من ثمرة شجرة النسيان: ذاكرة أحمد – قصة: الحبيب النهدي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

1 ـ انبعاث أحمد
لم يتخلَّ أحمد عن المطالعة المكثّفة والاستغراق في الكتابة لساعات طوال، هكذا أخبرني قريبه. وأضاف أنّه تحصّل على السنة الثانية فلسفة، ثمّ انقطع بمحض إرادته، واختار العمل بعد أن شارك في مناظرة نظّمتها شركة السكك الحديدية ونجح فيها. ومع ذلك، ظلّ متردّدًا على المكتبة. ومن طرائفه أنّه كان يضع أمامه لافتة كتب عليها: "الرجاء عدم الإزعاج… هنا معبد العقل وصلاته". ولم يكن يأبه لهمسات القرّاء.

رغبتي في معرفة حياته كانت شديدة، فذهبت ضيفًا عنده. وما إن دخلت غرفته الفسيحة حتى أسرتني المكتبة الضخمة المكتظة بالكتب والمجلّات. طلبتُ منه كتابًا، فقال إنّه يملكه، ثم أضاف مبتسمًا:

– أعطيك ثمنه، واشتَرِه خيرًا من أن أظلّ أبحث عنه بين كتبي طويلاً.

ولم أرَ أحمد أكثر عزماً من ذلك اليوم؛ كأنّه وُلد من جديد. حلق لحيته الكثيفة، قصّ شاربيه وشعره، وارتدى لباسًا نظيفًا بألوان زاهية. حينها أدركت أنّ حدثًا ما غيّره، وسعدت لذلك، وقد بادرني بابتسامة عميقة تحمل أكثر من معنى.

كان البيت منظّمًا كأنّ يد فنان رتّبته. كلّ شيء في موضعه. وعلى الجدار إطاران:

الأول كتب عليه:

"ما ضرَّ من نال في حين سعادته         إن فاته في طويل الدهر أحيان"

والثاني:

"واحملْ شبابك للمشيب مبرّئًا       مما يكدّر ناصحَ الصفحات"

في ركن البيت مدفأة لم تنطفئ نارها بعد، فالجوّ كان بارداً. رحّب بي أحمد وطلب مني الجلوس. ناولتُه ملفّه قائلاً:

– هذه أمانتك التي طلبتَها.

فقال كمن يحدّث نفسه:

– حتى هذا… سيكون مصيره الحرق.

اضطربتُ لكلامه، وخشيت أن تكون بقية الأوراق قد أُحرقت، وأنّي لم أصل في الوقت المناسب لأمنعه عن إتلاف أسراره.

رفعتُ بصري نحو صورة معلّقة في الجدار: رجل في الأربعين يرتدي بدلة زرقاء، على وجهه شيء يشبه البؤس، عيناه بنيّتان، وجبهته عريضة، وعلى رأسه شاشية. بدا أنّ الصورة قديمة العهد بفعل الصدأ حول ثقبها، وكان الشبه بينه وبين أحمد واضحًا.

سألته دون تهيّؤ:

– لمن هذه الصورة؟

انتبه فجأة، ووضع الملف جانبًا، ثم قال:

– هذا أبي رحمه الله. تعلّمتُ منه كثيرًا من الأقوال، أهمّها: "ما دامت هناك بقية حياة… فهناك أمل".

لم يدرس مثلي، لكنّ أقواله لا تزال حيّة في ذاكرتي. كلما عزمت على أمر وفشلت فيه، كان يقول لي: "أردتَ أن تحقق انتصارك، فكان هناك فشلك"." لم أعرف قيمته إلاّ حين غاب عن وجودي.

ساد صمت، ثم قال:

– لقد كان يشتغل منظّفًا بلديًّا، وأعتقد أنك تتذكّره، فلم يمض على وفاته سوى سنوات قليلة. عُرِف بنزاهته وشجاعته. فهو أوّل من نظّم العمال، واتصل بالدوائر المسؤولة لترسيمهم وضمان الحماية الاجتماعية لهم ولأبنائهم. كان يقول الحق ولا يخشى لومة لائم. كوّن ما يشبه نقابة صغيرة تدافع عن هذه الفئة المناضلة من أجل نظافة الجميع.

هنا أدركت أنّ أحمد إنسان آخر، صادق على خلاف ما يظنّ الناس. وفهمتُ لماذا خاصم نادل المقهى حين ناداه بكنية يكرهها. لقد لقّنه درسًا، وقرر ألّا يُهان بعد اليوم. استعاد اتّزانه. لكن… ما سرّ هذا التحوّل؟

قلت مستغربًا:

– سمعتك تتحدث عن الحرق… أخشى أنّك أحرقت ما كتبتَه!

أجاب:

– كنتُ سأحرق ما كتبته عن حبّي الأول. لا أريد أن تبقى رسائلها حريقًا في قلبي. أريد أن أُحوّل آلامي إلى رماد يذروه النسيان. ولكن… هي لك. خذها. أريد أن أتحرر من الكلمة. الكلمة دينٌ عليّ وعليها. الآن سأبدأ من جديد. سأخلق حبًا جديدًا. كما ترى… جئتُ محتفلاً بالحياة، كأنّي أولد الآن.

قاطعته قائلاً:

– ولكنني أنهيت قصة كنت أروم كتابتها.

فقال:

– رجاءً… لا يجب على الكتّاب أن يستغلوا أحزان الناس وأسرارهم ليجعلوها خبزهم اليومي. ثمّ إني لا أملك رسائل الحب فقط، بل ذخائر أخرى لا تُحصى من الدراسات الفلسفية والاجتماعية. قررتُ أن أعيد صياغتها بنفسي. وطموحي أن أصبح كاتبًا… ولم لا أحصل على جائزة نوبل للآداب؟ لقد خلّصتُ كبدي من الأدران، وروحي من الضياع. أنا اليوم أقوى عزماً. سأعود إلى العمل وأنشر كتبي تباعًا. سأثبت للناس أنّي لست معتوهاً ولا مجنونًا. إنّما أنا الذي قال: "كلما ازدادت الحكمة وضوحًا… كثر أعداؤها".

