الحافلة تمضي بلا توقف، يشق صوت محركها الهادر المنهك هذا السكون الممتد إلى ما لا نهاية، تعبُر هذه الفجاج الموحشة المقفرة. الطريق ممتدة كخيط رقيق بين كثبان الرمال بالكاد يتيسر لسائق الحافلة رؤيتها. يكابد ليتفادى الاصطدام بقطيع جمال يشق الطريق متهاديا في سكينة، ويحاول أن يتجنب الدوس على زاحف يعبر لاهثا وراء فريسة يريد اقتناصها في هذه الهاجرة الناشبة مخالبها في كل شيء، في اللحم والحديد والنباتات الصحراوية التي تكابد لتتخطى هذا الصيف الجارح العنيد الذي يأبى الرحيل سريعا.
أفكار كثيرة راودته منذ امتكن في المقعد الثالث وراء السائق في هذه الحافلة نصف الخالية من الركاب القلائل الذين يسعى كل منهم إلى مأرب، تطوح بهم المقادير نحو دروب مجهولة، ترميهم متاهة إلى متاهة ويقودهم درب إلى درب. قدموا من كل فج عميق ليعبروا هذه الحياة الزاخرة بالفراغ والعذاب والهجر، فإذا اللهاث وراء تحقيق الغايات والمآرب يصبح ضربا من العبث واللهو الطفولييْن الذي ينتهي عادة بالركون إلى إحدى الزوايا في انتظار طيف يعبر ليحقق للحالمين أحلامهم.
العينان غائرتان تدوران في المحجرين الغائصين تحت تجويفات بين الحاجب وعظام الخد البارزة. والشعر أغبر غلب بياضُه سوادَه. الفم أدرد تناثرت أسنانه فما عاد يصلح إلا للتمتمة بألفاظ السباب والشتم. والجبين مغضن بالتجاعيد الشاهدة على سنوات سبع من التيه والعذاب في هذه البيداء المترامية الممتدة بلا حدود. والجسم ناحل هزيل يلفه قميص بهتت ألوانه بل اختفت تحت طبقة من الوسخ والتراب. أظافر اليدين طويلة بما يكفي لهرش الجسد المزروع في المقعد الثالث لهذا الصندوق الحديدي بصوته الهادر الذي يشق سكون هذه الصحراء الفسيحة.
سبع سنوات قضاهن في هذه الفلوات الموحشة المقفرة. عندما خطا فوق رمالها أولى خطواته وجال ببصره وفي الأرجاء ورأى احتضان الصحراء للسماء في مشهد عجيب أدرك أنْ لا منجى له منها سوى بالاستسلام لقدره والصبر والتحمل. وعليه أن لا يعد الأيام والشهور والسنوات، وعليه أن لا ينظر خلفه أبدا وأن يوطّن نفسه على التأقلم مع نمط عيش جديد. أزاح عن ذهنه فكرة الهروب التي ظلت تراوده منذ اقتادوه خلال ذلك الصباح المغبر القاتم إلى هنا، فلا فرصة أمامه للنجاة.
