المقدّمة
انطلاقا من براديغم عالم النّفس التّحليليّ 'سيغموند فرويد' القائم على ثلاثيّة (الأنا، والأنا الأعلى، والهو)، فإنّ آليّة الحبّ محكومة بالصّراع والبحث عن الانسجام بين هذه العناصر النّفسيّة الثّلاثة (1) حيث يقوم 'الهو'، كمستودع للغرائز الطّبيعية، بدفع الفرد إلى إشباع غرائزه بأيّ شكل كان، فالـ'هو' لا يعرف قيود الحلال والحرام، ولا يرضخ لأيّة سلطة، أكانت دينيّة أم عائليّة أم أخلاقيّة أم قانونيّة. ثمّ يبرز دور 'الأنا الأعلى' ليحذّر الفرد من مغبّة رغباته إذ يعمل بمثابة كابحٍ أخلاقيّ يتجسّد في منظومة الأوامر والنّواهي المجتمعيّة، سعيا إلى كبح جماح الغريزة ومنع إشباعها الفوضويّ.
وبسبب هذه الضّغوطات، تتدخّل 'الأنا'، أي شخصية الفرد نفسه، لإيجاد حالة من التّوازن والتّكيّف، وللتّوفيق بين رغبات 'الهو' وموانع 'الأنا الأعلى'، وذلك عبر هذا الاختراع الإنسانيّ المُسمّى ب 'الحبّ' الذي يعتبر، من منظور التّحليل النّفسيّ، رغبة عاطفية مقموعة لم تجد سبيلا للتّحقّق، فتتمّ هذه العملية بطريقة لا واعية، وتعبّر عن نفسها بشتّى الأشكال بما فيها الكتابة الشّعريّة.
فحين لا يجد الفرد تحقيقا لرغبات 'الهو' يكون التّصعيد أو ما يعبّر عنه أيضا ب' التّسامي' عبر الإبداع عامّة حيث يذهب 'فرويد' إلى أنّ سرّ الإبداع في الآداب والفنون يرجع إلى 'التّسامي'.
وقد جاء في معجم مصطلحات العلوم التّربويّة والنّفسيّة ما مفاده أنّ التّصعيد هو تحوّل 'اللّيبيدو' من صورته الجنسيّة ليعمل في مستوى أرقى، فيتّجه إلى النّشاط العلميّ أو الرّياضيّ أو الأدبيّ والفنّيّ (2).
ومن جهة أخرى، فإنّ الحديث عن الحبّ في الشّعر يحيل إلى نقيضه، أي إلى 'الفقد'، فيأتي الخطاب الشّعريّ مناورا متخفّيا وراء أقنعة اللّغة، محاولا التّستّر والإيهام، وما الشّعر سوى وهم وتوهّم وإيهام في جانب كبير منه. وقديما قيل: "أعذب الشّعر أكذبه".
وفي هذا الإطار فإنّ ديوان الشّاعرة التّونسيّة سنية مدّوري الموسوم ب 'يأتيك قلبي لاجئا'(3) يوهم بأنّ القلب هو مركز الحبّ، والحقيقة أنّ علم الفيزيولوجيا أو علوم الدّماغ تؤكّد أنّ الأسس الماديّة للحبّ تكمن في الدّماغ لا في القلب كما صوّره الشّعراء والفنّانون، فما القلب إلّا عضلة تدفع الدّم، أمّا الدّماغ فهو مركز الانفعالات ومصدرها عبر تفاعلات ترتبط بالجهاز الانفعاليّ في قاع الجمجمة. (4).
فعندما يرى الشّخص محبوبه، تمرّ الرّؤية عبر قشرة الدّماغ البصريّة التي تستخرج من الذّاكرة ما يرتبط بالمحبوب من انفعالات، فتتولّد الشّحنات العصبيّة التي تزيد من نبضات القلب.
هذا المسار الفيزيائيّ يحدث بسرعة خاطفة، ممّا جعل الشّعراء ينسبون المصدر للقلب لا للدّماغ.
هكذا يقع الخطاب الشّعريّ بين الحضور والغياب، فالظاهر هو الحبّ، والباطن هو فقده أو البحث عنه، طالما أنّ الحبّ كما يقول الفيلسوف 'إيريك فروم': "هو الجواب على مشكلة الوجود الإنسانيّ"(5).
وقد جعل العرب للحبّ مقامات تتألّف من سبعة عشر درجة، تبدأ بـ'الهوى' وصولا إلى 'الهيام' الذي هو جنون العشق. وانطلاقا من هذه التّصنيفات، يمكن القول إنّ ديوان سنية مدّوري يتنزّل في هذا الإطار العامّ، منه ما هو ذاتيّ (حبّ الحبيب، الوالدين، الأبناء)، ومنه ما هو موضوعيّ (حبّ الوطن، الشّعر، القيم النّبيلة، ورموز الشّهداء(6).
