اَلْإِرَادَةُ الْمُؤَدِّيَةُ إلَى فِعْلِ الْإِيمَانِ* - تأليف: وِلْيام جِيمْس - ترجمة: د. أحمد فريحي**

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

تقديم:
1. في ترجمة عنوان المقالة
ورد العنوان بالصِّيغة الإنجليزية الآتية: The Will to Believe، وتُرجم إلى العربية على نطاقٍ واسعٍ بالعبارة الآتية: "إرادة الاعتقاد".[1] لكن لو ترجمنا عبارة "إرادة الاعتقاد" إلى الإنجليزية لاتخذت الصِّيغة الآتية: The Will of Belief، لكنَّ هذه العبارة لم ترد بهذه الصِّيغة في العنوان، أيْ لم تتضمن علاقة إضافة، أي إضافة الإرادة إلى الاعتقاد، وإنّما تضمنت علاقة إسناد، أي إسناد فعل الإيمان =to believe، إلى الإرادة=The Will، ولهذا، فهي تتألف من اسم معرَّف هو "الإرادة"، وحرف "إلى=to"، ومن بعده فعل في صيغة المضارع "'تؤمن' أو 'تعتقد'". فلفظ "The Will"، محسوم في أمر ترجته، إذ يدل على الإرادة المعرفة بأداة التّعريف الواردة لفظا، لكنّ الحرف "to" يدلُ على 'الحركة في الاتجاه'،[2] ويدل على 'انتهاء الغاية'، بمعنى 'حتى'،[3] ويستعمل قبل الفعل في حال المضارعة[4] (infinitive=حال أصلية مجردة من الزَّمن، وخالية من التَّصريف)، الّذي قد يرد بدون فعل لمَّا يكونُ الفعل المحذوف مفهوما. أمَّا الفعل المضارع "believe"، فالمقصود به، حسب سياق المقال وموضوعها، "تؤمن"، وليس "تعتقد"، لأنَّ الإيمانَ Believe أشملُ من الاعتقاد Faith، بخلاف ما هو مشاع عند الكثير؛ فالاعتقادُ مخصوص بديانة محدَّدة، والإيمان أوسع؛[5] ثم إنّ المقالة الَّتي نحنُ بصدد ترجمتها، هي محاضرة ألقيت في كلية دينية، وموضوعها ديني بالأساس، قال وليام جيمس في كتابه "البراغماتية" متحدّثا عن تطبيق مبدأ البراغماتية في الدّين: « لقدْ ظلَّ هذا المبدأ [مبدأ البراغماتية الذي وضعه تشارلز ساندرز پورس] في طيِّ النِّسيان لمدة عشرين سنة دون أنْ ينتبه إليه أحد، إلى أنْ ألقيتُ محاضرة أمام المجمع الفلسفي الَّذي يترأسُه الأستاذ هوسون بجامعة كاليفورنيا، وعرضتُ لهذا المبدأ مرة أخرى، وطبقتُه على الدِّين بالخصوص. وبحلول سنة 1898 كانتِ الفترة مواتية لقَبولِ لفظ "البراغماتية"، وانتشر بعد ذلك في الآفاق، على صفحات المجلات الفلسفية.». [6] 

 لقد استعمل وليام جيمس لفظ faith بمعنيين في هذه المقالة: المعنى الأول هو الاعتقاد الدّيني، الّذي أشار إليه بقوله في المقدمة: « فقدْ أحضرتُ معي اللَّيلةَ ما يُشْبهُ موعظةً حولَ تبريرِ الاعتقاد لألقيها عليكم، أي مقالةً في تبريرِ الاعتقاد الديني، وفي الدِّفاع عنْ حَقنا في تبني موقفٍ إيمانيٍّ في الأمور الدِّينية، على الرّغم منْ أنَّ عقلَنا المنطقيَّ المجرد لمْ يكره على الإيمان بها. ولهذا، فعنوانَ مقالتي هو "الإرادةُ المؤدية إلى فعل الإيمان"».[7] فذكر لفظ faith ليشير به إلى الاعتقاد الديني، وهذا من خلال الإضافة، وذكر فعل الإيمان to believe لشير به إلى الإيمان على نحو مطلق وعام؛ ثم استعمله ثانيا للدلالة على الثقة في الفقرة 33 لما قال: « وحيثما يمكن للاعتقاد [بمعنى الثقة] في الحقيقة أن يساعد في خلق الحقيقة، فسيكون المنطق الذي يقول: إن الإيمان الذي يسبق الأدلة العلمية هو "أدنى أنواع اللاأخلاقية" التي يمكن أن يسقط فيها كائن مفكر، يعتبرُ منطقاً مجنوناً.».[8]

وما دامت البراغماتية تركز على الفعل، والأثر، والنَّتيجة، فإنَّها تعتبر فعل الإيمان خاضع للإرادة، وهذه الأخيرة هي الَّتي تدفع الشَّخص للإيمان، ولهذا كانت ترجمتُنا للعنوان بصيغة: "الإرادة المؤدية إلى فعل الإيمان"، لنبيِّن أنَّ العنوان فيه تنبيه، ويشيرُ إلى أنَّ فعل الإيمان خاضعٌ لإرادة الفرد ورغبته ومُيوله ونُزوعه، وليس خاضعا لسلطة العقل أو سلطة الدَّليل، وهذا ينسجمُ مع مضمون المقالة برمتها كما سيتبيَّن من خلال الاطلاع على مضامينها.

2. توطئة لفهم المقالة

لاَ إكراهَ في الإيمانِ، وكلُّ ما يُعرَضُ علينا لنُؤمنَ بِهِ ليس سوى فرضية، قدْ تَعْنِينا في شيءٍ، وتروقُ لنا، ونتفاعلُ معها نفسياً واجتماعياً، وبذلك تكونُ فرضيةً حيةً؛ وقد لا تروقُ لنا، ولا تَعنِينا في شيءٍ، فنغضُ الطَّرف عنْها، وبذلك تكونُ مجردَ فرضيةٍ ميِّتةٍ، أكلَ الدَّهر عليها وشَرِب. إنَّ موتَ الفرضيةِ وحياتَها ليستا صِفتيْن ثابتتيْن في الفَرضيةِ، وإنَّما لهُما علاقة بالفَرْدِ الَّذي تدفعُه الإرادةُ إلى اختيار هذه الفرضية أو تلك بما يتناسبُ مع نوازِعِه، وثقافتِه المُسيطرة، وأنواعِ السُّلطةِ المُتحكِّمة فيه. ولهذا، فإنَّنا نختارُ بمحض إرادتِنا الإيمانَ أو عدمَ الإيمانِ، وعلى الرَّغم من أنَّنا نكونُ في بعض الحالات مُجبرينَ على الاختيارِ، إذا كانَ هذا الاختيارُ مُجبراً وقسرياً ولا محيد عنه، فإنَّنا نكونُ في حالاتٍ أخرى غير مُجبرين على الاختيار، وبذلك يكونُ هذا الاختيارُ غير مُجْبِر لنا، فيُمكنُنا تفادِيه، وقد يكونُ هذا الاختيارُ أحيانا مفيداً لنا، ومصيرياً وذا أهمية بالغة في حياتنا، فيما يكونُ في حالات أخرى اختياراً تافهاً لا طائلَ من ورائِه.

إنَّ الإيمانَ لا يخضعُ لسُلطة العقلِ، ولا يخضعُ لمعايير المَنطق، وليس لهُ أساسٌ موضوعيٌّ تجريبي؛ وإنَّما يخضعُ، فيما يخضع له، للعاطفةِ، أو الوجدانِ، أو الرَّغبة، أو المُيول، أو النُّزوع النَّفسي الفردي، أو النُّزوع الاجتماعي المُشترك، أو الخوف، أو الأمل، أو التَّحيُّز، أو الضَّغط الَّذي تمارسُه الجَماعة على الأفراد... الَّتي تُكوِّن جميعاً الإرادة؛ فهذه الأخيرة هي الَّتي تدفعُ الإنسانَ إلى فعلِ الإيمانِ، وهي الَّتي تُقرِّر وتَختارُ؛ وينبغي أنَ يكونَ لها مبررٌ ذاتي للاختيار، يرتبطُ بما هو نفسي أو اجتماعي، لكن هذا لا يعني أنَّ الاختيارَ يكون اعتباطياً، وإنَّما ينبغي أنْ يكونَ ما نختارُه لنؤمنَ به أمراً حياً، وقسرياً، وبالغ الأهمية. ولا يوجدُ إيمانٌ على الإطلاق بدونِ مُيولٍ ونُزوعٍ مُسبقٍ.

لو كانَ الإيمانُ يخضعُ للعقلِ، ويقتضي وجودَ دليلٍ صارمٍ يقوم عليه، كما يعتقدُ أصحاب المذهب الدَّليلي الصَّارم من أمثال وليام كنغدون كليفورد، لكانَ كلُّ ما نُؤمنُ به من قضايا في كلِّ المجالات الاجتماعية، والسِّياسية، والاقتصادية، والفلسفية...كذلك؛ والواقع أنَّنا نؤمنُ بها، ونؤمنُ بغيرها بدون وجود أيِّ دليل يُذكر، ولا نعلمُ كيفَ ولمَ آمنا بها. ولو كانَ للإيمانِ أساسٌ موضوعيٌّ وتجريبي، كما يعتقدُ التَّجريبيون من أمثال جون لوك، لمَا وجدنا بعض الفرضياتِ العلمية تافهةً، ولمَا تخَلينا عنها.

إذا خُيِّرنا بين الإيمانِ وعدمِ الإيمان، فلا دليلَ يذكرُ على إيماننا، ولا دليلَ يذكر على عدم إيماننا، بمعنى أنَّه لا يستطيعُ أحدٌ إثبات صدقِ إيمانِه بالدَّليل العقلي والتَّجريبي، ولا يستطيعُ أحدٌ إثباتَ عدم صِدق إيمانِ غيره بالدَّليل العقلي والتَّجريبي؛ لكن هذا لا يجعلُ عدمَ الإيمان هو الاختيارُ الأسمى، والكفةُ الرَّاجحة، وبذلك يتساوى مع الإيمان، لأنَّ عدمَ وجود دليلٍ عليهما معاً، لا يجعلهُما يتساويان من حيثُ الإفادةُ، فعدمُ الإيمانِ سلبٌ وعدمٌ، والإيمانُ إيجابٌ، وإذا كانَ الإيمانُ إيماناً ذاتياً وطوعياً ومبرراً، فهو الاختيارُ الأصوب، إذا ارتبطَ بما يُعنينا ونستفيدُ منه نحن وغيرنا، وإذا كان يدفعُنا لفعل ما هو أفضل.

هذه خلاصةٌ مُوجزةٌ جداً لمقالة وليام جيمس، الَّتي أثبتَ فيها مُبررات الإيمان الطَّوعي والإرادي، المُجرد من الإكراهِ السُّلطوي، ومن الإكراهِ العقلي، ومن الإكراهِ الموضوعي، وخلُصَ فيها إلى أنَّ الإيمانَ اختيارٌ ذاتيٌّ، تتحكمُ فيه النَّوازع النَّفسية، والشُّروط الاجتماعية؛ ولا ضَيْرَ في إيمانٍ ينفعُ، ولا جَدوى من شكٍ دائمٍ، ومن عدمِ إيمانٍ لا ينفعُ. وإليكم نص المقالة:   

نَصُ الْمَقالةِ الْمُترجَمَةِ: 

[1][1] وردتْ قصةٌ في "السِّيرة الذَّاتية" الَّتي نشرَها ليزلي ستيفن[9] مؤخراً، عن شقيقه فيتز- جيمس ستيفن،[10] تحكي هذه القِصة عن المَدرسةِ الَّتي التحقَ بها هذا الأخيرُ لمَّا كانَ صبيًا. فقد كانَ المُعلِّمُ، السَّيد غيست، عادةً ما يَتحدَّثُ مع تلامذتِه على هذا النَّحو: "ما الفرقُ بينَ العِصْمَةِ والتَّطهُّرِ يا جورني؟ أثبتْ قُدرةَ اللهِ المُطلقةِ يا استيفن" إلخ . ففي خضم تفكيرنا الحُر والموضوعي في جامعة هارفارد، كنَّا نتخيّل أنَّ التَّحاوُر هنا في كليتكم الأرثوذكسية المُحافظة، والخيِّرة، والعتيقة لا يزالُ يجري على ذلك المِنوال؛ ولكيْ أُبيِّن لكمْ أنَّنا في جامعة هارفارد لمْ نفْقِدْ كلَّ اهتمامِنا بهذه المواضيع الحيوية، فقدْ أحضرتُ معي اللَّيلةَ ما يُشْبهُ موعظةً حولَ تبريرِ الاعتقاد لألقيها عليكم، أي مقالةً في تبريرِ الاعتقاد الدِّيني، وفي الدِّفاع عنْ حَقنا في تبني موقفٍ إيمانيٍّ في الأمور الدِّينية، هذا على الرّغم منْ أنَّ عقلَنا المنطقيَّ المُجرَّد [2] لمْ يُجْبَر على الإيمانِ بها. ولهذا، فعنوانَ مقالتي هو "الإرادةُ المُؤدية إلى فعلِ الإيمانِ".

[2] لقد دافعتُ أمامَ طُلابي، منذ فترةٍ طويلةٍ، عنْ شرعيةِ الاعتقاد الدِّيني الَّذي يتمُ تبنِّيه على نحوٍ إراديٍّ بدونِ إكراهٍ؛ لكنَّهم لمَّا تشبَّعوا جيدًا بالرُّوح المَنطقيةِ، رفضوا قَبولَ دفاعي كقاعدةٍ شرعيةٍ منَ النَّاحية الفلسفيةِ، هذا على الرّغم من أنَّهم، هم أنفسُهم، كانوا طوالَ الوقت مُفْعَمينَ ببعض الاعتقاد الدِّيني على المُستوى الشَّخصي. ومهْما يكن، فأنَا دائماً على قناعةٍ تامةٍ بأنَّ موقفي صحيحٌ، وأنَّ دعوتَكم لي بدتْ مناسبةً مواتية لجعلِ تصريحاتي أكثر وضوحًا. وأتمنى أنْ تكونَ أذهانُكم أكثر انفتاحاً من تلك الَّتي كانَ عليّ التَّعامُل معها من قبلُ. وعلى الرَّغم من أنَّني سأتجنبُ التَّعقيدَ التِّقنيَّ في تناولِ الموضوعِ قدرَ مَا أستطيعُ، فإنَّه يبدو لي من الواجبِ أنْ أبدأ بوضعِ بعضِ الفُروق التِّقنيةِ الَّتي ستُساعدُنا في فهمِ المَوضوعِ في النِّهاية.

1.

