شوبنهاور: نقد السببية والسعادة الممكنة – محمد البوعيادي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

لا يجب التعويل على الفلاسفة لإيجاد أسبابٍ للعيش" كليمن روسي
ليس شوبنهاور هو الفيلسوف الكلاسيكي الأخير مثلما يحلو للبعض تسميته، لكنه أول فيلسوف حداثي، وأول من خلخل بنية الفكر الكلاسيكي فيما سيعرف لاحقًا بموجة "فلاسفة الشك" كما سمّاهم بول ريكور: شوبنهاور، نيتشه، ماركس وفرويد. اشترك هؤلاء في براديغم ينطلق من كون الظواهر والموجودات والمنظومات ليست في ماهيتها كما تظهر للحواس والعقل وكما تشكلت سردياتها عبر التاريخ، بل هناك آليات غير ظاهرة تتحكم فيها، يتطلب الأمر نظرًا حفريًّا للكشف عن قوانينها المخفيّة ولحظات انبثاقها في اللغة وتطبيقاتها في الحياة.

سمَّى نيتشه منهجه في كشف طبقات المعنى التي تكتسبها المفاهيم والمبادئ -الأخلاقية خصوصًا- الجينالوجيا، أي منهج البحث في الأصول انطلاقًا من الشك في ما وراء ما هو ظاهر وما هو مُعطى في سرديات اللغة والسلطة القائمة بكل تجلياتها، بحثًا خلف ظاهر الأشياء المعلومة والواعية. انخرط ماركس في كشف حقيقة المجتمع والتراتبية الاجتماعية، إذ قبله كان القدر الاجتماعي والاعتقاد بتراتبية من أصل إلهي (الحق الإلهي) سائدًا، لكنه كشف أن الأمر مرتبط بشبكة من علاقات الإنتاج والسلطة، أما فرويد فقد اعتبر أن تحت المظهر البسيط للعقل كما تصورته التأملات الفلسفية الكلاسيكية هناك جزء غارق من الجبل الجليدي لا يخضع للمقولات، وأكد أن الغرائز التي لا يتم التعبير عنها تنحو إلى التراكم في بنية لاواعية عميقة، هي ما يُشكل الهوية غير المدركة للذات، وبالرغم من كل الاعتراضات اللاحقة في علم النفس الإكلينيكي وعلم نفس الأعصاب والعلوم المعرفية على طرح فرويد التأملي، ورغم كل النقد الليبرالي لما اعتبر طوباوية ماركس، والنقد السيكولوجي لمأساة نيتشه التي انعكست آثارًا واضحة في نسقه الفكري، إلا أن كل هؤلاء شكلوا "إبستيميا" جديدًا يقطع مع إبستيمي العصر الكلاسيكي المتّسِم بالتماثل L’analogie، وفتحوا الباب أمام مباحث جديدة تُعيد تعريف الإنسان والمجتمع والطبيعة والوجود، ليس انطلاقًا من تراكم التصورات التأملية المتوارثة والتي تتفاعل بمبدأي القياس والأضداد (التطابق والديالكتيك)، بل بحثًا في ما أهمله التأمل والسّبر الفلسفي القديم: مناطق الظل: طبقات النفس ومفاتيح الاقتصاد وأصل الأخلاق ودوافع الفعل الإنساني. وذلك عبر محاولة سكّ المفاهيم القادرة على استيعاب واقع نسبي ومنفلت ومُخاتل ومتحرّك بشكل دائم، واحتمالية وجود أشياء غير قابلة للتعريف الحدّي أو مطابقة الهوية لذاتها، بل هي مناط التناقض والتعدد حسب اختلاف زوايا النظر والشروط التاريخية واختلاف البيئة والدوافع، البحث في ما لم تكن لغة السابقين قادرة على احتوائه، ومن ثمة لم تكن أُطُر الذهن تستوعب وجوده ... غير أنه قبل كل هؤلاء، كان شوبنهاور....

كان شوبنهاور قد أنتج إرهاصات أولى لفلسفة غير مكتملة، لكنها شقّت طريقًا جديدًا للبحث في ماهية الإنسان ودوافعه دون التسليم بكل الإرث اليهودي المسيحي الإغريقي المركب، والذي شكل أطر وعي أوروبا عبر التاريخ.

كان شوبنهاور لغويًا متمكنًا، يتحدث الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، تخلى عن التجارة واهتم بتعلم اللغات، وعن طريق تلك اللغات استعد للعودة إلى الفلسفة، متبعًا تقليدًا جديدًا، حيث لا يكتفي العارف باللغات بالبحث الفيلولوجي في أصول اللغات، بل يتجاوزه إلى البحث الفيلولوجي في أصل المفاهيم والمنظومات الفكرية والدينية والاجتماعية، بلغة أخرى كان أول من نقل مفهوم البحث الفيلولوجي في الأصول من مجال اللغات إلى مجال الفلسفة والفكر، وهذا بحد ذاته يعتبر فتحًا جديدًا في دراسة أطر الذهنية الإنسانية، وهكذا كشف الزيف عن مفاهيم: الإرادة الحرة والحرية والحب والموت والعقل...

لكن نتائج بحثه شكلت صدمة لمعاصريه، بحيث اختاروا تجاهله تمامًا لعدم قدرة الأفق الفكري لزمنه على فهم الوجاهة في فكره، وهكذا ظل يقال إنه متشائم ومزاجي، وتمت التغطية بأحكام القيمة على ما هو جوهري في عمله، بالرغم من كونه الوحيد في مُجايليه من بحث في ما وراء النموذج التفسيري للمعرفة لفهم غاية الوجود البشري وقراءة السعادة الإنسانية قراءة مستقلة عن النماذج الغائية.

وُضع عمل شوبنهاور تحت يافطة تصنيفية مجحفة: التشاؤم. إذ يميل الكثير من القراء للتشاؤم لأنه يعطي مظهرًا عامًا بالعمق، عكس التفاؤل الذي يجعل المرء يظهر غبيًا، لذلك إلى حدود وقت قريب صار توظيف تشاؤمية شوبنهاور المنشودة موضة بين الشباب القارئ. لكن المتأمل في فلسفته يكتشف مفارقة بين محاولته تحرير الإنسان من الأوهام المتوارثة ليعيش سعيدًا (وقد كتب كتابًا حول ذلك) وبين ربط نتاجه بالكآبة والانزلاق السريع نحو التأويل السيكولوجي لمقاطع من كتاباته.

في العمق لا ينبني تشاؤم شوبنهاور على أي "باثوس" (مشاعر)، لكن على العكس تمامًا مال إلى تبيين أن العالم بلا معنى من خلال شك عقلي، فهو يشك في الكليات الدينية والحقائق الفلسفية السابقة. هو متشائم ليُحضِرَنا لطريق نحو السعادة الممكنة (في حدود فهم الإرادة)، لا أدلّ على ذلك ارتباطه العميق بالبوذية: كتب في سبيل ذلك «فن العيش الحكيم» وحاول وضع أسس عقلية لفن عيش حديث يستنبط قواعده من فكر قديم استطاع أن يوصل معتنقيه إلى الأتراكسيا وحالة "التنوّر" حيث ينحو الحكيم إلى تجنب الألم، لذلك أعلى من شأن الكتابات الهامشية التي لم ترتبط بالتنظير المجرد في ما وراء الطبيعة. ولم يكن من بُدّ إذا من تفكيك وهم المعنى الوجودي أولاً، الذي عليه تنبني السرديات الدينية والميتافيزيقية التي تدعي امتلاك معرفة مطلقة عقلانية وغيبية، قادرة على توجيه الإنسان إلى "غاية نهائية". ومن ذلك التفكيك بزغ مفهومه للعبث واللامعنى، لكنه لم ينشأ كما أسلفنا عن انطباعات سيكولوجية، بل عن عمل عقلي دقيق وطويل في تحليل المبدأ الأساسي للمعرفة الإنسانية في زمنه: السببية.