واعتمادا على جدليّة 'التّخفّي والتّجلّي'(7) للنّاقد 'كمال أبو ديب'، واستنادا إلى المعجم الصّوفيّ ورمزيّته الميتا- دلاليّة، فقد لاحظت حضورا لافتا في هذه المجموعة لما هو صوفيّ يتجلّى في القصائد الإشراقيّة، ممّا يجعل قراءتنا تدمج الكثير من النّظريّات ذات الصّلة بالعلوم الإنسانيّة.
1- الإطار المنهجيّ والنّظريّ
تتنزّل هذه المقاربة النّقدية لديوان 'يأتيك قلبي لاجئا' للشّاعرة التّونسيّة سنية مدّوري (8) في سياق البحث عن جوهر العاطفة الإنسانيّة وتجلّياتها الإبداعيّة حيث يثير هذا الدّيوان منذ عتباته الأولى تساؤلا جوهريّا في ذهن المتلقّي حول ماهيّة الحبّ باعتباره ملاذا وجوديّا وقيمة عليا تشدّ الكائن إلى حبل الوجود. وقد دفعتني عديد الدّواعي لتناول هذا المتن الشّعريّ منها ما هو ذاتيّ حيث قُدّم لي الدّيوان كهديّة وأثار إعجابي، ومنها ما هو موضوعيّ ذو علاقة بالشّاعرة التي ترسّخت تجربتها ونضجت ولاقت إشعاعا لافتا في زمن قلّما نعثر فيه على شعر راق وجيّد.
1-1- إشكاليّة الدّراسة:
تتمحور الإشكاليّة المركزيّة لهذه الدّراسة حول كيفيّة تشكّل الخطاب الشّعريّ عند سنية مدّوري بين البنية السّطحيّة والبنية العميقة، ومدى نجاح المعجم الصّوفيّ في إعادة تشكيل تجربة الحبّ، إضافة إلى البحث في تجليّات آليّة التّصعيد النّفسيّ في النّصّ الشّعريّ، ودور الثّنائيّات الضّديّة في إنتاج المعنى.
-1-2- فرضيّات الدّراسة:
تنطلق هذه القراءة من الفرضيّات التّالية:
- العنوان يمثل حالة لجوء وجوديّ.
- النّصّ يقوم على بنية مزدوجة.
- الحبّ يتجلّى كآليّة تصعيد نفسيّ.
- المعجم الصّوفيّ يضفي بعدا إشراقيّا على التّجربة.
1-3- أهداف الدّراسة ومنهجيّتها:
تطمح هذه الدّراسة إلى تفكيك سيمياء العتبات النّصيّة واستجلاء المرجعيّات الثّقافيّة التي تغذّي تجربة الشّاعرة، مع التّركيز على رصد أنواع الحبّ وتصنيفها بين ما هو ذاتيّ ومثاله عشق الحبيب والأهل...، وما هو موضوعيّ ومثاله حبّ الوطن والشّهيد... ولتحقيق هذه الأهداف، تتبنّى هذه المقاربة منهجا تكامليّا يتقاطع فيه التّحليل النّفسيّ الفرويديّ الذي يستنطق دوافع التّسامي أو التّصعيد في الإبداع، مع المنهج البنيويّ القائم على جدليّة الخفاء والتّجليّ كما صاغها النّاقد كمال أبو ديب.(9)
كما لا تغفل الدّراسة الجانب الفيزيولوجيّ والأنثروبولوجيّ إذ تسعى لإعادة قراءة القلب كمركز للعاطفة بربطه بالمنظور العلميّ الحديث الذي يجعل من الدّماغ بؤرة الانفعالات، توازيا مع تحليل المعجم الصّوفيّ (الفناء، الوجد، السّكر) الذي يمنح النّص أبعادا ميتا- دلاليّة تتجاوز المعنى الحرفيّ للكلمة. إنّها قراءة تحاول الاسترشاد بشتات المعارف الإنسانيّة للولوج إلى سِفر الحبّ الذي خطّته سنية مدّوري، بحثا عن التّوازن المفقود بين إكراهات الواقع وجموح الرّؤى الإبداعيّة.
1-4- الدّراسات السّابقة:
اعتمدت الدّراسة في القسم النّظريّ على المنهج البنيويّ القائم على جدليّة الخفاء والتّجليّ كما صاغها النّاقد كمال أبو ديب في كتابه المشار إليه أعلاه. كما استندت إلى نظريّة التّحليل النّفسيّ الفرويدي، وعلى المعجم الصّوفيّ السّائد في الكثير من الأشعار الصّوفيّة والدّراسات ذات الصّلة بها. (10).
وتجدر الإشارة إلى أنّ موضوع الحبّ في الشّعر العربيّ القديم والحديث لاقى اهتماما واسعا حيث تناولته دراسات كثيرة من زوايا مختلفة غير أنّ هذه الدّراسات لم تتناول ديوان 'سنية مدّوري' تحديدا، ولا مجاميعها الشّعريّة السّابقة ممّا يمنح هذه الدّراسة طابعها الإجرائيّ الجديد، ويبرّر اختيارنا لهذه للفجوة البحثيّة.