[3] لنُسَمِّ أيَّ شيءٍ يُمكنُ أنْ يُقتَرحَ علينا لكيْ نُؤمنَ به فرضيةً؛ وعلى غرارِ ما يتحدَّثُ عنه الكهربائيون بالأسلاكِ الحيةِ والأسلاكِ المَيتةِ، فلنتحدَّث نحنُ عن أيِّ فرضيةٍ باعتبارها إمَّا فرضيةً حيةً أو فرضيةً ميتةً. فالفرضيةُ الحيةُ هي الَّتي تروقُ لمنْ تُقترح عليه باعتبارِها إمكانيةً واقعيةً. فإذا دعوتُكم، على سبيل المثال، أنْ تؤمنوا بالمَهدي المُنتظر، فإنَّ الفِكرةَ لا تَربطُ أيَّ اتصالٍ كهربائيٍّ مع طبيعتِكم، وتعجزُ مُطلقاً أنْ تُطلِقَ أيَّ شرارةٍ مع أيِّ مِصداقيةٍ لديكم. وذلك لأنَّها فرضيةٌ ميتةٌ على نحوٍ تامٍ. أمَّا بالنِّسبة إلى العربيِّ، وإنْ لمْ يكنْ شيعياً من أتباع المَهدي، فهذه الفرضيةُ تُوجدُ من احتمالاتِ العقلِ عندَه، أي تكونُ فرضيةً حيةً. وهذا يُبيِّنُ بوضوحٍ أنَّ موتَ وحياةَ الفرضيةِ ليستَا خَاصِيتَيْنِ جَوهَريتين فيهما، ولكنهُما علاقتان ترتبطانِ بالمُفكِّرِ الفَرد. ويتمُ قياسُهُما من خلالِ إرادتِه في الفِعلِ. إنَّ القدرَ الأقصى الَّذي يجعلُ الفرضيةَ حيةً يعْني الإرادةَ في الفعلِ على نحو لا محيد عنه. وهذا يعني الإيمانَ، من النَّاحيةِ العَمليةِ؛ لكن، فحيثما تكونُ إرادةٌ في الفعلِ، يوجدُ ميولٌ نحو الإيمانِ.

[4] لنُسمِّ اتخاذَ قرارٍ بين فرضيتين اختيارًا. ويمكنُ أنْ يكونَ هذا الاختيارُ منْ عدةِ أصنافٍ. فقدْ يكونُ أولا، إمَّا اختياراً حياً أو اختياراً ميتاً؛ وقدْ يكونُ ثانياً، إمَّا اختياراً قسرياً أو اختياراً يمكنُ تَفَادِيه؛ وقدْ يكونُ ثالثا، إمَّا اختياراَ بالغِ الأهمية أو اختياراً تافهاً؛ ومن أجلِ التَّعبيرِ عن هَدفِنا، يُمكنُنا أنْ نُسمِّي الاختيارَ اختيارًا حقيقيًا لمَّا يكونُ اختياراً قسرياً، وحياً، وبالغَ الأهمية.

أ. إنَّ الاختيارَ الحيَّ هو الاختيارُ الَّذي تكونُ فيه الفرضيتان حيتيْنِ. فإذا قلتُ لك: "كُنْ صُوفياً أو كُنْ مُسْلِما"، فمنَ المُحتملِ أنْ يكونَ هذا الاختيار اختيارًا ميتًا، لأنَّه بالنِّسبةِ إليكَ من غير المُرجح أنْ تكونَ أيُّ واحدةٍ من الفرضِيتيْن حيةً. ولكنْ إذا قلتُ: "كُنْ لاأدرياً أو كُنْ مَسيحياً،" فإن الأمرُ بخلاف ذلكَ: فكلُّ فرضيةٍ من الفرضيتيْن تثيرُ إيمانَكَ، مهما كانتْ هينةً.

ب. ثم إنَّه، إذا قلتُ لكَ: "اخترِ الخُروجِ بمظلتِك أو بدونِها"، فإنني لا أعرضُ عليك اختياراً حقيقياً، لأنَّه ليس اختياراً قسرياً. إنَّه اختيار يُمكنكَ تفاديه بسهولةٍ بعدمِ الخُروجِ أصلا. وعلى غرارِ ذلك، إذا قلتُ لكَ: "إمَّا أنْ تُحبَني أو تَكرَهني"، وإذ قلتُ لكَ: "إمَّا أنْ تسمِّيَ نظريتِي صادقةً، أو أن تُسمِّيها كاذبةً"، فإنَّ اختيارَكَ يمكنُ تفادِيه. فتظلَ غيرُ مبالٍ بي، ولا تكونُ مُحباً ولا كارهاً لي، ويمكنُ أنْ ترفُضَ إصدارَ أيَّ حُكمٍ على نظريتي. أمَّا إذا قلتُ: إمَّا أنْ تسلِّم بهذهِ الحَقيقة، أو لا تُسلِّم بها، فإنَّني وضعتُك أمام اختيارٍ قسريٍّ لا مَفَرَ منه، لأنَّه ليسَ لك بديلٌ خارجَ الاختيار. وكلُّ صُعوبةٍ في الاختيارِ قائمةٌ على انفصالٍ منطقيٍّ تامٍ، مع عدمِ وجودِ إمكانيةِ عدمِ الاختيارِ، والاختيارُ من هذا النَّوعِ قَسْريٌّ.

ت. وأخيرًا، لو كنتُ الدُّكتور نانسن[11] واقترحتُ عليك مُرافقتي إلى رحلةٍ سأقوم بها إلى القُطب الشَّمالي، فسيكونُ اختيارُكَ بالغُ الأهميةِ؛ لأنَّه ربما تكونُ هذه فرصتُك الوحيدةُ المُماثلةُ، ويكون اختيارُك الآن إمَّا أنْ يستبعدَك تماماً من الشُّهرةِ الفائقةِ في القطبِ الشَّماليِّ أو يضعَ، على الأقل، فرصةَ تحْقيقِها بينَ يديْك. ومن يرفُضُ اغتنامَ فُرصةٍ فَريدةٍ يَخْسرُ الجائزةَ بالتَّأكيدِ كما لو أنَّهُ حاولَ وفشلَ. وعلى العكس من ذلك، يكونُ الاختيارُ تافهًا لمَّا لا تكونُ الفرصةُ فريدةً، أو لمَّا تكونُ المكافأةُ ضئيلةٌ، أو لمَّا يكونُ القرارُ قابلاً للتَّراجعِ إذا ثبتَ لاحقًا أنَّه قرارٌ غيرُ حَكيمٍ. ومثلُ هذهِ الاختياراتِ التَّافهةِ تكثرُ في الحياةِ العَلميةِ. فالكيميائيُّ يجدُ فرضيةً حَيةً بما يكفي ليقْضي سَنةً في التَّحقُّقِ منها: يعْني أنَّه يؤمنُ بها إلى هذا الحدِ. ولكنْ إذا أثبتتْ تجاربُه أنَّ هذه الفرضية غيرُ حاسمةٍ في كلتا الحالتيْن، فسيتمُ تركُها لتفادِي إضاعةِ الوقتِ، دونَ حُدوثِ أيِّ ضررٍ حيويٍّ.

[5]إذا وضعْنا كلَّ هذه الفُروق في الاعتبارِ، فإنَّ نقاشَنا سيكونُ أيْسر.

2.

[6] إنَّ الأمر التَّالي الَّذي يجبُ أخذُه بعينِ الاعتبارِ هو علمُ النَّفسِ الفعليِّ المؤسس للرأي البشري. فلمَّا ننظرُ إلى بعض الوقائع، يبدو كما لو أنَّ طبيعتَنا الوجدانية والإرادية تكمُن في جذورِ قناعاتِنا برُمتها. ولمَّا ننظرُ إلى وقائع أخرى، يبدو كما لو أنَّ طبيعتنا الوجدانية والإرادية لا تستطيعُ فعلَ أيَّ شيءٍ لمَّا يقولُ العقل كلمَتَه. فلنعْرِض للوقائَع الأخيرة أولاً.

[7] هَلِ الحديثُ عن كونِ آرائنا القابلة للتَّغيير حسبَ الإرادةِ يعتبرُ حديثا غيرَ معقولٍ في ظاهرِ الأمر؟ وهل يُمكنُ لإرادتنا أنْ تُساعدَ أو تَعوقَ عقلَنا في إدراكِه للحقيقةِ؟ وهلْ يُمكنُنا، بمحضِ إرادَتنا، أنْ نُؤمنَ بأنَّ وجودَ أبراهام لينكولن ليس سوى أسطورةً، وأنَّ كلَّ صورةِ منْ صوَّره في مجلةِ ماكلور هي صوَّرٌ لشخصٍ آخر؟ وهلْ يُمكنُنا، بأيِّ جهدٍ من إرادَتنا، أو بأيِّ قوةٍ من الرَّغبةِ في أنْ يكونَ ذلك صحيحًا، بأنْ نُؤمن بأنَّنا في صحة جيدة، ونحنُ نجدُ صعوبةً في التَّنفس بسبب الزُّكام، ونكونُ طريحي الفِراش؛ أو أنْ نشعرَ باليقين بأنَّ حاصل ورقتيْن نقديتيْن من فئة دولارٍ واحدٍ في جيبنا يجبُ أنْ يكونَ مائةَ دولارٍ؟ إنَّنا يُمكن أنْ نقولَ أيًا من هذهِ الأمور، لكنَّنا عاجزونَ تمامًا عن الإيمانِ بها؛ ومِن مثلِ هذهِ الأشياءِ، يتكوَّنُ النسيجُ الكاملُ للحقائقِ الَّتي نُؤمنُ بها، وكما قالَ ديفيد هيوم، إنَّ أمورَ الواقعِ، المُباشرة أو البعيدة، وإنَّ العلاقاتِ بين الأفكار، الَّتي إمَّا أنْ تكونَ أو لا تكون بالنِّسبة إلينا إذا كنَّا نراهَا كذلك، وإذا لمْ نكن نراها كذلك، فلا يُمكنُ وضعُها في  أيِّ فعلٍ من أفعالِنا".[12]

[8] لقد وردَ في كتاب "الخواطر" لپليز پاسكال[13] نصٌ مشهورٌ يُعرَفُ في الأدبِياتِ باسمِ رِهَان پاسكال. يُحَاولُ فيه هذا الأخير إجبارَنا على اعتناق المسيحية بالحُجةِ، وكأنَّ اهتمَامَنا بالحقيقةِ يُشبه اهتمامَنا بمَخاطِر لعبةِ الحَظِ. وقد تُرجمتْ عِباراتُه على نحوٍ صريحٍ كالآتي: إذا كانَ يجبُ عليكَ لا محالة، إمَّا أنْ تؤمن بأنَّ اللهَ يُوجدُ، أو لا تُؤمن بأنَّه يُوجدُ، فأيُّهُما ستخْتارُ؟ فعقلُك البشريُّ ليسَ بمقدُوره أنْ يَختارَ أيّ واحد منهما. غيرَ أنَّ هناك لُعبةٌ تجري بينكَ وبينَ طبيعة الأشياءِ، الَّتي ستخرجُ يومَ الحِسابِ، إمَّا وجهاً [جنةً] أو ظهْراً [جَهنمَ]. فَزِنْ ما ستكونُ عليه مكاسبُكَ، وما ستكونُ عليه خسائِرُك لو راهنْتَ بكلِّ ما لديكَ على الوجه، أو على وجودِ اللهِ: فلو فُزتَ في هذه الحال، فإنَّك ستنالُ السَّعادة الأبدية؛ ولوْ خَسِرْت، فلنْ تخسرَ شيئًا على الإطلاقِ. ولو كانَ لديكَ عددٌ لا نهائيٌّ من الفُرصِ، وكانت لكَ فرصةٌ واحدةٌ فقط من أجلِ الله في هذا الرِّهان، فلا يَزال يتعيَّن عليك أنْ تُراهنَ بكلِّ ما لديْك عليه؛ لأنَّه على الرَّغم من أنَّك تُخاطرُ بالتَّأكيد بخسارةٍ مَحدودةٍ من خلال هذا الإجراء، فإنَّ أيَّ خسارةٍ مَحدودةٍ تكونُ معقولةً، فحتَّى خسارةً مُعينةً تكونُ معقولةً، إذا لمْ يكنْ هناك سوى إمكانيةٌ واحدةٌ لتحقيقِ مَكسبٍ لا نهائيٍّ. وعليه، اذهبْ وتطهَّر بالمَاءَ المقدَّسَ، وأقِمِ القدَّاسَ. فإنَّ الإيمانَ سيأتي، وسيذهلُك وازعُكَ، وهذا سيجعلُك تُؤمِنُ وتطمئنْ.[14] لمَ لا ينْبغي لكَ أنْ تُؤمنْ؟ ولِمَ تفضِّلُ أن تكونُ في الجَحيم، فماذا ستخسرُ؟

[9] ربما تشْعُرُ أنَّه لمَّا يُعبِّرُ الاعتقادُ الدِّينيُّ عن نفْسِه بهذه الطَّريقةِ، أي بلُغةِ طاولة الرِّهان، فإنَّ سهمَه سيكونُ هو الرَّابح. ومن المُؤكد أنَّ إيمانَ پاسكال الشَّخصيِّ بإقامة القُدَّاس والتَّطهُّر بالماءِ المُقدَّسِ كان له مآربَ أخرى بعيدة؛ وهذا النَّصُ الشَّهير من كتابهِ ليس سوى حُجة لإقناع الآخرين، وهو خطوةٌ يائسةٌ أخيرة اتخذها كسلاح ضد فضاضة قلبِ الكفَّار. إنَّنا نشعر أنَّ الإيمانَ بإقامة القُدَّاسِ وبالتَّطهُّر بالماءِ المقدَّسِ الَّذي تم تبنِّيه عن قصدٍ بهذه الحِساب الميكانيكي [الَّذي قدَّمه پاسكال] يفتقرُ إلى الرُّوحِ الجوهرية لحقيقة الاعتقاد الدِّيني؛ فلو كنا من أهلِ الله، فلربما كانَ من الأفضلِ أنْ نستمتِّع بحرمان غير المؤمنين من مكافأتهم الخَالدة. من الواضحِ أنَّه ما لمْ يكنْ هناك ميلٌ ونزوعٌ حاصلٌ مسبقًا نحو الإيمانِ بإقامةِ القدَّاسِ وبالتَّطهُّر بالماءِ المقدَّسِ، فإنَّ الاختيار الَّذي قدَّمهُ پاسكال للإرادة ليس اختياراً حياً. فمن المُؤكدِ أنَّه لمْ يسبقْ لأيِّ تُركيٍّ أنْ ذهبَ لإقامة القدَّاس، وقامَ بالتَّطهُّر بالماء المقدَّس؛ وحتَّى بالنِّسبةِ إلينا نحنُ البروتستانتيين، تبدو هذه مستحيلاتٌ مُتوقعةٌ لدرجةِ أنَّ منطقَ پاسكال، الَّذي استدلَ به لإقناعهم، يجعلُنا غير مقتنعين. وعلى غرار ذلك، فإذا قال لنا المَهديُّ المنتظر: "أنا المهديُّ المنتظرُ الَّذي خلقَه اللهُ بنُوره. ستكونُون سعداء للغايةِ إذا آمنتم بي، وإلاَّ انقطع عنكم نور الله. فزنوا، إذن، مكاسبكم اللامتناهية، إذا كنتُ مهديا منتظرا حقيقياً مقابلَ تضحياتِكم المحدودة، وزنوا خسارتكم إذا لم أكن كذلك!"، فإنَّ منْطقَه سيكونُ هو منطقُ پاسكال؛ لكنَّه سيستعملُه لأجلنا بدونِ جدوى، لأنَّ الفرضيةَ الَّتي يقدِّمُها لنا ماتتْ. ولا يُوجدُ فينا أيُّ ميلٍ وأيُّ نزوعٍ للعملِ بمُوجِبها.

