أَعْطَابٌ – قصة: د. الحسين لحفاوي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

ليالي الغربة والبعد موحشة وقائظة وطويلة مثل ليالي المذنبين. تتمطى ساعاتها ودقائقها حتى يخيل إليك أنها لن تنتهيَ وأن صبحها لن ينبجس.
كان هذا شعوره الدائم منذ لفظه البحر على تخوم الساحل الشمالي للمتوسط رحلة تأرجح فيها بين الحياة والموت، بدأت من هناك حين ترك وطنا ممتدا بجماله وطيبته وسواحله ورماله. غادر تاركا أُمًّا تذرف دمعها الحارق النازل جمرا على خديها فيؤجج سعير فؤادها. غادر غير عابئ بأب لا يبكي لأن دموع الرجال عنيدة. لكن كمدا يكاد يفتت قلبه.

حلم كثيرا بعبور البحر والوصول إلى الضفة الأخرى منذ حدثه خاله عن متع الحياة هناك. وصار ذلك الحلم الذي زرع خاله بذوره بين جنبيه هاجسا استبد به وظل يفكر فيه مسهدا لا يكحل النوم جفنيه ليال طويلة. بدأ حلمه بمغادرة مقاعد الدراسة ولم تُجْدِ معه محاولات والده ومدرسيه. صدّ الجميع، فتركوه. ويوم أخبر والدته بما أزمع القيام به ارتج فؤادها، وشعرت أن الأرض تميد تحت قدميها. فهي تدرك ما في تلك المغامرات من خطر ينتظره. وظلت تذرف الدموع صامتة. وعندما علم والده لم يتكلم. ظل صامتا يخط بعصاه خطوطا متقاطعة فوق التراب كما تفعل ضاربات الرمال. ثم تنهد من أعماقه، ونهض متثاقلا ومشى بعيدا محدقا في الفراغ يتوكأ على عصاه الغليظة التي حزّ عودها كف يده. وعندما اختلى الوالد بنفسه فضّل الغربة الموحشة على برودة الزنازين وأزيز أبواب السجون. هو يدرك أن ابنه لم يُخلق لنافع الأعمال لأنه منذ غادر مقاعد الدراسة صار نصلا مغروزا في خاصرته يزداد إيلامه يوما بعد يوما. وخشي على نفسه وهو يحبو نحو السبعين من العمر أن تلوكه ألسنة الناس بمُشين أفعال ابنه فقرر أن يصدِّر أوجاعه بعيدا. قرر أن يزيل تلك المدية عن خاصرته ويرتق الجرح النازف الذي خلّفته. وعندما حدث زوجته بما فكر فيه هدأت، فلم يُرِد أي منهما أن يرى الندبة على وجه الآخر.

كلّف حلمه والدته كل ما تملك من قطع ذهبية آثرت وضعها في صندوق على أن تزين بها معصميها وأذنيها منتظرة ساعة عسرة تُلم بالعائلة لتكون لهم عونا. أما والده فكان خاوي الوفاض لم تهبه الحياة وشظفها ما يدخره.

عندما أسدل الليل رداءه الأسود القاتم، وعمّ السكون ليشمل الأرجاء، وصار البحر كتلة من السواد مرعبة، كان الشقف[1] يشق الليل ويصارع الموج متجها نحو الشمال وعلى متنه نفر من الشباب اجتمعوا كما اتفق. حلم وحيد ينظم خيط أحلامهم لا يرون سواه. حلم وحيد يرتِقون به ما تمزق من أعمار أمضوها في اللهاث العبثي وراء أحلام طفولية سرعان ما تبخرت. كان الوصول إلى هناك حلمهم المعلق. إلى الضفة الشمالية للمتوسط. توغل الشقف في أعماق هذا المدى المائي المخيف. وبدأت أنوار الشاطئ تخفت شيئا فشيئا إلى أن تلاشت تماما حتى لم يعد يُرى سوى الظلام الدامس ولا يُسمع سوى هدير المحرك المنهك يشق الأمواج ويكابد من أجل الوصول. رحلة عذاب وخوف ورعب عاشها تلك الليلة بين بكاء مكتوم ودعاء وتوسل ورجاء وصراخ. اضطراب وارتباك، والشقف يتمايل يمنة ويسرة متأرجحا بين الحياة والموت، بين النجاة والغرق. وتُفُطِّن لتسرب الماء من ثقب صغير. بذل منظم الحرقة ومالك الشقف جهدا كبيرا من أجل أعادة التوازن والهدوء. وبث في النفوس بعض طمأنينة، وبجورب سد الثقب وتعاونوا جميعا على نضح الماء من جوف الشقف.

