلال قياسي؟

يرى أبو يعرب المرزوقي أن الكوجيتو ليس استدلالًا بالمعنى المنطقي الأرسطي، لأن ديكارت لا يستعمل القياس الأرسطي (من مقدمات ونتيجة) بل يبدأ من تجربة مباشرة للوعي بالذات المفكرة.
فعبارة "أنا أفكر إذن أنا موجود" ليست قياسًا مؤلفًا من مقدمة كبرى وصغرى، بل هي حدس مباشر بحقائق الوجود من خلال فعل التفكير نفسه.[1]
فالوجود لا يُستنتج من التفكير كدليل منفصل، بل يحضر في الفعل ذاته.

أما سعيد فودة فيرى أن الكوجيتو يمكن أن يُحلَّل منطقيًا ضمن صورة القياس الأولى، على نحو:
(كل من يفكر موجود) — مقدمة كبرى
(أنا أفكر) — مقدمة صغرى
(إذن أنا موجود) — نتيجة.
ويقول إن ديكارت، وإن لم يصرّح بهذا الشكل، إلا أن البنية المنطقية الكامنة في قوله تنتمي إلى هذا النمط القياسي، حتى لو لم يكن واعيًا لها صراحة. [2]

أما أبو يعرب المرزوقي فيعتبر أن ديكارت لم يقدّم برهانًا صوريًا، بل عبّر عن تجربة وعيٍ ذاتيٍّ لا تسمح بالفصل بين الفكر والوجود، لأنّ التفكير — كما يقول — هو تجلّي الوجود في ذاته.
إنّ الكوجيتو عنده انكشافٌ للكينونة في فعلها الذاتيّ لا نتيجة استدلالٍ ذهنيٍّ مسبق.

ثانيًا: التحليل الفلسفي من نصوص ديكارت

الشاهد الأول:

يستعمل ديكارت استعارة معمارية لتوضيح طبيعة هذا “الحضور الأول” الذي يقوم عليه الكوجيتو. فهو لا يصفه كبرهانٍ يُستنتج، بل كأساسٍ صخريٍّ يُكتشَف ويُقام عليه البناء الفلسفي. يقول:

« J’ai déclaré, en plusieurs endroits de mes écrits, que je tâchais partout d’imiter les architectes, qui, pour élever de solides édifices, creusent premièrement de profondes fosses, et rejettent de là non seulement le sable, mais tout ce qui se trouve appuyé sur lui, ou qui y est mêlé, afin de poser ensuite les fondements sur le roc ou l’argile et la terre ferme; et de même façon j’ai premièrement rejeté comme du sable tout ce que je n’ai reconnu être douteux; et, après cela, considérant qu’on ne peut pas douter qu’au moins la substance qui doute, ou qui pense, n’existe, je me suis servi de cela comme d’un roc sur lequel j’ai posé les fondements de ma philosophie.»

(Descartes, Réponses aux Septièmes Objections contre les Méditations métaphysiques, trad. C. Clerselier, éd. 1661, in Oeuvres de Descartes, éd. C. Adam et P. Tannery, t. VII, Paris: Vrin–CNRS, 1964, p. 536–537 / G IV-2, 754–755).

وترجمته التقريبية:

[لقد أعلنت في مواضع كثيرة من كتاباتي أنني حاولت دائمًا أن أقتدي بالمعماريين الذين، لبناء صروح صلبة، يحفرون أولًا خنادق عميقة ويزيلون منها لا الرمال وحدها بل كل ما يقوم عليها أو يختلط بها، حتى يضعوا الأساسات على الصخر أو الطين الصلب. وبالطريقة نفسها رفضتُ أولًا كالرمل كل ما رأيته موضع شك. وبعد ذلك، لما اعتبرت أنه لا يمكن الشك في أن الجوهر الذي يشكّ أو يفكّر موجود، استخدمت هذا كصخرٍ وضعت عليه أسس فلسفتي.]