[10] قد يبدو الحديثُ عن الإيمانِ، الَّذي ينبعُ من إرادتِنا حديثاً ساذجاً من جهة. وقد يبدو، من جهة أخرى، حديثاً أسوأ من السَّذاجة، أيْ يبدو تافهاً. فلمَّا يلتفتُ المرءُ إلى صرحِ العلومِ الفيزيائيةِ العظيمِ، ويرى كيفَ بُني هذا الصَّرح؛ ويُدركُ كم من ألاف الحيوات الأخلاقية النَّزيهة لأناسٍ مدفونة في لبناتِه؛ ويدركُ كمْ من الصَّبر والإرجاء، وكمْ من الخَنْقِ الَّذي مُورِسَ على التَّفضيل والاختيار، وكمْ من الخُضوع للقوانين الصَّارمة للواقع الخارجي الَّتي تمت صياغتُها على حِجارته وإسمنْتِه؛ وكم هذا الواقعُ الخارجيٌّ موضوعيٌّ في عظمته الهائلة؛ فإذا أتى كلَّ عاطفيٍّ ضعيفٍ ينفخ أكاليلَ دخانِه الإرادية، ويتظاهرُ بأنَّه يتخذُ قرارات من حُلمه الشَّخصي، فإنَّه لا يبدو سوى شخصاً مغروراً ومحتقراً ! فهل يُمكننا أنْ نعجبَ ممَّا إذا كان أولئك الذين نشأوا في مدرسة العِلم الصَّارم والقَوي يجبُ أنْ يشعروا وكأنَّهم يقذفون مثل هذه الذَّاتية من أفواهِهم؟ إنَّ نظام الولاءات الَّذي ينمو في مدارس العلم برُمته لا يتسامح مع هذه الذَّاتية؛ لذلك، فمن الطَّبيعي أنْ ينتقلَ أولئك الَّذين أصيبوا بالحُمى العلمية إلى الطَّرف المُتطرف، ويكتبوا أحيانًا كما لو أنَّ العقل الصَّادق غير القابل للفساد يجبُ أنْ يفضلَ تجرُّع كأسَ المَرارة مقابلَ قبول تذوُّق حلاوةِ القلب.

[11]لذلك نَجِدُ كلاوف[15] ينشدُ قوله:

إنَّ ما يُقَوِّي رُوحي لكي أعْرِفَ

أنَّه إذا مِتُ، فإِنَّ الحقيقةَ تموتُ معي

هذا في الوقت الَّذي يهتفُ فيه هاكسلي[16] بقوله: "إنَّ عزائي الوحيد يكمنُ في التَّأمل في أنَّه مهما بلغتْ درجةُ السُّوء الَّتي قد تصلُ إليها أجيالنُا القادمةُ، فإنَّها لنْ تصلَ إلى أدنى مستوى من الفَساد الأخلاقي، مادامتْ مُلتزمةً بالقاعدةِ الصَّريحة المتمثِّلة في عدمِ التَّظاهر بالإيمانِ بما ليس له سببٌ للإيمانِ به، هذا على الرَّغم من أنَّه قد يكونُ من مصلحتِها التَّظاهرُ بالإيمانِ." ويكتبُ ذلك الصَّبي المُبهج الشَّقي وليام كينغدون كليفورد قوله: "تنتَهكُ حُرمةُ الإيمان لمَّا يُقدِّم تصريحاتٍ غيرُ مبرهنٍ عليها، وغير مشكوكٍ فيها، بُغيةَ التَّسلي ومُتعة المؤمن الشَّخصية... إنَّ مَنْ يريدُ أنْ يستحقَ خيرًا من أمثاله في هذا الأمر، عليهِ أنْ يحرصَ على صفاءِ إيمانِه بتعصبٍ شديدٍ من الرِّعاية الغَيورة، خشيةَ أنْ يستندَ في أيِّ وقتٍ من الأوقات على شيءٍ تافهٍ، ويُصابَ بوصمةِ عارٍ لا يُمكن محوُّها أبدًا... فإذا تمَ قَبولُ الإيمانِ على أساسِ أدلةٍ غير كافيةٍ، فإنَّ المُتعة لا تكونُ مسلوبةً فحسب... وإنَّما هي خطيئةٌ أيضا، لأنَّها سُلبتْ في تحدٍ لواجبنا تجاهَ البشرية. وهذا الواجبُ هو حِماية أنفُسنا من مثلِ هذا الإيمانِ غير القائم على أدلة كحمايةِ أنفُسِنا من الطَّاعون، الَّذي قد يُسيطر على أجسادِنا في الحال، ثم ينتشرُ في بقية المدينة... إنَّه لمنَ الخطأ دومًا، وحيثما كان، وعند أيِّ كان، الإيمانُ بأيِّ شيءٍ بناءً على أدلةٍ غيرُ كافيةٍ".[17]

3.

[12] كلُّ هذا يبدو سليماً، حتَّى لمَّا يتمُ التَّعبيرُ عنه بعاطفةٍ جياشةٍ جداً كما فعل كليفورد من قبل. إذ يبدو من خلالِ قوله إنَّ الإرادةَ الحُرةَ، والرَّغبة البسيطة، المرتبطتان بمعتقداتنا، لا جدوى منهما، وهما ليستا سوى عجلة خامسة للعربة. ومع ذلك، فإذا افترض أيُّ شخصٍ أنَّ النَّظر العقلي هو ما يتبقى بعد أنْ تُزال الرَّغبةُ، والإرادةُ، والتَّفضيلُ الوجداني؛ أو إذا افترض أنَّ العقلَ الخالصَ هو ما يستقرُ بعد ذلك في آرائنا، فإنَّه سيكونُ في مُواجهةٍ مُباشرةٍ مع الوقائع.

[13] إنَّ فرضياتِنا المَيِّتة هي الفرضيات الوحيدة الَّتي ليس بمقدور طبيعتِنا الإرادية أنْ تُحيِّيها مرةً أخرى. لكن ما جَعلها تموتُ، بالنِّسبة إلينا هو، على الغالب، فعلٌ سابقٌ لطبيعتنا الإرادية في العداء لها. فلمَّا أقولُ "الطَّبيعة الإراديَّة"، فإنَّني لا أعني بها فقط تلك الإرادات المَدروسة الَّتي رُبما نشأتْ عنها عاداتٌ إيمانيَّةٌ لا محيدَ عنها الآن، وإنَّما أعني بها كلَّ عواملِ الإيمانِ من قبيل الخَوف، والأمَل، والتَّحيز، والعَاطفة، والتَّقليد، والتَّحزُب، والضَّغط على طائفتنا وعلى ميولنا. إنَّنا نجدُ أنفسَنا، في الواقع، مؤمنين، وبالصُّعوبة بمكان أنْ نعرفَ كيفَ آمنا أو لمَ آمنا. يطلقُ السَّيد بيلفور[18] اسم "السُّلطة" على كلِّ تلك المُؤثرات النَّاشئةِ عن المُناخ الفكري، والَّتي تجعلُ الفَرضياتِ بالنِّسبة إلينا إمَّا فرضياتٍ مُمكنةٍ، أو فرضياتٍ مُستحيلةٍ، وإمَّا فرضياتٍ حيةٍ أو فرضياتٍ مَيِّتةٍ. فنحنُ الآن في هذه القاعة، نُؤمنُ كلُّنا بوجود الجُزيئات، ونُؤمنُ بقانونِ حِفظ الطَّاقة، ونُؤمن بالدِّيمقراطية، ونُؤمنُ بالتَّقدُّم الضَّروري، ونُؤمنُ بالمذهب المسيحي البروتستانتي، ونُؤمنُ بواجب النِّضال من أجل "عقيدة مونرو الخالدة"؛ إنَّنا نُؤمن بكلِّ هذه الأمور دون معرفة أيِّ من الأسباب الَّتي تجعلُ ما نؤمنُ به يستحقُ اسم الإيمان. إنَّنا ننظرُ إلى هذه الأمور دون وضوحٍ داخليٍّ، وربما بوضوحٍ أقل بكثير، ممَّا قد يمتلكُه أيُّ شخصٍ لا يؤمنُ بها. فمن المُحتملِ أنَ يكونَ لعدم اتفاقِه معها بعض الأسس الَّتي تثبت استنتاجاتِه؛ أمَّا بالنسبة إلينا، فليس العقلٌ هو الَّذي يجعلُنا نؤمنُ بها، وإنَّما هيبةُ الآراء ومكانُتها، هي الَّتي تجعلُ الشَّرارة تنطلقُ منها وتضيءُ مَكامِن الاعتقادِ النَّائمة فينا. إنَّ عقلَنا راضٍ تمامًا، في تسعمائة وتسعة وتسعين حالة من كلِّ ألف واحد منا، إذا تمكنَ من العُثور على بعضِ الحُجج الَّتي من شأنها أنْ توجَه لمن ينتقدُ سذاجِتنا. إنَّ اعتقادَنا هو اعتقادٌ في اعتقادِ شخص آخر، وهذا هو الحال في أعظم الأمور. إنَّ إيمانَنا بالحقيقة، أي أنَّ هناك حقيقة، وأنَّ عقولَنا والحقيقة خُلقا لبعضهما بعض، أليس سوى إثبات وجداني للرغبة، يدعمُنا فيه نظامُنا الاجتماعي؟ إنَّنا نريدُ أنْ نحصلَ على الحَقيقة؛ ونريدُ أنْ نُؤمن بأنَّ تجاربَنا، ودراساتِنا، ونقاشاتِنا يجبُ أنْ تضعَنا في وضعٍ أفضلٍ وأفضلٍ تجاه الحقيقة باستمرار؛ وعلى هذا السَّبيل نتفقُ على محاربة حياتنا الفكرية. ولكن إذا سألَنا أحدُ المُتشككين البيرونيين بقولنا: كيفَ نعرفُ كلَّ هذا، فهلْ يمكنُ لمنطِقنا أنْ يجدَ إجابة؟ فجوابُه بالتأكيد هو: كلا ! لا يمكنُه ذلك. وعليه، فالمنطقُ ليس سوى إرادة ضد إرادة أخرى، ونحنُ على استعدادٍ للمضي قُدمًا في الحياة بناءً على ثقةٍ أو افتراضٍ لا يهتمُ المنطقُ باتخاذِه.

[14] وكقاعدة عامة، فبما أنَّنا نَكْفُرُ بكلَّ الوقائع والنَّظريات الَّتي لا فائدةَ تُرجى لنا منها، فإنَّ مشاعر كليفورد الكونية لا تجدُ أيَّ فائدة من المشاعر المسيحية. ثم إنَّ هاكسلي يهاجمُ الأساقفة، لأنَّه يعتبرُ أنَّ لا فائدةَ من الكهنوتية في مخطط حياته. وفي المقابل يَدينُ نيومان،[19] بالكاثوليكية الرُّومانية، ويجدُ كلَّ الأسباب الصَّالحة للبقاء فيها، لأنَّ النِّظام الكهنوتي بالنِّسبة إليه حاجةٌ عضويةٌ وبهجة. لمَ لا ينظرُ سوى عددٌ قليلٌ جدًا من "العلماء" إلى الأدلة على ما يُسمَّى التَّخاطُر؟ لأنَّهم يعتقدون، كما قالَ لي أحدُ علماء الأحياء الرَّائدين، والَّذي توفي الآن، أنَّه حتَّى لو كانَ هذا التَّخاطرُ صحيحًا، فيجبُ على العلماء أنْ يتواطؤوا جميعا لإبقائه مستوراً ومكبوتًا. فمن شأنه أنْ يُلغي توحيد الطَّبيعة وكلّ أنواع الأشياء الأخرى الَّتي بدونها لا يستطيعُ العلماءُ مواصلة مساعيهم. لكنْ لو أنَّ هذا الشَّخص بالذَّات قد عُرض عليه شيءٌ يمكنُ أنْ يفعلَه كعالم بالتَّخاطر، فربما لمْ يفحصِ الأدلة فحسب، وإنَّما ربما وجدها جيدةً بما فيه الكفاية. إنَّ هذا القانونَ ذاتَه الَّذي سيفرضُه علينا المنطقيون، إذا جاز لي أنْ أعطي اسم المنطقيين لأولئك الَّذين يستبعدون طبيعتنا الرَّاغبة هنا، لا يستند إلى أيُّ شيءٍ سوى إلى رغبتهِم الطَّبيعية في استبعادِ كلِّ العناصر الَّتي ليسَ بمقدورهم أنْ يجدوا لها فائدةً تُرجى في مَهَمَتهم المَنطقية.

[15] مِنَ الواضحِ إذن أنَّ طبيعتَنا غير العقلية تُؤثرُ في قناعاتِنا. فهناك ميولٌ وإراداتٌ وِجدانية تسبقُ الإيمانَ، وأخرى تأتي بعد الإيمانِ، وهذه الأخيرة فقط هي الَّتي فاتَ أوانُ حُصولِها؛ ولم يفتِ الأوانُ بعدُ لمَّا كان الفعلُ الوجداني السَّابق في اتجاهها بالفعل. إنَّ حجةَ پاسكال، بدلًا من أنْ تكونَ ضعيفة، فإنَّها تبدو حجةً قاطعةً، وهي الضَّربةُ الأخيرةُ اللازمة لإكمال إيماننا بالقُّدَّاس وبالماء المقدَّس. ومن الواضح أنَّ حالةَ الأشياء بعيدة كلَّ البعد عن البساطة؛ والنَّظر والمنطقُ الخالصُ، مهما كانَ ما يمكنُ أنْ يفعلاَه بشكل مثالي، فإنَّهما ليسا الشَّيءَ الوحيدَ الَّذي ينتجُ حقاً إيمانَنا.

4.

[16] بعد أنْ أدركنا هذا الوضع المُضطرب، فإنَّه من واجب أنْ نتساءلَ عمَّا إذا كان الأمرُ يستحقُ الاستنكارَ والشَّجْبَ، أو ما إذا كان، بخلاف ذلك، يجبُ علينا أنْ نتعاملَ معهُ كعنصر عادي في اتخاذ قرارتنا. إنَّ الأطروحة الَّتي أدافعُ عنها، يمكنُ عرضُها بإيجازٍ كالآتي: إنَّ طبيعَتنا الوِجدانيةَ لا يَحِقُ لها أنْ تُقرِّر على نحو شرعيٍّ فحسب، وإنَّما يَجبُ عليها، أنْ تخْتارَ من بين قَضيتين، لمَّا يكونُ الاختيارُ اختيارًا حقيقيًا، ولا يمكنُ لطبيعةِ هذا الاختيار أنْ يُحدَّد على أسسٍ عقليةٍ؛ لأنَّ القول،  تحتَ وطأةِ مثلِ هذه الظُّروف: "لا تتخذْ قراراً، واتركِ المَسألةَ مفتوحةً"، هو في حد ذاته قرارٌ وجدانيٌّ، تمامًا مثلَ اتخاذ قرارٍ بنعمٍ أو لا، ويُصاحبُه نفسُ الخَطرِ في ضياعِ الحَقيقة. أعتقدُ أنَّ هذِه الأطروحةَ الَّتي تم التَّعبيرُ عنها بصورةٍ تجريديةٍ، وستصبحُ واضحةً تمامًا عمَّا قريب. لكنْ يجبُ أنْ أغوصَ أولاً في المَزيد من العملِ التَّمهيدي.

5.

