يبدو أن الهم المركزي الذي يشغل الأستاذ طه عبد الرحمان هو التفكير في كيفية الخروج من دائرة التكرار والاجترار والتقليد والنقل إلى زمن الإبداع الفلسفي. ذلكم الإبداع الذي زان الإسهام الفلسفي العربي في اللحظات المشرقة من تاريخنا الفكري.هذا الإبداع يريده الأستاذ طه على ثلاث مستويات متداخلة:
1- مستوى فهم التراث
2- على مستوى الكتابة الفلسفية
3- على مستوى الترجمة
1 – على مستوى فهم التراث يلاحظ الأستاذ طه بأن المعالجات التي اشتغلت بالتراث على إسقاط مفاهيم منقولة من التراث الفكري الغربي، جرى نقلها دون تمحيص ودون تبيئة، ودون مراعاة للمقتضيات الأساسية التي يفرضها المجال التداولي العربي والتي هي العقيدة واللغة والمعرفة.
وقد أدى هذا النقل إلى معالجات إيديولوجية قوامها النظرة التجزيئية للتراث، وتغليب الاشتغال بالمضامين على فهم الآليات. بينما يدعو الأستاذ طه إلى النظرة التكاملية للتراث نظرة معرفية تستهدف كشف الآليات كطريق إلى فهم المضامين. فهو يعارض المحاولات السابقة في هذين العنصرين: التجزيئية والنزعة الإيديولوجية المسيسة. لكن معارضته الكبرى تتجه لا فقط نحو هذه الطرائق، بل نحو طبيعة وماهية نهج المقاربة ذاته. فهو يدعو إلى إقامة ابستمولوجيا ذاتية مستقاة من التراث ذاته، وكأن الطريق الأمثل إلى فهم التراث هي المرأة الداخلية للتراث نفسه.
وقد سبق لي أن أبديت في قراءة سابقة لكتاب "تجديد المنهج في تقويم التراث" ملاحظات تساؤلية عن مدى علمية دعوى قراءة وتقويم التراث انطلاقا من مرآته الخاصة.
قد تكون هذه القراءة الداخلية ممكنة، بل ضرورية في مستوى أول، لكن قراءة هذا التراث وتقويمه تقويما علميا تكامليا لا يمكن أن تكون مهمة وافية وعصرية إلا عندما تقرؤه على ضوء المستجدات التي حملتها العلوم الإنسانية المعاصرة من لسانيات وسيميولوجيا وعلم النفس وأنثروبولوجيا... إلخ.
"إن عقلانية باشلار ما فوق عقلانية. وهو يعرف كيف يُعلم العلم والحلم معاً
تمخضت حقوق الإنسان و التي تبدو اليوم، في غالب الأحيان، وكأنها مسألة بديهية وتلقائية، عن تحول عميق طال مفهوم طبيعة الحق. والذي امتد عبر مدة طويلة، منذ أفول العصور الوسطى إلى الثورة الفرنسية. هذا التحول هو الذي ولد، في جميع الميادين، ما يعرف بالحداثة.
"
"المرأة لا تُولد امرأة
بين الفلسفة والادب والفكر من اواصر التواصل وشباك التواشج مالايلغي نقاط التفاصل وعلامات التفرد وسمات التمايز .تمتد جذور الخصومة بين الفلسفة والادب في الفكر الغربي الى العصور القديمة .. في عهد الاغريق ، عندما ربط افلاطون المعرفة بالفلسفة فيما وسم الشعر بالانفعال والعاطفة وجعله نقيض الفلسفة وعدوها اللدود .. وفي القرن السابع عشر ومع ظهور النزعة العلمية والاكتشافات الجديدة .. بان جلياً ان الفصل بين الفلسفة والادب كان قد تجسم على يد الفيلسوف الفرنسي ديكارت الذي جاهر بعداوة شديدة للشعر والشعراء حتى قيل فيـه انه : (( حز عنق الشعر )) كما هاجم توماس لف بيكوك في كتابه (( عصور الشعر الاربعة)) الادب وعده نشاطاً متخلفاً لاينتمي الى روح العصر الذي تهيمن عليه المعرفة والعقل والتنوير وحاكى وجهة نظره هذه الفلاسفة النفعيون مثل جون ستيوارت مل .
