خصص ا.فانزيني، سنة 1975، فصلا للحديث عن علاقة الفلسفة بالعلوم الإنسانية، حيث جعل منها علاقة« صراعات وشكوك »، وّبين أن الحاجة للفلسفة كانت بقدر عجز « علوم التربية »البنيوي على أن توليها مكانة خارج إطار إبستيمولوجيا الوضعية الجديدة التي تسعى إلى تبرير وجود تلك العلوم بالاستناد فقط على الإجراء العلمي وحده . وقد لاحظ، بذكاء كبير، أن غياب المصطلح الدال على هذه المعرفة « الما بعد علوم التربية » يشهد على الصعوبات الكبيرة،وعدم القابلية الشبه التامة لحل المشكل كما هو مطروح، بل إن صعوبة البحث التربوي نفسه تجسيد لاستمرار المشكل. لكن ماذا وقع بعد مرور عشرين سنة على هذا القول ؟ إذا كانت القاعدة المؤسساتية لعلوم التربية قد ترسخت، وإذا لم يعد مقبولا أن تشطب الوزارة عليها من ضمن لائحة المعارف الجامعية، وبغض النظر عن كل النزاعات الممكن خلقها لها،فالسؤال الجوهري الذي وضعه أفانزيني لا يزال مطروحا. ففي إطار التحول العميق الذي تعرفه البنية السوسيوثقافية الفرنسية، أصبحت الدعوة إلى التفكير في المعنى داخل الحقل التربوي أكثر إلحاحا من نقل مكتسبات العلوم الإنسانية و الاجتماعية والنفسية إلى المجال البيداغوجي الذي ظلت آثاره على التجديد بعيدة عن ما كان مأمولا فيه، بل، على العكس من ذلك، كان ذاك النقل سببا في شيوع جو من الغموض والخيبة، في الوقت الذي ظلت فيه ال « فلسفة الفرنسية »، في الطرف الآخر، تصب جام غضبها على معرفة تعتبرها مغتصبة. ترى، هل ستكون لدينا الجرأة على المراهنة على الأزمة التي تعيشها، ببلادنا، العلوم الاجتماعية والفلسفة على حد سواء، لجعل فعل التفكير في التربية يتقدم ؟.قد لا يكون الرهان متهورا إلى حد كبير: لنعمل على بلورته. العودة الكبرى:
تشتهر فرنسا بذكرى 14يوليوز، لكن من الممكن أن تشتهر أيضا بكونها مجتمعا محافظا وأكثر إثارة لمصالحه : إنه ضحية التحولات التي تقوده، طوعا أو كرها، نحو مصيره المحتوم، أي نحو مجتمع الحريات. لابد أن نتفق على أننا لا نعني مجتمعا يحمل صورة مجردة عن الحرية،والمساواة و الأخوة، وإنما مجتمع يعطي للأفراد الذين ساهموا فعلا في تكونه وسائل تحقيق هذه الأفكار الديمقراطية المثلى. من بين هذه الوسائل نذكر التربية التي،باعتبارها تكوين للإنسان،أصبحت من دون شك الأكثر فعالية، علما أن الجواب عن الأسئلة المطروحة لا يمكن أن يأتي من « الفكر الشمولي » وإنما من المبادرة والقدرات التي يضطلع بها كل فرد كي يثير فيه و حوله هذه الأجوبة. لقد أصبح مجتمعنا، أردنا أم كرهنا، مجتمعا تربويا: فرجل السياسة المطلوب منه النجاح سيصبح الرجل الذي يثبت، إلى جانب برامجه و وعوده، أنه « رجل التربية الأفضل ».
العقل الكوني مندمج في بنية الوجود التفاعلية والتبادلية وهو نظام للحركة المعرفية والبنية المولدة للوعي المرتبط بماهيتها والقادر على تشكيلها بدلالات وعيها لقوانينها والتطبيقات الجارية وفق هذه القوانين المرتبطة بمختلف المجالات وتطويرها بما يطابق نظام العقل المرتبط بالحياة.
تمهيد
"ان ثقافة أضاعت قيمها لا تستطيع الا أن تنتقم من قيم الثقافات الأخرى".