أنا كيان مستقل، وما يسعدني هو ما يولد مني. سأصرخ في الناس: "أنا العزم والتجدّد".

قلت له:

– سعيد أنا بهذا التحوّل. ولو لا القطع من الذات لما أمكن تحسين المكانة. ومعرفة النفس لأسرارها تطهير لها.

فابتسم وقال:

– تمهّل… الآتي أفضل. لقد وجدتُ من تحبّني. أعجبت برقصاتي في ذلك الحفل… ثم تابع بلا تنفّس:

– لذلك أردتُ القطيعة مع الماضي. سأبعث حياتي من جديد.

كنتُ سعيدًا بنقلته العميقة. لكن بقي عليّ أن أنقذ رسائل عشق قد تحمل معاني قوية نحن بحاجة إليها. قلت:

– رجاء يا أحمد… لا تفكّر في حرق ما تبقّى.

فقال:

– أحرق ما احترق به القلب. ومن اكتسب التجارب أغنته عن الكتب. ستعرف يومًا لماذا أردتُ التخلص من الماضي. إنّه عمل شاقّ بعد إجهاد طويل.

شعرت بالخيبة، كاد أحمد أن يجهض ما وعدت القرّاء به، لكن سعادته كانت أعظم من سعادتي. وبقي حبّ الاستطلاع بي قوة للبحث عن المعاني التي يخفيها المغمورون في قريتي ووطني.

هل يستطيع أحمد أن يتخلّص من الماضي بمجرد التخلص من الورقات؟ على وقع هذه الحيرة ودّعت أحمد، ولا أدري ما سأكتبه عنه غدًا… ولا أدري لماذا.

"كنز روحه ليس في طيّ النسيان، فقد ترك في نفسي جرحًا عميقًا."

2 ـ البوح… مَرَح الروح

"أن يسمع بعضُنا البعضَ الآخر"

"لكل امرئ حياته النفسية، وبالتالي يعتبر كل امرئ عالماً بالنفس" – فرويد

"لذلك أعطي الإنسان أخطر المَلَكات… اللغة، لكي يشهد على ما هو عليه" – هولدرلين

على غير عادته، وفي عزّ الظهيرة، خرج أحمد من منزله ليستظلّ تحت شجرة زيتون هرمة فارعة في منحدر الوادي. كان يحتمي من أشعة الشمس التي تحرق حتى ما لا يحترق. وكان يقول: إنّ لولا الشمس لما كان للظلال وجود؛ فهي الجوهر الذي تتخلّق حوله الأعراض. كلما ازدادت حرارتها شدّة أوجدت نقيضها. فليس بالضرورة أن تؤدي الطرق الملتوية إلى طرق غير آمنة.

كان أحمد لا يعصي لي أمرًا. كلما دعوته أجاب. وقد وعدته بالإنصات إلى اعترافاته؛ لأنّه كان يرى أنّ بوحه تنفيسٌ للبركان الذي بداخله وشفاء لجروحه.

سأخبركم بطرافته التي أرعبت من لا يعرفه. سبر أغوار شخصيته كان يحتاج غوصًا في أعماق الذات البشرية. نحول جسده زاده خفة وجمالًا، وبريق عينيه الأخاذ، وشَعره الحريري المبعثر، لم تشبهه خدوش جبهته.

كان يحبّ الاسترسال في اعترافاته. يكلّمك كمن يتطهّر من أوجاعه. وكنت أدعه يتكلم؛ فالكلمة أداة جبارة ننفذ بها إلى الآخرين.

قال:

– كم أثّرت فيَّ ذكريات ممزوجة برائحة الصيف. لا أعرف من أين أبدأ… لكن سأبدأ من سحر الظلّ الذي يبلّل جفاف الأرض ويمحو القلق.

ثم قال:

– أتدري سرّ هذه الخدوش في جبهتي؟ لم أكن أشفى من مرض إلاّ بعد أن تُحدث أمي أو إحدى عجائز الحيّ خدوشًا بشفرة الحلاقة في جبهتي مع تلاوة كلمات من "الرقية". كانت تعيد إليّ توازني النفسي في ثوانٍ. كنت أؤمن أنّ المرض لا يزول إلاّ بإهدار الدم والتلفظ بالطلسم. كانت تقول لي: "لأنك رائع… أصابتك عين سوء". فأنهض من فراشي وكأنني وُلدت من جديد.

كنت أفكر: لعل هذا الطقس لم يعد معمولًا به اليوم، فقد زالت كثير من الممارسات القديمة. لكن فهم الطقس يساعد على فهم طرافته.

ثم تابع:

– كلما أويتُ إلى الظل، نمت نوماً عميقًا لا أستفيق منه إلاّ حين تبدو السماء كالصبح. كنت أحبّ التجوال… وأكره الليل لقصره.

وأضاف:

– أتريد أن تعرف لماذا أرغب في البوح إليك؟ لأنّي منذ قراءتي الأولى لفرويد وأنا في السنة الرابعة آداب، أدركت أنّ البوح تقنية علاجية. كنت مغرماً به وكنت أستند إليه في القسم. لكن الأستاذ كان كثيرًا ما يعجز عن فهمي، وأنا أعجز عن التعبير. كانوا يلقبونني مرة بسقراط، ومرة بفرويد، ثم انتهوا إلى لقبي المقيت "الساحر". كنت أحرّك الأشياء بنظراتي، أو هكذا ظنّوا، وأتحمّل تعذيبهم بصبر غريب. كدت أطرد من المدرسة لولا العبارة الشهيرة: "إنني أعرف شيئًا واحدًا: أني لا أعرف شيئًا".

