دفء ... – قصة: رشيد ابراهيمي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

رن هاتفي الشخصي حوالي السادسة صباحا، اختلط الحلم بالاستيقاظ في تلك اللحظة التي طبعت إحساسا أليما بالذاكرة خصوصا وأن نفس الاحساس ولو أنه أقل حدة لامسني عاما قبل ذلك. زيارات متكررة لمستشفى القرب جعلت من آخر زيارة له ، أدرك  أن ما حل بالجسم الذي تبدو عليه علامات التعب يتجاوز قدرات الطاقم المشتغل في المدينة الصغيرة ويفرض ضرورة التنقل الى مصحة خاصة ... وعند طبيب يفترض أن يكون سؤاله بلسما لغويا قبل التشخيص ، لأتفاجأ بالتهكم في طرحه للسؤال ، تجاوزا انتظرت نتيجة الفحص التي خيبت آمال حياة كنت رسمتها بألوان وردية ،لأعيد ترتيب ما بعثره الزمان بخيبات عديدة ، "عضلة القلب" ضعيفة جدا كان لهذا الكلام وقع ووخز ارتبك خلاله شعوري ، وتراءت لي صور من الماضي القريب والبعيد ، وأفراد عائلتي في غرفة الانتظار ... ماذا ينتظرون؟

أملا في دواء يعيد ترتيب أوراق الليالي المؤرقة ... لكن دون جدوى، فالألم لايزال مناورا...

وتقترح أمي فكرة آخر العلاج الكي والذي كبح أي محاولة أخرى لمدة سبعة أيام ... وقبل اليوم الأخير، اجتمع الأهل لمناسبة في البلدة، خرج والدي بعد تناول وجبة الغذاء وكأنه أراد أن يودع محيطه الوداع الأخير. تناول في بهو المنزل تمرا ورمانا ويجلس قليلا فوق كيس مملوء بالذرة والذي كد من أجله طول المدة التي استلزمها هذا المحصول ...

إذ كلما انتابه إحساس بالضيق إلا وكان النظر إلى المحصول من فدان الذرة شافيا ... وفجأة بدأ الاحساس بفقدان القدرة على تحمل عبء الحياة ويعود الى فراشه وكله شغف ليوم الغد الذي ستنقضي فيه مدة العلاج التقليدي، خاصة وأن عمال البناء مقبلون على عمل كان ينتظره بفارغ الصبر وهو يرى ابنه البكر يحقق ما عجز هو عن تحقيقه في حياته الشقية ... لحظات دقيقة هي تلك التي فصلت بين جوابه عن تساؤل أمي وبين الاحتضار الأخير ... ما العمل في لحظة حاسمة كهذه؟

التحق بعض الجيران في الأنفاس الأخيرة لكن دون جدوى، النظرة الأخيرة كانت متبوعة بابتسامة لطيفة ويسمع شخير يتبعه صمت أبدي، في تلك اللحظة. كنت حينها مهموما في عملي أفكر في حل أخر يعيد بريق الأمل في نفوسنا، غير أن رنين الهاتف مجددا كان له رأي آخر ... وبعد وصولي الى مكان مرقد أبي بخطى ثابتة وضعت جبيني فوق رأسه فأحسست حينها بدفء الحياة رفقته طيلة أربعة عقود من حياتي ...