منذ أزمان بعيدة والإنسان يردد في ضميره أسئلة عويصة تتصل بمصيره ووجوده، أسئلة لا يفتأ يعود إليها جيلا بعد جيل دون أن يبلغ فيها قولا فاصلا أو حلا قاطعا. فمن ذلك ما استقر في وجدان الفكر العربي من تساؤلات ملحة: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ وهل يمكن استرداد الحقوق المغتصبة بقوة القانون أم أن قانون القوة يظل هو الغالب في عالم تتنازعه المصالح والصراعات؟ وهذه الأسئلة التي تمس مصير الأمم ليست بعيدة في جوهرها عن تلك المسائل الكبرى التي شغلت الفلسفة منذ نشأتها الأولى، كالسؤال الذي صاغه الفيلسوف "لايبنتز": لماذا يوجد شيء بدل ألا يوجد شيء؟ وهي من جملة القضايا التي درج الفلاسفة على عدها من المسائل الخالدة التي لا تنفك الفلسفة تعاود النظر فيها كلما تبدلت العصور وتغيرت أحوال البشر.
وفي خضم هذا التراث الطويل من التساؤل والتفكير برز في الفكر المعاصر اسم الفيلسوف الفرنسي "إدغار موران" بوصفه واحدا من أولئك الذين سعوا إلى إعادة النظر في أسس المعرفة الإنسانية، لا من طريق تقديم أجوبة نهائية حاسمة، وإنما من خلال الدعوة إلى نمط جديد من التفكير يعترف بتعقد الواقع وتشابك عناصره. فقد رأى موران أن كثيرا من مشكلات الفكر المعاصر إنما تعود إلى هيمنة ما سماه "براديغم التبسيط"، ذلك النمط من التفكير الذي درج على تفكيك الظواهر واختزالها في عناصر منفصلة، ثم محاولة فهمها بعد ذلك وكأنها كيانات مستقلة عن سياقها العام. أما الواقع في نظره فليس كذلك، إذ هو نسيج متداخل تتشابك فيه الأبعاد الطبيعية والإنسانية والتاريخية والثقافية على نحو لا يسمح بفصل بعضها عن بعض إلا على سبيل التجريد المؤقت.
ومن هنا جاءت دعوته إلى ما سماه "فكر التعقيد"، وهو منهج في النظر يسعى إلى وصل ما انقطع ورد الأجزاء إلى كلياتها والنظر إلى الظواهر بوصفها أنظمة متداخلة لا يفهم أحدها إلا في علاقته بسائرها. وقد تجلت هذه الرؤية بوضوح في مشروعه الفكري الكبير الذي بسطه في موسوعته المعروفة ب"المنهج"، حيث حاول أن يعيد تنظيم الفكر العلمي والفلسفي على أساس مبادئ الترابط والتنظيم الذاتي والحوار بين المعارف.
غير أن ما يلفت النظر في تلقي أعمال الفلاسفة، ومنهم موران، هو ميل كثير من القراء إلى تحويل المفكر إلى سلطة فكرية مكتملة يرجع إليها في طلب الحلول النهائية، بدلا من النظر إلى فكره باعتباره محطة في مسار طويل من البحث الإنساني المتجدد. والحال أن قوة المفكر الحق لا تكمن في قدرته على إغلاق الأسئلة، وإنما في قدرته على فتح أفاق جديدة للتفكير. وهذا ما يصدق على موران، إذ إن مشروعه لا يدعي امتلاك الحقيقة الكاملة، وإنما يقترح مسارا للتفكير يظل قابلا للنقد والمراجعة والتطوير.
ولعل في تاريخ الفكر أمثلة كثيرة على الكيفية التي يتحول بها المفكر العظيم، بفعل تلامذته أو قرائه، إلى مرجع نهائي يغلق باب الاجتهاد، مع أن أعماله كانت في الأصل دعوة إلى البحث والتجديد. فكثيرا ما يصبح الأتباع أشد حرصا على حفظ التراث من صاحبه نفسه، فينصرفون إلى شرح النصوص والتعليق عليها، بدلا من توسيع أفاقها وفتحها على قضايا جديدة. غير أن موران في مسيرته الفكرية ظل بعيدا عن هذا النموذج، فقد حرص دائما على إبقاء فكره مفتوحا على الحوار مع مختلف التخصصات، من البيولوجيا والفيزياء إلى علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة.
وإذا نظرنا إلى فكر موران من منظور التاريخ لا من منظور النص الجامد أدركنا أن قيمته لا تكمن في كونه نسقا فلسفيا مغلقا، وإنما في كونه لحظة فكرية فتحت وستفتح أبوابا جديدة للتأمل في علاقة الإنسان بالمعرفة والعالم. فقد أعاد الاعتبار لفكرة الترابط بين المعارف، ودعا إلى تجاوز الحدود الصارمة التي فصلت طويلا بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، مؤكدا أن فهم الإنسان يقتضي جمع هذه المعارف في أفق واحد.
ولذلك فان أهمية إدغار موران لا تقاس بما صاغه من مفاهيم فحسب، وإنما بما أثاره من دينامية فكرية داخل ميادين متعددة من البحث. ففكره في جوهره دعوة إلى إعادة التفكير في شروط المعرفة الإنسانية ذاتها، وإلى إدراك أن العالم الذي نعيش فيه يزداد تعقيدا يوما بعد يوم، وأن فهمه يقتضي عقلا قادرا على احتضان هذا التعقيد لا الهروب منه.
ومن هنا تبقى قيمة الفيلسوف في نهاية المطاف رهينة بما يفتحه من أفاق أمام الأجيال اللاحقة، وبما يثيره من أسئلة تتجاوز حدود زمانه. فالفكر لا يحيا إلا بالحوار والنقد وتبدل الاهتمامات، وما من مفكر عظيم إلا وكان في آن واحد ثمرة لتاريخه وبداية لتاريخ جديد من التفكير. وفي هذا المعنى يمكن القول: "إن فكر موران يظل دعوة مفتوحة إلى مواصلة البحث، لا خاتمة له".