يتضح من هذا النص أنّ ديكارت لا يبحث عن قياسٍ استدلاليّ بل عن تجربة تأسيسية توازي ما يسميه المعماريون "البحث عن الأرض الصلبة".
فـ «الصخر» هنا ليس رمزا للمنطق، بل لليقين الوجودي المباشر الذي يُستمد من تجربة الفكر ذاته في حضوره، أي من فعل الوعي الذي لا يمكن أن يُنتزع منه وجوده دون أن يُنتزع معه المعنى ذاته.
وهذا الشاهد يعمّق ما قررناه سابقًا من أنّ ديكارت لا يبرهن على الوجود بل يكتشفه كأرض أنطولوجية ينبني عليها الفكر.

الشاهد الثاني: من “التأملات الميتافيزيقية” (التأمل الثاني)

«De sorte qu’après y avoir bien pensé, et avoir soigneusement examiné toutes choses, enfin il faut conclure, et tenir pour constant que cette proposition : je suis, j’existe, est nécessairement vraie, toutes les fois que je la prononce, ou que je la conçois en mon esprit.»
(Descartes, Méditations métaphysiques, II, éd. citée, p. 73, AT IX-1, 24-25 / G IV-1, 119.)

الترجمة التقريبية:
[وهكذا، بعد أن فكّرت مليًّا وتأملت في كل شيء بعناية، ينبغي أخيرًا أن أستنتج وأعتبر أمرًا ثابتًا أن هذه القضية:  أنا كائن، أنا موجود، صادقة بالضرورة، في كل مرة أنطق بها أو أتصورها في ذهني.]

يُجسّد هذا النصّ لحظة التحوّل المفصليّة في المشروع الديكارتي، حيث يتخلّى عن المنطق البرهاني الأرسطي القائم على المقدمات والنتائج، لصالح منطق الحضور المباشر للوعي بذاته.
القضية «أنا كائن، أنا موجود» ليست استنتاجًا بل تحقّقٌ أنطولوجيّ للفكر في ذاته:  الوعي هنا لا يبرهن على وجوده، بل يحضر بوصفه وجودًا في فعل التفكير نفسه.

هكذا يُصبح الكوجيتو — لا بوصفه قياسًا من الشكل الأول كما فهمه بعض المناطقة — بل بداية أنطولوجية جديدة ينكشف فيها الوجود للوعي بصفته حقيقةً بدئية لا تحتاج إلى دليل.
إنّها نقطة الانتقال من المنطق المدرسي (logique scolastique) إلى ما يمكن تسميته المنطق الوجودي (logique ontologique)، حيث تغدو البداهة (evidence, claritas et distinctio)  هي معيار الصدق، لا مطابقة الفكر للشيء الخارجي.

ثالثًا: دعم الخلاصة من الدرس الغربي

  • ماريون: عطية الوجود للفكر

في كتابه Sur le prisme métaphysique de Descartes (Paris: PUF, 1986)، يعيد جان-لوك ماريون قراءة الكوجيتو في ضوء مفهوم الكرامة  La dignité .
يقول ماريون:

«La dignité de trait le plus fondamental de l’étant se trouve reconnue à la causa (sive ratio) comme une évidence impérieuse.»
(ibid., p. 116.)

أي: إن الصفة الأكثر جوهرية في الموجود تُعزى إلى العلة (أو العقل) بوصفها بداهة قاهرة.
وفي موضع لاحق يقول أيضًا:

«La métaphysique surpasse les mathématiques en certitude comme en dignité, puisqu’elle parvient justement à concevoir leur statut dépendant et créé.»
(ibid., p. 144.)

وهكذا يتضح أن الكوجيتو عند ماريون ليس حركة من الفكر نحو الوجود، بل منح الوجود للفكر؛ حيث تُصبح الكرامة (dignité) خاصية أنطولوجية، لأن الوجود يشرّف الفكر بأن يمنحه نفسه في لحظة الانكشاف.

  • غيلسون: من القياس إلى الحدس الذهني

ويرى إتيان غيلسون في:

 Études sur le rôle de la pensée médiévale dans la formation du système cartésien
(Paris: Vrin, 1930, p. 142 sq.)

أن ديكارت هدم النموذج الأرسطي للقياس واستبدله بما سماه l’intuition de l’esprit  أي "الحدس الذهني" الذي يدرك الحقائق مباشرة دون توسّط قياسي.

