هموم نسائية – قصة: أمينة شرادي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

رغبة في عدم العودة
أخذت حقيبتها وخرجت دون أن تعرف وجهتها. قررت، في نهاية المطاف، أن تتوجه إلى محطة القطار. صور الأمس واليوم تتراقص أمامها. صراع بين رغبتها في الهروب والبقاء. ذلك البيت الذي تركته دامعة ومنكسرة وحائرة وحزينة، ورمت جسدها وروحها من أعلى قمة كانت تجلس عليها، يحمل لمساتها، وآهاتها، وضحكاتها وفرحها. يحمل متمنياتها، وأحلامها، وسهر الليالي، والاستيقاظ في الصباح الباكر جدًّا قبل الجميع. تتذكر، وهي تخطو بخطوات مترددة، تجر حقيبتها وراءها، كيف كانت تتحسس جدار غرفة نومها عندما تستيقظ، ولا تشعل النور، وتغادر الغرفة في هدوء حتى لا توقظه، متجهة إلى المطبخ في صمت لإعداد وجبة الفطور.
كادت سيارة أن تدهسها وهي تسير شاردة، مضطربة، تشعر بالاختناق، وتتمنى لو امتلكت عصًا سحرية تعيد بها الزمن إلى الوراء، وتعيد كتابة حياتها من جديد.
انتظرت سيارة أجرة، اتجهت إلى محطة القطار، والذكريات تهاجمها من كل جانب. جلست تنظر إلى الناس الذين يتسابقون بشكل ميكانيكي إلى القطار، وربما كانت تلك أول مرة تنتبه إليهم. أجساد طويلة، عريضة، صغيرة، كبيرة... تتأملهم، تبدو على ملامح بعضهم فرحة هجرتها منذ زمن، وعلى ملامح البعض الآخر قسوة غريبة، وهناك من بدوا بدون ملامح. يتحركون بشكل آلي. انتظرت، وتسمرت رجلاها، ولم تعد تستطع الحركة. جاء قطار وغادر قطار، وهي تعيش لحظة غير طبيعية وغير متزنة، وشريط حياتها يمر من أمامها دون استئذان. غيرت اتجاه نظراتها، ورمقت آخرين ترميهم سيارة الأجرة الصغيرة بشكل غير إنساني، وعينهم على القطار. لمحت وجهًا تعرفه جيدًا وأحبته بجنون، وجهًا اختفى عنها منذ زمن. بحثت عنه في المستشفيات، وفي محطات القطار، وعلى الطرقات. تاهت بعدها وسط ضجيج وصخب وعنف. وجه يشرئب بعنقه من زمن الطفولة واللحظات الصغيرة والجميلة، وجه أبيض منور كالبدر، تشع منه رائحة الحب والقلب الطيب. وقفت، وخرجت تجري لا تلوي على شيء، تبحث عنه، تاهت من جديد، وأدركت أن قدميها تتجهان إلى البيت الذي هجرته مرغمة. بيت يسكنها بماضيه وحاضره. تذكرت دموعها، وجرت بشكل هيستيري إلى غرفتها، وأقفلت الباب بالمفتاح، كمن أوصد قلبه في وجه حب قديم.

 