ما دامت السببية هي الأساس الذي انبنى عليه الخطاب المسيحي في الثيولوجيا والفلسفة (هيغل خصوصًا).

يعتقد كليمن روسي أن سبب إهمال العمل التحليلي لشوبنهاور يكمن في كون قرائه ركزوا على مفاهيم ثانوية في فلسفته مثل «أخلاق الشفقة والزهد» و"التشاؤم" و"المثالية الجمالية" و"الشر المطلق" و"لاغائية الوجود" إلخ، وأهملوا ما هو جوهري بالأساس، الأساس القاعدي للموقف الوجودي: التحليل الجينالوجي للنزعتين الوضعية والعقلانية في عصر التنوير، وهكذا جاءت صورة شوبنهاور كما تلقيناها نتيجة كتابات بداية القرن العشرين حيث تم تناوله في الصالونات الأدبية التي تؤثر التذوق والحكم على التحليل، فأرسلت لنا صورة الشخص المتشائم المتعجرف محب الحياة متقلب المزاج كما ترسمه اللوحة البورتريه في خمسينيات عمره بملامح قاسية تحمل دلالات ورسائل لا تخفى عن قرائه..

لكن في الجوهر كانت فلسفته تضم بذرات أولية لفلسفات انقلابية على التقليد العقلاني: نيتشه وماركس وفرويد أنفسهم، فهو أول المحررين من الأوهام والسرديات الكبرى، ليفسح المجال لنا كي نفكر جليًا في عالمنا ووجودنا من منطلق لا يخضع لمقولات تأسست على النسيان والتراكم والمواضعات والعلاقات المركبة للسلطة والثقافة، بل من منطلق مواجهة الحقيقة، ثم البحث عن السعادة موضوعيًا (دائمًا في حدود الممكن).

1. الحدس الجينالوجي ونقد السببية في غير الظواهر الطبيعية:

لتفكيك أسطورة المعاني الدينية والميتافيزيقية للعالم (كما عند ديكارت وهيغل وسبينوزا وليبنتز وكانط وشيلينغ) بدأ شوبنهاور يطور ما أسماه روسي "الحدس الجينالوجي" منذ 1813 مع رسالة الدكتوراه ثم سنة 1818 في كتابه "العالم كتمثل وإرادة"، يعني قبل كل من ماركس وفرويد ونيتشه قطعًا، ووجه حدسه لنقد التفسير الأنطولوجي لوجود الإله ومن ثمة نفي وجود غاية الحياة والتاريخ (21-22 Le quadruple principe, pp) عبر نقد عدم تمييز كل الفلاسفة السابقين بين "مبدأ المعرفة" Principe de savoir ومبدأ السببية La causalité، لأن الأول مبدأ الحكم على الفكر والذهن والنفس، والثاني مبدأ يفسر ارتباط العناصر الطبيعية المادية ببعضها، فقد قاموا بسحب السببية على قضية وجود الإله ليخدموا أنساقهم الميتافيزيقية (مفهوم الإمكان عند كانط خصوصًا)، بل حتى إنهم لا يطبقون مبدأ السببية إلى نهايته، بل يجزئونه عندما يرغبون في وقف سلسلة الأسباب ويضعون مبدأ للمعرفة على رأس السلسلة!

وبالرغم من ضآلة تجلي الحفر الجينالوجي في الأصول الخفية للمقولات والمفاهيم والبحث عن أسيقة وعلاقات إنتاجها في كتابه، إلا أن بحثه في مفاهيم السببية والمعنى يحيلنا على عدم اقتناع بمنطوقها كما هي مركزًا على المعاني الخفية والمحركات غير المرئية للسلوك البشري ولدوافع الإرادة عوض العقل "وحده".

يتكئ شوبنهاور في نقده على مجموعة من الأبحاث، منها ما صرح به كبحث Wolff ومنها ما يتجلى في نسقه الفلسفي، خصوصًا رسالة ديفيد هيوم (بيان عن الطبيعة البشرية)، وقد اعتمد عددًا من منطلقات ذلك البحث التجريبي في نقض السببية، ليبين أن التفسير بمنطوق قوانين الطبيعة لا يقدم معنى للتجارب المرتبطة بالنفس البشرية، بل يفسر آليات اشتغال الطبيعة فقط، كما أنه لا يبين سبب وجود هذه القوانين أو الموجودات ذاتها، وهنا ينشأ عنده شكل من الذعر من فشل عملية السببية في الاستمرار حتى النهاية في النموذج التفسيري السببي للوجود والموجودات.

ينطلق هيوم في "رسالته" لتعريف السببية من التجربة، وبالضبط التجربة المقترنة بالحواس والذاكرة، بالنسبة له لا توجد سببية منطقية مجردة، بل هي الاقتران الحسي في الذاكرة بين الشيء وما يرتبط به لحظة، لذلك إذا افترضنا أن أي شيء لا يمكن أن يوجد بذاته إلا بسبب، فإن "وجود سبب يعادل الشيء نفسه"، يعني أن السبب هو الشيء نفسه لأنه بانتفائه ينتفي الشيء وهذا أمر غير ممكن وفقًا لمبدأ عدم التناقض، فليس الشيء هو ما ارتبط في الذاكرة بكونه حافزًا له أو مؤثرًا مباشرًا لحدوثه، بل الشيء هو نفسه وما ارتبط به يظل شيئًا آخر.

ينكر هيوم أن تكون الأسباب ناشئة ذهنيًا فقط، فهي انطباعات عن الذاكرة أو إدراك مباشر بالحواس، والنقد الأساس للسببية يكمن في استحالة معرفة أساس الانطباعات الحاصلة عن الحواس، يقول:

"أما الانطباعات التي تنشأ من الحواس، فإن علتها النهائية في نظري غير قابلة للتفسير تمامًا بالعقل البشري. وسيظل من المستحيل دائمًا أن نقرر بيقين هل تنشأ مباشرة من الموضوع أم تنتجها القدرة الخلاقة للعقل أم تستمد من خالق وجودنا" (Hume, A treatise, ISN).

ويؤكد أن الانطباع الصادر عن الحواس مباشرة أو الشكل الذي يظل به عالقًا في الذاكرة يتم استرجاعه، وهذا الاسترجاع هو ما يؤلف الأساس الذي به نربط علة ما بمعلول:

"فالإيمان هنا (بالعلاقة بين سبب ومسبَّب) هو الشعور بانطباع مباشر صادر عن الحواس، أو بتكرار ذلك الانطباع في الذاكرة. إن قوة الإدراك وحيويته هو ما يؤلف الفعل الأول للحكم. وذلك الإدراك وأثره هو ما يضع الأساس للاستدلال الذي نبنيه عندما نتتبع علاقة السبب والمُسبَّب" (Idem).