كنت ألتهم كتب التحليل النفسي في الصيف، وأجالس المتألمين وأستمع إلى أسرارهم. وفي الليل، حين كان شباب قريتي يسامرون على قارعة الطريق، كنت أجلس بينهم، أستمع لاعترافاتهم، بعضهم دوّنته، والبعض الآخر سيأتي يومًا أكتبه.

كان حديثه مزيجًا من الحقيقة والوهم، من الذاكرة والنسيان. وعرفت أنّ سرّ سعادته اليوم هو قدرته على الاستفادة من تجاربه وتخزين تجارب غيره وتقنيات التحليل النفسي. ولولا قوّة إرادته لما نهض من كبواته.

3 ـ حيرة الكتابة

"لا يمكن للإنسان أن يكون أبدًا الشخصيّة الكليّة، فلا كليّة للهويّة، ولا كليّة للوعي"جاك لاكان.

تَهَرّأ المخطوط الذي كان قد سلمني إياه أحمد، ولاحظت أنّ بقع الزيت لا تزال عالقة بورقته الأولى، وفي جزئه الأخير بدأ السوس يأكله فيتآكل.

ها أنا أنقل لكم ما كتب أحمد على لسانه:

"من اليوم الذي أصبحت فيه أفضل العزلة، مات شوقي لأن أعيش كما أريد. أجرى تأمّلات موغلة في الكون والكيان، فتحركت متاريس الكتابة لديّ. مرات جرّبت الكتابة، ونادرًا ما جادت قريحتي بمعنى يستحق عدم تمزيقه، فأمضيت معظم أوقاتي بين الكتب أتفحص ما احتوته من معانٍ، ومن حشو ولغو لا يغني ولا يسمن من جوع. واكتشفت درسًا جديدًا يدخلني إلى عالم بياض الورقة المحيّر: حياة جديدة اقتنعت بها، فهي أرقى الأشكال لممارسة الذات وإتقان فنّ الوجود، لأنّ الكتابة تجعلني أقيم علاقة مع الكلمات الأكثر صدقًا."

"ها إنّي أصنع عالمي الخاص بأن أفجّر اللغة بين يديّ، وأبدع مساحة حرّيتي، وقد اتخذت للكتابة طقوسًا عنوانها: "في البدء كانت الكلمة". وكانت تقنية الكتابة أبعد ما تكون عن الكتابة كما عهدتها، لأنّ ما لا أستطيع التعبير عنه هو أفضل ما يعتقد أنّه سرّ سعادتي. فدوامًا تخوّنني اللغة، ووحدها الدمعة ترتقي إلى رمز تقولني، ووحده الحزن يترجمني معنىً عميقًا، ووحده الزمن الذاتي ينال مني دفقًا لتحقيق الروح في الزمن الدنيوي، ووحده الصّمت يوزّع سري ويفجر ينابيع حلمي، كلحظات شاردة، ماردة ضد صمت الحركة. إنها ولادة الحركة في صخب الصمت، شبيهة بما نكون عليه أمام سؤال الموت وحيرتنا منه."

"لذلك كان أشدّ ما يخفيني أن أكون أمام ورقة بيضاء، فأحار وأسأل: "كيف أستجلب المعلوم من المجهول، وأخصب العدم وأبعثه وجودًا لأرى قوّة كلماتي؟" وكنت في نفس الوقت أخشى أن أدنس البياض بلوثة الفكر. لذلك عمّقت النظر وركّزت التأمّل، فهي حواس الرغبة في الكتابة. أليس هذا الدرس هو الذي كان يجب أن أتعلمه؟ نعم، إنه درس نواجه به الحيرة أمام الورقة البيضاء: ماذا نكتب؟ كيف نكتب؟ لماذا نكتب؟ لتكون العبارة بحجم الإحساس. فالكتابة علامة انتصار الإنسان على حيرته، وهي تجديد للحيرة وإعداد لها، لتبقى الرغبة في فن الكتابة."

"أسئلة الوحدة والموت جدّدت وحدتي؛ هذا الرعب الوحيد يؤدي إلى الإبداع، تواصل لا مثيل له مع الموسيقى والكتابة. لولاك أيّها الموت ما كانت الكتابة مشبعة بحبّ الحياة ومعراجًا للخلود، وما كانت الكتابة تقطر معنى بالرغبة في الوجود. ولولاك أيتها الوحدة، ما كانت الذات تقيم علاقة مع الآخر بأكثر عمق وحبّ وشجاعة وحريّة."

"كانت الورقة البيضاء أمامي، وفوضاي تنهاني، وخيانة البلاغة تربكني. أنشد بصري إليها، وحركة القلم بين أصابعي تحدّث موسيقى خافتة باهتة. وبعد برهة، انبجست الكتابة: أيّتها الورقة البيضاء، غذيت روحي حيرة. فكيف يمكنني أن أكتب ما لم يكتبه الأولون؟ بأي عبارة تكتسب المعاني جاذبيتها لدى القارئ؟ وكيف نعيد القوّة للفكر؟ كيف نكتب ما يجدّد الحيرة حتى يجد غيرها ما به يملأ فراغ حيرته؟"

"دوامًا، أيّتها الورقة البيضاء، انساب في عدمك، بلا انتظار ولا وعود ولا مواثيق ولا تكاليف. ادخل بابك بلا استئذان، ولكن الحيرة أمامك جمرة ملتهبة لا تنطفئ إلا بقوة الفكر وبعد النظر لصياغة عالم مرغوب فيه."