إن مسألة العلاقة بين الحقيقة العلمية والنظريات المعرفية (الابستمولوجي) قد أثارها الفكر الأوروبي الذي بلغ ذروته في الماركسية وعلم الاجتماع ونظرية المعرفة- والظاهراتية، والشكلانية.. الخ)، طبقاً لوجهة النظر فإن نظرية المعرفة (الابستمولوجية) تعتبر بطبيعتها قطيعة معرفية ما بين التاريخي والمنطقي، وهو أمر يتسم بالحقيقة لأنه لا يستلزم التمويه أو إخفاء المصالح المعرفية (الابستمولوجي) ويضاف إلى إدراكها على أنها فجائية مع (العلم) بمعنى أنها تتساوى مع مفاهيم عقلانية، وتتساوى مع العقل المعرفي أو الواعي والمنطقي، وهو يشكل نسق متواتر متفاعل للوصول إلى الحقيقة الأنطولوجية، وبالتالي حينما يتم تطبيق الأداة العملية بشكل دقيق فتظهر القطيعة المعرفية مع التاريخي والمنطقي. لكن هل يمكن أن ينهض الفكر العربي المعاصر على أسس ابستمولوجية تقييمية دقيقة وبشكل جدي؟
"
ربّما، لو حاولنا أن نبحث فيما وَصلَنا من الثقافة العقلية القديمة عن أعمق الفلسفات وأفضلها، لن نجد بين الفلاسفة أفضل من أفلاطون (427 -347 ق. م) بالقياس إلى ثقافة زمنه، والوسائل المتوفر منها، وبصيرته النافذة في عصره وعصور قادمة والتي تكشف عنها آراؤه في دول العقل، وأنواع الحكومات، وطبيعة كلِّ نظام سياسي ومزاياه. وهذا العمق في فهم المشكلات الإنسانية الذي لم يبلغه أي فيلسوف في عصره، هو الذي يدفعنا لعرض وجهات نظر أفلاطون في النظام السياسي الأمثل، لكونه يمثل إلى حدٍّ بعيد قمَة حدود الإدراك العقلاني للضرورات والحاجات الإنسانيّة. وإنَّ دراسة حدود هذا الإدراك ومقارنته بالفهم الروحي لنفس المسائل سيكشف لنا عن الفرق بين مقتنيات العقل، ومقتنيات الروح، وفهم كل منهما للمشاكل الإنسانية، والحلول التي سيبني بهما كلاهما جمهوريته الفاضلة. ولا خلاف بين الفريقين على بناء هذه الجمهورية، ولكنَّ الخلاف هو في الأسس التي سيقوم عليها كل بناء، وهو خلاف ما زال قائماً في عصرنا، ويفرض علينا أن نتعامل معه كأمرٍ واقعٍ لا بدَّ منه، وإن كانت نتائجه الظاهرة للعيان تدفعنا بالضرورة للطموح إلى الجمهورية المثلى التي لا تأكل فيها الحروب خبز الإنسان ومأواه ومستقبله. وإذا كان لا بدَّ من دوام هذا الخلاف، فليكن، ولكن بصلح كصلح الحديبية بين الفرقاء، لفتح باب الحوار بدلاً من إطلاق النيران فمن يدري؟ ربما سيكون عدو الأمس صديقاً. وحتى إذا لم يتحول إلى صديق فلا حاجة للتفكير في قتله أو إكراهه على الإيمان، بما يؤمن به كل فريق. وإن من مصلحة الإنسانية تفويض الأمم المتحدة بحلِّ الخلافات بين الشعوب وفقاً لمعايير واحدة، بهدف نشر رايات السلام العادل فوق كل ربوع الأرض، لإتاحة الفرصة أمام كلّ شعب للتسابق مع الآخرين على بناء جمهوريته الفاضلة في جو السلام والأمن.
"
ألقى كوندراتينكو الضوء على الفرق الحاسم الذي يميز الإدراك المعرفي/العلمي، عن العلاقة الدينية، والجمالية بالمكان، والطبيعة عموماً، ليدلنا على المصدر الإدراكي للشعور الديني، والشعور بقداسة المكان، أو جماليته، إذ أشار إلى أنه لا توجد في المجتمع الإنساني علاقات بين الناس فقط، بل هناك علاقات الإنسان بالطبيعة، وبالمكان الذي يحيط به، وتقف هذه الأخيرة وراء العلاقة الميثية ـ الدينية بالمكان. فمن محاولة الوعي الإنساني الدائبة في البحث عن تفسير لقوى العالم المحيطة به، وهو مندهش أمام غرابتها، وروعتها وعظمتها، تنشأ العلاقة الميثية الدينية والجمالية. وعلى هذا فقد قارب كوندراتنكو ما بين العلاقة الدينية والعلاقة الجمالية، بالقدر الذي ميّز فيه مشاعر الإجلال والتقديس الدينية وما يصاحب الطقس الديني من عاطفة، وبين الدين كتعاليم ونظام ونظريات، وأيضاً بين العلاقة الجمالية وما يصاحبها من أحاسيس ومشاعر، وبين الفن والنظريات الفنية، وأيضاً بين العلاقة الأخلاقية والأخلاق كتعاليم ونظريات(1).
هناك مشكلة متداولة بين دارسي المتن الأرسطي تتعلق بطبيعة الكتابة الفلسفية ذاتها، إذ من المعروف أن أرسطو كان يكتب بلغة مزدوجة: بعضها مخصص للعامة، يسيرة الفهم، يسهل تداولها على نطاق واسع؛ وبعضها موجه للخاصة، مكتوبة بلغة تقنية صارمة، سبل إدراكها غير ميسرة للجميع. النوع الأول يسمى بالكتابة الظاهرية Exotérique، بينما يسمى النوع الثاني بالكتابة الباطنية Esotérique أو Acromatique.
سنتناول مفهوم العقلانية في المجال الفلسفي و العلمي و السياسي, باعتباره انتصار للعقل و مولدا لإنسان جديد هو الإنسان العاقل و الحر الذي بشرت به الثورة العلمية الكبرى في القرن 17 وجسدته الثورات السياسية في أوروبا في القرن 18 و 19 .