أمّا في الجانب التّطبيقيّ فلم نعثر على أيّة دراسة تذكر لهذا الدّيوان نظرا لحداثة صدوره إذ صدرت طبعته الأولى خلال شهر جانفي 2026. ولهذا السّبب فإنّ هذه الدّراسة تعدّ الأولى في قراءة هذا المتن الشّعريّ واستجلاء خصوصيّته في موضوع الحبّ.
-1-5- المفاهيم الرّئيسيّة للدّراسة:
تعتمد هذه الدّراسة على جملة من المفاهيم النّقديّة التي تشكّل أدوات إجرائيّة لتحليل الخطاب الشّعري، وذلك في إطار مقاربة تكامليّة تستثمر منجزات التّحليل النّفسيّ الفرويديّ والبنيويّ والسّيميائيّ. ويمكن تفصيل هذه المفاهيم على النّحو التّالي:
أ- التّصعيد أو التّسامي:
يُعدّ التّصعيد من المفاهيم المركزيّة في التّحليل النّفسيّ، ويُقصد به تلك الآليّة اللّاواعية التي يتمّ عبرها تحويل الطّاقة الغريزيةّ، أي العاطفيّة بالأساس، إلى نشاط رمزيّ ذي قيمة ثقافيّة وجماليّة، كالأدب والفنّ.
ويُوظَّف هذا المفهوم في هذه الدّراسة لفهم كيفيّة تحوّل التّجربة العاطفيّة في الدّيوان من رغبة غير متحقّقة إلى خطاب شعريّ مكثّف بحيث يصبح النّصّ مجالا لتفريغ الانفعال، وإعادة تشكيله في صورة جماليّة. وعليه، فإنّ الحبّ لا يُقرأ بوصفه حالة شعوريّة فحسب، كما لا يقرأ على أساس أنّه حضور بل غياب وفقد وتوق، وباعتباره أيضا نتاجا لعمليّة تصعيد نفسيّ تُعيد تنظيم التّوتّر الدّاخليّ للذّات وتحقّق التّوازن النّفسيّ.
ب- البنية السّطحيّة والبنية العميقة:
يندرج هذا المفهوم ضمن التّصوّرات البنيويّة التي تميّز بين مستويين في النّصّ الأدبيّ: فالبنية السّطحيّة هي المستوى الظّاهر الذي يتجلّى في المعنى المباشر للخطاب كالتّعبير عن الحبّ أو الشّوق أو الحنين. أمّا البنية العميقة فهي المستوى الكامن الذي يتضمّن الدّلالات الضّمنيّة مثل القلق الوجوديّ، والإحساس بالفقد، والبحث عن المعنى والتّوازن النّفسيّ. وتكمن أهميّة هذا المفهوم في كونه يسمح بالكشف عن التّوتّر بين ما يُقال وما يُضمر حيث لا يُختزل النّصّ في دلالته المباشرة، بل ينفتح على طبقات تأويليّة متعدّدة. وفي هذا الإطار، يُقرأ الحبّ في الدّيوان بوصفه بنية مزدوجة تجمع بين الظّاهر العاطفيّ والباطن الوجوديّ.
ج- الخفاء والتّجلّي:
يقوم هذا المفهوم على جدليّة دلاليّة مفادها أنّ المعنى في النّصّ الأدبيّ لا يُقدَّم بشكل مباشر، بل يتشكّل عبر حركة مستمرّة بين الاحتجاب والانكشاف: فالخفاء يتمثّل في احتجاب المعنى خلف الصّور والاستعارات والرّموز. بينما يتمثّل التّجلّي في لحظات انكشاف المعنى عبر الإيحاء أو التّلميح. وتُسهم هذه الجدليّة في جعل النّصّ فضاء مفتوحا للتّأويل حيث يشارك القارئ في إنتاج الدّلالة. وفي ضوء ذلك يتبدّى الخطاب الشّعريّ في هذا الدّيوان خطابا مراوغا، يخفي الألم تحت قناع الحبّ، ويكشف الفقد من خلال صور الحضور.
د- المعجم الصّوفيّ:
يُقصد بالمعجم الصّوفيّ مجموع الألفاظ والتّعابير المستمدّة من الخطاب الصّوفيّ مثل: الوجد، الفناء، السُّكر، النّور، الحجب، الشّوق، التّجلّي... وهي مفردات ذات حمولة رمزيّة وإشراقيّة تتجاوز معناها الحرفيّ. ويكتسي هذا المفهوم أهميّته في كونه يتيح قراءة الحبّ بوصفه تجربة روحيّة لا تقتصر على البعد الحسّي/ الجسديّ، بل تنفتح على أفق الفناء في الآخر والتّماهي معه. كما يضفي هذا المعجم على النّصّ طابعا تأويليّا عميقا يجعل الدّلالة متعدّدة المستويات، تتراوح بين العاطفيّ والميتافيزيقيّ.
