كلانا وحيد: أنتِ ترقدين بعيداً عن الضوضاء، فيما المطرقات تحطم أغصان ذاكرتي، أنت ترقدين تحت التراب وأنا أرقد تحت جبل من الحروب. ليس لديك ما يحلم به أحد، وأنا من حولي العواصف التي تهز أبواب قلبي. أمنياتك تكاملت وأنا لا أحد يدعني لأتمنى. فلم لا نتبادل الأدوار، أيتها الغائبة، بعض الوقت، ونجرب، ان الذي لا يحلم، هو أكثر فأكثر مسرة فريدة. أنتِ تنظرين لي، فيما أنا أعمى. أنتِ تتحركين داخل مملكة السكون، وأنا ساكن في كون يعج بالصخب ودقات الساعات التالفات. أنت لا تكبرين.. وأنا، في كل دقة ريح على الشبابيك، أرتفع نحو الهاوية. أنتِ لا ترتكبين الأخطاء، أبداً، بينما أنا على العكس منك، لا أعرف من يلوث الآخر، الهواء أم أنا. أنت لا حروب وأنا بلا سلام. فلماذا، للحظات، لا نتبادل الأدوار. أنت غاضبة على شيء، وأنا الأشياء كلها غاضبة علي. أنت لا تبحثين عن مأوى، وأنا طردوني من كوخي.
فمن منا أجدر بالرثاء، يا من كنت، قبل قليل، تقاسميني رغيف الريح، وعواء الجدران وخرائب المدن.؟
لمعان باهت ولّده امتزاج الملح والرمل مع العرق المنداح حول العنق، مسح جبينه بكم القميص المخطط، ووجد نفسه خارج الحفرة بعد أن سمع: اعطني يدك يا صبّار، لقد تعبت. ومرة بعد أخرى، كانوا يتناوبون السقوط في الحفرة بعد السحب، وأصوات المعاول تغزو الرأس وهي تحتك بالأحجار، الأحجار المنتصبة في الأرض على شكل علامات دالّه، أسند رأسه عليها، فأبصر القادمون على شكل خيط ملتو، ملتو لأنه يشبه مكحول، مكحول الممتد أمامه مثل مسبحة، رأسها في الشمال، أطلال قلعة لأسلاف مضوا، ويحضن جسدها لفيف قرى ـ متناثرة ـ لا يفصلها عنه سوى دجلة وجذوع أشجار فضيّة. صعّد من وتيرة زفيره في محاولة لطرد التعب إلى الخارج، فامتزجت أمامه مجموعة من الصور: القادمون على شكل خيط، خيط الحذاء المعقود على شكل فراشة، الفراشة التي طارت عندما أزاح الأشواك عن باب الخندق منذ عام تقريباً. أقول(تقريباً) لوجود مثل هذه الأعوام دائماً!!.
أشهر ما في هذه المدينة هي حديقة الحيوانات والسيرك الذي عسكر بجانبها ليشكلا ثنائياً قل نظيره في مخيلة الناس، والشيء الملفت للنظر في هذا الأمر هو كثرة الذئاب وتناوب تداولها وتحولها بين السيرك والحديقة، فينما شكلت فصيلة الذئاب البرية السمة الغالبة في حديقة الحيوانات تفنن إداريو السيرك في تقديم ذئاب بأنسال متطورة نتيجة حدوث طفرات وراثية في سلالاتها المتأخرة، فدخلت الذئاب مرحلة الرياضات الخطرة وتفوقت على جميع أصناف الحيوانات الأخرى كالقردة والدببة والكلاب والجياد والبطاريق والدلافين، فصارت تمشي على الحبال وتغوص في الماء وتتهجى الحروف وتداعب الأطفال وتدخن السيجار وتأكل المرطبات وترقص على العجلات وتقود العربات.. بل وتلقي النكات أحياناً وتغني أحياناً أخرى، فهي ذئاب متطورة قلّمت الحضارة مخالبها وأنيابها، ذئاب مرحة، ذئاب مسامرة مسالمة، ذئاب حكيمة وحريصة على راحة المتفرجين، ذئاب حالمة وشاعرة