[17] نلاحظُ، في هذه المناقشة، أنَّنا نقفُ على أساسٍ "دُوغْمائي"، أي، أنَّنا نقفُ على أساسٍ يتركُ الشُّكوكَ الفلسفيَّة والمنهجيَّةَ معاً خارجَ الاعتبار. فإذا كان التَّسليم بأنَّ هناكَ حقيقةً، وأنَّ قدرَ عقولنا هو الوصولُ إليها، وأنَّنا عازمُون على تحقيقِها عن قصد، فإنَّ المُتشكِّك لنْ ينجح في ذلك. لذلك، فإنَّنا نفترقُ معه تمامًا في هذه النَّقطة. لكنَّ الاعتقاد بأنَّ الحقيقةَ توجدُ، وأنَّ عقولَنا يمكنُ أنْ تجدَها، فإنَّ اعتناقَها يمكنُ أنْ يتمَ بطريقتيْن. يمكن أنْ نتحدَّثَ عنِ الطَّريقةِ التَّجريبيَّةِ للإيمانِ بالحَقيقة، من جهة، وعن الطَّريقة المُطلقةِ للإيمانِ بالحقيقة، من جهة أخرى. إنَّ قولَ أصحابِ المذهب المُطلقِ في هذا الشَّأنِ يتجلَّى في أنَّه ليس بمقدورنا الوصولَ إلى معرفةِ الحقيقةِ فحسب، وإنَّما يُمكنُنا أنْ نعرفَ متى نصلُ إلى معرفتِها؛ بيْدَ أنَّ التَّجريبيين يعتقدون أنَّه على الرَّغم من أنَّنا نصلُ إلى معرفتها، إلاَّ أنَّنا لا نستطيعُ أنْ نعرفَ متى نصلُ إلى معرفتها على وجه القَطع. فأنْ نعْرفَ شيءٌ، وأنْ نعرفَ أنَّنا نعرفُ على وجه القطع شيءٌ آخر. إذْ يمكنُ للمرءِ أنْ يعتقدَ أنَّ المعرفةَ الأولى مُمكنةٌ بدون الثَّانية؛ لذلك، فالتَّجريبيون وأصحابُ المذهبِ المُطلق، على الرَّغم من أنَّ أيًا منهُما ليسَ مُتشككًا بالمعنى الفلسفيِّ المُعتاد للفظ، إلاَّ أنَّهما يُظهرانِ درجتيْن مُختلفتين جدًا من الدُّوغْمائيةِ.

[18] وإذا نظرنا إلى تاريخِ الآراء الفلسفية، فإنَّنا نرى أنَّ الاتجاهَ التَّجريبي قدْ سادَ إلى حدٍ كبيرٍ في العلم، بينَّما كان المذهبُ المُطلقُ في الفلسفة يسير في كلِّ شيءٍ على طريقتِه الخاصة. إنَّ النَّوع المُميَّز للسعادة، الَّذي تنتجُه الفلسفات، يرجعُ من حيث الأصل إلى الاقتناع الَّذي شعرت به إحدى المذاهب الفلسفية المتعاقبة، أو شعرَ به نسقٌ فلسفيٌّ متعاقبٌ مدعياً أنَّه تم التَّوصل بواسطة هذا الاقتناع إلى اليقين النِّهائي. فمن منا من لا يدركُ في هذا سِرَ كلَّ نسق يستحقُ هذا الاسم؟ من خلال ادعاء كلِّ مذهب بالقول بأنَّ: "الفلسفات الأخرى ليست سوى مجموعة من الآراء، الَّتي تكون كاذبة في مُجملها؛ وفلسفتي تقدِّمُ أساسًا ثابتًا على الدَّوام" فلكي يكونَ النَّسقُ نسقاً مطلقاً، يجبُ أنْ يُقدَّم كنسقٍ مغلق، ويتأرجح في هذه التَّفاصيل أو تلك، ولكن في خصائصِه الجوهرية لا يتأرجحُ أبدًا !

[19] إنَّ المذهبَ الأرثوذكسي المدرسي، الَّذي يجبُ على المرءِ أنْ يذهبَ إليه دائمًا لمَّا يرغبُ في العثور على عبارةٍ واضحةٍ تمامًا، هو الَّذي أوضح هذا الاقتناع المُطلق على نحو جميل في مذهب سمَّاه "الدَّليل الموضوعي". فعلى سبيل المثال، إذا كنتُ غيرُ قادرٍ على الشَّك في أنَّني موجودٌ الآن أمامَك، أو غيرُ قادرٍ على الشَّك في أنَّ اثنين أقل من ثلاثة، أو غيرُ قادرٍ على الشَّكِ في أنَّه إذا كان كلُّ البشر فانين فأنا فانٍ أيضًا، فذلك لأنَّ هذه الأشياء تنيرُ عقلي بجلاء لا غبار عليه. إنَّ الأساسَ الأخير لهذا الدَّليل الموضوعي الَّذي تمتلكُه بعض القضايا يتجلى في توافُق عَقْلنا مع الشَّيءِ المعلوم.[20] وإنَّ اليقين الَّذي يقدِّمه الدَّليلُ الموضوعي ينطوي على القدرةِ على انتزاعِ يقين ما[21] من جهة الحقيقة المتوخاة، ومن جهة الذات، فإنَّه يحقق طمأنينةً هادئةً في المعرفةِ،[22] ولمَّا يتم تلقي الشَّيء عقلياً، فإنَّ ذلك لا يدعُ أيَّ احتمالٍ للشكِ وراءَه؛ وفي المعاملة برُمتها لا شيءَ يعملُ سوى الوجود نفسه[23] للموضوع، والوجود نفسه للعقل.[24] إنَّنا نحنُ المفكرين المُعاصرين المُتهاونين نكرهُ التَّحدث باللُّغة اللاتينية، وفي الواقع، نكرَه مطلقاً التَّحدث بعباراتٍ محدَّدة؛ لكن حالتنا العقلية في العمق تشبهُ هذا إلى حد كبير لمَّا نتخلى عن أنفسنا دون انتقاد: فأنت تؤمنُ بالدَّليل الموضوعي، وأنا أؤمن به كذلك. ونشعر بأنَّنا متأكدون من بعض الأشياء: نعرفُ، ونعرف أنَّنا نعرفُ. وهناك شيءٌ ما يصدرُ نقرةً بداخلنا، والجرسُ الَّذي يدقُ اثنتي عشرة دقة، لمَّا تُحركُ عقارب ساعتنا العقلية القرصَ، وتلتقي على ساعة الزَّوال. إنَّ أعظمَ التَّجريبيين الَّذين يعيشون بيننا تجريبيون في التأمل فقط: ولما يُتركون لغرائِزهم، يصبحون دوغمائيين مثلَ الباباوات المعصومين. ولمَّا يخبرنا أتباع كليفورد عن مدى خطيئةِ أنْ نكونَ مسيحيين بناءً على هذا "الدَّليل غير الكافي"، فإنّ عدمَ الكفاية فيه، في الواقع، هو آخر شيءٍ يشغل بالهم. فبالنِّسبة إليهم، الدَّليل كافٍ تماما، إلاَّ أنَّه يتخذُ وجهة أخرى. إنَّهم يؤمنون على وجه القطع بنظامِ كونٍ مناهضٍ للمسيحية لدرجة أنَّه لا يُوجدُ فيها اختيارٌ حي في نظرهم: أي أنَّ المسيحيةَ فرضيةٌ ميتةٌ من حيثُ الأصلُ.

6.

[20] ولكن الآن، بما أنَّنا ننتمي كُلنا إلى المذهب المُطلق بالفِطرة، فماذا ينبغي لنا، ونحنُ طلبة الفلسفة، أنْ نفعلَ حيال هذه الواقعة؟ أينبغي أنْ نُناصُرَها ونصادقَ عليها؟ أم يجبُ أنْ نتعاملَ معها باعتبارِها نقطة ضعف في طبيعتِنا، ومن ثَمَّ يجبُ أنْ نُحرِّر أنفسَنا من قبضتها، إنِ استطعنا؟

[21] أعتقدُ بصدق أنَّ المسارَ الأخير، أي أنْ نحرِّر أنفسنا من قبضتها، هو المسار الوحيد الَّذي يُمكننا اتباعُه باعتبارنا مُفكرين. ولا شك أنَّ الدَّليلَ الموضوعيَّ واليقينَ من المُثُل الرَّائعة للغاية، الَّتي يمكنُ ألاَّ يطالها الشَّك، ولكن أينَ يمكنُ أنْ نعْترَ عليها على ظهرٍ هذا الكوكبِ المُقمر الَّذي تزورُه الأحلام؟ وعليه، فأنا بنفسي فيلسوفٌ تجريبيٌّ في نظريتي للمعرفة الإنسانية. وأعيشُ، بالتأكيد، باعتقادٍ عمليٍّ يوجبُ علينا أنْ نستمر في تجربة تجربتنا والتَّفكير فيها، لأنَّه بهذه الطَّريقة فقط يمكنُ لآرائنا أنْ تصبحَ أكثر صدقاً؛ ولكن أنْ أتمسك برأي من الآراء، على أساسٍ أنَّه لا يُمكنُ إعادةُ تأويله أو تصحيحِه، فإنَّني أعتقد أنَّه موقف خاطئ للغاية، وأعتقد أنَّ تاريخ الفلسفة كلَّه سيؤيدني في هذه المسألة. هناكَ حقيقةٌ واحدةٌ مؤكدةٌ لا غبارَ عليها، وهي الحقيقة الَّتي تركَها المذهب الشَّكي البيروني قائمة، وهي حقيقة أنَّ الظَّاهرة الحاضرة للوعي موجودة. وعلى الرّغم من أنَّ هذه هي نقطة البداية الصَّريحة للمعرفة، فإنَّها مجردُ اعترافٍ بتفاهة يجبُ التَّفلسف حوله. إنَّ الفلسفات المُتعدِّدة ليست سوى محاولات للتعبير عن ماهية هذه التَّفاهة حقًا. وإذا نقبنا في مكتباتنا فأيُّ خلافٍ نكتشفُ ! فأينَ يمكنُ العثور على جوابٍ صحيحٍ على وجه القطع؟ فبصرفِ النَّظر عن القضايا المُجردة المُتطابقة، نحو اثنان واثنان متطابقان مع أربعة، وهي قضايا لا تُخبرنا في حد ذاتها بشيءٍ عن الواقعِ الملموس، فإنَّنا لا نجدُ أيَّ قضية إطلاقاً تُعتبر من قبل أيِّ شخصٍ على أنَّها مؤكدةٌ بوضوح، ولم يتم تسميتُها قضيةً كاذبةً، أو على الأقل لم يتمَ التَّشكيك في صِدقها من قبل شخص آخر. إنَّ تجاوُز بديهيات الهَندسة، ليس تجاوزاً من بابِ الهزل، وإنَّما هو تجاوُزٌ  من باب الجِد، من قبل بعض معاصرينا، مثل يوهان زولنر[25] وتشارلز هينتون،[26] وقد رفضَ الهيجيليون كذلك المنطق الأرسطي برُمته، وتعد هذه من الأمثلة الواضحة على عدم اعتبار أيِّ قضية لا يطالُها الكذبُ.

[22] لمْ يتم الاتفاقُ على أيٍ اختبارٍ ملموسٍ لمَا هو حقيقي واقعياً بين الفلاسفة. فبعضُهُم يجعلُ المعيار خارجًا عن الإدراك الحسي، ويضعُه إمَّا في الوحي، أو في إجماع الأمم،[27] أو في غرائز القلب، أو في تجربة البشر المنهجية. ويجعلُ آخرون من لحظة الإدراك اختبارًا خاصًا بهم، مثل روني ديكارت، بأفكاره الواضحة والمتميِّزة الَّتي تستندُ إلى الضَّمانة الإلهية، ومثل توماس ريد[28] الَّذي تحدَّث عن "الحس المُشترك"، وكانط الَّذي تحدَّث عن صور الحكم التَّركيبي القبلي. إنَّ عدم القدرة على إدراك الضِّد؛ والقدرة على التَّحقّق عن طريق الحس؛ وامتلاكَ الوحدة العُضوية التّامة أو امتلاك العلاقة الذَّاتية، الَّتي تتحقَّق لمَّا يكونُ الشَّيءُ نفسه هو الآخر، معايير تمَ استعمالُهُما. إنَّ الدَّليل الموضوعي الَّذي نالَ استحسانًا كبيرًا لا ينتصرُ أبدًا؛ إنَّه مجردُ مطمح أو حدٍ أو مفهوم مثالي[29] يشيرُ إلى المثل الأعلى البعيد عن حياتنا الفِكرية. إنَّ الادعاء بأنَّ حقائقَ معينة تمتلكُها الآن يعني القول ببساطة إنَّه لمَّا تظن أنَّها حقيقية وتكون حقيقية، فإنَّ الدَّليل عليها يجب أنْ يكونُ موضوعيًا، وإلاَّ اعتبرت غير حقيقية. لكن من النَّاحية العَملية، فإذا كانَ اقتناعَ المرء بأنَّ الدَّليل الَّذي يصادفُه يكونُ من النَّوع الموضوعي الواقعي، فإنّ هذا الاقتناع لا يكون سوى رأيا ذاتياً آخر يُضافُ إلى الكثير من الآراء. فما هي الآراءُ المُتناقضة التي تمَ ادعاءُ وجود دليلٍ موضوعيٍ ويقينٍ مطلقٍ عليها ! فإذا كان بعضُهم يرى أنَّ العالَم عقلاني بكلِّ ما في الكلمة من معنى، فإنّنا نجد آخر يعتبر وجودَه حقيقة غاشمة في نهاية المطاف؛ وإذا كان بعضهم يؤمن بإلهٌ شخصي، فإنَّ الآخر يرى أنّه لا يمكنُ إدراك إله شخصي؛ وإذا كان من يقولُ بوجود عالم فيزيائيٌّ خارج العقلِ يمكنُ معرفتُه مباشرة، فإنّه يوجد من يقول بأنّ العقل لا يستطيعُ أنْ يعرفَ إلاَّ أفكارَه الخاصة؛ وإذا كان بعضهم يؤمن بالواجب باعتباره أمراً أخلاقياً، فإنّ الآخر يرى الواجبَ ليس سوى نتيجة للرغبات؛ وإذا كان من يعتقد بوجود مبدأ روحي دائم في كلِّ شخص، فإنّه يوجد من يعتقد أنّه لا توجد سوى حالات ذهنية متغيّرة؛ وإذا كان بعضهم يعتقد في وجود سلسلة لا نهاية لها من الأسباب، فإنّ الآخر يؤمن بوجود سبب أول مطلق؛ وفي مقابل من يدّعون وجود ضرورة أبدية، يؤمن آخرون بوجود حرية مطلقة؛ وإذا كان بعضهم يؤمن بوجود غاية، فإنّ الآخر لا يؤمن بوجود غاية؛ وإذا كان بعضهم يؤمن بوجود وحدة أولية، فإنّ الآخر يؤمن بوجود تعدد أولي؛ وإذا كان بعضهم يرى استمرارية كونية، فإنّ الآخر يرى انقطاعا جوهريا في الأشياء، وإذا كان بعضهم يقر بوجود نهاية، فإنّ الآخر ينكر وجود نهاية. وهكذا دواليك، ففي مقابل هذا يوجد ذاك؛ ولا يوجدٌ، في الحقيقة، شيءٌ لم يؤمنْ به أحدٌ على أنَّه حقيقي على وجه القطع إلاَّ واعتبرَه نِدُه خطأً مُطلقًا؛ ولا يبدو أنَّ أيًا من أصحاب المذهب المُطلق قد اعتبر على الإطلاق أنَّ المشكلة قد تكونُ ضرورية طوال الوقت، وأنَّ العقل، حتّى مع وجود الحقيقة في متناوله مباشرة، قد لا يكونُ لديه إشارة معصومة من الخطأ لمعرفة ما إذا كانت حقيقة أم لا. ولمَّا يتذكرُ المرءُ بالفعل أنَّ التَّطبيق العملي الأكثر لفتًا للانتباه في الحياة لمذهب اليقين الموضوعي كان هو العمل المُخلص الَّذي قامَ به المكتب المقدَّس لمحاكم التفتيش، فإنَّه يشعرُ بأنَّه أقل ميلًا من أي وقت مضى إلى إعطاء هذا المذهب آذانًا صاغية ومُحترمة.

