أنت في بغداد على الطريق العام الموصل إلى البصرة، تمشي منذ اكثر من ساعة، تشير للسيارات العابرة ولا مجيب، تكاد أشعة الشمس أن تحرق رأسك، العطش يجفف حلقكَ، تقف لك حافلة يقودها رجل خمسيني، يشير لك بالصعود، يكلمك بالإنكليزية، تكتشف أنه عسكري أمريكي، يناولك عبوة مياه معدنية، تشربُ حتى ترتوي.
بعد دقائق قليلة، يخرج أمام الحافلة مواطن عراقي غاضب، يغمز إلى السائق، ويتلفظ بكلمات بذيئة...
أنت ذاتك في مركز انطلاق الحافلات في دمشق، متأخر عن موعد مهم، الحافلات مكتظات، تيأس وتخرجُ من مركز الانطلاق، تباغتكَ بعد البوابة بقليل حافلة صغيرة تتسع لأربعة عشر راكبا، تتوقف قربك، تفرح توا، تلاحظ أن المقعد الأمامي قرب النافذة شاغر، تهمُّ بالركوب، يتصبب منك عرق بارد، لا سائق في الحافلة، تنظر إلى الركاب، لا ترى منهم استغرابا، بل أنهم وبصوت واحد يطلبون منك الصعود فهم مستعجلون، تحتار في قرارك، أتأخذ مكان السائق، أم الراكب، يخزك خوف كبير: كيف وصلت الحافلة إلى هنا دون سائق؟
لم يمضِ وقت طويل حتى أمال السائق العجلات نحو الطريق العام، حاورك بلكنته الأمريكية، تفاخرَ بإنجازات وحرية وأشياء أخرى، لم توافق على كلمة واحدة ، لم تجرؤ على إخراج معارضتك إلى أذنيه، لا لأنك تخشاه ولكن احتراما لكرم الضيافة، أليس العرب أولى بها؟
يتابع السائق تبجحه، وتتابع الاستماع دون تعليق، يسألك عن هدف رحلتك، يضعك أمام امتحان نفسك للمرة الأولى، توجه السؤال إلى عقلك فتحار الجواب، يريد قلبك أن ينطق، تنكسر فيه الأجوبة، تعاود النظر إلى حواف الطريق.
يسود الصمتُ، غربان سود تطفر على الإسفلت، تقف بقدم واحدة على الرمال المشوية، تذرع الطريق أمام السيارة دون استعجال، تحوم أخرى بين أغصان محترقة وأعشاش عالية.
تسليت بمشاهدة ما يحدث خارجا، عقاربُ الساعة لا تتحرك، السائق يحدثك الآن عن حقوق المرأة، ربما كان يقصد أخرى غير التي طردتك من جنتها هذا الصباح وإلى الأبد.
نفد مخزون السائق من الكلمات، بدا إنسانا، قبل اللفة الأخيرة، قاومت سلطان النوم، خذلتك عيناك، حركة التواء عنيفة أعادتك إلى الحافلة المكبوحة.
غاق، غاق، غاق...
رجال مسلحون، بابك يُفتح، تسقط لوحدك على الأرض الحامية.
أنت مترجم الاحتلال؟-
التهمة كبيرة، والدفاع مستحيل، ارتفعت ياقتك للأعلى، أصابع غليظة ترفعك كعجل مجهز لطعام منتظر، تتذكر صوتَك، تصرخ فلا يخرج من فيك إلا كلمتان:
عابر سبيل.-
من يصدق متلبسا في مكان خطأ، ولو كان حاصلا على جائزة البراءة العليا.
صاح أحد الرجال:
-اقتلوه، عبرة للخونة والمندسين.
ليسجن مئة عام، الموت له رحمة.-
اقترح آخر.
فاضلت بين الخيارين، أيهما لك أفضل؟!
فوهات البنادق تتطلع إلى عنقك ورأسك، عيناك تنتظران النهاية، ينطقُ قاض مجهول: أعيدوه من حيث جاء.
ترى الحكم متوازنا رغم هول البدء من الصفر.
بلاط مدبب يحتضن جسدك الضئيل البارد، حلقك جاف، أطرافك بلون النيلة، احتجتَ دقائق متطاولة لتدرك أنك لست جثة، وساعات لتقنع نفسك أنك حي.
رائحة البن تخترق شعيرات أنفك، وذاكرتك البعيدة، أمك تعد الفطور، أخوتك يستيقظون بتثاقل، أبوك يشدك من أذنيك، الساعة السادسة صباحا، ما زال الوقت مبكرا، كذَّبك غناء الشحرور.