وبعد جهد متراخٍ في الحركة، توقّفت عن الكتابة، ورميت مواصلة قراءة الكتاب الذي أمامي، وكنت أقرأ نصًّا في قوّة حيرتي: "إنّ عدم قدرتنا على تحقيق أكثر من قبض أو إمساك غير ثابت للحقيقة يقدّم بلا شكّ قاعدة لاغترابنا الحالي". ثم أسرعت لأبلغ منتهى المقال الذي وجدت فيه معنى أعاد إلي صلتي بين "الذات والعالم": "ما يجب أن نبحث عنه هو مصالحة بين الواقع والإنسان، بين الوصف والتفسير، وبين الموضوع والمعرفة."

ها أنا الآن منشرح ومبتهج بالمعرفة، وأشدّ سرورًا بحيرتي التي تعطيني معنى، وقلقي الذي يجعل للحزن دلالة، ويتضح لي الفرح ناضرًا يانعا كأنّما بعث من جديد.

4 ـ الذاكرة ينقيها النسيان

"لا يرمز النسيان للموت، إنما للعودة إلى الحياة."

"بطريقة أو بأخرى، التذكّر يتضمّن النسيان." ميرسيا إيلياد

تعوّد أحمد إنقاذ نفسه من الضياع، يقظة تتجلّى عبر حركة الفكر في تفكيك وإعادة بناء منطق الأشياء. واستطاع حينئذ أن يولّد الوضوح من الغموض، ويعطي للبساطة عمقًا. فكانت سمة شخصيته في "عبقريته الخاصة"، التي تغذّي يقينه في الحياة، لأن المعاني تنبع من ألغاز الكون وأسراره. وكما حدثني، فإنه لا "ينزل مرتين في نفس النهر".

واليوم، رغب أحمد في النسيان، إرادة منه وسبيلاً لتنقية ما أثقل الذاكرة. فأثبت بصره نحو الأفق، يتأمّل الشفق، تنفلق منه الحمرة كأنّ الشمس لا تغادره إلا على وقع دم التضحية، أو كما لو أنّ النسيان ليس إلاّ تضحية بذكريات لم يعد لها ثقل في تدعيم معاني الحياة. وهب روحه للغياب، فرغم أنّ النسيان أقوى من التذكّر بما فيه من انعدام للغة والمعنى، فهو "قدرة فاعلة" في حراسة أمنه النفسي، وبعث الهدوء والسعادة.

كان يقول: ""لا أمل بلا مملكة النسيان."" ويضيف كالمجذوب: "لا يوجد أشدّ خرابًا من عقل مثقل بعناقيد تذكّر خاوية على عروشها، وروح تعيش على حزمة من تافهات الدنيا. فهم يسمّونها حقائق أزلية، وهي إلى الزوال. هذا تفسير للدمار الذي تجذّر في تراكمات الذكريات، وفي ذلك الحنين الذي لا يحنّ إلا للتكرار والملل. أوليس النسيان ملحًا للروح حتى لا تتعفّن الذاكرة؟"

وكان في كلّ تأمّل لأسراب الطيور وتموّجاتها، مسكونًا بهواجس تفجير ملكة النسيان لديه. ففي هذا المساء، حين يلجأ إلى خلوته الخاصة، يراقب إيقاعات الروح، وتشييدها على وقع حركات العصافير وهي تطير، تبحث عن ملجأ تختفي فيه من برودة الليل القاسية وبطش سواده.

إنّ النسيان وعي بالغياب، ومحاولة لتأسيس ممرّ جديد في الذاكرة، يتميّز بإمكانيته لتقبّل معانٍ غزيرة توفرها الدهشة وحبّ التجدد. وكان يذكّرنا دومًا لعلّنا ننسى الفرق بين فقدان الذاكرة نهائيًا، وبين النسيان كقوة تصفية للكيان. ويقول: "تأملوا في مملكة الحبّ: كيف ينسى الإنسان ذاته فتكون منصهرة في التجربة؟ وينسى العالم وما فيه، ولكن في تلك اللحظة من النسيان يكتشف أنّ الحب هو أيضًا تذكّر للذات والعالم وما احتوى. ذلك أنّ الذي نرغب نسيانه نتذكّره بقوة."

لذلك اقتنع أن كل شيء جدلية: بين ما ننساه وما نتذكره، وبين ما نبنيه لنهدمه، وما ندمره لنؤسسه. أي بمعنى أنّ ما ننساه لنتذكّره، وما نتذكره لننساه.

وأضاف قائلاً: "أقوى حكمة لديّ هي أن ننسى، حتى نكتسب قوة التذكّر بما نرى به سعادة الوجود وجماليته. بعكس أفلاطون الذي يرى أن المعرفة تذكّر والجهل نسيان. النسيان يشفي غليلي من ينبوع الذاكرة، أليس الإنسان اسمه كذلك إلا لقوة النسيان لديه وقدرتها على التجاوز والبحث عن التجدد؟"

وهذا الدرس في النسيان لا مثيل له: النسيان لدى أحمد ليس حلول النفس في الجسد كما يرى أفلاطون، إنما غياب النفس عن حركة الفعل في الجسد، وفي إحداث نقلة في حياته بنسيان ما أجبر على تذكّره، وتذكّر ما أجبر على نسيانه.

وهكذا استرجع قواه، وهو يرصد الظلمة، فتتبدّد ما كان يراه في الأفق، أي ذلك الشفق الذي بغيابه يصبح أكثر حضورًا في فكره، ويسمع في أعماقه صرخة كان لها رجع صدى: "أعطوني بسرعة ماء سلسبيلا من بحيرة الذاكرة."