[23] لكن انظر الآن من فضلك، أنَّنا لمَّا نتخلى عن مبدأ اليقين الموضوعي، باعتبارنا تجريبيين، فإنَّنا لا نتخلى عن البحثِ عن الحقيقة في حد ذاتها، أو نتخلى عن الأملِ في الحصولِ عليها. فما زلنا نعلقُ إيماننا على وجودِها، وما زلنا نؤمنُ بأنَّنا نكتسبُ موقفًا أفضل تجاهها من خلال الاستمرار بشكلٍ منهجي في جمعِ التَّجارب والتَّفكير. يكمنُ اختلافُنا الكبير عن التَّصوُّر المدرسي في الطَّريقة الَّتي نواجُه بها. فإذا كانت قوة نسق التَّصور المدرسي تكمنُ في المَبادئ، وتكمنُ في الأصلِ، وتكمنُ في نقطة البداية لفكره؛[30] فإنَّ القوةَ بالنّسبة إلينا تكمنُ في الحَصيلةِ، وفي الثَّمرة، وفي النتيجة النِّهائية.[31] لا من حيث تأتي، وإنَّما من حيث ما يؤدي إليها اتخاذ قرار. فلا يهمُ التَّجريبي من أيِّ جهة يمكن أنْ تأتي إليه الفرضية: فقد يحصلُ عليها بوسائل عادلة، أو عن طريق الخطأ؛ وربما همست بها عاطفة، أو أوحت بها صُدفة؛ ولكن إذا استمرَ الانجراف الكلي للتفكير في تأكيدها، فهذا ما يعنيه كونها حقيقية.[32]

7.

[24] هناك نقطة أخرى، تبدو هيِّنة، ولكنَّها مُهمة، وعن طريقها نكون قد انتهينا من التَّصفيات. هناك طريقتانِ للنظر إلى واجبنا فيما يتعلقُ بالرَّأي، طريقتانِ مُختلفتان تمامًا، ومع ذلك، يبدو أنَّ نظرية المعرفة لم تعرْ سوى القليل من الاهتمام بشأن الاختلاف بينهُما. وهما: يجبُ علينا أنْ نعرفَ الحَقيقة؛ ويجبُ علينا أنْ نتجنَّبَ الخطأ، تعتبر هاتان الوصيتان من وصايانا الأولى والعُظمى باعتبارنا عارفين؛ لكنَّهما ليستا طريقتين لقولِ وصيةٍ واحدة، وإنَّما هما شريعتان منفصلتان. فعلى الرَّغم من أنَّه قد يحدُثُ بالفعل أنَّه لمَّا نؤمنُ بالحَقيقة (أ)، فإنَّنا نتخلى عن الإيمانِ بالباطلِ (ب) باعتباره نتيجة عرضية، إلا أنَّه نادراً ما يحدثُ أنَّه بمجرد عدمِ إيماننا بالباطل (ب)، فإنَّنا نؤمنُ بالضَّرورة بالحقيقة (أ). وقد نقعُ عند التَّخلي عن الإيمان بالباطل (ب) في الإيمانِ بأباطيل أخرى، الَّتي قد تكونُ الباطل (ج)، أو الباطل (د)،  واللَّذان يكونُ لهما نفس السُّوء مثلَ الباطلِ (ب)؛ أو قد نتخلَّى عن الإيمانِ بالباطل (ب) بعدمِ الإيمانِ بأيِّ شيءٍ على الإطلاقِ، بما في ذلك الإيمانُ بالحَقيقة (أ).

[25] آمنْ بالحقيقة ! وتجنَّب الخطأ ! إنَّنا نرى أنَّ هذيْن القانونيْن مختلفان مادياً؛ وبالاختيار بينهُما قد ننتهي بتلوين كلّ حياتنا العقلية بأكملها على نحو مختلفٍ. قد نعتبرُ السَّعي وراءَ الحقيقةِ أمراً بالغ الأهمية، ونعتبرُ تجنُّبَ الخطأ أمرًا ثانويًا؛ أو يُمكننا، من ناحية أخرى، أنْ نتعاملَ مع تجنُّبِ الخطأ باعتباره أكثر إلحاحًا، ونتركُ الحقيقة تأخذ فرصَتها. يحثُنا كليفورد، في الفقرة الَّتي اقتبستُها، على اتباعِ المسار الأخير. يقول لنا: لا تؤمنْ بشيءٍ، وأبقِ عقلَك في حالِ تشويقٍ إلى الأبدِ، بدلاً من أنْ يؤدي إغلاقُه بأدلةٍ غير كافية إلى المُخاطرةِ الفادحةِ بتصديقِ الأكاذيب. ومن جهة أخرى، قد تعتقدُ أنَّ خطرَ الوقوعِ في الخطأ أمرٌ هيِّنٌ جدًا بالمقارنة معَ بركاتِ معرفةِ الحقيقية، ولتكنْ مستعدًا للخداعِ مراتٍ عديدة في تحقيقك بدلاً من تأجيلِ فرصةِ التَّخمين الصَّحيح إلى أجل غير مسمى. فأنا شخصياً أجد أنَّه من المُستحيلِ الذَّهاب في المسار الَّذي اختارَه كليفورد. يجبُ أنْ نتذكَّر أنَّ مشاعرَ واجبنا تجاه الحقيقة أو الخطأ هي في كلِّ الأحوال مجرد تعبيراتٍ عن حياتِنا العَاطفية. إنَّ عقولَنا، من النَّاحية البيولوجية، مستعدةٌ لدَحْضِ الباطلِ مثلما هي مُستعدةٌ لدَحْض الحقيقة، ومن يقولُ: "من الأفضل أنْ تظلَ بلا إيمانٍ إلى الأبد بدلاً من أنْ تؤمنَ بكذبة !" فإنَّه يُظهرُ فقط رُعبَه السَّائد من أنْ يصبحَ مُغفلًا. قد ينتقدُ الكثير من رغباتِه ومخاوفِه، لكنَّه ينحني أمام هذا الخَوفٍ بخنوعٍ. ولا يستطيعُ أنْ يتخيَّل أيَّ شخصٍ يُشكِّك في قوتِه المُلزمة. إنَّني، في المقابل، أشعرُ أيضًا بالرُّعب من التَّعرضِ للخداع؛ ولكنَّني أستطيعُ أنْ أومنَ بأشياء أسوأ من التَّعرضِ لخداع يمكنُ أنْ يحدُّث لإنسان في هذا العالم: لذلك، فإنَّ تحذيرَ كليفورد له صدى مُدَّوي في أذني. فمثلُه كمثل جنرالٍ يأمرُ جنودَه بأنَّه من الأفضلِ لهم الابتعادَ عن المعركةِ إلى الأبدِ بدلاً من المُخاطرة بإصابةِ جنديٍّ واحدٍ. والأمرُ ليس كذلك بالنِّسبة إلى الانتصارات على الأعداء أو على الطَّبيعة. فمنَ المُؤكد أنَّ أخطائَنا ليست مُخيفة إلى هذا الحد. وبما أنَّنا نعيشُ في عالمٍ نعلمُ على القطعِ من أنَّنا سنتحمَّلُه على الرَّغمِ من كلِّ حَذرنا، فإنَّ خِفة القَلبِ تبدو أكثر صِحةٍ من هذه العَصبيِّةِ المُفرطةِ تجاهَه. ومهما يكن، فهذا هو المسارُ الأنسبُ الَّذي يبدو للفيلسوف التَّجريبي اتباعَه.

8.

[26] بعد كلِّ هذه المُقدمات، لننتقل الآن مباشرة إلى سؤالنا. لقد قلتُ من قبلُ، وأكرِّرها الآن، أنَّنا لاَ نجدُ طبيعتَنا الوجدانية تؤثرُ في آرائنا في واقعِ الأمر فحسب، وإنَّما هناك بعض الاختيارات بين الآراء الَّتي يجبُ اعتبارُ هذا التأثير فيها أمراً لا مفرَ منه، وأمراً ضروريًا. إنَّ طبيعتنا الوجدانية هي المُحدِّدُ الشَّرعيُّ لاختيارِنا.

[27] أخشى أنْ يكونَ بعضُ المُسْتمِعين منكم يبدؤون في استنشاق رائحةِ الخطرِ، ويمدون آذانًا صماء. لقدْ كان عليكم على الأصح أنْ تعترفوا بخطوتين أساسيتين للوجدان، وهما: يجبُ أنْ نفكرَ بطريقةٍ نتجنَّبُ بها الخِداع، ويجبُ أنْ نفكرَ بطريقةٍ ننالُ بها الحقيقة؛ لكنِ الطَّريق الأضمن إلى تيْنِك الإنجازين المثاليين، ربما تفكرُون فيه، وهو من الآن فصاعدًا عدمُ اتخاذ أيِّ خُطوةٍ وجدانيَّةٍ أخرى.

[28] حسنًا، بالطَّبع، أوافقُ على ذلك بقدرِ ما تسمحُ به الحقائق. فلمَّا يكونُ الاختيارُ بين خسارةِ الحقيقةِ واكتسابها غير بالغِ الأهمية، فإنَّنا يمكنُ أنْ نتخلَّصَ من فرصةِ خِداعِ الحَقيقة، وعلى أي حال، فإنَّنا نُنقذ أنفسَنا من أيِّ فرصةٍ للإيمان بالباطل، من خلال عدمِ اتخاذِ أيِّ قرارٍ على الإطلاق حتَّى يأتي دليلٌ موضوعيٌّ. وهذا هو الحالُ دائمًا في القضايا العلمية على وجه التَّقريب؛ وحتَّى في الأمور الإنسانية بشكلٍ عامٍ، فنادراً ما تكونُ الحَاجةُ إلى الفعل مُلحةً لدرجة أنَّ الإيمانَ الخاطئ الَّذي يجبُ التَّصرف بناءً عليه يكون أفضلُ من عدمِ وجودِ أيِّ إيمانٍ على الإطلاق. في الواقع، يتعيَّنُ على المحاكم أنْ تبُتَ في القضايا المعروضة عليها بناء على أفضل الأدلة الَّتي يمكنُ الحصول عليها في الوقت الحالي، لأنَّ واجبَ القاضي هو سنُ القانون والتَّحقُّق منه، و(كما قال لي قاضٍ مثقفٍ ذات مرة) هناك قضايا قليلةٌ تستحقُ قضاءَ الكثير من الوقت: وإنَّ الشَّيء الأجَلَّ هو أنْ تُتَّخذَ القرارات، وأن تصدرَ الأحكام في تلك القضايا بناء على أيَّ مبدأ مقبولٍ، وبعد ذلك يتمُ طيُّ مِلَفات هذه القضايا. لكن من الواضح أنَّنا في تعاملاتنا مع الطَّبيعة الموضوعية نكونُ مسجلين للحقيقة، ولسنا صانِعين لها؛ واتخاذُ القرارات فيها بسرعة والانتقال إلى العمل التالي سيكونُ في غير مَحَلِه على الإطلاق. في كلِّ مجالاتِ الطَّبيعة الفيزيائية، تكونُ الحقائقُ مستقلةً عنا تمامًا، ونادراً ما يكونُ ما يستدعي التَّسرع بشأنها، لكي لا نجازفَ بمخاطر الوقوع في الخِداع بالإيمان بنظرية غير تامة. إنَّ الأسئلة المطروحة هنا تكونُ دائماً اختيارات تافهة، والفرضياتُ لا تكادُ تكونُ حية (على أي حال لا تكون حية بالنسبة إلينا كشهود)، ونادراً ما يكونُ الاختيار بين الإيمانِ بالحقيقة أو الإيمان بالباطل قسريا. وعليه، فإنَّ الموقف الشَّكي المُتزن هو الموقف الحكيمُ على وجه القطع لو أردنا تجنُّب الوقوع في الأخطاء. في الواقع، ما الفرقُ الذي يُحدُثه مُعظمُنا سواءٌ كانت لدينا الأشعة السِّينية أم لا،[33] وسواء كنَّا نؤمنُ أم لا بالمبادئ العقلية، وسواءُ كانت لدينا قناعةٌ حول أسباب الحالات الواعية أم لا ؟ إنَّ الأمر سيان، ولا فرق في ذلك. لأنَّ مثلَ هذه الاختيارات ليست مفروضة علينا. ومهما يكن، فمنِ الأفضل عدمُ اتخاذ تلك الاختيارات، وإنَّما الاستمرارُ في وزنِ الأسبابِ المؤيِّدة والمُعارضة بلا مبالاة.

[29] أتحدثُ بطبيعة الحال هنا عن العقلِ القاضي على نحوٍ خالص. ومن أجل الاكتشاف، فإنَّ مثلَ هذه اللامبالاة لا يُوصى بها كثيرًا، وسيكونُ العلمُ أقلّ تقدُّمًا بكثير ممَّا هو عليه لو تمَ إبعادُ الرَّغبات الوِجدانية للأفراد من أجل تأكيد إيمانهمِ الخاص عن اللعبة. انظر على سبيل المثال الحكم الَّتي يعرضُها كلٌّ من هيربرت سبنسر[34] ووايزمان.[35] ومن جهة أخرى، إذا كنتَ ترغبُ في الحصول على نتيجةٍ خاطئةٍ تماماً في التَّحقيق، فيجب عليك، في نهاية المطاف، أنْ تأخذ الشَّخص الَّذي ليس له أيُّ اهتمامٍ على الإطلاق بنتائِجه: فهو المكفولُ العاجزُ، والوضعيُّ المخبولُ. إنَّ المُحقق الَّذي يكون أكثر فائدة، يكون بسببِ كونه ملاحظاً أكثر حساسية، ويكونُ دائمًا شخصاً يوازن اهتمامَه الشَّديد بجانب واحد من السُّؤال بعصبيةٍ شديدة بنفس القدر خشية أنْ يخدع.[36] وقد نظَّم العلم هذه العصبية في آلية منظمة، وهي ما يُسمَّى منهج التَّحقق؛ وقد وقعتُ في حبِ هذا المنهج بشدةٍ لدرجة أنَّه يمكنُ للمرء أنْ يقولَ إنَّ الاهتمامَ بالحقيقة توقف عنده بمفرده على الإطلاق. فلا يعنيه سوى الحقيقة وحدها الَّتي تم التَّحقُّق منها تقنياً. قد تأتي حقيقة الحقائق في صورة إيجابٍ فقط، وقد يرفضُ لمسها. وقد تكرَّر مع كليفورد أنَّ مثل هذه الحقيقة ستُسرقُ في تحدٍ لواجبِها تجاهَ البشرية. لكنَّ الوجدانَ الإنساني أقوى من القواعد التَّقنية. وكما عبَّر عن ذلك باسكال بقوله: "إنَّها عِلَلُ القلب الَّتي لا يفهمُها العقل"[37] ورغم أنَّ الحُكم والعقل المجرد لا يعيران الاهتمام لشيءٍ سوى لقواعد اللُّعبة الأساسية، فإنَّ اللاَّعبين الواقعيين الذين يزودونهما بالمواد اللازمة الَّتي تمكنُّهما من الحكم عادة ما يكون كلُّ واحدٍ منهم مغرمًا ببعض "الفرضيات الحية" الخاصة به. ومع ذلك، دعونا نتفقُ على أنَّه حيثما لا يوجدُ اختيارٌ قسري، فإنَّ العقل القاضي والنَّزيه الَّذي لا يتضمن فرضية مفضلة، والَّذي ينقذنا، كما هو الحال، من الخداع على أي حال، يجب أنْ يكونَ مثلَنا الأعلى.

[30] إنَّ السُّؤال الَّذي يطرحُ نفسَه بعد ذلك هو: ألا توجدُ اختيارات قسرية في مكانٍ ما في أسئلتنا التأملية، وهل يمكننا (باعتبارنا مهتمين على الأقل بالحصول على الحقيقة بشكل إيجابي مثلما نهتم بالتَّخلي عن الخداع) أنْ ننتظرَ دائماً دون عقاب حتَّى تأتينا الأدلةُ القسرية؟ يبدو على نحو قبلي أنَّه من غير المحتملِ أن يتمَ تكييف الحقيقةُ على نحوٍ جيد لتتوافق مع احتياجاتِنا وقوانا بهذه الطَّريقة. ففي الفندِق الكبير للطبيعة، نادرًا ما يخرجُ الكعك والزبدة والشَّراب بشكلٍ متساوٍ، ويتركُ الأطباق نظيفة جدًا. بلْ ينبغي لنا أنْ ننظر إليها بعينِ الشَّك العلمي إذا فعلت ذلك.