ه- الثّنائيّات الضّديّة: تشير الثّنائيات الضّديّة أو المثنّيات إلى بنية دلاليّة قائمة على تقابل مفاهيم متعارضة مثل: الحضور/ الغياب، اللذّة / الألم، العقل / الجنون، القرب / البعد... وتُعدّ هذه الثّنائيّات من الآليات البنيويّة الأساسيّة في إنتاج المعنى إذ لا يتشكّل الخطاب الشّعريّ في اتّجاه واحد، بل عبر توتّر مستمرّ بين الأضداد (11).
وفي هذا السّياق يُبنى الحبّ في الدّيوان بوصفه تجربة مركّبة لا تتحقّق إلّا داخل هذا التّوتّر حيث يمتزج الألم باللذّة، والحضور بالغياب.
هكذا تتكامل هذه المفاهيم لتشكّل جهازا تحليليّا يسمح بفهم الخطاب الشّعريّ في تعدّده وتعقيده إذ يفسّر التّصعيد منبع التّجربة، وتكشف البنية العميقة عن خفاياها، وتُبرز جدليّة الخفاء والتّجلّي طرائق تشكّلها، بينما يمنحها المعجم الصّوفيّ بعدها الإشراقيّ، وتضبط الثّنائيّات الضّديّة ديناميّة اشتغالها داخل النّصّ.
وتبعا لهذا المدخل المنهجيّ فقد قُسّمت الدّراسة وفقا للمحاور التّالية:
- محور الحبّ كتصعيد نفسيّ: والمراد به تحوّل الحبّ إلى آليّة تعويضيّة تعكس توتّر الذّات بين الرّغبة والواقع.
- محور البنية المزدوجة: حيث يتأسّس النّصّ على تداخل الظّاهر والباطن.
- محور الثّنائيّات الضّديّة: حيث تشكّل الأضداد عنصرا أساسيّا في إنتاج المعنى.
- محور المعجم الصّوفيّ: الذي يحيل إلى تجربة روحيّة تتجاوز الحسّي.
- محور الحبّ بين الذّاتيّ والموضوعيّ: كامتداد من التّجربة الفرديّة إلى التّجربة الجماعيّة.
- محور اللّغة والصّورة الشّعريّة: حيث تقوم اللّغة على الانزياح والتّكثيف.
لنخلص في الختام إلى الاستنتاجات العامّة التي ستسفر عنها هذه الدّراسة.
2- دراسة نماذج شعريّة
1-2- تمهيد:
منذ العتبة الأولى، ومنذ صورة الغلاف المميّزة بقلب أحمر، ومنذ الإهداء المفتوح على الأب والأمّ والبنت والابن، وصولا إلى القصائد والأبيات المدرجة في قفا الغلاف، يمكننا القول إنّ ديوان 'يأتيك قلبي لاجئا' للشّاعرة سنية مدّوري الصّادر في جانفي 2026 في طبعة أولى عن دار الفردوس للنّشر والتّوزيع بتونس، هو ديوان في الحبّ أو العشق بمختلف صوره وتجلّياته.
فما يزال الحبّ، هذا اللّغز الأزليّ، موضوعا يتداوله النّاس والشّعراء بخاصّة، باعتباره قيمة إنسانيّة تشدّنا إلى حبل الحياة. وتأسيسا على ذلك، تأتي هذه المقاربة التي لا تستند إلى منهج نقديّ محدّد، بل لتقرأ هذا الدّيوان موظّفة شتات المعارف التي توفّرها العلوم الإنسانيّة عامّة من علم نفس، وعلم اجتماع، وأنثروبولوجيا، وفيزيولوجيا، وفلسفة، ونظريّات أدبيّة نقديّة مختلفة منها البنيويّة، وغير ذلك من المعارف المتاحة لقراءة هذا السّفر الضّارب في موضوع الحبّ قولا ومعنى. ولعلّ هذه القراءة التّمهيديّة ستكون مختلفة عمّا عهدناه من قراءات نمطيّة لموضوع الحبّ والعشق.
- 2-2 - تقديم العيّنة المدروسة:
اخترت عشرة نماذج من ديوان 'يأتيك قلبي عاشقا' من بين 38 قصيدة إذا ما اعتبرنا التّصدير قصيدة بالرّغم من أنّ الفهرس يشير إلى 37 نصّا شعريّا فحسب. وبذلك تمثّل العيّنة 27% من مجموع القصائد. وهي بذلك تعدّ ممثّلة من النّاحية العلميّة. هذا دون أن نزعم سحب ما سنتوصّل إليه من نتائج على الدّيوان بأسره. كما لا نزعم التّعميم باعتبار حدود الدّراسة التي ليست سوى واحدة من المقاربات الممكنة.
وتضمّ عيّنتنا عشرة نصوص هي تباعا: يأتيك قلبي لاجئا- كذبة أخرى لبعث آخر- أنا امرأة سيّئة- الأطياف- ما قالته ابتسامة الشّهيد العربي بن مهيدي- إفادة- هطول- مكتظّة بالغائبين- لا عقل نرجوه من العشّاق- تكتظّ بي.