ساعة، ساعتان، ثلات ساعات. لم يدر أحد كم دام مكوثهم في البحر، ولم يدر أحد كم سيدوم خوفهم ورعبهم. وفجأة لاحت أنوار الشمال متلألئة كمنارة تهدي التائهين في عرض البحر. أخبرهم منظم الحرقة بُعيْد الإبحار أن شقفهم كان رابع أربعة أشقف غادرت الشاطئ، كلها تنقل من طوحت بهم المقادير في أوطانهم وحلموا برغيد العيش شمال المتوسط. الجميع يدرك أن البحر سيحتفي هذه الليلة بوليمة لا مثيل لها. فالبحر كالصحراء متاهة لا يعبرها إلا من تمرس بخفاياها وسبر أغوارها وعاشر تعرجاتها وعرف ثوراتها وصارعها وهزمها. لكن للبحر غضبته وثورته وأنيابه التي كلما غرزها في جسد أدماه. هو يعرف أن البحر عنيد وجبار وعفيف، ولا شك أنه سيتطهر، وأنه سيلفظ تلك الأجساد من جوفه ويرمي بها على الشواطئ مبعثرة مثل أسماك نافقة بعد أن تنهشها القروش الضارية والحيتان الماأما

ضخمة. وستتناثر هياكل عظمية وجماجم على حافات الماء لتشهد أن مياه البحار تلوثت يوما بدماء آدميين. كثيرة هي الملابس والحقائب التي ستطفو على السطح ثم يحملها التيار لتستقر على الشواطئ مع الأُشنة[2]. وسيلتقط العابرون بقايا الأثواب وسيفتشون الجيوب والحقائب بحثا عن شيء لا يعلمون ما هو.

لا شك أن دموعا كثيرة ستذرف، وأن خدودا وأفخاذا ستُلطم، وأنّ جيوبا ستُشقّ، وأنّ جنائز ستُقام. وستضج قنوات تلفزية كثيرة بالأخبار والشتائم والسب لهذا الوطن الذي لم يجد فيه أبناؤه فسحة للحياة الكريمة والعيش الرغيد، وستتعالى النداءات الداعية لإيقاف هذا السيل من تقديم القرابين لغيلان البحر، وسيتجعّس البعض ويدعو إلى تنظيم مظاهرات لمطالبة الحكومة بإعادة المفقودين والهالكين والناجين أو دفع تعويضات تلملم جراح العائلات المنكوبة في أبنائها.

برد الشمال حاد وجارح ورهيب. وهذه الشوارع الممتدة الخالية من كل حركة تبعث في النفس وجعا وخوفا ورهبة.

لم ينعم منذ وصوله بليلة هادئة طاب له فيها النوم، ولا استقر رأسه على وسادة ناعمة ولا ذاق حلاوة الاطمئنان والسكينة. كوابيس كثيرة تقض مضجعه وتلاحقه فتنغص عليه الاستمتاع بلحيظات مسروقة في غفلة عن عيون المتربصين به. سيارات رجال الأمن تعبر مسرعة، تهز الليل بدوي صفاراتها المنفّر الذي يبعث في نفسه الريبة والرعب وتهتك الحجاب الصفيق الذي حاول أن يتلحف به في هذه الليلة الموحشة القاسية وهو محشور في حاوية على جانب الطريق لا ترى سوى عينيه المذعورتين تراقبان ما يجري. ينهش البرد عظامه فيحدث فيها في روحه أعطابا، ويمزق الجوع أحشاءه. ما أبشع أن يتحالف عليك البرد والجوع والخوف، وأنت ملقى كخرقة قماش جرفتها المياه  بعد أن لفظتها إحدى البالوعات. أنت الآن في بلد لا تعرف أي المسالك تسلك فيه. أنّى التفتّ صدتك جدرانه الإسمنتية العالية. لا اللغة لانت لك فامتطيتها، ولا البشر آنسوا بك فاطمأننت لهم.