9.

[31] إنَّ القضايا الأخلاقية تطرحُ نفسَها كإشكالاتٍ لا يمكنُ أنْ يُنتظرُ حلُّها بالأدلةِ الحِسية. فالقضيةُ الأخلاقية ليست سؤالًا عما هو موجودٌ حسياً، وإنَّما هي سؤالٌ عمَّا هو خير، أو عمَّا سيكونُ خيراً لو كانَ موجودًا. إنَّ "العلم" بمقدورِه أنْ يُخبرنا عما هو موجود؛ لكن لكي نقارنَ بين قيمة ما هو موجود وما هو غير موجود، فإنَّه يجبُ علينا ألاَّ نستشير العلمَ، وإنَّما يجبُ علينا أنْ نستشيرَ ما يُسمِّيه پاسكال قلبَنا. فالعلمُ نفسُه يستشيرُ قلبَه لمَّا يؤكدُ أنَّ اللانهائي باعتباره تأكيداً للحقيقة وتصحيحاً للإيمان الخاطئ هما الخيران الأسمى للإنسان. وأتحدى هذه العبارة، فالعلم ليس بمقدوره إلاَّ أن يكرِّرها أو يردِّدها شفهياً، وليس بمقدوره أنْ يثبتَها من خلال إظهار أنَّ مثلَ هذا اليقينِ والتَّصحيح يجلبُ للإنسان كلَّ أنواع الخيرات الأخرى الَّتي يُعلنُها قلبُ الإنسان. إنَّ مسألةَ وجود إيمانٍ أخلاقيٍّ مطلقٍ أو عدم وجوده يتم تحديدُه من خلال إرادتِنا. أليست تفضيلاتنا الأخلاقية صحيحة أم خاطئة، أم أنَّها مجرد ظواهر بيولوجية غريبة تجعلُ الأشياء خيِّرة أو شريرة بالنسبة إلينا، بينما هي في حد ذاتها مختلفة؟ وكيف يمكنُ لعقلك الخالص أنْ يختار؟ فإذا كان قلبُك لا يريدُ عالماً من الواقع الأخلاقي، فمنَ المُؤكد أنَّ عقلكَ لن يجعلَك تؤمنُ بهذا العالم الأخلاقي مطلقاً. في الواقع، سوف تُرضي الشُّكوكية الشَّيطانية[38] غرائزَ العقلِ بشكل أفضل بكثير ممَّا تستطيعُ القيام به أيُّ مثاليةٍ صارمةٍ. فبعضُ النَّاس (ولو كانوا طلاباً) يتصفون ببرودةِ الأعصاب على نحو طبيعي، لدرجة أنَّ الفرضيةَ الأخلاقية لا تحملُ لهم في طياتها أيَّ ضربةٍ موجعةٍ، وفي حضورهم المُتغطرس، يشعرُ الشَّاب المتخلق والجذَّاب أمامهم دائمًا بضيقٍ غريب. فقد يعتبرُ أنَّ مظهرَ المعرفةِ يكونُ في صفِهم، والسَّذاجةُ[39] والعفويةُ تكونُ في صفِه. ومع ذلك، فهو يتشبثُ في خَلده الَّذي لا يستطيعُ التَّعبير عنه بأنَّه ليس مغفلًا، وأنَّ هناك عالمًا، كما يقول إيمرسون، يكونُ فيه كلُّ ذكائهم وكلُّ تفوقهم العقلي ليس أفضل من مكرِ الثَّعلب ودهائِه. وعليه، فلا يمكنُ إبطالُ أو إثباتُ الشَّك الأخلاقي بالمنطقِ أكثر من الشَّك العقلي. ولمَّا نتمسكُ بوجود الحقيقة (من أي نوع كانت)، فإنَّنا نتمسَّكُ بها بكلِّ طبيعتنا، ونعقدُ العزمَ على الوقوفِ أو السُّقوط بناءً على النَّتائج المترتبةِ عنها. وكذلكُ يفعلُ المُتشكِّك، الَّذي يتمسَّكُ بموقفِ الشَّك بكلِّ طبيعتِه؛ لكن من منا الأكثر حِكمةً، فالعَليمُ وحدَهُ هو الَّذي يَعْلَمُ.

[32] لننتقل الآن من هذه الإشكالات العامة المُتعلقة بالخَّير صوبَ فئةٍ محدَّدة من الإشكالات المُتعلقة بالحقيقة، والإشكالات المُرتبطة بالعلاقات الشَّخصية، وبالحالات الذِّهنية بين شخصٍ وآخر. فليكن سؤالُنا المطروحُ على سبيل المثال هو: هل تُحبُني أم لا؟. فسواءٌ كنتَ تُحبُني أم لا، فإنَّ ذلك يعتمدُ، في حالات لا حصر لها، على ما إذا كنتُ سألتقي بكَ في منتصفِ الطَّريق، وأنا على استعدادٍ لافتراض أنَّك يُجبُ أنْ تحبَني، وأُظهرُ لكَ الثِّقة والتَّرقب. إنَّ الإيمان السَّابق من جهتي بوجودِ إعجابكَ بي في مثل هذه الحالات هو ما يجعلُ إعجابَكَ بي يأتي. ولكن إذا وقفتُ بمعزلٍ عن ذلك، ورفضتُ التَّزحزحَ قيد أُنملة حتَّى أحصلَ منك على دليل موضوعي، وحتَّى تفعلَ شيئاً مناسباً يُظهر حبكَ لي، كما يقول أصحاب المذهب المُطلق، أي لانتزاع الموافقة مني،[40] فإنَّ الحبَ لنْ يأتي أبداً. فكمْ تغلبَ الإصرار المتفائلُ على قلوب النِّساء من قِبل شخص ما على أنْ تحبِبْنَه ! ولن يوافق على فرضية أنَّهن لا تستطعنَ حبَه. إنَّ الرَّغبة في نوع معين من الحقيقة هنا تؤدي إلى وجود تلك الحقيقة الخاصة؛ وهكذا هو الحالُ في حالاتٍ لا حصر لها من أنواع أخرى. ومن ينال التَّرقيات، والنِّعم، والتَّعيينات إلاَّ الشخص الَّذي يُرى في حياته أنَّه يلعبُ دور الفرضيات الحية، والَّذي يقلِّصُها، ويضحي بأشياء أخرى من أجلها قبل أنْ تأتي، ويخاطرُ من أجلِها مُسبقاً؟ إنَّ إيمانَه يعمل على القوى الَّتي فوقه كمطالبة، ويخلقُ التَّحقق الخاص به.

[33] إنَّ أيَّ تنظيمٍ اجتماعيٍّ أيَّاً كان، سواءٌ كانَ تنظيماً كبيراً أو صغيراً، يكونُ كما هو عليه، لأنَّ كلَّ عضو فيه يشرعُ في أداءِ واجبه المَنوط به، وهو واثقٌ من أنَّ الأعضاء الآخرين سيقومون بواجبهم في الوقتِ نفسه. فلا تتحققُ النَّتيجة المرغوبةُ إلاَّ من خلال تعاوُن الأعضاء، وتحقُّقُ وجودِها كحقيقة يكون نتيجةً خالصةً للثقة المُسبقة في بعضهم بعض. فلا تقومُ حكومةٌ، ولا ينظَّمُ جيشٌ، ولا يُسيَّر نظام تجاري، ولا تُبحرُ سفينةٌ، ولا تسيَّر كلية، ولا يُنظَّم فريقٌ رياضي إلاَّ وفقًا لهذا الشَّرط، والَّذي بدونه لا يمكن أنْ يتحقَّق أيُّ شيء فحسب، وإنَّما تفشلُ حتَّى المُحاولة للقيام به. فقد يُسرقُ قطارٌ برمته وهو مليءٌ بالرُّكاب (ولو كان هؤلاء الركاب شجعاناً) من قبل شِرذمة قليلةٍ من اللُّصوص، وذلك ببساطة، لأنَّ هؤلاء الشِّرذمة يعتمدُ بعضُهم على بعض، في الوقت الَّذي يخشى فيه كلُّ واحد من الرُّكاب من أنَّه إذا قامَ بحركة مقاوِمةٍ بمُفرده، فسيتمُ إطلاقُ النَّار عليه قبل أنْ يتلقى المساعدة من الرُّكاب الأخرين. ولو كنَّا نؤمنُ بأنَّ المقصورة الممتلئة بأكملها بالرُّكاب ستنهضُ معا دفعة واحدةً، فإنَّه سينهضُ كلُّ واحد على حدة، ولنْ تتم أبدًا مُحاولة سرقة القطار. وعليه، فهناك حالاتٌ لا يمكنُ أنْ تأتي فيها الحقيقة على الإطلاق ما لمْ يكن هناك اعتقادٌ أوليٌّ بقُدومها. وحيثُما يمكنُ للاعتقاد [بمعنى الثقة] في الحقيقة أنَّ يساعدَ في خلقِ الحقيقة، فسيكونُ المنطق الَّذي يقول: إنَّ الإيمانَ الَّذي يسبقُ الأدلة العِلمية هو "أدنى أنواع اللاأخلاقية" الَّتي يمكنً أنْ يسقطَ فيها كائنٌ مفكرٌ، يعتبرُ منطقاً مجنوناً. ومع ذلك، يبقى هذا هو المنطقُ الَّذي يتظاهرُ به أصحابُ المذهبِ المطلق العلمي بأنَّهم ينظِّمون حياتَنا وفقَهُ !

10.

[34] بما أنَّ الحَقائقَ تقومُ على أفعالِنا الشَّخصية، فإنَّ الاعتقادَ القائِمَ على الرَّغبةِ يكونُ على القطعِ أمراً مشروعاً، ورُبما يكونُ أمراً لا محيدَ عنه.

[35] بيدَ أنَّه سيُقال الآن: إنَّ هذه كلّها حالاتٌ إنسانيةٌ طفوليةٌ، ولا علاقةَ لها بالقضايا الكونيَّةِ العظيمة، مثلَ مسألة الاعتقاد الدِّيني. فلننتقل إذاً إلى مسألة الاعتقادِ الدِّيني. إنَّ الأديان تختلفُ في حوادثها كثيرًا، بحيثُ أنَّه لمَّا نناقشُ المسألة الدَّينية، فإنَّه يجبُ أنْ نجعلَها شاملةً وواسعةً جدًا. فماذا نعني الآن بالفرضيةِ الدِّينية؟ فإذا كانَ العلمُ يقول: إنَّ الأشياءَ توجدُ؛ وإذا كانت الأخلاقُ تقول: إنَّ بعضَ الأشياء تكونُ أفضل من أشياء أخرى؛ فإنَّ الدّينُ، من حيثُ الجوهرُ، ينصُ على تأكيدين:

يتجلى التَّأكيد الأول في أنَّ أفضلَ الأشياءِ هي الأشياءُ الأبدية، والأشياءُ المُتعالية، والأشياءُ الموجودة في الكون الَّتي ترمي السَّهم الأخير، والأشياءُ الَّتي تقولُ الكلمة الأخيرة إنْ جاز التَّعبير. وتبدو عبارة "الكمال الأبدي" لتشارلز سكريتان[41] هي الصِّيغة الجيدة لوضع هذا التأكيد الأول في الدَّين، وهو تأكيدٌ، كما يبدو، لا يُمكنُ التَّحقُّق منه عِلمياً على الإطلاق.

ويتجلى التأكيد الثّاني في أنَّنا سنكونُ في أفضلِ حالٍ حتَّى الآن لو آمنا بأنَّ التَّأكيد الأولَ صحيحٌ.

[36] والآن لننظر في العناصر المنطقية لهذا الوضعِ في حال ما إذا كانتِ الفرضيةُ الدِّينيةُ في كلتا الحالتين صحيحةً على نحو لا ريبَ فيه. (يجبُ علينا أنْ نعترفَ بهذا الاحتمالِ في البداية. وإذا أردنا مناقشة هذه المسألة، فيجبُ أنْ تتضمَنَ اختيارًا حيًا. وإذا كانَ الدِّين بالنِّسبة لأيٍّ منكم فرضيةً لا يمكن بأي حال من الأحوال أنْ تكونَ صحيحة، فلا يذهب إلى أبعد من ذلك. إنَّني أتحدَّث إلى "الفرقة النَّاجية".[42]) وبالمضي قدمًا، نرى أولاً أنَّ الدِّين يُقدِّمُ نفسَه لنا كاختيارٍ بالغ الأهمية. فمن المُفترضِ أنْ نكسبَ من خلالِ إيماننا خيراً حيوياً، ومن المفترض أنْ نخسرَه من خلالِ عدمِ إيماننا. ثانيا، إنَّ الدِّين اختيارٌ قسريٌّ، مادام الخيرُ يضيعُ جراء عدم الإيمان. فلا يمكنُنا الهُروب من هذه القضية بالبقاء مُتشككين، وانتظار المزيد من الأدلة، لأنَّه على الرَّغم من أنَّنا نتجنَّبُ الخطأ بهذه الطَّريقة إذا كان الدِّين غير صحيح، فإنَّنا نفقدُ الخيرَ، لو كان الدينُ صحيحاً، تماماً كما لو اخترنا الكُفر على نحو قاطع. يبدو الأمرُ كما لو أنَّ الشَّخص يتردَّد إلى أجل غير مسمَّى في طلبِ يد امرأة ما للزَّواج، لأنَّه لمْ يكن متأكدًا تماماً من أنَّها ستصبحُ ملاكاً بعد أنْ أحضرها إلى المنزل. ألاَ يجدرُ بهذا الشَّخص أنْ يتخلى عن هذا الاحتمال الملائِكي نهائيا كما لو أنَّه ذهبَ وتزوجَ امرأةً أخرى؟ فمذهبُ الشَّك إذنْ ليس تجنبًا للاختيار؛ إنَّه اختيارٌ لنوعٍ معين من المَخاطر. إنَّ المُخاطرةُ بفقدانِ الحقيقةِ أفضل من احتمالِ الوُقوعِ في الخطأ، هذا هو موقفكَ الدَّقيق تجاه معارضي الاعتقاد الدِّيني. إنَّه يلعبُ دورَه بنشاط مثله مثل المؤمن؛ فهو يساندُ ساحةَ المعركة ضِدَّ الفرضية الدِّينية، كما يساندُ المؤمنُ الفرضية الدِّينية ضِدَّ ساحة المعركة. إنَّ وعظنا بالشَّك كواجب حتَّى يتمُ العثور على "أدلة كافية" للدِّين، يعادلُ إخبارنا، في وجود الفرضية الدِّينية، بأنَّ الاستسلامَ لمخاوفِنا من كونها على خطأ هو أكثرُ حكمةٍ وأفضلُ من الاستسلام لأملنا في أنْ تكون صحيحة. إذًا، فالعقلُ ليس ضدَّ كلِّ الأهواء؛ وإنَّه مجرد عقلٍ لهُ هوى واحد يضعُ قانونَه. وبأيِّ حق تكون الحكمة الأسمى إذا كان الهوى مبرَّراً؟ إنَّه خداع من أجل الخداع، وما الدَّليل على أنَّ الخداع بالأملِ أسوأُ بكثير من الخِداع بالخوف؟ فأنا شخصياً لا أستطيعُ أنْ أرى أيَّ دليلٍ؛ وأنا ببساطة أرفضُ الانصياعَ لأمرِ عالمٍ بتقليدِ اختياره، في الوقت الَّذي تكونُ فيه حصتي مُهمة بما يكفي لإعطائي الحق في اختيار صورة المُخاطرة الخاصة بي. فلو كان الدِّينُ صحيحًا، والأدلةُ عليه لا تزالُ غير كافية، فأنا لا أرغب، من خلال وضعِ مطفأتك على طبيعتي المُشتعلة، في خسارةِ فرصتي الوحيدة في الحياة للانضمام إلى الجانبِ المُنتصر، وهذه الفرصة تعتمدُ بطبيعة الحال على رغبتي في المُخاطرة بالفعل كما لو أنَّ حاجتي الوجدانية لأخذ العالم على محمل دينيٍّ قد تكون نُبوءةً صادقةً.