هكذا يؤكد هيوم أن الانطباع الناتج عن تجربة ظلت في الذاكرة هو ما يمنحنا فهم العلاقة بين علة ومعلول، وليس وجود العلة مرتبطة بالشيء مباشرة في الذهن، ويمثل لذلك بارتباط اللهب بالحرارة قائلاً:

"نتذكر أننا رأينا ذلك النوع من الموضوعات، ما نسميه لهبًا. وحينها شعرنا بذلك الإحساس الذي نسميه دفئًا (حرارة). ونستحضر اقترانهما الدائم في جميع الحالات الماضية، ومن دون أي عمل إضافي، نسمّي أحدهما سببًا" (Idem).

بالرغم من هذا الفهم المغرق في التجريبية التي تقصي أهمية ملكة الترميز وعمل العقل، والذي سيتضح لاحقًا أن الذهن البشري يشتغل بشكل مختلف تمامًا عنه، أي باعتماد الروابط اللسانية والمنطقية أيضًا، إلا أنه شكل مرتكزًا أساسيًا لشوبنهاور كي يفهم أن هناك مشكلة ما في سحب الفهم السببي على كل مضامير التجربة الوجودية، إنسانًا وقضايا، وسيلاحظ -وهو ينشئ تقسيمه الشخصي لفروع العلة الكافية- الفروق الجوهرية بين الضرورة الفيزيائية والضرورتين المنطقية والأخلاقية.

يؤكد في أول كتبه "الأصل الرباعي لمبدأ العلة الكافية" أن السببية بمعناها العام ليست سوى إحدى مرتكزات الإدراك والتمثل البشري، وهي مثلما تنطبق في العلوم الطبيعية تسببت في سحب مفهومها على كل المعارف مما أدى إلى اختفاء الدهشة وطرق الكشف والفهم الجينالوجي للظواهر والمفاهيم والقضايا لصالح طغيانها وتحولها إلى النموذج الأوحد للمعرفة، حيث صار الربط ميكانيكا بين كل المفاهيم والسلوكيات وأسباب مباشرة ظاهرة، بيد أن تلك المسببات في جوهرها نتيجة لتراكمات وطبقات من المعاني خاضعة لضرورات الإرادة والنفس أحيانًا وغير مفهومة في معظم الأحيان، ونحن لا نفكر في جوهرها وكُنْهها هي نفسها: فلا يكفي أن يكون السبب سببًا ويؤدي إلى نتيجة لندعي أننا فهمنا جوهره والغاية من كل سلسلة المسببات والأسباب. كما أن شوبنهاور اعتبر السببية ليست هي نفسها في كل الميادين، فبالنظر لأصولها ومجالات تطبيقاتها تختلف قيمتها التفسيرية وقابلية الاعتماد عليها، يقول في رسالته للدكتوراه ناقدًا تعميم "مبدأ العلّة الكافية":

"إذا نجحتُ في البرهنة على أن المبدأ الذي هو موضوع هذه الدراسة (مبدأ العلة الكافية) ينبُعُ من معارف أساسية متعدّدة في أذهاننا، لا من معرفة واحدة مباشرة، فسينتج عن ذلك أن مبدأ الضرورة الذي يحملُه معه، بوصفه مبدأ مقرّرًا قبليًا، لن يكون هو أيضًا واحدًا ولا متماثلاً في كل موضع، بل سيكون متعددًا بقدر تعدُّد مصادر المبدأ نفسه" (Le quadruple, Intro).

يعيد شوبنهاور المقولات العقلية المكتسبة قبلاً عند كانط (المقولات الاثنا عشر للفهم) إلى واحدة فقط هي السببية، فغيرها مجرد نوافذ لواجهة واحدة، لكن الخطأ المتراكم في الفلسفة السابقة بالنسبة له تجسد في سحب مفهوم السببية على كل ظواهر الحياة، بما فيها الظاهرة الإنسانية، وهنا كان لا بدّ من التمييز عنده بين أربعة مجالات للمعرفة:

  • مضمار التمثلات الحسِّيَّة: مجال الظواهر الطبيعية، المجال الوحيد الذي يلبس لبوس المبدأ السببي في التفسير ويناسبه. كتفسير حركة الجسم بالقوة الدافعة.
  • مضمار المفاهيم المجرّدة: حيث السببية ليست سوى علاقة معرفة ما مع نتائجها، لكنها ليست تفسيرًا لوجودها.
  • ومضمار المُدركات القبلية: الذي يهم الحدس الخالص.
  • مضمار الإرادة: حيث تشكل قوة الإرادة العمياء الحافز للفعل، ويسميه شوبنهاور "السببية منظورًا إليها في العمق". أي المبدأ الذي يقع خلف السببية نفسها، فهو لا يقصر الإرادة على الإنسان، بل هناك إرادة عامة تشمل كل أشكال الحياة في الكون.

فالمبدأ العقلي الذي يفسر لماذا الأشياء على ما هي عليه لا يمكن اختزاله في السببية فقط، بل هو مبدأ رباعي الأصل من الحدس والإرادة والسببية والتأمل المجرّد. بلغة أخرى هناك أربعة أشكال أخرى للضرورة، وليست الضرورة سببية فقط كما يوهم من يسحبون مبادئ الفيزياء على كل مظاهر الوجود (Rosset, p.19) فهناك:

  • الضرورة الفيزيائية (علة الصيرورة): حيث ظاهرتان تفسران بعضهما البعض من خلال علاقة السببية. هنا فقط نتحدث عن السبب.
  • الضرورة المنطقية (علة المعرفة): مخالفة التناقض العقلي وربط المقدمات بالنتائج، وكيف نحكم بأن قضية ما موجودة ثم هل هي صحيحة أو كاذبة، أي التصور والتصديق. هنا نتحدث عن العلة المنطقية، وهو مجال للحكم لا تؤدي إحدى أطرافه إلى الآخر.
  • الضرورة الرياضية (علة الكينونة): التي تخضع لقوانين ثابتة قبلية مثل مقولتي الزمان والمكان اللتان توجدان قبليًا في العقل، وتشمل القوانين الثابتة التي لا يمكن تغييرها، "مجموع زوايا المثلث 180 درجة". وهنا نتحدث عن العلة الرياضية (البدهية أو الأكسيوم)، ولا يمكن تفسير وجود الأكسيومات بمنطق السببية.
  • الضرورة الأخلاقية (علة الفعل): وهي التي يرفض شوبنهاور أن تخضع للسببية بشكل قطعي، بل دافعها الإرادة عند الإنسان والحيوان، حيث تخضع أفعالهما لدوافع نجهل الكثير عنها، وهي التي تفسر لماذا نتصرف بطريقة ما ولا نتصرف بخلافها. وهنا يمكن الحديث عن "المبدأ".