فالحياة وما فيها لا تطاق إلا إذا درّبنا ملكة النسيان على تصفية ما يصل إلى الذاكرة. وهذا ما يجعلنا نتجدّد، وينفلق فينا الإحساس بالوجود، ونصبر على هضم ما نبدعه وما يمكننا من الحضور. هذا ما بهر أحمد، وجعل يحمل ما خزّنه من تأمّل في الأفق: شفق ليشّع في ظلمة الليل على روحه.

5 ـ الإحاطة الغرابة

"عدم الفهم من أجل الفهم"

"فأنت إذن معلق بين الوضوح الذي يملأ نفسك سآمًا، وبين الغموض الذي يملأ نفسك شوقًا." طه حسين

كتب أحمد في مذكراته هذه القصة-اللغز، وها أنا أنقلها كما هي:

"لسعة البرد والحلم جعلتني أستفيق من نومي، كأنّما يدلّ ذلك على برودة الوعي مقابل صرامة العلم. ففي تلك اللحظة، أمام اللاوعي، يكون الحلم بمثابة حرارة الروح تلامس باطن ما هو دافئ فيّ، ولم أتذكّر من الحلم إلا بعض الأحداث المتلاحقة: توغّل في عمق الغابة بجسارة، وكان القمر ينهار على قلبي فاستضاء له الطريق، كأنّما هي شمس لم تقدر على تبديد ظلمة الليل الحالكة. شققت المسالك الوعرة، أحيانًا أطير وأخرى لا أحس بثقله، وأنا مثقل بالأتعاب. تلاحقني القيود حصانًا يشقّ الصخور، بركة ماء راكد وكتب ملقاة فيه، ولما تأهبت لأخذ واحد منها، فاضت البركة كالنهر يتدفق ماء زلال. وأسراب عصافير وأغنية طوقتني للسفر، وتحوّل المشهد إلى حشد من الناس ينظرون إلى الرعود، وقد مزقت السماء، وينهار السحاب وهما مطرًا."

هكذا هي، إذن، أيها الإنسان، لغة الحلم؛ تبعث فيه الحركة. لذلك قرّر في ذلك اليوم أن يعتبر أنّ الكل لا يعدو أن يكون إلا تطلّعًا وشوقًا للمستقبل، وتذكّر أنّ كلّ ما في الحلم تعبير عن رغبة نكبتها اليقظة، وتنفلت من اللاوعي لحظة تنصلنا من صرامة الوعي. وأنا لا أدري بعد لماذا اشتاق في مذكراته لقراءة قصة "فرانز كافكا" مرة أخرى، وقد كان لهمها سابقًا.

وها أنا الآن أسأل: ما العلاقة بين هذا الكاتب وحلمه وهو بالذات؟ ربّما كلمات طه حسين أثارته: "رأيت أنّك لست في حاجة إلى تكلّف الجهد لتفهم ما لا يحتاج إلى فهم، وأنت لا تطمئن إلى هذه الغرابة، ولقد اطمأننت إليه لتركت القصة أعرضت عن الكتاب، يائسًا من القدرة على الفهم، ضنينا بوقتك وجهدك على اتفاقهما فيما ليس إلى فهمه سبيل."

ورأيت بعد كل ذلك أنّ الدافع من قراءة قصة "المسخ" لفرانز كافكا، إلا لأنّ هذا الكاتب تميّزت كتاباته بالغموض والحيرة والقلق، والتي رواها كأنّما هي أحلام لها جمالية خاصة. تجعله يفكّك رموزها ويحل ألغازها، فيكشف عن دقّة أفكار الكاتب وعمق تعبيره عن ذاته في حياته اليومية.

صلته بما كتب كافكا كأنّما هو نصّ يسقط عليه أحلامه وقلقه، إنه مثل تجربة نفسية، حيث يسقط ما استبطنه من مشاعر على النصّ، لعل ذلك يلطف من غربته. أدب غريب يحملك إلى أمكنة وأزمنة غير متوقعة، وربما هذا هو سرّ الإبداع: أن نكشف عالمًا لم يكن ينتظره أحد، نهايات لا تؤسس إلا للدهشة من جديد، وتحويل للاهتمام، وتربية على فن صياغة الحلم وتوضيحه لمكاشفة حياتنا اليومية بكل ما خفيّ منها وبدا.

وكان يريد النصّ الذي لا يُفهم إلا بالإجهاد، كأنما هو الصخر لا يتفتّت إلا بقوة الإرادة. وربّما لم يقرأ من خلال القصة إلا قصته، أو ما كان يتخيله ويحلم بكتابته، ولم يكن لذلك صلة بما كتب الكاتب. فالبساطة الفارغة من المعنى تقتل فيه شحنة الأفكار، والجهد في فهم الرموز والغموض، الذين هما مثل الإسفنج يمتصّ ما أثقله من رؤى، فينزاح عن النصّ الحقيقي ليقرأ نصّه الخاص، كأنما يستمع إلى أغنية لا يفهم معناها، ولكنه يرفق الموسيقى التي هي لغة كونية وعالمية، أغنيته الخاصة.

كل ذلك تطهير له بمجرد إسقاط مشاعره في القراءة والكتابة، كأنما هي اعترافات لتفريخ شحنة النفس.

هكذا هو اليوم، تشوّق لإعادة ما انفلت منه من رغبات كان يكتشفها في زمن القصة الخاص وزمنه الذاتي، في ما يراه من وراء المعاني، وانتهى على صوت كافكا: "لا، ليس الحرية التي كنت أرغب فيها فقط، مخرج بسيط يمينًا يسارًا، أينما يكن، ليس لي مطلب آخر، ومهما كان المخرج نفسه مخالطة، فمطلبي صغير، والمخالطة ليست أكبر منه."

هكذا وعي اللاوعي، هو مخرج وانفلات إلى لاوعي الوعي، وتلك هي خفايا الحياة.