أمّا عن الاختيار فلم يكن عشوائيّا، بل كان تقديرا منّا أنّ هذه النّماذج تعبّر، من جهة، عمّا تضمّنه هذا الدّيوان من مواضيع ذات علاقة بالحبّ في أبرز تجلّياته، ومن جهة أخرى، تكشف عن الخاصّيات الفنيّة الأكثر حضورا في مجموع القصائد.
3-2- في قراءة العتبة الأولى:
ينفتح العنوان 'يأتيك قلبي لاجئا' على تأويلات لا تحدّ، منها أنّ المحبّ يلوذ بنفسه إلى قلب المحبوب هربا من واقع يفتقد فيه للحبّ. ففي لفظة اللّجوء معانٍ كثيرة، لغة واشتقاقا تعني "لاذ واستند وقصد مكانا للتّحصّن"(12). وهنا يكون المحبوب ملاذا، والقلب اللّاجئ هو هرب من واقع مرير أو شغف بالملاقاة. هذا إذا أخذنا بظاهر اللّغة، أمّا باطنها فقد يشي بالفقد والبحث عن قلب لم يجده الباحث عنه. وهكذا تكون اللّغة مخاتلة، فالدّالّ لا يشير دوما إلى المدلول مباشرة، بل يكون بمنزلة العدول عن الأصل والانزياح عنه.
ومن زاوية علم النّفس، قد يكون العنوان تعبيرا تصعيديّا حيث يفيض 'الهو' توقا للمحبوب محاولا الإفلات من سلطة 'الأنا الأعلى'، فتأتي 'الأنا' الشّاعرة لتحسم الأمر بخلق حالة من الانسجام تجد صداها في الخطاب الشّعريّ حيث تصعّد الكاتبة رغباتها عبر الشّعر وبلغة اللّجوء، وبذلك يكون الفنّ إحدى آليّات التّنفيس والتّوازن.
أمّا من جهة علم الأعصاب والدّماغ، فإنّ مفردة القلب مجازيّة هنا. فالقلب ليس سوى مضخّة بينما الدّماغ هو المتضمّن لجملة المشاعر والأحاسيس وهو المصدر.
3- في تحليل القصائد
1-3- الحبّ كتصعيد نفسيّ
تكشف جملة من القصائد عن كون الحبّ ليس مجرّد تجربة وجدانيّة مباشرة، بل هو آليّة نفسيّة عميقة تقوم على التّصعيد أو التّسامي، حيث تتحوّل الرّغبات المكبوتة إلى طاقة شعريّة خلاّقة ففي قصيدة ' يأتيك قلبي لاجئا'(13)، تقول الشّاعرة:
"ما معدن الأشياء؟
قلت: "جنونها"
لولا الجنون لغابت الأشياء...
جُملٌ تردّدها السّماء لنلتقي
وتشاء منّي غيمة وأشاء...
يقتات منّي الشّوق
حتّى تربتي يبست
وما رأفت بنا الأنواء..."
" لولا الجنون لغابت الأشياء/ يقتات منّي الشّوق.."
هنا يتجلّى هذا البعد المتجسّد في الطّاقة الشّعريّة والتّصعيد من خلال هذه الصّور إذ تتحوّل الذّات إلى موضوع لاندفاع داخليّ لا يمكن إشباعه واقعيّا، فيتمّ تفريغه عبر اللّغة.
كما يتعزّز هذا المنحى في قصيدة 'إفادة'(14) حيث يبلغ التّماهي ذروته حين تقول الشّاعرة:
رجل وحيد واحد متوحّد
يغزو خلايا الجسم ملء إرادتي
صلّيتُ ألف فريضة وفريضة
حتّى استحال قميصه سجّادتي.
ففي معنى " يغزو خلايا الجسم ملء إرادتي" تعبير عن استبطان المحبوب إلى حدّ الذّوبان.
أمّا في قصيدة 'هطول'(15)، فإنّ الاحتراق ذو دلالات عميقة:
" إنّي احترقتُ
لكي أضيء دواخلي
حتّى انبعثتَ لكي ترمّم ذاتي..."
فتعبير "احترقتُ لكي أضيء دواخلي" يعدّ صورة صريحة للتّصعيد، حيث يتحوّل الألم إلى نور داخليّ. وهكذا يصبح الشّعر فضاء لتعويض ما تعذّر تحقيقه، فتتدخّل 'الأنا' لإعادة التّوازن بين ضغط 'الهو' ورقابة 'الأنا الأعلى'. ويكون التّصعيد مجسّدا في الهروب إلى التّعبير عن الحالة وترجمتها شعرا.
2-3- البنية المزدوجة:
إنّ اللّافت في هذا المتن الشّعريّ هو حضور الكثير من المثنّيات اللّغويّة أو الثّنائيّات المتلازمة من قبيل (اللّذّة والألم، الحضور والغياب، الظّلمة والضّياء...)
وهي مثنّيات ضدّية دلاليّة بالأساس، حصرنا أغلبها كالتّالي:
- الحضور مقابل الغياب.
- الحبّ مقابل الجفاء والجفاف.
- القرب مقابل البعد.
- اللذّة مقابل الألم.
- العقل مقابل الجنون.