ويؤاخذ شوبنهاور على الفلاسفة خلطهم بين أنواع "العلل" والضرورات عند محاولة شرح تمثلات موضوع ما. ويجادل شوبنهاور أن الإيتيولوجيا Etiologie (علم دراسة الأسباب) لن يخبرنا أبدًا عن القوى التي تحرك الظواهر فعلًا، فالتحليل يدرس العلاقات التي تربط الأشياء والميكانيزمات المؤثرة في النتائج، لكن القوى الدافعة لحدوث التأثير نفسه غير مفهومة، فالقوانين التي تنتظم العالم والحركة والأشياء لا تخبرنا عن جوهر Essence هذه الأشياء، تكتفي بشرح كيف تحدث الأشياء والعناصر المؤثرة في الظاهرة والتي تؤدي إليها أو إلى تشكل الشيء كما هو، وتكتفي الإيتيولوجيا بتسمية الدوافع والعلل بـ"قوة طبيعية" دون أدنى كشف لما هي هذه القوى الطبيعية، فالرياضيات لا تبحث في أصل "الأكسيومات" والفيزياء تسمي الظاهرة وتشرح كيفية حدوثها (الجاذبية مثلًا) لكن لا تشرح لنا شيئًا عن أصلها وجوهرها ومن أين جاءت ومتى ابتدأت ولماذا؟ ويستحضر هنا كليمن روسي قولة نيوتن الشهيرة:

Hypothesis non fingo = أنا لا أضع فرضيات متخيلة. (Idem, p.25)

حيث أكد نيوتن أن منهج الفيزياء منهج وصفي، فهو اكتشف مبدأ الجاذبية ووصف كيفية اشتغاله، لكنه لن يضع فرضيات عن "الماهية الخفية" لما هي الجاذبية نفسها، استطاع وصف كيف تجعل الجاذبية التفاحة تسقط نحو الأرض وهناك انتهى عمله. يقول شوبنهاور في "العالم تمثلاً وإرادة":

"فالقوة التي تسقط حجرًا، والتي تدفع جسمًا باتجاه الآخر ليست معروفة تمامًا، وهي في جوهرها، غامضة بالنسبة لنا، مثلها مثل القوة التي ينتج عنها حركات ونمو الحيوان" (Le monde… pp.137-138).

وهكذا فالسببية "منظورًا إليها من الداخل" مجرد سراب بالنسبة لشوبنهاور تعد بأكثر مما تستطيع تحقيقه في الواقع ولا تعطي سوى "صورة خارجية"، وامتدادها خارج مجالها المعرفي (فيزياء الظواهر) قتل الدهشة الفلسفية.

وتعود الدهشة الفلسفية لتحيا من جديد بمجرد أن تعود السببية إلى مجالها وتترك المجالات التي لا تنطبق عليها ولا تستطيع شرح جوهرها للأشياء والظواهر والأفعال فيها، تحيا الدهشة من خلال وجود "غير المفسَّر" وما يوجد بدون سبب، وما هو غير مشروح ومجهول، وما هو "غير ضروري". من خلال المبدأ "ما فوق السببي".

بالنسبة لشوبنهاور تنشأ الفلسفة من دهشتنا حول العالم الذي نعيش فيه، ومن وجودنا نفسه، فوجودنا بالنسبة له ليس ضرورة مطلقة، بل وجود احتمالي Contingence، أي لا يخضع لأي شكل من أشكال التفسير السببي، بل هو وجود طارئ، يؤخذ كما هو معطى واقعيًا، بحيث لا شيء يمنع كونه كان يمكن ألا يكون، فالضرورة الفيزيائية والمنطقية لا تنطبق على "وجود الكائن" لأنه لا يخضع للسببية كما شرح في تقسيمه الضرورات الأربع (22 Rosset, p.).

وبنقده لتعميم السببية على كل مجالات الخبرة الإنسانية، وجهل الفلاسفة بالفروق بين مضامير المعرفة الإنسانية وعدم تمييزهم بين "مبدأ المعرفة" و"السببية"، يلامس شوبنهاور مفارقة العصور الحديثة: كلما استطاع الإنسان تفسير آليات اشتغال العالم المحيط به عن طريق سببية العلوم الحقة إلا وزاد اغترابه وعجزه عن فهم الشرط الإنساني، مادام الوجود في جوهره وأصله لا يخضع للسببية، ومادام الإنسان يفتقر لأدوات فهم الجذور والأصول لوجوده وكل ما يحيط به.

يسير شوبنهاور في منحاه هذا ضد روح عقلانية ووضعية القرنين الثامن والتاسع عشر التي ترافقت مع النزعة الطبيعية التي اعتقد روادها بإمكانية تفسير العالم كليًا عبر العلوم، والتي ظن العقلانيون المعاصرون لهم أن للعالم عقلاً كليًا يحكمه، فهيغل نفسه كان صاحب الفكرة المثالية بأن العالم يسير نحو تحقق الفكرة المطلقة في نهاية التاريخ، وهو ينشئ فلسفته على ميتافيزيقا سببية، وحدس سببي، يقول شوبنهاور ساخرًا من هيغل في هذا الصدد: "أنا محروم من أي حدس عقلاني". لذلك كان يقع خارج روح عصره ويؤسس للمرحلة الحديثة لأنه لم يؤمن بغاية للتاريخ ولا بميتافيزيقا غائية. فالإنسان يوجد بدون أية ضرورة أو تفسير.

لا حاجة للتذكير على أن شوبنهاور هنا كان أول من فصل بين مجال البحث الإنساني ومجال البحث في الظواهر الطبيعية، وهو ما سيترتب عليه لاحقًا الفصل الإبستيمولوجي بين مناهج الفهم ومناهج التفسير.

تشاؤم شوبنهاور:

إن لاغائية ولا ضرورة الوجود إذًا هما السبب النظري الوجودي لأزمة الإنسان، ويضاف إلى ذلك أن حياة البشر غير كاملة، فهي مؤقتة عابرة بدون معنى، ونهايتها الموت: إذًا حياة بلا هدف، ومعاناة أيضًا بلا هدف ولا ضرورة، والثانية مرتبطة بالأولى. يعلمنا هذا أن نتجاوز الأطروحات السطحية التي تعتبر أن شوبنهاور مجرد فيلسوف بكاء يربط صرحه النظري بالتأمل في مآسي العالم والعذابات التي يعيشها الناس في زمنه، بل إن اعتراضه الأساسي وتوصيفه الجوهري لأزمة الإنسان مقترن بنقض السببية وتبين عدم مطابقة مبدأها للوضع الإنساني وتفسير ظواهر الجماعة والفرد بل وحتى عدم قدرتها على تبيان الغاية من الوجود كليًا. بل حتى في حالة وجود الغاية الكلية كما يقول هيغل ومعاصروه، فإن الإله في تصور شوبنهاور لن تكون عنده أية حجة لتفسير وجود الشر.

لكن ما الذي يفسر الفعل الإنساني إذا، والأفكار البشرية والانطباعات إن لم يكن مفهوم السببية؟

2. أولوية الإرادة:

يقول شوبنهاور إن كانت السببية إذا لا تكشف جوهر الأشياء، بل تكتفي بوصف الرابط بين النتيجة والسبب، وإذا كانت لا تنسحب على مجال الأهواء والغرائز والأفكار وأشكال الحياة العضوية، وبشكل أخص عالم الإنسان الداخلي، فإن الحيوان والنبات والأشياء تتحرك وفق قوة ما، هذه القوة هي مثل جوهر كامن Substratum تحت الأعراض يحمل الصفات لكنه مجهول (جون لوك) ... إنها الإرادة.

يعرف الإرادة قائلاً:

"الإرادة ليست إلا مفهومًا لماهية الأشياء غير المُدركة مباشرة، لكنها أكثر المفاهيم مباشرة عنها" (Le monde, Livre 2, para 18).