ويشير فلورين كريشمارينو في دراسته :

La question du premier principe (Université « Alexandru Ioan Cuza » de Iași, 2010, pp. 41-44)

إلى أن غيلسون كشف عن «تحوّلٍ جذري في معنى المبدأ الأوّل» لدى ديكارت، إذ انتقل من principium entis  (مبدأ الكائن) إلى principium cognitionis  (مبدأ المعرفة)، وهو ما جعل الكوجيتو «تأسيسًا إبستمولوجيًا يعبّر عن بداهةٍ وجوديةٍ لا عن تركيبٍ منطقيّ«.

ويبدو أن هذا الوجه من التحليل يعمّق فهم المرزوقي، لأنّه يبيّن أن ديكارت لم ينفصل عن ميتافيزيقا الكائن، بل نقلها إلى داخل فعل الوعي.

  • مارتن هايدغر: الحقيقة انكشاف

وهذا ما فهمه لاحقًا هايدغر في الكينونة والزمان (§9)، حين اعتبر أنّ ديكارت، وإنْ اكتشف الوجود الذاتي للـ أنا المفكرة، إلا أنّه لم يسائل بعدُ معنى الوجود نفسه (Sinn von Sein).
فالكوجيتو إذن ليس نهاية البرهان، بل عتبة الظهور التي عندها تبدأ الفلسفة الحديثة في مساءلة الحقيقة بوصفها انكشافًا (aletheia) لا تطابقًا.

رابعًا: نحو قراءة وجودية للكوجيتو

من خلال النصوص الأصلية والدراسات التفسيرية الحديثة، يتبيّن أنّ الكوجيتو ليس قياسًا بل تحقق وجوديٌّ مباشر، وأنّ ما يسميه فودة "غياب البرهان" ليس ضعفًا في المنهج بل تحوّل في طبيعة البرهان نفسه: من القياس الاستنتاجي إلى الاستشهاد الوجودي.
فالقول "أنا أفكر إذن أنا موجود" لا يقدّم نتيجة، بل يُعلن عن لحظة اتحاد الفكر بالوجود، إنه وعي يتأسّس في ذاته لا في فكرٍ عنها.
وبهذا يتجاوز ديكارت المنطق الأرسطي دون أن يسقط في الذاتية المجرّدة، لأن البداهة عنده صواب كوني  (lumière naturelle)  وليس شعورًا فرديًا.

الخاتمة

وخلاصة القول، إن القراءة القياسية التي يقدّمها سعيد فودة للكوجيتو تُخضع المبدأ الديكارتي لمنطقٍ تجاوزه ديكارت نفسه.
وأما القراءة الوجودية التي يدافع عنها أبو يعرب المرزوقي فتنسجم مع روح النصوص الديكارتية ومع تأويلات هايدغر وماريون وغيلسون وكريشمارينو، إذ ترى في الكوجيتو تجربة انكشافٍ للكينونة في فعل الفكر، حيث الفكر لا "يبرهن" على وجوده، بل يشهده ويعيه في آنٍ واحد.

قائمة المراجع

Crîșmăreanu, Florin. La question du premier principe. Université « Alexandru Ioan Cuza » de Iași, 2010.

Descartes, René. Œuvres de Descartes, éd. Charles Adam & Paul Tannery, vol. VII. Paris: Vrin–CNRS, 1964.

Gilson, Étienne. Études sur le rôle de la pensée médiévale dans la formation du système cartésien. Paris: Vrin, 1930.

Heidegger, Martin. Sein und Zeit. Tübingen: Niemeyer Verlag, 1927.

Marion, Jean-Luc. Sur le prisme métaphysique de Descartes et les raisons de la foi. Paris: PUF, 1986.

ديكارت، رينيه.  تأملات في الفلسفة الأولى.  ترجمة وتقديم وتعليق عثمان أمين. القاهرة: المركز القومي للترجمة، سلسلة ميراث، 2009.

فودة، سعيد عبد اللطيف.  تدعيم المنطق.  عمّان: دار النور المبين للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 2013.

 

[1]  فودة، سعيد عبد اللطيف. تدعيم المنطق. عمّان: دار النور المبين للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 2013. الملحق الأول، ص: 244.

[2]  المصدر نفسه. ص: 245.