6- دوائر الاحتماء

وهذه حزمة أخرى من المذكرات، وقد قسمت إلى قطع من الروح؛ أدعكم تستمتعون بها:

دائرة المطر وكتب عليها: "إنّ الأشياء جميعها جاءت من الماء" طاليس

يمكن أن نحمّل المطر معنى ونجعله يتكلّم. ألم يهب للأرض الحياة؟ وأليست هي أكثر الأشياء حميمية في رغبتي للتجدّد؟ يا مطر، أسألك السيل، السيل. لقد تشبث حلمي بالعطش للتحقق. أسألك أن تثبت نباته حتى يجود بثماره. يا قاهر القحط، يا مخزن إمكانيات الموجودات، ها هو قلبي في تربة غربته، جلّ عنه الأحزان وطهّره من الأدران، واجعله مرتويًا منتعشًا. أليست رمزية الماء هي الولادة الجديدة؟

يا مطري، يا أيّها الباطش بعطشي، اجعل الدائرة على أعداء الماء. أغث ورقاتي البيضاء كي يضيء منها الماء: معانٍ تروي ظمأ العقول وجفاف القلوب. يا مطري، أنت المعنى الذي فجّرته السماء. أنت لست باللغة، ولكنك تمنحني كلامًا وموسيقى، فأحتمي بمعنى أقوى، أستلهمه تقنية للتفسير، وأحوله لغة لا تقول ما تقول. أنت أسطورة الماء، وأسطورة الفيض والطوفان والحياة. هكذا كان حبي للمطر، طمسًا لعيون الجوع. وكان اقتحامي لدائرته نصرًا للخصوبة على العقم والقحط. فعندما تضيق بي الدنيا، كم أجد في هطولك الهادئ فسحة للحلم، أو على وقعك الرتيب، تراقص روحي الكلمات، وأسمع همسًا عن الحرية والحب وعودة الماء للعروق اليابسة وعودة الخضرة للورقات الجافة. كم أجد فيك يا مطر وفرة الأفكار وقوة الإرادة على الفعل! كم أحب فيك الهطول؟ وكم تمنيت أن أكون قطرة من قطراتك، أنضم لسيلك العارم يطفح على مساحات القحط والعطش والأرض الخراب. أسألك إذن: السيل، السيل.

يا مطري، أنت الماء، وروحي عطشى للنور، وقالوا لي إنّه نبتة مدفونة في تربة الظلمة، ولن تخضب إلا بمعجزة، وهي أن يتحوّل ماؤك كمعنى يلد معنى أقوى من المعنى ويكتمل. ثم يأتي ويتفجّر كالعين من عمق تربة الظلمة، ويهدّ قيودًا تحاصر بذرة الضوء. فالنور نبتة تحب ماء السماء. فلتمطري ولا تخشي هول الخراب، فلقد تصوّرت نفسي عاصفة مثلك في عمق الكون. وها أنا قرأت نشيدك.

دائرة اللعب

ألسنا أمام لعبة، أما نكون فيها رابحين أو خاسرين؟ ولذلك أرى اللعب دائرة للاحتماء. واكتشافنا للعالم مجرد لعبة. فأنا ألعب وأتحمّل مسؤوليتي في ما أكسب. يخلق اللعب إمكانيات لا نهاية لها، فكل واحد منا له رهاناته واستراتيجيته في إدارة اللعبة، كلّ بحسب ما يمتلكه من قوّة وعمق. ولكن المهم أن نحترم القواعد ونوفّر الفضاء الكافي ليمارس كل اختياراته، وإلا أصبح اللاعب متلاعبًا أو ملعوبًا به، ويلوى عنقه دوما للهزيمة. لنضع أنفسنا في دائرة اللعب، ولنحترم القواعد، ولتكن المنافسة ولنباشر اللعب، فاللعب فنّ وحضور لطفولة دائمة فينا. وهو انفلات من جدّ إلى جدّ أعمق منه. فالكتابة ليست إلا لعبة كلمات على ورقة بيضاء، وأكثرها انشراحًا ومن أحسنها اتقانًا لمهمة جلب الجدّ من اللعب.

دائرة الليل

ليس الليل إلا سكنا، بعد أن كان النهار معاشًا وعملًا. ولهذا ليس كله ظلمة، بل الأنوار لم تأت إلاّ من قبس الأحلام ومن رصد أفلاك السماء ونجومها. آه أيّها الليل، أنت الذي جعلتني أرى شعاعي لمقاومة ضباب الوجود. أنت الحدّ الفاصل بين الحركة والسكون، بين الوعي والحلم، بين العمل والأحلام. أنت دائرة للاحتماء؛ ففي أعماقك أشحن نفسي لأتهيأ للنهار، وفي ظلمتك، عندما أحاول النوم، تفيض فيّ ذكريات وأحلام يقظة، تسبح وتسبّح بانجلاء كوابيس الروح وهواجسها. فكم أكون سعيدًا أيها الليل، عندما أخرج النهار من أمل ترجيته فيك مولودًا.

دائرة الدوائر للاحتماء

هل يستوي الذي أقام الدوائر والذي دارت عليه دوائر الخيبة والظلم؟ هل يستوي الذي أقام هندسة دائرة السلم والذي أقام دائرة الحرب؟ هل يستوي الذي أبدع دائرة الإبداع والذي اقتحم دائرة الاتباع؟ إنّ دائرة الدوائر للاحتماء في قوّة شخصية المدير للدائرة، في إيمانه بالحق والحقيقة ورفضه للشرّ، وبما لديه من قوة توليد للمعاني المبدعة، والبحث عن قول لا تقوله اللغة وعن ما تتكلّمه الموجودات. والدائرة هي بدء على بدء، هي عطش الاكتمال وخوف من الضياع. وأنا الآن أكاد أجّن، فما خطّ ممتد؟ وهكذا أعود للعطش بحثًا عن دائرة الخط ذي المسافات اللامتناهيّة للاحتماء. فما أفظع المفارقات.