يظل المحرك الذي يدفع بالحيوان والإنسان على الفعل مجهولاً ما لم نتمكن من إدراك كيف تسير عملية الإرادة من داخل عقل الكائن، لكن يمكننا القيام بالقياس على أنفسنا لنفهم أن الإرادة تنتج عن فكرة في الذهن، بما أن الفكرة تحصل في ذهننا فإننا عكس ما نفعله في المراقبة السطحية الأسباب الخارجية التي تؤدي إلى نتائج، نستطيع إذا حدسها من الداخل، نستطيع مشاهدتها فهي ظاهرة لنا ونحن قادرون على الشعور بها وإن لم نستطع تفسيرها، "إن جسدي ليس سوى إرادتي وقد صارت ظاهرة" فحركة اليد نحو الكأس تعطينا اتصالاً مباشرًا بين الأحداث والدافع الغامض الذي ظل مستغلقًا على الفهم بخصوص كل ما يحدث خارجًا عن الذهن من ظواهر وأحداث وروابط بين الأشياء. هكذا يكون مفهوم الإرادة هو الوحيد الذي لا ينشأ عن تمثل حدسي، بل ينشأ من داخل الذهن البشري، ونستطيع بأنفسنا أن نلمس التحفيز وهو يحدث في عقولنا عن طريق الفكرة، فالمبدأ المحرك إذا لا يقع في الظواهر الخارجة التي لا نستطيع فحص محركاتها من الداخل (السببية) بل يقع في حالة الفعل الإنساني داخل الإنسان نفسه، هو نتيجة الوعي اللحظي للإنسان نفسه، إن الإرادة التي نستطيع اختبارها بأنفسنا (يبني مفهومه على الخبرة الذاتية) هي المبدأ الذي يجعل كل شيء يتحرك، من الأجرام السماوية إلى النبات الذي ينمو إلى الإنسان الذي يفعل ويمشي ويتحرك ويقول وينخرط.. لكن إيّانا أن نتوهم أن معرفتنا بالحوافز وطريقة تشكل الفكرة في ذهننا قبل الفعل تسمح لنا بادعاء امتلاك إرادة حرة، الإرادة عند شوبنهاور مفهوم مغاير تمامًا لتصورنا السيكولوجي لها كدافع مستقل واعٍ بذاته للأفعال والأقوال.

الإرادة عنده قوة واحدة شمولية وعمياء تقود كل شيء، وهي الجوهر الباطني لكل ظواهر الطبيعة (Idem, liv 2, para 21)، ولا يملك الإنسان أو أي كيان أو ظاهرة استقلالًا عنها، فهي تحكم الكون كله. ومن ثمة يسحب هذا الحكم على البشر، فيفهم أنهم لا يملكون من أمرهم شيئًا، بل هم أدوات مثل الحجر والشجر والنبات والجرم السماوي في يد إرادة عشوائية لا تملك مخططًا ولا يمكننا الجزم بما تكون بالضبط تشريحيًا وتحليليًا، فالإرادة تقع في الأشياء وعالم الظواهر، ما يجعلها مستقلة عن الذات، إنها ليست إرادة نفسية بالمعنى الدارج الذي صرنا نفهم به الإرادة كشيء مرتبط بالرغبة والقوة العقلية والاختيار، بل هي إرادة عمياء تتجلى في حال الإرادة الإنسانية الفردية كتفسير للرغبات، فنتوهم أننا نختار ونقرر ونريد وفق مخطط بسيط: الفكرة، ثم القرار .. وما يوهمنا بأننا نتخذ القرارات هو فهمنا للحافز، لكن الحافز نفسه خاضع لقوة عليا، فنحن لا نتساءل لماذا نريد هذا الشيء بالضبط دون غيره في وقت محدد دون غيره؟

"أولية الإرادة" عن التمثلات بما فيها العقل وما يسميه البعض الروح مسألة "غير قابلة للنقاش" بالنسبة لشوبنهاور، فقد فحص الكلاسيكيون أولية الرغبة على الحكم، لكن لأول مرة يقول فيلسوف إن كل تاريخ البحث في أولية العقل والروح على كل شيء كان خاطئًا، فالإرادة العمياء أولية على كل ما اعتقدناه يحكم الكون ويفسر الظواهر والسلوك البشري، ويعتبر شوبنهاور أن أولوية الإرادة بمعناها العام عنده على الذهن والفكر مسألة تقلب كل مفاهيم الفلسفة والفهم البشري عن العالم. وبهذا المعنى يكون مؤسسًا لفلسفة جديدة، حيث سيفتتح لأول مرة بجينالوجياه (الضئيلة) التفكير في اللاوعي وفي الرغبة والمخفي داخل الإنسان والذي يحكم ويوجه العقل والذهن ويختفي في الكواليس تاركًا البشر يتوهمون أنهم يملكون حرية وعقلاً قادرًا على تفسير الكون كاملاً وحل كل الألغاز المحيطة بهم بما فيه ذواتهم.

تتمظهر الجينالوجيا عنده إذا في البحث عن "أصل" ما للعقل والفكر، فهما ليسا سوى الشاشة الخارجية لشيء أعمق بكثير هو الرغبات، والإنسان يميل إلى توظيف الفكر بشكل مبهرج معتقدًا أن أفكاره ناتجة عن قدرات ذهنية قادرة على التفسير والفهم الواعي، بيد أن كل شيء لا يصدر سوى عن رغبات / إرادات تفوق مستوى وعي الفرد، وتمتد لتتصل بالإرادة العمياء الكلية التي تحكم العالم، وفي هذه النقطة بالضبط ينفصل شوبنهاور عن كانط ويؤسس للثورة التي تحدثنا عنها في بداية المقال وقلنا إن نيتشه وماركس وفرويد سيحملون مشعلها.

بتشريح الفعل الإنساني من زاوية الإرادة العمياء فإننا نخفي دوافعنا الخفية تحت قناع من المفاهيم المجردة، تتخذ طابع "الموضوعية"، وفي هذا الصدد يرى نيتشه أن قوة شوبنهاور تكمن في إنزال العقلانية من العرش الواهم لتفسير وجود الإنسان، ودون أن ينتبه يجد شوبنهاور نفسه "أول من انتقد أسطورة الموضوعية العقلانية". (36 Rosset, p.)

لا يوجد بحث عقلاني صرف من أجل المعرفة فقط، كل معرفة وكل بحث وكل عقلانية هي نتيجة لدوافع غريزية خفية لا تعلن عن نفسها في الخطاب، وقد تقوم بالإخفاء والحذف والتورية، "الذهن إذا يخضع للإرادة".

لكن مشكلة شوبنهاور أنه توقف عند جعل الإرادة قوة عمياء تحكم كل شيء، ولم يرصد علاقتها باللغة ولا التعبيرات الأخرى للنفس والعقل والمجتمع والاقتصاد، لم يسحب مبدأ الحدس الجينالوجي لتحليل المقولات الكبرى لزمنه، اكتفى بالترديد أن الإرادة العمياء هي منبع كل الأفعال البشرية والأفكار والحركات الكونية .. فبعد أن اكتشف هذا المبدأ توقفت كل المواضيع الأخرى عن إثارة اهتمامه (44 Idem, p.) .. فبمجرد فهمه لكون الوعي لا ينطلق من المقولات المجردة إلا ليبرر دوافع الغريزة توقف عن الاهتمام به وبالعقل وبكيفية اشتغال الروح والعقل والوعي والفكر وامتداداته وأصوله وتفاعلاته مع السياق والتاريخ واللغة، كانت أسبقية الإرادة فكرة صرفته تمامًا عن التفكير في نقل الحدس الجينالوجي إلى مستوى بحث جينالوجي متقدم، فهو قطع كل الروابط الممكنة بين الفكر والإرادة، مادامت هي منبع كل فكر والكواليس التي تقع خلفه، وهكذا حاد إلى شرعنة السحر وبعث الأرواح في نصوص عبثية مليئة بالهذيان عوض أن يسحب منهجه الفريد في التحليل إلى مجالات الوجود الإنساني كليًا، العمل الذي سيقوم به اللاحقون، "فلاسفة الشك".

