اضمحلالُ التماثليّ في الذاكرة الحيّة - من التجربة الجسدية (الدماغ) إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي : مقاربة أنثروبولوجية ـ فكرية - العربي الحميدي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

استهلال
لم يعد التحوّل الرقمي اليوم مجرّد انتقالٍ من وسيطٍ إلى آخر، بل تحوّلًا في بنية الإدراك ذاتها. ففي زمن الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي التوليدي، لم تعد الذاكرة تُخزَّن فقط، بل تُعاد صياغتها، وتُقترَح، بل وتُنتَج أحيانًا بمعزلٍ عن التجربة الأصلية.

تسعى هذه الورقة إلى إعادة قراءة ظاهرة اضمحلال الذاكرة التماثلية في ضوء هذا الواقع الجديد، حيث لم يعد الانتقال من الجسد إلى الآلة هو الحدث الأبرز، بل الانتقال من «ذاكرة محفوظة» إلى «ذاكرة مُولَّدة». وتعتمد هذه الورقة على مقاربة تجمع بين الفكر والأنثروبولوجيا، مع استحضار تجربة ذاتية طويلة داخل عوالم الحاسوب، بوصفها مختبرًا حيًّا لتحوّل الذاكرة من أثرٍ معيش إلى بنية قابلة للتوليد وإعادة التشكيل.

1. مدخل نظري: من الذاكرة كديمومة إلى الذاكرة كاحتمال

كانت الذاكرة التماثلية تُفهم بوصفها ديمومةً حيّةً، حيث لا تُستعاد الذكرى كما كانت، بل يُعاد تشكيلها داخل نسيج الحاضر. إنها ذاكرة متجذّرة في الجسد «الدماغ»، تُصاغ عبر الإحساس، وتتغذّى من النسيان بقدر ما تتغذّى من الحفظ.

أمّا في السياق الرقمي الراهن، فقد تجاوزنا الذاكرة الثنائية بوصفها مجرّد ترميز (0/1)، لنصل إلى مرحلة تصبح فيها الذاكرة «نظام احتمالات». فالذكاء الاصطناعي لا يسترجع الماضي، بل يُولّد نسخًا ممكنةً منه، وفق أنماطٍ ومعطياتٍ سابقة.

هكذا، لم تعد الذاكرة استرجاعًا، بل أصبحت اقتراحًا، أو محاكاةً، أو إعادة تركيبٍ.

إننا أمام تحوّلٍ من «ذاكرة ما حدث» إلى «ذاكرة ما يمكن أن يحدث».

2. التجربة الذاتية: من هندسة البرمجيات إلى هندسة الذاكرة

في مساري الطويل داخل عالم الحاسوب، لم يكن الاحتكاك بالتقنية مجرّد تعلّمٍ لأدوات، بل كان انتقالًا تدريجيًا إلى نمط تفكيرٍ جديد.

في البداية، بدا الترميزُ الثنائيّ عمليةً تقنيةً صِرفةً: تحويلُ النصوص والصور إلى بيانات. لكن مع تطوّر الأنظمة، خصوصًا مع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأتُ ألاحظ تحوّلًا نوعيًّا؛ إذ لم تعد الآلة تكتفي بتخزين الذاكرة، بل أصبحت تعيد ترتيبها، وتملأ فراغاتها، وتقترح بدائل عنها منذ ظهور هندسة البرمجيات (Software Engineering).

أمام هذا التحوّل، تغيّرت علاقتي بذاكرتي: لم أعد أسترجع ما عشته، بل أصبحتُ أتعامل مع صيغٍ مُقترَحةٍ لذاكرتي، صيغٍ قد تكون أقرب إلى «احتمالٍ مُقنع» منها إلى «أثرٍ أصلي».

هنا تحوّل الحاسوب من أداةٍ، إلى وسيطٍ للذاكرة، ثم إلى فاعلٍ في تشكيل الذاكرة نفسها.

3. أسباب اضمحلال التماثلي في السياق الرقمي الجديد

3.1. هيمنة النماذج التوليدية

لم تعد التقنية تفرض فقط منطق الترميز، بل منطق التوليد. وهذا يعني أنّ الحقيقة لم تعد ثابتة، بل قابلة لإعادة الإنتاج في صيغٍ متعددة.

3.2. انفصال الذاكرة عن التجربة الأصلية

بفضل الذكاء الاصطناعي، يمكن إنتاج ذكريات (نصوص، صور، مقاطع) دون أن تكون لها مرجعية معيشة، مما يُضعف العلاقة بين الذاكرة والتجربة.

3.3. إعادة تشكيل الزمن

لم يعد الزمن يُعاش فقط، بل يُعاد ترتيبه خوارزميًا (ذكريات مقترحة، أرشيفات ذكية، «في مثل هذا اليوم»). يصبح الزمن هنا تركيبًا تقنيًا لا امتدادًا وجوديًا.

3.4. تضخّم الأرشفة وفقدان المعنى

كلّ شيء يُحفَظ، لكن هذا الحفظ المفرط يؤدي إلى تآكل القيمة؛ فحين يصبح كلّ شيء مهمًا، يفقد كلّ شيء أهميته.

