أشعة أبريل - قصة: ليلى عبدلاوي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

على استحياء،تسربت أشعة أبريل من طيات الستار،فتح أحمد عينيه المثقلتين بالسهاد،ليلة أخرى لم يعرف فيها النوم بمعناه الحقيقي،نسي بأنه على قيد الحياة..يبتلع أيام حياته..لايجد لها طعما ولا لونا..ليال بيضاء يضنيه سهادها منذ مايقارب الشهر..يصادق فيها رسومات السقف...
امتدت يده الى آلة التحكم،شاشات العالم لا حديث لها إلا عن هذا الفيروس الثقيل على القلب.. ظاهرة غيرت حياة النفوس..أجبرتها على إقامات جبرية وبطالة استطال أمدها..
تناهت إلى سمعه أصوات العصافير على أشجار الزيتون..لم يعد يسمع غيرها في صباحاته..أغلق عينيه..يوم آخرطويل ينتظره بين الجدران...عبر خاطره منظر سلعه المتراكمة داخل الدكان..لابد أن الغبار يعلوها الآن..لاسبيل الى الذهاب حتى لتفقدها..
بحركة جافة..أزاح الغطاء عن جسده ...فتح دولاب ملابسه ..امتدت يده الى حافظة نقود..لاحظ أن حجمها يتناقص يوما عن يوم..أحس بغصة تخنق حلقه..ياربي! ..رمضان على الأبواب..هل يكفي ماتبقى لمواجهة مصاريف الشهر الفضيل؟كيف أحمل الأولاد على العدول عن أشياء تعودوا عليها؟كيف أقنعهم أن لادخل لنا هذه الأيام؟
الألم يعتصر قلبه..نظر إلى المرآة..لمح دمعة تستقر في زاوية عينه ..تدارك نفسه :"لاتنس نفسك.. لحظات ضعفك هي لك وحدك ..مع خالقك..لاأمام الأولاد.. أنت جدار دفاعهم"..لكن إلى متى ؟

Abdellaoui Anfaليلى عبدلاويرسم على وجهه شبه ابتسامة ..نزل متثاقلا إلى أسفل..رأى الأبناء مستلقين في البهو..منكبين على هواتفهم كالعادة..تعلو وجوههم سيمات الملل ...على الشاشة مدرس يقف أمام لوح يشرح الدرس لنفسه..لفتت بصره بقايا طعام مهمة على الأطباق..تلك هي زوجته..لن تتغير..تطبخ للأسرة مايكفي لعشر..تذكر أنه سمعها بالأمس تطلب من ابنتهما أن تهاتف الخياط تستعجله لإتمام جلباب العيد..
رفع بصره لتحية والدته..كانت جالسة قبالته تمرر حبات السبحة بين أناملها،تذكر أنه سمع سعالها في الليلة الماضية..سألها:
-حياك الله يا أمي ،هل أنت بخير؟سمعتك بالأمس تسعلين..
-لا تحمل هما يابني،أنا بألف خير..
ضبطها تتفرس في وجهه طويلا..تحاول بعينيها النفاذ إلى ماوراء نظراته المنكسرة..طالما انتقدت-بلباقة- كثرةالتبذير في هذا البيت..يعرف أن لا أحد غيره يعيرها اهتماما يذكر..
امرأة تطيل الصمت، يشعر في قرارة نفسه أن بداخلها حزنا دفينا..التقت عيناهما طويلا..قرأ في نظرتها ظلال ذكريات تتمايل.. استحضر صوت ضحكات طفولية في بيت واسع جميل..في نظراتها احتجاج دون صوت على حياة تعيشها الآن تحت ضغط الشيخوخة والمرض..
استفاق من حديثه الداخلي على نوبات من سعال تمزق صدرها..اقترب منها..وضع يده على جبينها المحموم...صدرها يعلو ويهبط..شهيق وزفير عاليان..تجمد في مكانه..رباه..أيكون هو..؟اللهم لطفك ورحمتك!..دقات قلبه تتتابع ..يحاول أن يهدئ من روعه..أن يفكر كيف يتصرف..هرع إلى الأعلى ليرتدي ملابسه..وهو في طريقه تناهى إلى سمعه صوت زوجته تحدث أختها الأرملة عبر الهاتف..
-الحمد لله أنك اتصلت..كنت سأهاتفك هذا الصباح أدعوك لأن تغلقي باب بيتك خلال شهر رمضان وتأتي مع اولادك لتشاركونا صيام الشهر الفضيل..أصبحنا عاجزين تماما عن تحمل الملل..