[37] كلُّ هذا قائمٌ على فرض أنَّ الفرضية الدّينية قد تكونُ نبوءةً صادقةً، وأنّه حتّى بالنّسبة إلينا نحن الذين نناقش الأمر، فالدِّين، باعتباره فرضيةً حيةً، قد يكونُ صحيحا. لأنه، بالنّسبة لمعظمنا، يأتي الدِّين بطريقة تجعل الاعتراض على اعتقادنا الفعال أمراً أبعد بكثير عما هو منطقي. إنَّ الجانب الأكثر كمالا وأبدية في هذا الكون يتمثله ديننا في صورة شخصية. فلم يعدِ الكونُ بالنسبة إلينا مجرد شيء جامد وغير عاقل، وإنَّما صار ذاتا تخاطبنا، فإذا كنا متدينين؛ فأيُّ علاقة قد تكون ممكنة بين شخص وآخر قد تكون ممكنة بيننا وبينه. على سبيل المثال، فعلى الرَّغم من أنّنا، من جهة، نكون أجزاء سلبية من الكون، إلاّ أنّنا من جهة أخرى نظهر استقلالية غريبة، كما لو كنا محاور صغيرة فعالة على تصورنا الخاص. ونشعر أيضًا كما لو أنَّ نداء الدِّين موجه لإرادتنا الطّيبة الفاعلة، وكما لو أنَّ الأدلة على وجود الله قد تُحجب عنا إلى الأبد ما لم نصادف الفرضية في منتصف الطَّريق. لنضرب في ذلك مثلا في غاية البساطة: هبْ أنَّ رجلاً كان في مجمعٍ للنبلاء، وبدلا من يبادرهم بالمودة من أجل التّعارف، طلبَ ضمانًا مقابل كلِّ تنازل، ولم يصدِّق كلمةَ أحدٍ بدون دليل؛ فإنَّ رجلا مثل هذا سيحرِم نفسَه، بسبب هذه الفظاظة، من كلِّ المكافآت الاجتماعية، الَّتي لا يمكن أنْ تنال إلاَّ بروح الثِّقة الزَّائدة، وعلى غرار ذلك، فالمرءُ الَّذي يسجنُ نفسَه داخلَ منطقٍ فظ، ويحاولُ أنْ يجعلَ الآلهة تنتزعُ اعترافَه بها رغماً عنه، فإنَّه لا يحصلُ على هذا الاعتراف مطلقاً، ويمكنُ أنْ يحرمَ نفسَه إلى الأبد من فرصته الوحيدة لمعرفة تلك الآلهة. يبدو أنَّ هذا الشُّعور، الَّذي فُرضَ علينا ولا نعرفُ من أين أتى، هو أنَّنا من خلال الإيمان العنيد بوجود آلهة (على الرَّغم من أنَّ عدم القيام به سيكون سهلاً للغاية بالنسبة لمنطقنا ولحياتنا معا)، فإنّنا نقدِّم للكون أعمق خدمةٍ مُمكنة، ويبدو أنَّ هذا جزءًا من الجوهر الحي للفرضية الدِّينية. فإذا كانت الفرضية صحيحة في كلِّ أجزائها، وتطال هذا الجزء، فإنَّ العقلانية الخالصة، مع اعتراضها على إحرازنا تقدمًا إراديًا، ستكون أمرًا سخيفًا؛ وستكونُ مساهمة طبيعتنا المتعاطفة مطلوبة منطقيًا. لهذا السبب، فإنَّني لا أستطيع، شخصيًا، أن أقبل القواعد اللاأدرية كمنهج للبحث عن الحقيقة، أو أنْ أوافق عن قصد على استبعاد طبيعتي الرَّاغبة عن اللُّعبة. إنَّني لا أستطيع أنْ أفعلَ ذلك لسبب واضح، يتجلى في أنَّ قاعدة التَّفكير الَّتي تمنعُني تمامًا من الاعتراف ببعض الحقائق، إذا كانت موجودة بالفعل، فإنَّها ستكونُ قاعدةً لاعقلانية. وهذا عندي هو مجمل القولِ في المنطق الصُّوري للوضع، بغض النّظر عن ماهية تلك الحقائق.

[38] وأعترفُ أنَّني لا أرى كيفَ يمكنُ التَّخلي عن هذا المنطقِ. لكنَّ التَّجربةَ الحَزينةَ تجعلُني أخشى أنَّ بعضَكم قد يُحجمُ عن القول معي على نحو جذري، فيما هو مجرد،[43] بأنَّ لنا الحق في الإيمان، على مسؤوليتنا الخاصة، بأيِّ فرضيةٍ حية بما يكفي لإغراء إرادتِنا. ومع ذلك، أظنُ أنَّه إذا كان الأمر كذلك، فذلك لأنَّك ابتعدتَ تمامًا عن وجهة النَّظر المنطقية المُجردة، وتفكر (ربما دون أنْ تدرك ذلك) في فرضية دِّينية محدَّدة تعتبرُ بالنسبة إليك فرضيةً ميِّتة. إنَّكم تحملون شعار الحرية الذي يقول: "أن نؤمن بما نشاء" على بعض الخُرافات الواضحة؛ والإيمانُ الَّذي يتبادر إلى ذهنكم هو الإيمان الَّذي حدَّه تلميذ المدرسة حينما  قال: "الإيمان هو أنْ تؤمنَ بشيءٍ تعرفُ أنَّه غير صحيح." ولا يسعني إلاَّ أنْ أكرِّر أنَّ هذا سوء فهم. وفيما هو ملموس،[44] لا يمكنُ لحرية الإيمان إلا أنْ تطال الاختيارات الحية الَّتي لا يستطيعُ عقلُ الفرد الحسمَ فيها بنفسه؛ والاختيارات الحية لا تبدو أبداً سخافة لمن تعرضُ عليه وينظر فيها. فلمَّا أنظر إلى المسألة الدِّينية كما تطرحُ نفسَها فعلاً على أناس بعينهم، ولمَّا أفكر في كلِّ الاحتمالات الَّتي تنطوي عليها عملياً ونظرياً، أجد هذا الأمرَ الصّادر إلينا بأن نلجم قلوبنا وغرائزنا وشجاعتنا، وننتظر، متصرفين بالطّبع في هذه الأثناء، بشكل أو بآخر، كما لو أن الدَّين ليس صحيحًا. فبما أنَّ الإيمانَ يقاسُ بالفعل، فإنَّ من يمنعُنا من الإيمان بصحة الدِّين، يمنعنا بالضَّرورة أيضًا من الفعل كما ينبغي لو كنا نؤمنُ بصحته. إنَّ الدِّفاع السَّليم عن الاعتقاد الدِّيني يتوقف على الفعل. فإذا كان الفعلُ الَّذي تتطلبه أو تستلهمه الفرضية الدِّينية لا يختلفُ بأيِّ حال من الأحوال عما تمليه الفرضية الطَّبيعية، فإنَّ الاعتقاد الدِّيني يكونُ فَضَلة، ومن الأفضل تهذيبُه، والجدلُ حول شرعيته هو مجرد تفاهاتٍ لا تليقُ بالعقول الجادة. فأنا شخصياً أومنُ، بطبيعة الحال، بأنَّ الفرضية الدِّينية تقدِّم للعالم تعبيراً يحدِّد ردود أفعالنا على وجه التَّحديد، وتجعلُه في جزء كبير منه مختلفاً عمَّا قد يكون عليه في مخطط إيماني طبيعي خالص. ربما يكونُ الوقت الّذي تعملُ فيه عقولنا وحواسنا معاً قد جمع ما يكفي من الأدلة حتَّى يوم القيامة، أو حتى ذلك الحين، فهذا الأمر، كما أقول، يبدو لي أغرب صنم تم صنعُه على الإطلاق في الكهف الفلسفي. لو كنَّا مدرسين من المذهب المطلق، لربما كان هناك المزيد من الأعذار. وإذا كانَ لنا عقلٌ معصومٌ من الخطأ مع يقينياته الموضوعية، فإنّنا قد نشعرُ بأنفسنا غير مخلصين لمثل هذا العضو المثالي للمعرفة في عدم الثِّقة به حصريًا، وفي عدم انتظار كلمَته الصادرة. ولكن إذا كنا تجريبيين [أي براغماتيين]، وإذا كنا نعتقدُ أنّه لا يوجدُ فينا جرسٌ يقرعُ ليخبرنا على وجه اليقين لمَّا تكونُ الحقيقةُ في متناولنا، فإنَّه يبدو من الخيالِ الفارغ أنْ نبشِّر بكلِّ جدية بواجبنا في انتظار أن يقرعَ الجَرس. في الواقع، يُمكننا أنْ ننتظرَ إذا أردنا، وأتمنى ألا تظن أنني أنكرُ ذلك، ولكن إذا فعلنا ذلك، فإنَّنا نفعلُ ذلك على مسؤوليتنا كما لو كنَّا مؤمنين. وفي كلتا الحالتين نحنُ نفعلُ، ونضع حياتَنا بين أيدينا. ولا ينبغي لأحدٍ منا أنْ يستعملَ حق النَّقض ضد الآخر، ولا ينبغي لنا أنْ نتلفظَ بألفاظِ الإساءة. ويجبُ علينا، بخلاف ذلك، أنْ نحترمَ بلطفٍ وعمقٍ الحريةَ الفكرية لبعضنا بعض: حينئذ سوف نحقِّقُ دولة العقل؛ وحينئذ سنحظى بروح التَّسامحِ الدَّاخلي الَّتي بدُونها يصبحُ كلُّ تسامحنا الخارجي بلا روح، وهو مجدُ المذهب التَّجريبي؛ وحينئذ سنعيشُ وندعُ الآخرين يعيشون، في القضايا التأملية كما في القضايا العَملية.

[39] وإذا كنتُ قد افْتَتَحْتُ هذه المقالةَ بعبارةٍ مقتبسةٍ من فيتز- جيمس ستيفن؛ فاسمحوا لي أنْ أختمَ حديثي فيها باقتباسٍ منه، إذْ يقول: "ما رأيكُ في نفسِكَ؟ وما رأيكُ في العالمِ؟... فهذه إشكالات يجبُ على الجميعِ معالجتُها بالكيفية الَّتي تبدو لكلّ واحد منهم جيدة. وعلى الرَّغم من كونِها مثل ألغازِ أبي الهول، لكنْ يجبُ علينا بطريقة أو بأخرى أنْ نهتم بها...يجبُ علينا أنْ نقفز في الظَّلام في كلِّ المُعاملات المُهمة في الحياة.... وإذا قرَّرنا تركَ الألغازِ بدونَ إجابةٍ، فهذا اختيار؛ وإذا تردَّدنا في الإجابة عنها، فهذا اختيار أيضا: ومهما كانَ الاختيارُ الَّذي نتخذُه، فإنَّنا نتخذُه على مسؤوليتنا كمُخاطرة. فإذا اختارَ الإنسانُ أنْ يُديرَ ظهرَه تماماً للهِ وللمستقبلِ، فلا يُمكنُ لأحدٍ أنْ يمنَعُه؛ ولا يُمكنُ لأحدٍ أن يُظهرَ بما لا يدعُ مجالاً للشكِ بأنَّه مخطئٌ. وإنْ كانَ يظنُ خلافَ ذلك، ويتصرفُ كما يظنُ، فلا أرى أنَّ أحداً يستطيعُ أنْ يثبتَ أنَّه مخطئٌ. لذلك، يجبُ على كلِّ فردٍ أن يتصرّفَ حسب ما يظنُه الأفضل؛ وإنْ كانَ مُخطئاً، فيا لَسُوء حظه. إنَّنا، في هذه الحالِ، وكأنّنا نقفُ على مَمَرٍ جبليٍّ وسطَ دَوَّامةِ من الجَليدِ، والضَّبابِ يُعمي البصرَ، ومن خلال هذا الفج الجبليِّ نرى من حين لآخر لمحاتٍ من الطُّرقِ الَّتي يُمكنْ أنْ تكونَ خادعةً. فإنْ وقفْنا ساكنين، فإنَّنا سنتجمَّدُ حتَّى الموتِ. وإنْ سلكْنا الطَّريقَ الخَطأ، فإنَّنا سنتحطَّمُ إلى أشلاء. إنَّنا لا نعرفُ على وجه اليقينِ أيُّ طريق من هذه الطُّرق هو المَسلك المُنْجي. فماذا يجبُ علينا أنْ نفعلَ؟ 'فلنكن ذوي بأسٍ وشجاعةٍ.' ولنعملْ من أجلِ الأفضل، ولِنأملْ في الأفضل، ولِنعتبر بما يأتي. . . فإذا أنهى الموتُ كلَّ شيءٍ، فلا يُمكنُنا أنْ نُلاقِيه على نحو أفضل من هذه الحال."[45]

مَصْدَرُ النَّص:

James, William., “The Will to Believe”, in William James, The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy, Longmans Green and Co, New York. London. Bombay, University Press: John Wilson and Son, Cambridge, U.S.A, 1897, pp.1-31.

* - هذه المقالة في الأصل محاضرة ألقيت أمام الناديين الفلسفيين بجامعتي ييل وبراون. ونُشرت في مجلة العالم الجديد، في شهر يونيو، سنة 1896.
** - أستاذ الفلسفة، حاصل على الدكتوراه في الفلسفة من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، التابعة لجامعة ابن طفيل، القنيطرة.

 

مجموع مؤلفات وليام جيمس (عن الموسوعة الفلسفية لجامعة ستانفورد)

جُمعت أعمال وليام جيمس في سبعة عشر مجلدا، وصدرت ضمن منشورات جامعة هارفارد سنة 1975. لكن هذا لا يمنع من ذكر أهمها. والّتي تستعمل حروف اختزالية للإشارة إلى أشهرها. تشير الحروف الموجودة بين معقوفتين إلى كل مؤلَف بعينه، ويمكن عرضها حسب الترتيب في اللائحة أسفله كالآتي: يشار إلى كتاب "مبادئ علم النفس" اختصارا بالحرفين [PP]؛ ويشار إلى كتاب "الإرادة المؤدية إلى فعل الإيمان  ومقالات أخرى منشورة في المجلة الشعبية" اختصارا بالحرفين [WB]؛ ويشار إلى كتاب "خطاب إلى أساتذة حول علم النفس وإلى الطّلبة حول الحياة المثالية" اختصارا بالحرفين [TT]؛ ويشار إلى كتاب "تنوعات للتجربة الدّينية" اختصارا بالحرف [V]؛ ويشار إلى كتاب "البراغماتية" اختصارا بالحرف [P]؛ ويشار إلى كتاب "عالم متعدد" بالحرفين [PU]؛ ويشار إلى كتاب "معنى الحقيقة" اختصارا بالحرفين [MT]؛ ويشار إلى كتاب "مقالات في الفلسفة" اختصارا بالحرف [E].