3. السعادة الممكنة:

إذا كانت السببية، آلية الفهم المعرفي البشري غير قادرة على تفسير جوهر الوجود، وكانت الخبرة الإنسانية نفسها منفلتة لمنطق علة معلول ولا تخضع إلا لدوافع الإرادة العمياء المستترة في الغرائز والدوافع المخفية التي تحرك الفكر والفعل، فإن الإنسان محكوم بالعيش في عالم عبثي لا تحكمه أية قوانين أو قيم أو مبادئ ينتظم بمُوجبها المعيش.

لقد قام شوبنهاور بنقد أوهام العقل الثلاثة نقدًا تشريحيًا، فمن جهة أولى حرّر فهمنا من وهم الضرورة، فالعالم لا يبرر نفسه، ولا يوجد ما يبرر وجوده، ومن جهة ثانية قام -بنقده مفهوم السببية- بتهديم وهم الغاية، فنزوعنا وميولنا إلى التفكير الواهم بأن الطبيعة واعية والعالم يسير إلى غاية نهائية ويتخلله عقل ما ليس سوى مظهر المفارقة الوجودية الأساس عنده: ميل الإنسان إلى تأويل غائي رغم الحدس العبثي بأن العالم لا يسير إلى غاية ولا يحكمه نظام. ومن جهة ثالثة حلل الفيلسوف الظن الواهم للإنسان بكونه يملك حرية مطلقة في اتخاذ قراراته، إذ بيّن أن الطبع المكتسب والدوافع ما فوق-الإرادية (المنبثقة من الإرادة العامة العمياء) هي ما يحركنا فعلاً. بل إن شوبنهاور في معرض حديثه عن الغاية تساءل عن الغاية من وجود غاية أصلًا! والرغبة في الهرب من الموت والحفاظ على الحياة نفسهما غير مفهومين مثلهما مثل ضرورة وجود غاية وتأويل يعطي معنى للإرادة العمياء للكون.

ولكي يعطي بُعدًا تطبيقيًا لتحليله يتناول في الكتاب الرابع من "العالم تمثلاً وإرادة" قضيّة الموت، فيحلل الحياة والموت منظورًا إليهما كنتاج للإرادة العمياء التي تتجلى من خلالهما في الأفراد، وبذلك لا يكتسبان معنى في ذاتهما، بل ليسا سوى الوسيلتين اللتين تعبر بهما الإرادة الكلية عن ذاتها في الموجودات جميعًا نباتات وحيوانات وأجرام:

"الولادة والموت، هاتان الكلمتان لا معنى لهما إلا بتجلّي الإرادة مرئية من خلالهما. أما ماهية الإرادة نفسها فهي أن تتجلّى في أفراد، وهؤلاء الأفراد بما هم ظواهر عابرة خاضعة لقانون الزمان، يولدون ويموتون" (415 Le monde, p.).

وقس على ذلك الحب، فهو فعل عبثي لا غاية له، بل مجرد آلية من آليات الطبيعة لتجعل الإنسان يتكاثر وينجب وتستمر الدائرة المغلقة للإرادة العمياء، والدائرة المغلقة ناتجة عن غياب مفهوم "المستقبل"، فالزمن نفسه ليس كما نتصوّره، خطًا مستقيمًا إلى الأمام، أو مخروطيًا (ماركس)، وإذا التقدم الذي ارتبط بالسعادة والازدهار يبقى مجرد وهم، إن الزمن دائري، دائرة مغلقة إلى الأبد (79 Rosset, p.) والإرادة العمياء تدور في كون أزلي، ضمن دائرة مغلقة (سيقتبس نيتشه مفهوم العود الأبدي منه).

ترتبط السعادة في مخيالنا الجماعي بتقدم خطّي للزمن، عبر مفهوم التنمية والزيادة والتحسين والإشباع، يحصل التقدم في تصور الفكر الليبرالي بكون الإنسان يحسن من جسده وشروط وجوده الاقتصادية والنفسية والاجتماعية في المستقبل، كما أن إعطاء معنى لحياته يجده في الدين (العالم الأخروي) أو في فلسفات غائية عقلانية تتوهم وجود نظام ما يحكم الحياة. غير أن شوبنهاور تبنى فهمًا مخالفًا تمامًا لهذه الأوهام، وقد وظف مفهوم الوهم بشكل مركزي في تحليله لمنطلقات السعادة البشرية.

لذلك ليس بمقدورنا أن نقول إن لشوبنهاور نظرية تقليدية -بالمعنى السائد- في السعادة، لكون السعادة ككل المفاهيم لا بدّ أن تُردّ إلى النموذج الإدراكي العام الذي أسس له، ويشير الهيكل العام لفهم ظاهرة الحياة عنده إلى كون السعادة نفسها لن تكون سوى أوهام مثلها مثل الحقيقة والحب والخلاص، فالوجود والفعل البشريين نتاج لإرادة عمياء دون هدف.

غير أن ذلك لا يمنع كونه قال في السعادة ونظر فيها، فنزوعه التشاؤمي – على عكس ما يعتقد الناس - لم يمنعه من ترك مخطوط ثمين عن الأوديمونيا Eudemonik، أي فن العيش بحكمة وتبصُّر، فإن كانت سعادة الإنسان بالمعنى الطوباوي، دينيًا وفلسفيًا، منعدمة الإمكان، فلعلّ العيش القابل للتحمل ممكن! (L’art, p.71) ولعل السعادة في إطار ما نستطيع وليس ما نريد، ليست بذلك السوء (الحكمة السادسة من "فن العيش الحكيم").

ينطلق مجموع حِكمه العملية في الموضوع من فهم مركب للسعادة، يجمع بين زهد الرواقية وواقعية الميكيافيلية والعمق الروحي لنصوص الأوبانيشاد والبوذية، لكنه كما يصرح في مقدمته لا يعني بفن العيش الحكيم السقوط في الزُّهد المبالغ فيه للرواقيين أو النزعة الواقعية المبالغ فيها للميكيافيلية، بل التبصّر الحكيم الذي يجعل الإنسان يجمع بين التروّي والزهد والاستفادة من ما تسمح به الحياة، والأهم من كل ذلك أن نفهم أن كتيّبه ليس قولاً نظريًا في سبل تحصيل الأتراكسيا أو الصفاء الذهني وبلوغ الحالة التي يهنأ فيها البال وتتحقق الغرائز وتشبع كليًا، بل العكس تمامًا، يعلم شوبنهاور أن الغرائز لا يمكن أن تشبع، لأنها في تولّدٍ دائم، كما يؤكد على أن القلق والخوف والشعور بالارتباك والألم عوامل طبيعية، وهي من صميم الإرادة العمياء العامة التي تحكم كل شيء، ما يمكن فعلاً هو العمل، عن طريق الحكمة وفهم الذات والعالم، على تجنّب الآلام والمنغّصات، والتجنُّب مفهوم مركزي في منظوره هنا، لأنه المعادل الموضوعي لمفهوم "الخلاص" في الفلسفات الغائية والسرديات الخلاصيّة.