وما بين هذه الثّنائيّات تتراوح ذات الشّاعرة، تارة، يحضر الحبّ شوقا وواقعا، وتارة أخرى، يحضر فقدا وحزنا. وإذا عدنا إلى المنهج البنيويّ، وما يورده الدّكتور محمّد الدّاهي عن النّاقد المغربيّ 'محمّد مفتاح' من أنّ: "للنّصّ بنيتين: سطحيّة وعميقة".(16)، نجد ما يحيلنا إلى ثنائيّة الخفاء والتّجلّي التي ركّز عليها كمال أبو ديب.
ونرى هذا السّند النّظري (مرجع النّاقد كمال أبو ديب) ذا أهميّة بالغة في قراءة ديوان سنية مدّوري، الذي يظهر الظّاهر ويخفي الباطن، كأن يكون الحبّ في الآن نفسه تعبيرا عن الألم واللذّة معا. وهو ما نلمسه في الشّعر الصّوفيّ في قول عمر بن الفارض على سبيل المثال:
شربنا على ذكر الحبيب مدامة
سكرنا بها من قبل أن يخلق الخمر
لها البدر كأس وهي شمس يديرها
هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم"(17)
فالظاهر خمر وكؤوس، والباطن ذكر وتجلّيات إلهية. أمّا لدى سنية مدّوري فتتأسّس أغلب نصوص الدّيوان على بنية مزدوجة، حيث ينفتح المعنى على مستويين:
- مستوى ظاهر يتجلّى في خطاب حبّ مباشر، ومستوى باطن يظهر في خطاب فقد، واغتراب، أو بحث أو حنين إلى ما كان ماضيا من حبّ.
ففي قصيدتها 'يأتيك قلبي لاجئا' (18) تقول الشّاعرة:
"ما معدن الأشياء؟
قلت: "جنونها"
لولا الجنون لغابت الأشياء...
جُملٌ تردّدها السّماء لنلتقي
وتشاء منّي غيمة وأشاء...
يقتات منّي الشّوق
حتّى تربتي يبست
وما رأفت بنا الأنواء..."
يبدو الخطاب في الظّاهر غزليّا، لكنّ عمقه يكشف عن حالة جفاف روحيّ من خلال تعبيرها: "حتّى تربتي يبست".
وفي قصيدة 'الأطياف' (19) يحضر الغائب في شكل أطياف، ممّا يجعل الحضور نفسه شكلا من أشكال الغياب.
أمّا في القصيدة الموسومة ب' مكتظّة بالغائبين'(20)، فإنّ المفارقة تبلغ ذروتها إذ يتحوّل الغياب إلى امتلاء، وهو ما يجسّد بوضوح جدليّة الخفاء والتّجلّي كما تمّ التّنظير لها سابقا.
هذه البنية تجعل النّصّ مراوغا، لا يمنح دلالته إلّا عبر قراءة تأويليّة تتجاوز المستوى السّطحيّ.
إنّ هذه الثّنائيات لا تعمل فقط على مستوى التّزيين البلاغيّ، بل تشكّل البنية العميقة التي ينتج من خلالها المعنى حيث يتأسّس الحبّ بوصفه تجربة متناقضة في جوهرها جامعة بين الأضداد (الامتلاء/ الفراغ، الأنواء / الجفاف، الحكمة/ والجنون...) وهو ما نعثر عليه بيسر في أغلب قصائد الدّيوان.
3-3- الثنائيّات الضدّية وبناء المعنى:
تُعدّ الثنائيّات من أهمّ البنى العميقة في الدّيوان حيث تتشكّل الرؤية الشّعريّة عبر توتّر دائم بين الأضداد.
وقد اخترت بعض النّماذج من المثنّيات الأكثر حضورا في القصائد موضوع دراستنا، منها:
أ- ثنائيّة الحضور والغياب:
- قصيدة ' الأطياف' حيث الحضور مجسّدا في "صوت المزاليج" مقابل الغياب " خلف الجدار ترى أطياف من سكنوا". (21)
- قصيدة مكتظّة بالغائبين: حيث الحضور أو التّنبّؤ به: "يقودني حدسي الغريب إلى التّنبّؤ بالحضور"، مقابل الغياب:" مكتظّة بالغائبين"(22).
ب- ثنائيّة الألم واللّذّة:
- في قصيدة ' أنا امرأة سيّئة': حيث ثنائيّة الألم واللذّة وتحوّل الحبّ إلى جحيم، بما يعكس انزياحا من اللذّة إلى الألم: " في قول الشّاعرة: "من يهدني وردة كي أردّ إليه جحيما؟، وفي قولها: "يتمزّق قلبي، ولا أبلغ الضّوء.."(23).
- في قصيدة ' هطول': "وأناملي!!! حطّت حماما زاجلا، فوق القميص تبعثرت صرخاتي.." وفي قولها أيضا: " إنّي احترقتُ لكي أضيء دواخلي".(24)
ج- ثنائيّة العقل / الجنون:
- في قصيدة 'لا عقل نرجوه من العشّاق'(25): حيث يتمّ تقويض العقل لصالح منطق العشق، ويتجلّى ذلك في قول الشّاعرة: " هذا الهوى المجنون ينطق حكمة: "لا عقل نرجوه من العشّاق."