3.5. تآكل سلطة الذاكرة الفردية

لم يعد الفرد المصدر الوحيد لذاكرته، بل أصبح جزءًا من شبكة تُنتج له ذاكرته أو تعيد تأويلها.

4. نتائج التحوّل: من الذات المتذكّرة إلى الذات المُولَّدة

لا يقتصر هذا التحوّل على تغيّرٍ في أدوات حفظ الذاكرة، بل يمتدّ إلى إعادة تشكيل بنية الذات ذاتها. فالذات، التي كانت تتأسّس عبر فعل التذكّر بما هو استعادة وتأويل للتجربة أصبحت اليوم تنخرط في نظام إنتاجيّ جديد، تُعاد فيه صياغتها باستمرار عبر وسائط رقمية وأنظمة ذكية. ومن ثمّ، لم نعد أمام ذاتٍ تستحضر ماضيها، بل أمام ذاتٍ تُعاد كتابتها.

 ـ ما يتبدّى في هذا التحوّل هو تفكّك المرجعية الأصلية للذات. فالذات المتذكّرة كانت تعتمد على ترابط التجربة الحيّة، حيث تتداخل الذاكرة مع الإحساس والزمن واللغة. أمّا الذات المُولَّدة، فتنبني على معطيات قابلة للمعالجة، يمكن إعادة تركيبها وتحويرها دون ضرورة العودة إلى أصلٍ معيش.

 ـ يظهر تحوّلٌ في علاقة الذات بالزمن. ففي النموذج التماثلي، كان الماضي يُستعاد بوصفه أثرًا يتسرّب إلى الحاضر، حاملاً معه كثافته الشعورية. أمّا في النموذج المُولَّد، فإن الماضي يُعاد بناؤه وفق منطق الاختيار والاقتراح، بحيث يمكن استحضار «نسخٍ ممكنة» من التجربة، لا التجربة ذاتها.

ـ نلاحظ انزياحًا من العيش إلى المحاكاة؛ إذ لم تعد الذات تحتاج إلى خوض التجربة لكي تعبّر عنها، بل يمكن للأنظمة الذكية أن تُنتج تمثيلات جاهزة للمشاعر والأفكار، مما يخلق فجوة بين الإحساس والتعبير.

 ـ يتجلّى هذا التحوّل في تعدّد نسخ الذات؛ إذ يمكن أن تظهر الذات المُولَّدة في أشكال متعددة: نصوص، صور، تمثيلات رقمية، بل وحتى أصوات مُحاكية، مما قد يؤدي إلى تشظّي الهوية.

ـ يبرز تآكل سلطة الذاكرة الفردية، حيث لم يعد الفرد الحارس الوحيد لذاكرته، بل أصبح يعتمد على أنظمة تقترح عليه ما يتذكّر.

وأخيرًا، يقود هذا التحوّل إلى إعادة تعريف معنى الذات؛ فإذا كانت الذات المتذكّرة تقوم على الاستمرارية، فإن الذات المُولَّدة تقوم على السيولة وإمكانية التعديل.

5. أفق مستقبلي: بين التوليد والمقاومة

ينفتح المستقبل على مفارقة حادّة؛ فبقدر ما تتعاظم قدرة الأنظمة التوليدية، تتنامى الحاجة إلى أشكال جديدة من المقاومة.

لم يعد التوليد مقتصرًا على النصوص والصور، بل يمتدّ إلى أنماط التفكير والخيال. يصبح الإنسان محاطًا باقتراحات جاهزة، مما يحوّل التوليد إلى بنية خفية تُعيد تشكيل الوعي.

في المقابل، تتشكّل المقاومة كفعلٍ وجوديّ، يتجلّى في استعادة البطء في زمن السرعة

إعادة الاعتبار للتجربة المباشرة

الدفاع عن الغموض

كما تتجلّى في عودة الجسد بوصفه مرجعًا أوليًا للمعنى، حيث يصبح ما لا يمكن توليده بالكامل مجالًا للممانعة.

ومن جهة أخرى، يبرز أفق التعايش الحذر بدل القطيعة؛ حيث يستعين الإنسان بالتقنية دون أن يستسلم لها.

غير أنّ الخطر يكمن في تطبيع التوليد، حين يصبح ما هو مُولَّد بديهيًا، فيختفي سؤال الأصل.

لذلك، فإن الرهان يكمن في الحفاظ على مسافة نقدية تُمكّن الإنسان من التمييز بين ما عاشه وما تمّ توليده له.

6. الكتابة كفعل مقاومة في زمن الذاكرة المُولَّدة

في زمن لم تعد فيه الذاكرة مجرد أرشيف، بل نظامًا لإنتاج الماضي، تبرز الكتابة بوصفها فعل مقاومة.

إنها ليست استرجاعًا بسيطًا، بل محاولة لإعادة ربط الذاكرة بالجسد، وتثبيت ما يتلاشى، ومواجهة سيولة المعنى. فالمشكلة لم تعد في فقدان الذاكرة، بل في فقدان أصلها.

ومع ذلك، تظلّ الذاكرة التماثلية تقاوم في الفن، في الجسد، وفي اللغة بوصفها الأثر الأخير لما لم يُختزل بعد، في عالمٍ لم يعد يتذكّر فقط… بل يُعيد اختراع ما يتذكّره.

العربي الحميدي