لقد اعتبرت مسألة الميتافيزيقا والشعر من أهم المسائل التي تناولها الفلاسفة بداية من أفلاطون وأرسطو وصولا إلى مارتن هيدغر و هانس جورج غادامير، حيث عرفت العلاقة بينهما لحظات صراع وعداء، ولحظات التقاء وحوار، إلا أننا قد نجد وراء الصراع الظاهري مؤشرات و معالم غير مرئية توحي بالارتباط و التكامل، وبذلك فإن الصراع بين الميتافيزيقا والشعر يبدوا أقرب إلى صراع طرفين متكاملين، فالتجربتان لا تنيان تتقطعان و تتوازيان، بل وأحياناً تختلطان، حيث أن الشعر والميتافيزيقا صورتان إنسانيتان للتعبير عن الوجود، كما أن منطلقهما هو الإنية المتفاعلة روحياً وعقلياً مع ذلك الوجود.
تشيد الحداثة على أقانيم محددة تشكل نظاماً فكرياً واحداً ينتج الفعل الأداتي الصارم في التطبيق ضمن عنايتها بالعالم الواقعي .. الذي تعمل على دراسته بصفته موضوعياً ( مادياً ) .. قائماً لذاته ومستقلاً عن العقل على ضوء تحليل المفاهيم .. وهي إذ تفعل ذلك فإنما تسعى للوصول الى اليقين ودراسته لأنها ترى أن لكل شيء جوهراً كضرورة لوجوده .. وهي إذ تقوم على تأصيل الثنائيات الضدية ضمن صدام مرير بين ( إرتدادات الماضي .. وإشرئبابات المستقبل ) فإنها تقول بوجود قيم أفضل من بين مجموعة قيم مختلفة .. فالحداثة القائمة على فلسفة الذات ونفي الآخر .. أنتجت وسائلها ، الصدام الإستعماري المعروف بين التمركز الغربي من جهة والثقافات الغيرية من جهة ثانية . لأن الحداثة تفهم نفسها – التمركز الغربي – على أنها قطيعة مع الماضي الآخر / الشرق .. في حين أن هذا الشرق لا ينفك من الحضور في الثقافة الغربية بشكل من الأشكال .. أما إستخدام التراث من الطرف الآخر ضد الحداثة فهذا الإستخدام غير منتج وعقيم . الأمر الذي حدا بفلاسفة الإختلاف لتوجيه نقودات لاذعة لـ (( فلسفة الذات والهوية )) بإعتبارها أداة لتهميش (( الآخر سواء كان هذا الآخر كتابة ( دريدا ) أو رغبة ( دولوز ) أو حمقى ( فوكو ) . )) في عملية زحزحة لمفهوم ( الذات ) الكلية المتوحدة عن مركزه لإحلال مفهوم آخر هو مفهوم الذات المتموضعة .. المتشظية والتي يعاد بناؤها بإستمرار.. في عملية إنتاج مفاهيم جديدة لا تؤمن بإستقلال الواقع عن العقل .. بل تدرسه دراسة خلاقة لأنها تعد العالم ( بناءات عقلية ) .. لاوجوداً موضوعياً . ان دعائم ما بعد الحداثة تقوم على اساس تفضيل إنتشار ( الإختلاف ) أكثر من إنتاج الثنائيات الضدية .. وفيها يتم التعامل آركيولوجيا لاستيلاد الاخر المقصي .. يقول جيل دولوز : (( إن الآخر ليس هو ذلك الموضوع المرئي ، وليس ذلك الاخر . إن الاخر بنية الحقل الحراكي كما إنه نظام من التفاعلات بين الأفراد كأغيار . فحين تدرك الذات شيئاً ما فإنها لا تستطيع أن تحيط به في كليته إلا من خلال الآخرين ، فالآخر يتمم إدراكي للإشياء )) .
للنظر الى أبعاد معينة بغية فهمها يتطلب الأمر مقاربتها من منظور مقارن يبلور رؤانا المركبة عندما يتم تشغيل هذا المنظور لإستدعاء علائق المعنى في إطار النظرة النقدية وجدليتها المصوبة نحو التضاد والإختلاف ذلك ((فإن المعاني يمكن أن تفهم على نحو وافٍ فقط في ضوء الإشارة الى التضادات والإختلافات المحددة التي تزيح المعاني المرتبطة بها )) .. ولكي نستحضر ما بعد الإنسان لابد من إستجلاء مفهوم ما بعد الحداثة في سياق التجاذبات النقدية مع إطروحة الحداثة وما قبل الحداثة من تطورات فكرية أسست في ما بعد لما وصلت اليه الموجة العولمية من آلية فكرية في العالم مع دينامية إجتماعية في العالم الغربي ..
"النهر للمنبع لا يعود
"