لقد نحا شوبنهاور - في نصوصه حول كينونة الإنسان – إلى الاهتمام بالحكمة العملية عوض التركيز على التنظير، أي الفلسفة التي ليست مجرد صروح نظرية، بل تمارين للعيش في إطار ما هو ممكن. هكذا صارت نصوصه ليست معارف صرفة منفصلة عن الحياة، بل تعليمًا عمليًا وبصيرة مُعاشة. (13 L’art, p.)، وبشكل أو بآخر ف"الكتابات البعديّة" التي نشرت إثر موته، تجلّت كتكملة ضرورية بعد اكتمال بحثه النظري في السببية والإرادة، وهنا يتبين أن كليمن روسي الذي اتهمه بالعجز عن إكمال صرح فلسفي كامل وسحب نتائج التحليل إلى ميادين القول في العقل والحرية والحقيقة والنفس البشرية، تجاهل كون شوبنهاور لم يكتفِ بالقول في السببية والإرادة فقط، بل استمر على القول الفلسفي في الشرط الإنساني، لكن عبر قنوات الشذرة والحِكم والأقوال المأثورة ودفاتر السفر، وهذا التغيير في شكل القول الفلسفي لا يعني أن النسق لم يمسّ جوانب النفس والاجتماع، بل يعني أن الفيلسوف لا ينظر إلى عمل الفيلسوف إلا إذا أقام المصطلحات المجرّدة في ميادين البحث، وهو تقليد فرنسي فيه نظر، إذ يمكن اعتبار الشذرة والحكمة العملية المأثورة شكلاً من أشكال القول الفلسفي أيضًا، طبعًا مع ضرورة تجاهل العناصر غير العقلانية والمرتبطة بالأبراج والسحر والنزعة الغنوصية في بعض المخطوطات لكونها مجرد تعبير عن الميول الأهوائية للفيلسوف في فترة وجيزة من الزمن.

في فصوص الحكمة العملية الموجهة للأوديمونيا يظهر تأثره بأحد النصوص القديمة التي ترجمها إلى الألمانية.

قام شوبنهاور بترجمة كتاب شذري يتضمن حكمًا وأقوالاً مأثورة تحمل طابعًا فلسفيًا دينيًا بعنوان "Oraculo Manual دليل الحكمة العملية: فن الحذر" (1647) لرجل دين يسوعي إسباني اسمه بالتازار غراسيان، ومضمونه ثلاثمائة حكمة وقول مأثور يشرحها صاحبها، وتصب كلها في اتجاه نزعة حذرة وارتيابية تنظر إلى بنيتي الفرد والمجتمع بتروٍّ وشك، وهو ما يفسّر تأثر شوبنهاور بالكتاب وعمله على نقله للألمانية.

نلاحظ أن الكثير من تلك المأثورات التي تستهدف العيش الحكيم تتقاطع فيما وراء النص مع المرجعية النظرية للفيلسوف ومع القضايا التي صرف إليها انتباهه، فغراسيان بالرغم من كونه رجل دين إلا أنه يكاد لا يذكر موضوع الخلاص أو الجنة أو الوفاء والإخلاص لمعتقده، بل يصب معظم تركيزه على التعقيد الذي تتسبب فيه العلاقات الاجتماعية وإكراه الدوافع الغريزية الإنسانية، ما جعله موضع إعجاب لشوبنهاور بالرغم من موقفه الراديكالي من الفلاسفة المسيحيين أمثال هيغل.

وهنا تعريب بعض الحِكم والأقوال المأثورة المختصرة من دون شروح، تبيّن بالملموس نقاط التقاطع مع فكر شوبنهاور وتصوره للسعادة "السلبية" أو السعادة الممكنة، وهي التسمية التي تبدو أقرب إلى وصف مفهومه عنها:

القول المأثورالصفحة
حاول أن تصبح بلا رغبات 5
ضع خيالك تحت السيطرة 14
لا تنخرط في أي شيء 16
استعمل ولكن لا تبالغ في الاستعمال 27
لا تنسَق وراء الرغبات العاديّة 39
استعد لعُدوانيّة الآخرين حين تكون في حالة ازدهار 65
لا تشتكي أبدًا 75
على الحكيم أن يجدَ كِفايته في نفسه 80
لا تورّط نفسك في قدرِ التُّعساء من باب التعاطف 97
اعلمْ أن الطبائع الوضيعة موجودة في كل مكان 124

(The art of worldly wisdom, p.5-124)

التزامًا بإطاره النظري الفلسفي في السببية والوجود، وتحت تأثير جانبي لاشتغاله بقراءة وترجمة نصوص الحكمة العملية، ينطلق شوبنهاور في مخطوط "أوديمونيا: فن العيش الحكيم" من الفصل بين اعتبارين:

  • اعتبار كيف ينظر الإنسان إلى ذاته، وهنا يفصّل قواعد خاصة بالسلوك نحو الذات. ويحيلنا هذا الاعتبار إلى مفهومه للإرادة العمياء، في الصرح النظري، بحكم أن إدراكها ينطلق من التمييز بين وهم الإرادة السيكولوجية، وبين فهم امتدادها كقوة كلّية في كل شيء بحيث تتجلى في الفرد لكنها تجعل منه مجرد وعاء، فالذات التي يتحدث عنها هنا ليست ذات ديكارت المستقلة بالفكر أو ذات التنوير الحرة، بل هي ذات خاضعة لشروط خارجة عن قدرتها، ولا بدّ إذا من تدريبها على التعامل الحذر مع نفسها لتجنب الألم.
  • واعتبار كيف يسلك الإنسان تجاه الآخرين، وهنا يفصل قواعد مختلفة. ويذكرنا هذا في نظريته بمعضلة الشّر، إذ يتوقع أن تكون الدوافع غير الواعية دائمًا ذات طابع عدواني وأناني في صراع المصالح والغيريات (L’art, p.28)، لذلك من الضروري التعامل بحذر مع الآخر ووفق إطار أخلاقي نلتزم به.

وبناء على هذا الفصل الثنائي يبني مجموع الحكم العملية في ثلاثة محاور، تشكل هذه المحاور مجالات القول الهادفة إلى تجنّب الألم وتحقيق التوازن:

أ. ما يكون عليه الإنسان: أي شخصيته بالمعنى الأوسع، ويشمل هذا الأمر الصحة والقوة والجمال والطّبع والذهنية وكيفية تكوُّنها.

وعلى عكس المأثور على شوبنهاور، أي صورة المتشائم العبوس التي أشرنا إليها في بداية المقال، فإنه يشير في هذا الباب إلى ضرورة الحفاظ على المزاج المرِح Eukolia، وهو الذي يحدد القدرة على تحمل المصائب والاستمتاع بالمباهج، حيث إن البقاء هادئًا (الحكمة 15) أمر بالغ الأهمية في مواجهة المصائب واللحظات الصعبة، لأن معرفة طبيعة الإرادة وعشوائية المصفوفة يجعل المشاكل الشخصية مفهومة، فمن الممكن جدًا أن يحصل دائمًا ما هو أسوأ بكثير إذا فكرنا في مصائبنا من منظور كُبْرَوِيّ.