7- أجنحة الاستغاثة

"الحضارة غشاء رقيق يمكن أن يتصلّب ويحتوي النار المركزيّة دون إخمادها" إدغار موران

أسرار سرّي لم تُكشف، فمن يرصدها وينتزع منها أحسن تأويل؟ عندي فيها أروقة لتلقي معانٍ شتّى. ويخيب ظني تارة أخرى، فلا تفلح في تبرير الافتراء وتمهّد سبل النسيان حتى أضل. سأرتل السرّ الأول جناحًا للاستغاثة.

أحرقت وجعي، ثم نسفته في كلماتي نسفًا، وتذوّقته، فكل نفس ذائقة الألم. وبليت بالتناقضات. لا تحسبوا أنّي لا أستطيع اقتلاع جذور الأوجاع؛ فأمام توهّج الروح في الخلاص تشخص الأبصار. "دائمًا على الدوام"، يتبدل الوجع غير الوجع والأحزان. جناح الاستغاثة من الوجع في تسخير الكلمات، فلا يفلح من حيث أتى، وأقدر على تضليله، فلا تعمى علي الأنباء. ليس الإنسان فعالًا لما يريد إلا بقدر امتلاكه قوة بطش الأوجاع. ما أخطر أوجاع الروح عندما لا يقدر الإنسان على التلاؤم مع محيطه، وتنقطع علاقته بنفسه وبالآخرين، ويفقد فاعلية الرموز لديه. ليس بالعلم فحسب يُعاد له الأمل بتوليد الطاقة الروحية، وبتفجير شاعريّة الوجود، والامتلاء بالمعاني. تتدلى عناقيد إصرار على الفعل. سأرتل السرّ الثاني جناحًا للاستغاثة.

أخشى الضعف بل قوّته؛ فلعل ما يرسيه العقل من كلمات الروح مدارا يزيد في قوة قوتي ويضعف الضعف: خواء وخيبة ودمار. وما شدّه ما ليس لنا به علم. صحيح أن الإنسان خلق ضعيفًا، ولكن سُخرت له وسائل التمكين. من أراد القوة من الضعف، عليه بالعلم والحب والعمل. قوة الضعف عدم، وضعف القوة استسلام، وقوة القوة في الحق حق. فالقوة الحقيقية في الإنسان جناح للاستفاقة من الضعف. وليس المقصود بالقوة العنف، لأن العنف ضعف لغياب قوة الحق. ومفاتح الدنيا لا يعلمها إلا من سخر البرّ والبحر والسماء لتقوية قوة القوة، ليس لقوة نفسه، بل لقوة الإنسانية. انظروا إلى قوة الشرّ، ثماره أينعت الدمار، وأن السلم لن يكون إلا بقوة الخير ونزعة الحياة للأقوى. سأرتل السرّ الثالث جناحًا للاستغاثة.

أخشى الرجفة من الزمان حتى لا أبقى في دار الخواء جاثمًا. الرجفة عندما أحدق في السماء وأرى سحب صيف فتجهش بالرعود ولا نزل القطر. تنتهي الأمطار فلا تمطر، وتعوي الريح معلنة العقم. ما أخطر أن يرتجف الإنسان أمام واقع لا يجرحه نحو إبداع الفعل، فإذا هو مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. يرتعش من برودة العواطف، ويرتجّ بصلابة التسلّط في العلاقات. ما أخطر الرجفة التي يأتي بها الشرّ. الغلبة لليقظة هي جناح للاستغاثة من الرجفة. بالحذر وتوقع الشرّ نسترجع توازننا، ونطوّق ما يخيف. لن يلقى أحد في قلبي الرعب؛ ما دمت واعيًا بالرعب. سأضرب عن كل بنان موضوع على قرص الرجفة، وتغمرني زينة الحياة الدنيا، فأدافع عن وجودي باليقظة. كل الأشكال الإبداعية هي مقاومة للرجفة: من المستقبل، من الخيبة، من الموت، ومن عدم إنجاز ما به امتلأنا. كل رجفة لا بد أن تسبقها حالة ضعف، وكل يقظة لا بد أن تسبقها حالة قوة وثقة بالنفس.

كلما مسّني قرح، ناديت أسرار سرّي، وانتزعت منها تأويلاً. هذا دواء روحي يشفيني، فيمسني الفرح، فانبسط. أروقة المعاني هي عروس مملكة أسراري، أشفقت على نفسي فهندست لها مسالك التطهير بالرؤى والأحلام. بالطاقة الروحية وفاعلية الرموز والإبداع، لا أبرح الدنيا حتى أتحفّل في الوجود ما يفقهه عقلي وتتذوقه روحي. قوة القوة في الحق، وضعف القوة في الشرّ، قوة وقوة الضعف في الشرّ دمار. كل نفس ذائقة الوجع إلا من ولّد القوة من ضعفه، وأتى الوجود بطابع إشكالي ودافعية وجودية في تحويل ضروب القلق إلى أمل، وإعادة الأمل إلى تساؤل باطني للإنسان عن أسرار السرّ. هكذا يمكن أن نقتلع جذور الغرابة المألوفة، والاحتراس واجب على المعرفة.