يعتصر الحزن والندم قلبه، لكنه يكابر بعناد. ها هو اليوم يجوب الطرقات متسكعا في مدينة غريبة بعد أن أضناه التجوال في أريافها بحثا عن مستقر. شهران قضاهما يحوم حول هذه المدينة، يهاب الدخول إليها. ظل يخاتل مثل ذئب يتربص بقطيع ليختار اللحظة المناسبة لينقض على فريسته. يخشى على نفسه من التيه في منعطفات هذه المدينة الضاجة ومنعرجاتها وحاناتها وأسواقها وأنهجها الضيقة المزدحمة بالعابرين. يخاف أن تحاصره عيونها المبثوثة في كل ركن وفي كل زاوية تبحث عن التائهين مثله. لكنه تجاسر، بعد أن لفظته حقول الكروم ومزارع الخضر. آلمه حزَّ الحديدي ليديه الناعمتين الطريتين اللتين لم تتعودا على حمل مثل تلك الأحمال. كشطت الصناديق الملأى جلدة كتفيه الرقيقة. وقرر الدنو أكثر من تلك المدينة الغول.

وأخيرا غامر وعبَر ليجد نفسه بين أحضان أفراد عصابات المخدرات والتهريب والجرائم والقتل. جرّوه إلى ملعبهم فهانت عليه نفسه، فباعها. وبسرعة جرت الأموال بين يديه فأغدق على نفسه ما أسعدها، وتذكر أن له على الضفة الأخرى من ينتظر أخباره فأرسل إلى والده ما قرّت به عينه.

عامان قضاهما وهو يكدس الأموال بعد أن أتقن فن التخفي وتدرب على سلك المسالك غير المرتادة.

وفجأة عنّ له أن يعلن نهاية رحلة من الخوف والعذاب والخضوع والخنوع وأراد أن يغادر، ناسيا أو متناسيا أن العيون التي تراقبه لا تُغمَضُ وأن جذوره لم تتشبث بعد بالتربة التي زُرعت فيها. نسي أو تناسى أن شجرته لم تشتد أعوادها بعد وأن الرياح التي يواجهها عاتية. نسي كل ذلك، وتجاسر.

الطريق من تلك المدينة الصاخبة إلى الميناء طويلة وممتدة. وهو وحيد في سيارته التي تنهب الإسفلت نهبا. يدندن بأغنية "سفر" لوردة الجزائرية، ولا شيء في ذهنه سوى خارطة وطنه والطريق المؤدية إلى قريته النائية المهملة بين الأحراش. سيارة أخرى تحاذيه. ومن إحدى نوافذها تنطلق رصاصة لتخترق جمجمته فيتناثر دمه ولحمه على الكرسي المحاذي له. وتحيد به السيارة عن الطريق لتهوي في وادٍ سحيق وتستعر فيها النيران وتحيل هيكلها وجسده رمادا في لحظات.

 

[1] - يشير إلى قوارب الموت أو القوارب الخشبية والمطاطية المهترئة التي يستخدمها المهاجرون غير الشرعيين، والمعروفين بـ"الحراقة"، للعبور سرّاً عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا.

[2] - الأشنة البحرية هي كائنات تعايشية معقدة، تتكون من فطر وبكتيريا زرقاء أو طحالب، تتكيف للعيش في المناطق الساحلية الصخرية بين مد وجزر البحر.