وفي الحكمة الخامسة والأربعين، ينصح شوبنهاور الإنسان أن يميل إلى الحظوظ التي في صالحه عوض الاهتمام بالظروف التي ضده، في حال تساويا معًا (Idem, p.104) كما ينصحه بألا يضع خططًا للمستقبل البعيد، فالحياة قصيرة ومليئة بالمفاجآت (الحكمة 42) ويؤكد أن الانشغال بالخيالات الواهية أمر يسيء إلى الذات ويلهيها عن التعامل المنطقي مع الواقع في الحكمة الثامنة عشر، أما التي بعدها فيخصصها لنقد رفضنا للعيش في اللحظة، وتعلقنا بمستقبل غير موجود بعد، وقد لا يوجد كما نتخيله غالبًا، وماض مضى بكل حمولاته، يقول في الحكمة الرابعة عشر أيضًا:

"يمكن القول إن جزءًا كبيرًا من حكمة العيش يقوم على النسبة الصحيحة التي نوجه فيها اهتمامنا تارة إلى الحاضر وتارة إلى المستقبل، حتى لا يفسد أحدهما الآخر. فكثيرون يعيشون أكثر مما ينبغي في الحاضر، وهم الغافلون. وكثيرون يعيشون أكثر مما ينبغي في المستقبل، وهم القلقون والمهمومون. ونادرًا ما يوجد من يحافظ على المقياس السليم تمامًا".

وفي هذا الجانب من هوية الذات يعطي بُعدًا مهمًا جدًا لأهمية العناية بالصحة والجسد أيضًا، لاعتباره أن كل المشاعر وحالات المزاج وحالة العقل إنما هي صور عاكسة لصحّة الإنسان وطعامه ونومه، بل إن "تسعة أعشار سعادتنا على الأقل تعود بشكل خاص إلى حالتنا الصحية" (الحكمة 32)، والمزاج والصحة عنصران غير قابلين للتعويض، وغيرهما يمكن تعويضه أو الاستغناء عنه، ويذهب هنا شوبنهاور لمقارنة دالة حين يقول: إن متسوّلاً بصحّة جيّدة سعيد أكثر من حاكمٍ صحّته عليلة.

ب. ما يملكه الإنسان: أي ما بحوزته وممتلكاته.
وهنا يميز بين الممتلكات الضرورة والطبيعية، ثم الممتلكات غير الضرورية لكنها طبيعية، وثالثًا الممتلكات التي ما هي بالطبيعية ولا الضرورية.

وينصح بتقليل ما ليس ضروريًا وعدم الاعتمادية عليه، والاستعداد الدائم لتقليص دائرة الاحتياجات، والتعامل مع فقدان الممتلكات ببرود ولامبالاة. وينصح بالاهتمام بالمزاج الداخلي عوض الاهتمام بحيازة أشياء لم يقدّرها لنا القدر: "يجب ألا نركز كثيرًا على حيازة الممتلكات الخارجية بقدر تركيزنا على الحفاظ على مزاج مرح وعقل سليم وهما مرتبطان كثيرًا بالصحة [...] حالة الوعي وحدها ما يبقى ويؤثّر دائمًا، وما عداها فلا يؤثّر إلا تأثيرًا عابرًا" (Idem, pp.89-90) – ويقارن شوبنهاور في الحكمة الرابعة بين شخص لم يفكر في امتلاك الأشياء، ويشعر بامتلاء وهناء مع شخص يملك ألف شيء، لكن لأن شيئًا واحدًا ينقصه، وهو موضوع رغبته، فهو في شقاء.

ت. ما يمثّله الإنسان: والأمر يتعلق بنظرة الآخرين إليه، بمعنى السمعة والمكانة والمجد (Idem, p.113).
وفي هذا السياق يؤكد الفيلسوف على أن نظرة الآخرين يجب أن تكون آخر اهتماماتنا، بل إن العلاقة مع الآخرين بشكل عام يجب أن تكون خاضعة للضرورات، وأن تقلص دائرة المعارف إلى أقصى حد ممكن تجنبًا للمشاكل والآلام الناتجة عن معرفة الناس، يقول في الحكمة الثامنة:

"حين نضيق دائرة علاقاتنا فإننا نقلص فرص الشقاء، التقليل يجعلنا سعداء" (Idem, p.55).

وفي حديثه عن الثقة (Idem, pp.56-57) يؤكد أن البشر ليسوا محلًا للثقة، خصوصًا في حالتي السكر والحب، فالإنسان يجب أن يصادق نفسه ويتعلم، رغم الصعوبة، القدرة على الاحتفاظ بالأسرار لنفسه، لأن الآخرين لن يكتفوا أبدًا بنقل ما سمعوه فقط، بل حتمية الزيادة والتشويه قائمة دائمًا، وهكذا يصبح السر موضوعًا مباحًا للجماعة.

إن المتأمل في متن شوبنهاور بشقيه: الكتابات النظرية المسترسلة، والشذرات والحكم ودفاتر السفر والحواشي المقتضبة يستطيع في المقارنة بين المرحلتين أو الشكليين الأسلوبيين أن يلاحظ الاضطراد الفكري الذي يسم أعماله، فالاتساق بين المنحى التأملي التحليلي وبين الحكمة العملية ظاهر في كون السعادة الممكنة هي النتيجة الطبيعية المترتبة، كنسق من الحكم والتوجيهات والنصائح، عن القول بلا معقولية الحياة وعبثية الوجود. ففي السعادات الدينية والعقلانية والوضعية يحضر الوعدُ بالاكتمال والامتلاء والإشباع والخلاص من الألم والشقاء نتيجة لتصور عالم خيّر طوباوي أخروي أو آني، تحكمه القواعد العقلانية أو الإلهية ويمكن فيه بلوغ العدالة والحرية والانعتاق، أما سعادة شوبنهاور وفلاسفة الشك اللاحقين عليه، فهي سعادة موضوعية، تنطلق من الممكن لا من المُراد والمُتخيّل، تخضع لواقعية المشهود تجريبيًا، ومن ثمة فهي سعادة لا تخاتِل قوّة الأشياء ولا تنحو إلى التسامي على الإرادة العامة التي تعبر عن نفسها في كل شيء موجود، بل تنحو إلى ضبط السلوك والفكر والمزاج والعلائق البشرية بقواعد تنبع من حكمة الوعي الحق لا الوعي الزائف، فهي سعادة لا ترجئُ ولا تضع الأمنية في مركز اعتباراتها، بل تفضل الصدام المباشر مع الحياة كما هي، ومن ثَمّ فالحكم القيمي على أن شوبنهاور فيلسوف تشاؤمي عبوس قمطرير هو حكم يحتاج إعادة التمحيص والتفكير طويلاً، فلعل طريق العدمية البراغماتية يكون أحد الطرق المؤدية إلى سعادة بشرية غير واهمة.

 الهوامش:  

- Arthur Schopenhauer, le quadruple principe de la raison suffisante, tr J.A Cantacuzène, Numérise par Guy Heff, www.schopenhauer.fr

- Arthur Schopenhauer, Le monde comme volonté et comme présentation, tr Auguste Burdeau, Numérisé par Guy Heff, www.schopenhauer.fr

- Arthur Schopenhauer, L’art d’être heureux à travers 50 règles de vie, tr Jean-Louis Schlegel, seuil, février 2001.

- Balthasar Gracian, The art of worldly wisdom, tr Joseph Jacobs, Macmillan and Co,London, 1904.

- David Hume, A treatise of Human Nature, 1739, PRIA, www.ethz.ch

- Clément Rosset, Schopenhauer, philosophe de l’absurde, PUF, 1967.