8- الحصن الحصين

"وإذا التشاؤم بالحياة ورفضها ضرب من البهتان والهذيان  إن ابن آدم في قرارة نفسه عبد الحياة الصادق الإيمان" أبو القاسم الشابي

أحصّن نفسي بآليات دفاع للتصدي لكل أشكال الأزمات، أدخلها سرادقات الأحلام وأضرب عليها أسوار الأسرار، أدربها على تحمّل الطعنات وإيقاظ المكبوتات في ألواح الاعترافات. لأنّ في كنف الكتابة تقنية للتخفيف من الأكدار، حتى أنفتح على الوجود ولا تنغلق الذات.

تعلّمت كيف أسترد فرحي بعد أن يغزوني الحزن، وكيف أرى النجاح في أخذ درس من الفشل؟ فالإنسان، مملكة كان أم قلعة، في حاجة إلى أسلحة دفاع ضد مؤثرات الخراب وسخافات البشر، في حاجة إلى حصن محصّن ضد مظاهر العبث وحالات الغثيان والاكتئاب. أحصّن نفسي حتى لا أصبح ريشة في مهبّ الريح.

أشعر أن شرّ الوساوس يخرّب صدور الناس، ويوسوس لهم باليأس والخوف والضعف والاستسلام. ومن لم يحصن نفسه بآليات الدفاع انقض مضجعه وأخرج من عقر داره بائسًا ذليلًا جبانًا، لا يقوى على شيء من أمره. ولكن كيف نحصّن النفس من وساوس الخنّاس؟ وما هي آليات الدفاع؟

اليأس حالة تأتي لكل إنسان مهما كان، ويمكن التغلب عليها ما لم يتحوّل الإنسان نفسه إلى اليأس. الخوف ضروري كتوقع للخطر، ولكن أن يسكن يصبح رعبًا وقمعًا. هكذا، نتبين قدرة النفس على أن تعايش الأزمات والألم دون أن تنهار، لأنها تمتلك حصانة ذاتية، وهي تلك الآليات النفسية الدفاعية التي تسلّح بها الإنسان منذ طفولته من بيئته الثقافية والرمزية.

لولا المعتقدات والآداب والأشعار، ولولا الأغاني والرقصات والأسفار، ولولا الطقوس والعادات والتقاليد، ولولا الأساطير والخرافات والأوهام، ولولا الأفلام والأحلام والفنون، ما استفاد الإنسان لا من الأفراح ولا من الأتراح. وكل ثقافة مهما كانت، لديها قنوات لتسريح الأكدار وتطهير الأحزان، وقلاع ليعبّر المسكوت عنه، ويبلغ الإعجاز حتى في العويل والندب. وتخرج الابتسامة من فم الهمّ، كما يقال: "كثر الهم يضحك"، وينشق خطان في نفس الإنسان؛ به تقام حياته ويجمّل الحزن ويسمو به، بكل أنواع العمليات: همسًا ولمسًا وصوتًا وكتابة، ويحوّل الفرح إلى غبطة حتى بلوغ التلذّذ والتذوق، والدموع دموع الفرح.

أحصّن نفسي حتى لا تخرّبني سهام المخيبات المترصّدة بكل إنسان. وحصني الحصين هو سيّال الروح، تلك الطاقة على توليد المعاني، التي لا تحمل بذور حياتها إلا عندما تتحوّل إلى ممارسة وفعل. فالكتابة هي هذا الشكل المتميّز لتأكيد الذات بامتياز، وهي مجال الحلم وملامسة انعكاس الروح في الكلمات، وإيقاظ الضمير بالالتزام بقوة الحقّ والشجاعة في تحمّل مسؤولية الوجود. الكتابة آلية دفاعية متجددة، ما تغيّرت ولن تتغيّر بتقدم الزمن: "وكلما ضاقت الدنيا وجدت الاتساع في العبارة".

لذلك، كلما خانتني الكلمات، تملكني العبث وتلقفني الهذيان، فأعود إلى الأشكال الإبداعية التي أفرزتها الذاكرة الإنسانية، فأجد ستر الرموز والطقوس مسبولًا على روحي، لا يقدر على فهمها إلا الناظر بعين مجهريّة، واهتدى إلى الحكمة، وتتوهّج الرغبة في المزيد من الحياة.

أيها الناس، أحصّن نفسي بآليات دفاعية حتى لا أكون كفخّار يوضع في الحرارة وتلقى عليه قطرة ماء فيتشقق، أو كجسم غير ملقح ولا يملك الحصانة الذاتية فتفتك به الفيروسات. إنما أنا مثل جفّاف يمتص المتناقضات والأزمات والمخيبات، أكون ولست أنا الحزن وأفرح وأنا الفرح، وأيأس ولست أنا اليأس، وآمل وأنا الأمل، وأكره ولست أنا الكره، وأحب وأنا الحب. وحصني الحصين أن أكتب وألتزم.

كتاباتي قلاعي، وما أقوى العبارة عندما تكون طاقة سيالة تبعثها الروح، ويملؤها المغناطيس، وذلك سر دوامها وتأثيرها. أما إذا كانت خاوية على عروشها، توارت عن النظر والإفهام. لذلك، لست أخشى لو كنت الوحيد الذي يقرأ كتاباتي ولا ينقطع الرجاء من حياتي، لأن في كنف نصوصي وكلماتي كفن مأساتي، والكتابة هي مناعة مكتسبة ضد فيروسات الفتك والإبادة لبذور قوى الحياة:"يا قلب لا تقنع بشوك اليأس من بين الزهور، فوراء أوجاع الحياة عذوبة الأمل الجسور"  كما يقول الشابي.

ملاحظة: نشرت هذه القصّة في ورقات ثقافية: الملحق الثقافي لجريدة الصحافة يصدر كلّ يوم جمعة وكان ذلك في عام 1998 أدخلت عليها تعديلات. نشرت سابقا الجزء الاول منها تحت عنوان: ثمرة شجرة الذاكرة النسيان وهذا الجزء الثاني يتبع.

الحبيب النهدي

تونس