د- ثنائيّة القرب / البعد:
- قصيدة ' تكتظّ بي': "تكتظّ بي أجتاحُ ليلكَ، صدفة، ضربت لنا الأقدار أجمل موعد". وفي قول الشّاعرة: وفتحتُ باب القلب، ادخل آمنا، ضحكاتنا في اللّيل
تذكرة الغد..".(26)
- قصيدة ' يأتيك قلبي لاجئا':
"نادتكَ كلّ نوارسي حتّى اختفت في بوح اسمك
هذه الأسماء...
" دثّرني في يقظتي في نومتي، شوقا عليلا ما به إعياء
ياااا. لم أجد صفة تليق بحبّنا، ضاقت حروفي باؤها والياء"(27)
إنّ هذه المثنّيات لا تعمل فقط على مستوى التّزيين البلاغيّ، بل تشكّل البنية العميقة التي ينتج من خلالها المعنى حيث يتأسّس الحبّ بوصفه تجربة متناقضة في جوهرها.
4-3- المعجم الصّوفي:
ازدان الدّيوان بمعجم صوفيّ بيِّن، نذكر أغلبها: (الشّوق، التّوق، الوجد، الخمر، العطش، العبادة، التّوحّد، الشّهادة، السجّادة، الفريضة، الحجّ، الهجر، الصّلاة، الرّكوع، السّجود، التّضوّع، العناق، النّور، الظّلام، الوحشة، السّفينة، التّيه، السّراب، المناسك، الهوى، المرايا، الفناء، الغيم، الضّلال، المعاصي، الظّمأ، الرّائي، الغواية، الإدمان، النّار، الحطب، الحجب، الدّهشة، الحنين، اليقظة، الصّحو، الجنون، النّبيذ، النّادل، الشّبق، الوله، الرّقص، العتمة، البوصلات، الصّبا، البوح، الشّغف، المقام، النّاي، العصمة، الكؤوس، القربان، الرّداء، الإغواء، الشّقاء، الوصل، اللّقيا، اللّوح، الخطيئة، العتاب، المحو، الوجل، الشّجن، الرّؤى، التّبتّل، الرّهق، الوعظ، الفيض، العطر، العتق، الجذوة، الغرق، النّجاة، الأقطاب، الدّواة، الدّراويش، التّحليق، الزّجل، السّكرات، الرّضاب، الدّنان، الرّسم، الرّماد، اليقين، الظّنون...).
إنّه معجم يوحي بالبعد الصّوفيّ للحبّ وبلغته الإشراقيّة، وقد أوفى الدّيوان في وصف الحبّ والحبيب والشّوق، مبتكرا صورا شعريّة موحية وعميقة.
هكذا يبرز المعجم الصّوفي كأحد أهمّ مكوّنات الخطاب الشّعريّ لدى سنية مدّوري حيث يتمّ توظيف مفردات دينيّة وإشراقيّة لتحويل الحبّ إلى تجربة روحيّة.
ففي قصيدة 'إفادة' تتكثّف هذه الدّلالة من خلال مفردات: (الصّلاة، الفريضة، السجّادة)، حيث يصبح العشق طقسا تعبّديّا كما هو في قول الشّاعرة:
" يا قلب" أضحت سنّتي بل عبادتي
رجل وحيد واحد متوحّد
يغزو خلايا الجسم ملء إرادتي
صلّيتُ ألف فريضة وفريضة
حتّى استحال قميصه سجّادتي.
بغرامه أفنى يقال شهيدة
إنّي أقدّس في الغرام شهادتي."(28)
وفي قصيدة 'هطول' تقول:
"وظننتُ عند هطول طيفك فجأة
أنّ البحار تصبّ
في الغيمات...
ووضعت قلبي فوق صدرك،
طفْ به
كأسا تجرّع من ندى الحانات..
وأناملي!!!
حطّت حماما زاجلا
فوق القميص تبعثرت صرخاتي..
لا ثلج إلّا ما يبيح سكوتنا
والدّفء كلّ الدّفء
في الكلمات..
هل عدتُ؟
أم مازلت فيكَ قصيدة؟
للآن أتلو حرفها بصلاتي..
ذبْ في شفاه الكأس
قطرة خمرة
أجّل لقاء العشق للسّكرات..
إنّي احترقتُ
لكي أضيء دواخلي
حتّى انبعثتَ لكي ترمّم ذاتي..
لا تغبط الّعراء في أبياتهم
سأقول فيكَ
ملاحم النّايات".(29)
تحضر هنا رموز الخمر والسّكر والكأس، والانبعاث، والاحتراق، والنّيات، وهي استعارات صوفيّة تشير إلى الفناء في المحبوب.