صراخ في الليل
ولجت بيتها بعد اجتماع طويل، كانت مرهقة ومحتاجة إلى الراحة. اتجهت نحو المطبخ بعدما غيرت ملابسها. مطبخ فارغ لا أثر للحياة فيه، تلك الحياة التي غرستها ورعتها حتى كبرت وتمددت، وأصبح لها جذور في الأرض وفروع ممتدة في السماء. سألته، وهو ممدد فوق فراشه، يشاهد التلفاز، وفي الوقت نفسه يحرك هاتفه بين يديه، عن الأكل، وخصوصًا أنها خرجت مسرعة هذا الصباح بعدما حضرت الغذاء بسرعة جنونية. أجابها دون النظر إليها: «كيف تجرئين على طرح هذا السؤال وأنت عائدة في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟». أدركت أنه يستعد لحرب نفسية أخرى. فهي، منذ ولوجها عالم السياسة وانخراطها، تغيّر تمامًا، وأصبح كالثور الهائج كلما حضرت متأخرة أو كانت في اجتماع. تركته وانصرفت، لأنها غير مستعدة لحرب أعصاب جديدة. لم يعجبه صمتها. قام بعنف شديد، واتجه نحوها. كانت تعد أكلًا سريعًا وترغب في النوم. قال لها، والعنف يتطاير من عينيه: «لم يعد يعجبني هذا السلوك، ولا تهتمين بما أقوله. هل صرت غير مهم في هذا البيت؟». ما كانت تخافه حصل. جلست ووضعت أكلها جانبًا، وقالت له بكل هدوء، محاولة امتصاص غضب اللحظة، وإحضار العقل: «لا أفهم لماذا تغيرت بهذا الشكل؟ أنت رفضت الاستمرار مع هذا الحزب وقدمت استقالتك، واحترمت قرارك مع أنني ضده، وأنا رغبت في الاستمرار. أين هي المشكلة، مع أنك تعلم حقيقة التزاماتي؟».
ثار من جديد، وأخذ أرجاء المطبخ ذهابًا وإيابًا، وضرب بقوة على المائدة، وقال لها: «الوضع تغيّر يا سيدتي، أنا لما قدمت استقالتي كنت أنتظر أن تساندينني، وتخرجين من الحزب أنت أيضًا». لم تعد تمتلك أعصابها. كانت تكره هذه اللحظة التي صارت تجتازها كل مساء بكل حزن وعنف وصراخ. لم تأكل كالعادة، ولم تنعم بالراحة كالعادة. قالت له: «ما هذه الازدواجية في تفكيرك وسلوكك؟ لما كنا معًا، كنت تنادي بكل قوة، وتعاتب الرجل الذي لا يسمح للنساء بالانخراط في العمل السياسي، ويقف أمام طموحهن. ولما اخترت طريقًا آخر، تحولت إلى ذلك الرجل الذي كنت ضده. أريد أن أفهم لماذا؟».
انهارت وتركت المطبخ الذي كانت تتمنى أن تجد فيه أكلة بسيطة، لكن مليئة بالحب والعطاء، كما تفعل هي كل يوم.

عنف آخر النهار
كان صباحًا مزدهرًا، تشع أنواره من كل جانب. تتدفق الحياة بين جدران بيتها الصغير، تخلخل كل سكون، وتجعل روحها ترقص من الفرحة. كان أول يوم عطلة. استيقظت باكرًا كالعادة، واستقبلت أشعة الشمس التي تأتي تلامس جسدها وروحها، وتمنحها طاقة قوية، كأنها على موعد مسبق معها. قررت، في ذلك اليوم، أن تبدأ بأشغال البيت الكثيرة التي تراكمت منذ مرضت السيدة التي كانت تساعدها. عانت كثيرًا من ثقل الحمل عليها؛ عمل خارج البيت، وعمل شاق بالبيت. في البداية، كان يقول لها إن أشغال البيت واجب على الرجل أيضًا. كانت فرحة بهذا التفكير الذي يجعلها تعيش حياة مريحة. لكنه، مع مرور الوقت، تحول إلى زوج تقليدي، لا يهمه من أشغال البيت شيء. صبرت، وقالت: ربما سيتغير، لكن اصطدم صبرها بواقع رفضت يومًا أن تراه بلا قناع. ففضلت الابتعاد عن المشاحنات، وأصبحت تحاول، قدر الإمكان، أن توازي بين عملها بالخارج وبالبيت.
قامت ذلك الصباح، وبعد يوم شاق، ارتاحت قليلًا، ثم قامت مرغمة تعد وجبة الغذاء. تعب طول النهار، وعرق، وألم في رجليها من كثرة الوقوف. لكنها نجحت في مهمتها، وأعدت وجبة الغذاء في وقتها، لأنه لا يحب أن يتأخر عنه الأكل. وضعت ما أعدته بكل فرح، وهي تحكي له عن يومها المتعب. نظر إليها دون أن يأكل، وقال: «ما هذا؟». وأضاف بكل عنف: «لا يفتح الشهية»، وقام، والغضب يتطاير من عينيه. ظلت صامتة، والدهشة تستوطن كل ملامحها. تاه عنها الكلام. لم تحك له عن يومها الشاق. لم يسألها عن حالها. لم تفهم، لم تدرك، فقط همست لروحها: «تعب طول النهار، وعنف في آخر النهار».