  • The Works of William James, Cambridge, MA and London: Harvard University Press, 17 vol., 1975–.
  • William James: Writings 1878–1899. New York: Library of America, 1992.
  • William James: Writings 1902–1910. New York: Library of America, 1987
  • “Remarks on Spencer’s Definition of Mind as Correspondence,” first published in The Journal of Speculative Philosophy, 1878. Contained in Essays in Philosophy, pp. 7–22.
  • The Principles of Psychology, Cambridge, MA: Harvard University Press, 1981. Originally published in 1890 [PP].
  • The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy, Cambridge, MA and London: Harvard University Press, 1979; first published in 1897 [WB].
  • “Philosophical Conceptions and Practical Results,” 1898. Contained in Pragmatism, in The Works of William James, pp. 255–70.
  • Talks to Teachers on Psychology and to Students on Some of Life’s Ideals. New York: Henry Holt, 1899 [TT].
  • The Varieties of Religious Experience, New York: Longmans, Green, 1916. Originally published in 1902 [V].
  • Pragmatism. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1979. Originally published in 1907 [P].
  • A Pluralistic Universe. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1977. Originally published in 1909 [PU].
  • The Meaning of Truth, Cambridge, MA and London: Harvard University Press, 1979 [MT]. Originally published in 1909.
  • Essays in Philosophy. Cambridge, MA and London: Harvard University Press, 1978 [E].
  • Some Problems of Philosophy. Cambridge, MA and London: Harvard University Press, 1979. Originally published in 1911.
  • The Letters of William James, ed. Henry James, Boston: Little Brown, 1926.
  • The Correspondence of William James, ed. Ignas K. Skrupskelis and Elizabeth M. Berkeley, 12 volumes. Charlottesville and London, University Press of Virginia, 1992–.
  • Selected Letters of William and Henry James, Charlottesville and London, University Press of Virginia, 1997.

 [1] - ترجم الكتاب الَّذي يتضمن هذه المقالة، والَّتي سُمِّي باسمها إلى العربية بصيغة "إرادة الاعتقاد". انظر كتاب: جيمس، وليام، إرادة الاعتقاد، ترجمة محمود حب الله، دار إحياء الكتب العربية، 1946.

[2]- Motion in the direction.

[3]- Approaching or reaching (until).

[4] - سُمِّي الفعل مضارعا في العربية لأنه يُشبه الأسماء في البناء، والمضارعة تعني المشابهة، ولا تعني الزّمن الحاضر والمستقبل، فالمضارع إذا اقترن بحرف السّين، أو  'سوف' يدل على الاستقبال، لكن إذا لم يقترن بحرف استقبال، فقد لا يدل على زمن محدد، بمعنى قد يدل على الماضي، أو على الحاضر، أو على المستقبل حسب السّياق. لذلك، اعتبرنا الفعل في صيغة infinitive مضارعا، وليس مصدرا، لأنّ المصدر في العربية، ليس هو الفعل حسب البصريين، وإنَّما هو الاسم، بخلاف الكوفيين وبعض علماء الصّرف يعتبرون الفعل هو الأصل.

[5] - لما نعتمدُ هذه الترجمة فإنَّنا لا نستند إلى ما هو شائع وذائع، وإنَّما نبحثُ في أصول الدّلالات اللُّغوية أولا، ثم نبحث في التّداول ثانيا، وما يشير إليه المؤلف الّذي اختار العنوان بدقة ثالثا. وإذا ركزنا على التّداول، فكم نعجب من أشخاص يميزون بين لفظ 'Belief'، ولفظ 'Faith'، ويترجمون الأول بلفظ "الاعتقاد"، ويجعلون اللفظ الفرنسي 'Croyance' مرادفا له، ويترجمون الثاني بلفظ "الإيمان"، ويجعلون لفظ 'Foi' مرادفا له. لكن لمَّا نفتح الكتب المقدسة (الأناجيل، وترجمات القرآن)، نجد المؤمنين يطلق عليهم اسم 'Believers'، و'Croyants'، ولا نجد لفظ 'Faith' مستعملا. كما أن الشخص إذا أقر بالإيمان بالله في التداول، فإنه يقول: 'I believe in God'، بالإنجليزية، ويقول: 'Je crois en dieu' بالفرنسية. إذن، فكيف نستعمل هذه الأفعال بمعنى الإيمان، ونترجم مصدرها بمعنى الاعتقاد. لكن لما نرجع إلى العربية، نجد لفظ الإيمان هو اللفظ العام في القرآن. أما لفظ الاعتقاد، فغير وارد في القرآن، لكن كتب الاعتقاد في أصول الدين، تقرن الاعتقاد بالعقيدة الإسلامية، ولهذا اعتبرنا أن الإيمان مطلق وعام، والاعتقاد خاص بعقيدة معينة، وكذلك لفظي 'Faith'، و'Foi'، وإن كانا واردين في الكتب المقدسة، فإنهما يستعملان حصرا في الاعتقاد الديني. فتأمل ذلك.   

[6]- James, W., Pragmatism: A New Name for some Old Ways of Thinking, Popular Lectures on Philosophy, Longman, Green CO, New York, 1931, pp. 46-47: «It lay entirely unnoticed by any one for twenty years, until I, in an address before Professor Howison’s philosophical union at the university of California, brought it forward again and made a special application of it to religion. By that date (1898) the times seemed ripe for its reception. The word ‘pragmatism’ spread, and at present it fairly spots the pages of the philosophic journals. »

[7]- James, William. “The Will to Believe”, in William James, The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy, Longmans Green and Co, New York. London. Bombay, University Press: John Wilson and Son, Cambridge, U.S.A, 1897, pp.1-2: « I have brought with me to-night something like a sermon on justification by faith to read to you, I mean an essay in justification of faith, a defence of our right to adopt a believing attitude in religious matters, in spite of the fact that our merely logical intellect may not have been coerced. ‘The Will to Believe,’ accordingly, is the title of my paper. »

[8]- Ibid., p.17:«And where faith in a fact can help create the fact, that would be an insane logic which should say that faith running ahead of scientific evidence is the “lowest kind of immorality” into which a thinking being can fall. »

[9] - Leslie Stephen (1832-1904) ناقد، ومؤرخ، وكاتب سير، وناشط حقوقي من أصل إنجليزي؛ اهتم بالأخلاق، ودافع عن النَّفعية واللاأدرية في الأخلاق. أهم مؤلفاته: علم الأخلاق (1882)، ومقالات حول حرية التفكير وصراحة التعبير (1873)، ودفاع عن اللاأدرية ومقالات أخرى (1893)، والحقوق والواجبات الاجتماعية (1896)، والنفعيون الإنجليز (1900)، وسيرة حياة السيد جيمس فيتزجيمس ستيفن (1895)، وهي الَّتي تحدث عنها وليام جيمس في هذه المقالة.

[10] - James Fitz-James Stephen (1829-1894) محام، وقاض، ومشرِّع، وفيلسوف إنجليزي، اهتم بالدفاع عن الحق في الاعتقاد الدّيني، ويعتبر أحد منتقدي فكر جون ستيوارت مل. وهو الشَّقيق الأكبر للناقد ليزلي ستيفن المشار إليه أعلاه. أهم كتبه: الحرية، والعدالة، والأخوة، الَّذي اقتبس منه وليام جيمس نصا في الفقرة الأخيرة من هذه المقالة، وله مقالات عدة، أهمها: "المسؤولية والتَّكليف العقلي" (1865)، "الحقيقة الضَّرورية" (1875)، "القوانين الإنجليزية الخاصة بالتَّعبير عن الرَّأي في الدِّين" (1875)، "التأثير عن الأخلاق والانحراف في الإيمان الديني" (1878)، "المسطرة الجنائية من القرن الثالث عشر إلى القرن الثامن عشر" (1908).

[11] - فريتوف نانسن Fridtjof Nansen (1861-1930)، مستكشف، وعالم حيوان، وسياسي من أصل نرويجي، يعتبر أول من نظم رحلة استكشافية إلى القطب الشمالي، تقلد مجموعة من الميداليات والأوسمة على أعماله الاستكشافية والإنسانية.

[12] - هذه الفقرة موجودة في المقالة، لكنها محذوفة من ترجمة محمود حب الله: انظر الصفحة 7 من كتاب إرادة الاعتقاد للفيلسوف الأمريكي وليام جيمس، ترجمة محمود حب الله، دار إحياء الكتب العربية، 1946.

[13] - لمزيد من التفصيل في فهم رهان پاسكال، يمكن الرجوع إلى الترجمة العربية لكتاب "الخواطر" لبليز پاسكال. (پسكال، بليز، الخواطر، ترجمة إدوار البستاني، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، المكتبة الشرقية، بيروت، لبنان، 1972. من الصفحة 84 إلى الصفحة 88.)

[14] - وردت هذه العبارة المقتبسة من پاسكال بالفرنسية كما يلي: « Cela vous fera croire et vous abêtira

[15] - آرثر هيغ كلاوف Arthur Hugh Clough (1819-1861)، شاعر، ومربي إنجليزي.

[16] - توماس هنري هاكسلي Thomas Henry Huxley (1825-1885)، بيولوجي، وأنثروبولوجي إنجليزي، مختص في التشريح المقارن، يعتبر رائد المذهب اللاأدري، واشتهر بدفاعه المستميت عن نظرية التطور لداروين في وجه أساقفة الكنيسة، وله في ذلك محاورات مشهورة معهم.

[17] - هذا النص مقتطف بتصرف من مقالة وليام كينغدون كليفورد: "أخلاق الإيمان". انظر ترجمتنا لها مع التقديم في موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود، الفلسفة والعلوم الإنسانية، ترجمات، 20 شتنبر، 2024.

[18] - آرثر جيمس بيلفور Arthur James Balfour (1848-1930)، رجل دولة، وأول رئيس وزراء للمملكة المتحدة، وزعيم حزب المحافظين. عرف بنشاطه في السياسة الخارجية أثناء الحرب العالمية الأولى، واشتهر بمساندته للشعب اليهودي في إقامة دولة خاصة بهم، من خلال الوعد المشؤوم الذي سُمِّي باسمه.

[19] - جون هنري نيومان John Henry Newman(1801-1890)، لاهوتي كاثوليكي، وفيلسوف، وأديب بريطاني.

[20] - وردت هذه العبارة باللاتينية بالصيغة الآتية: "adequatio intellectûs nostri cum rê". ومعناها: "تلائم عقلنا مع الواقع".

[21] - وردت هذه العبارة باللاتينية بالصيغة الآتية: "aptitudinem ad extorquendam certum assensum". ومعناها: "القدرة على انتزاع يقين ما".

[22] - وردت هذه العبارة باللاتينية بالصيغة الآتية: "quietem in cognitione". ومعناها: "الطمأنينة في المعرفة".

[23] - وردت هذه العبارة باللاتينية بالصيغة الآتية: "entitas ipsa"، وتعني: "الوجود ذاته".

[24] - وردت العبارة في النص كالآتي:

 “…,when once the object is mentally received, that leaves no possibility of doubt behind ; and in the whole transaction nothing operates but the entitas ipsa [entity itself] of the object and the entitas ipsa of the mind.                                                                                               

[25] - Johann Karl Friedrich Zöllner (1834-1882)، فيزيائي، وفلكي ألماني.

[26] - Charles Howard Hinton (1853-1907)، عالم رياضيات بريطاني اهتم بالأبعاد الهندسية، وبالخصوص بالبعد الرابع، ويعتبر من الأوائل الذين اهتموا بالخيال العلمي.

[27] - استعمل وليام جيمس هنا العبارة اللاتينية: consensus gentium للدلالة على الإجماع.

[28] - Thomas Reid (1710-1796)، فيلسوف اسكتلندي، عرف بمنهجه الفلسفي القائم على الحس المشترك، ومفاد هذا المنهج أنه «على حسب اعتقادي، إذا كانت هناك من مبادئ مُحدَّدة يقودنا تكوين طبيعتنا إلى تصديقها، ونضطر إلى اعتبارها أمرًا مسلمًا به في شؤون الحياة المشتركة، دون أنْ نكون قادرين على تقديم سبب لإثباتها، فهي ما نسميه مبادئ الحس المشترك؛ وما يتعارض معها بشكل واضح، هو ما نسميه العبث.» انظر كتاب ودنبرغ:

 Cuneo; Woudenberg, eds. (2004), The Cambridge companion to Thomas Reid, Cambridge University Press, p. 85

[29] - في فلسفة كانط يدل مفهوم Grenzbegriff على حدود التَّجربة الحسية (عن معجم أكسفورد). (المترجم).

[30] - عبر عن نقطة البداية بالصِّيغة اللاتينية: (teminus a quo)

[31] - عبر عن النتيجة النهائية بالصِّيغة اللاتينية: (terminus ad quem)

[32] - هنا دافع وليام جيمس عن وجهة نظره البراغماتية للحقيقة، والتي تم تلخيصها على نحو جيد في الفصل الأول من كتابه الذي عنوانه "البراغماتية".

[33] - ذكر جيمس بالحرف نظرية أشعة لرونتجن Röntgen Rays.

[34] - Herbert Spencer (1820-1903) فيلسوف، وعالم اجتماع بريطاني، عرف بتطبيق نظرية التطور الداروينية على الظواهر الاجتماعية، وسميت نظريته 'الداروينية الاجتماعية'.

[35] - August Weismann (1834-1914) طبيب، وعالم بيولوجي بروسي، يعتبر من المدافعين عن نظرية التطور لتشارلز داروين.

[36] - قارن مقالة ويلفريد وارد، "الرغبة في الإيمان،" في كتابه شهود الغيب، ماكميلان وشركاه، 1893. (الناشر)

[37] - عبارة باسكال وردت بالفرنسية كالآتي: "Le cœur a ses raisons que la raison ne connait pas".

[38] - يشير مذهب "الشكوكية الميفيستوفيلية Mephistophelian scepticism" إلى تصور شكّي ماكر، وساخر، ومدمر فكريًا، يشبه إلى حد كبير شخصية ميفيستوفيليس الشيطانية. وهو شكل من أشكال الشك الجذري، يرتبط غالبًا بفكرة وجود قوة جبارة ومخادعة، مثل عبقري شرير، قد تضلك عن قصد بشأن كل ما تدركه، وتعتقد أنه صحيح. وعلى عكس الشك الأكثر اعتدالًا، يتميز هذا النوع بنبرته التي قد تحمل طابعًا خبيثًا وعدميًا. (المترجم)

[39] - استعمل وليام جيمس اللفظ الفرنسي naïveté للدالة على السذاجة.

[40] - وردت هذه العبارة بالصيغة اللاتينية: ad extorquendum assensum meum.

[41] - Charles Gabriel Rodolphe Secrétan (1815-1895) فيلسوف، وقاض، ومربي، ولاهوتي بروتستانتي من أصل سويسري، اشتهر بأطروحته التي تقول: "إنّ اللهَ ليس واجبَ الوجود، وإنّما هو حرُ الوجود"؛ وله قول مشهور: "أنا الّذي أريدُ الوجود".

[42] - استعمل وليام جيمس تعبير "الفرقة النّاجية" من باب التّهكم، استنادا إلى التّصور اليهودي، بل وحتى عند بعض المسيحيين والمسلمين)، الّذي يعتبر من خلاله اليهود هم "شعب الله المختار"، ويمكن أن نعزو تعبير "الفرقة الناجية" إلى أصحاب المقالات، الذين اعتبروا هناك فرقة واحدة هي الّتي تكون ناجية، وستدخل الجنة، وكلّ الفرق الأخرى ضالة، وستدخل النار. (المترجم).

[43] - استعمل وليام جيمس هنا التعبير اللاتيني in abstracto.

[44] - استعمل وليام جيمس هنا التعبير اللاتيني in concreto.

[45] - جيمس فيتزستيفن،الحرية، والمساواة، والأخوة، ص 353، الطبعة الثانية. لندن، 1874.