عجلات الحافلة تنهب الاسفلت. وذاكرته تمزق شرنقتها وتغادر سجنها لتمرق بعيدا. شريط من الذكريات الناصعة يعبر أمامه الآن بعد أن تخلص من براثن سنوات سبع عجاف. رحّلوه بعد أن اقتحموا عليه غرفة نومه خلال الهزيع الأخير من ليلة شتوية قاسية وأرغموه على مرافقتهم دون إثارة ضجة قد تسبب له حرجا بين جيرانه. أحس أن الحظ سانده ذلك الفجر القاتم إذ كان وحيدا في مسكنه. كان قد أرسل زوجته وابنيه لزيارة أهله، وظل هو يحرس المنزل ويؤنس وحدته والفراغ. كان محتاجا لفسحة من الوحدة ليعيد ترتيب أوراقه التي أدرك أنها تبعثرت وعسر عليه تجميع ما تناثر منها. لم يحاول المقاومة، انصاع للأوامر. يعلم أنه عاجز عن التصدي لهم وعليه أن لا يتهور ليتجنب ما قد يلحقه من أذى وإهانات. سلمته أيادٍ لأيادٍ. ونزل من سيارة ليصعد أخرى، وقادوه من مكتب إلى مكتب، وقرروا أخيرا أن يرحّلوه إلى المحكمة. لا يذكر كم ظل قابعا في جوف ذلك الصندوق الحديدي. اليدان مقيدتان إلى الخلف بأصفاد حديدية باردة. يجلس وحيدا في مقعد خلفي يتسع لراكبين. يقبع منزوع الإرادة. وخلف المقود يجلس كهل أربعيني لا يهتم بغير الطريق والتواءاتها، ويحاذي السائق على اليمين شاب تجاوز العشرين ولم يبلغ الثلاثين برع في شيئين التهكم على القابع صامتا في المقعد الخلفي وتدخين السجائر بنهم...هو يدرك أنه منذور للمعاناة وأنه خُلِق ليكون سجينا فانصاع وراء قدَره. تدرب على السير على حافات المهاوي السحيقة التي يعني التهاوي فيها دقّا للعظام. برع في التلون مثل حرباء ليتأقلم مع كل بيئة يرتادها. راوغ كثيرا وتخفى كثيرا وحاول جاهدا الابتعاد عن الأوحال لكنه كان يدرك أن موعد غرقه آتٍ لا محالة. أمّا وقد حدث ما حدث فعليه أن يستسلم وأن يجاري التيار. يجب عليه أن يتخلى عن عناده.
الحافلة تمضي في عناد محموم والسائق لا يكف عن الغناء بصوت مسموع. وهذه الطريق الملتوية كثعبان لا تنتهي. والشمس تصب جام غضبها على كل ما تقع عليه أشعتها كأن بينها وبين ما على الأرض عداوة. والعرق يغمر الأجساد. والنوافذ المشرعة تفسح المجال للغبار المتناثر فيتسرب إلى الأنوف مع كل شهيق فيحدث حشرجة في الصدور سرعان ما تتحول إلى سعال حاد. وتتشبث حبات التراب المتطاير بالأهداب فتحرقها، أو تسد بعض مسام الجسد وتتراجع منهزمة أمام البعض بفعل اندفاع العرق المنهمر.
الحافلة تطوي الأرض، والذاكرة تنهب شعاب العمر لتصل إلى لحظة الوصول إلى المحكمة التي هيِّئت له ولمن كانوا معه. وبلا تلكؤ أصدر القاضي الحكم ضدهم. "سبع سنوات" نطق بها القاضي ثم غادر على عجل. ترك كل واحد يتخبط في صمته ومضى ممسكا بطرف ردائه الصوفي الأسود. لم يكن هناك محامون للمرافعة. أنصت للحكم الصادر ضده بانتباه ولم يبك ولم يصرخ مثلما يحدث في المسلسلات والأفلام. لم يلتفت ليرى رد فعل زوجته وأبنيه لأنهم لم يعلموا بعد بحادثة إيقافه. لم يصغ إلى الأحكام الصادرة ضد من كانوا معه. وبسرعة رُحِّلوا إلى أقصى نقطة في جنوب البلاد. نقلوهم إلى سجن في عمق الصحراء مقيدين محشورين في صندوق حديدي بارد طُلِي بلور نوافذه بطلاء أسود قاتم خلال ليلة معتمة شديدة البرودة. يفصلهم عن الحراس المدججين بالأسلحة والمكلفين بإيصالهم إلى السجن حاجز حديدي مقاوم للرصاص وعازل للصوت، بعد أن أُحكم إغلاق الأبواب جميعها توغلت بهم العربة في الليل. كانوا ستة تتناهشهم الأفكار والخيبات. انضموا لنفس الحراك السياسي لكن لا أحد منهم يعرف الآخرين أو التقاه أو رآه رأي العين. يُعرفون بأسماء حركية ستُكشف حين وجدوا أنفسهم خلف أسوار سجن ملقى في قلب صحراء بعيدة نائية. بعد يومين فقط وعندما أنس كل منهم للآخرين نزعوا الأقنعة التي كانت تحجب ملامحهم فتعارفوا وتصارحوا وتصادقوا وتآلفوا. ففي هذا الخلاء الرهيب وفي جوف هذه البناية المسوّرة الملقاة في هذه الفلوات الموحشة الرهيبة أوْلى بالنفس أن تجد من يؤنسها وإلا تناثرت أجزاؤها واستحالت حطاما.
سبع سنوات تهاوت من عمر وتناثرت كأوراق خريف من شجرة عجوز عقيم وتساقطت منها وتركتها عارية تواجه برد الشتاء وعواصفه و أنواءه ورياحه العاتية العنيفة المدمرة. سبع عجاف بأيامها ولياليها انقضت في فراغ موحش رهيب قاس لا أنيس فيه سوى عواء ذئاب الصحاري وبنات آوى الهائمة بحثا عن فرائسها، ونعيق البوم والغربان، وفحيح الضواري وولولة الريح مرددة نواحها في الفلوات المقفرة...سبع سنوات من الحرمان والجوع العاطفيين، فتحجرت القلوب وتفتتت الأرواح وتساقط شعر الرؤوس، وتخرمت الأسنان وتناثرت وبقيت الأفواه درداء لا تسمع فيها طقطقة الأسنان في ليالي الشتاء الصحراوية العنيفة الموحشة التي ترعب الأجساد التي فتك بها المرض ونخر البرد عظامها ونهشتها مخالب الأيام والليالي والحشرات السارحة عليها.
كذب من قال السجن للرجال. وكذب من قال إن الضربات التي لا تقسم الظهر تقويه. وكذب من قال إن المواجع والنكبات تزيد الإرادة صلابة. يبدأ الانهيار تدريجيا. ويزداد التهاوي يوما بعدا ويبدأ العجز في مخاتلة الأعضاء فكلما تحيّن غفلة أنشب مخالبه الحادة فتزداد أعطاب الجسد وتُشَلُّ حركته.
لم يقو أحد الستة على المقاومة فأسلم الروح لبارئها بعد انقضاء شهرين ونقل بلا تغسيل ولا تجهيز ولا أحد يعلم أين طمرت عظامه. خامس الباقين أصابه مرض أقعده عن الحركة وهزل جسده فلم يعد قادرا على المقاومة والنهوض فحملوه ملفوفا في غطاء صوفي وألقوه في إحدى المستشفيات ولم يعد. أكثرهم جرأة خطط للفرار الذي كان متاحا منذ اليوم الأول ونفّذه فالتهمته الصحراء وتناثرت عظامه بين فكوك الضواري ومخالب الجوارح. والثلاثة الذين خُلّفوا كابدوا متشبثين بالحياة يحدوهم أمل الانفراج والعودة إلى أهلهم، وتمكنوا من النجاة.
أزّت فرامل الحافلة في أول إشارة ضوئية في المدينة التي بلغتها بعد لأي ومكابدة فارتطمت بعض الأجساد، التي اختار أصحابها الانغماس في النوم لنسيان مشاق الطريق وأهوالها، بحافات المقاعد فتعالت أصوات التذمر والعتاب، فما كان من السائق إلا أن تفرّس في تلك الوجوه الواجمة في المرآة العاكسة وهو يبتسم كأن ما قيل لا يعنيه. ثم استأنف السير لتتوقف الحافلة منهكة في محطة محاطة بأسوار عالية وسط المدينة.
أحس أن حياته محكومة بالأسوار والأسرار. نزل مع النازلين وتحسس الدرب الذي يقود إلى بيته. كل شيء تغير. سبع سنوات كانت كفيلة بتغيير كثير من الأشياء، واجهات المنازل والمحلات، جذوع الأشجار وأغصانها وأشكالها، وجوه الناس وطباعهم وطريقة نطقهم للكلمات والتقطت أذناه كلمات غريبة وتناهى إلى سمعه معجم غريب لم يألفه.
بالكاد تذكر باب منزله. هو الوحيد الذي ظل على حاله لم يتغير لونه لم يحتف بالألوان الجديدة كأن الحزن قد أنساه مواكبة التطورات الجديدة. طرق الباب بيد مرتعشة وأرهف السمع الذي أذهبت سنوات السجن أغلبه، فسمع وقع أقدام تدنو متثاقلة. سُحِب المزلاج وفُتِحت درفة الباب فإذا زوجته وقد وَخَط الشيب فوديها وتغضن جبينها وأفل جمال كان قبل سبع سنوات سحرا يأسره. تعانقا في صمت ونابت حشرجات في الصدرين عن الكلام. كان صبيان يقفان محدقين في المشهد صامتين ودمعات تترقرق في المآقي.