كما أنّ قصيدة 'مكتظّة بالغائبين' تعزّز هذا المنحى عبر مفرداتها: (زوايا، منبر، بخور)، ممّا يجعل الذّات في حالة تخمّر أو تبتّل شعريّ وتقول فيها:
"مكتظّة بالغائبين
يقودني حدسي الغريب
إلى التّنبّؤ بالحضور..
صوفيّة، قلبي زوايا،
منبري حرفي
وطقسي في سحابات البخور
وتشدّني من خصر وقتي كلمة
لا أعرفُ التّاروت
تعرفني النّذور."(30)
هكذا يتجاوز الحبّ بعده الحسيّ ليغدو تجربة كشف ووجد، تتماهى مع الخطاب الصّوفي في أبعاده الرّمزيّة إلى حدّ تصرّح فيه الشّاعرة بأنّها صوفيّة، وأنّ قلبها زوايا، وطقوسها سحابات وبخور ونذور.
5-3- الحبّ بين الذّاتيّ والموضوعيّ:
لا ينحصر الحبّ في هذا الديوان في التّجربة الفرديّة، بل يتّسع ليشمل أبعادا جماعيّة وإنسانيّة.
ولعلّ قصيدة "ما قالته ابتسامة الشّهيد العربي بن مهيدي" من أبرز الشّواهد على ذلك إذ يتحوّل الحبّ فيها من طور ما هو ذاتيّ / شخصيّ إلى حبّ الوطن والشّهادة، حيث يصبح الشّعر أداة تخليد للذّاكرة الجماعيّة من خلال قول الشّاعرة:
" ورد على قبر الشّهيد ضممته
فتفجّرت في خافقي الأمواه
عجتُ على وطن المجاهد مرّة
ظلّي يسابقُ في الخطى ممشاه
ناديت يا أمّ الشّهيد تصبّرا
والصّوت يُسمَع في الوجود صداه."(31)
بينما في قصيدة 'كذبة أخرى لبعث آخر'(32)، تحضر العائلة (الأمّ، الأب، الإخوة) بوصفها فضاء عاطفيّا مركّبا يجمع بين الحنان والعاطفة:
"تقول أمّي:"
ذي قصائدك الحزينة في انتظارك،
عمّديها باللّقاء، تمهّلي
أمّي تجيد الحزن..
دمعتها مشاتل دهشتي
وأبي يكوّر صمته ويعيد أنساغ الحياة لبيتنا..
لي إخوة.. البئر فكرتهم
وذئب المفردات يضمّخ القمصان
في أهوائهم
كي يقنعوا...".
في المقابل، تعبّر قصائد مثل 'تكتظّ بي و'هطول' عن الحبّ الذّاتي العاطفيّ، بما يجعله يتراوح بين الخاصّ والعامّ.
6-3- اللّغة والصّورة الشّعريّة:
تعتمد الشاّعرة على لغة مكثّفة قائمة على الانزياح والتّركيب الصّوريّ، حيث تتداخل الحواسّ وتتفكّك العلاقات المنطقيّة:
- "عوّدْ يديك على ملامح دهشتي، قدني إليكَ، أصابعي عمياء...". وهو ما يفيد التّشخيص للحواسّ. (33)
- "يقتات منّي الشّوق حتّى تربتي يبست، وما رأفت بنا الأنواء". وهو تجسيد للمجرّد. (34)
- "تكتظّ أجتاحُ ليلكَ، صدفة، ضربت لنا الأقدار أجمل موعد". وهو ما يفيد قلب العلاقة بين الذّات والمكان. (35).
كما توظّف الشّاعرة عناصر الطبيعة (الماء، النّار، الغيم، البحر) لتشكيل صور ديناميكيّة تعبّر عن تحوّلات الذّات.
وتتراوح اللّغة بين التّكثيف كما هو الحال في قصيدة 'أطياف' والانسياب كما في قصيدة ' هطول' ما يعكس تنوّع التّجربة الشّعريّة.
تكشف هذه المحاور أنّ ديوان 'يأتيك قلبي لاجئا' يقوم على شبكة دلاليّة متداخلة حيث:
- يتجلّى الحبّ كآليّة تصعيد نفسيّ،
- ويتشكّل عبر بنية مزدوجة بين الظّاهر والباطن،
- ويُبنى دلاليّا عبر الثّنائيّات الضّدّية،
- ويتحوّل رمزيّا إلى تجربة صوفيّة إشراقيّة،
- ويتراوح موضوعيّا بين الذّاتي والجماعيّ،
- وأخيرا، يتجلّى جماليّا عبر لغة انزياحيّة كثيفة.
وبذلك تتحقّق فرضيّات الدّراسة، ويتأكّد أنّ هذا الدّيوان ليس مجرّد كتابة في الحبّ، بل هو كتابة في قلق الوجود الإنسانيّ عبر قناع العاطفة.
4- الاستنتاجات العامّة
في ختام هذه المقاربة النّقديّة لديوان 'يأتيك قلبي لاجئا' للشّاعرة سنية مدّوري، يتبيّن أنّنا إزاء تجربة شعريّة ثريّة ومركّبة، تتجاوز التّعبير العاطفيّ المباشر لتغدو فضاء دلاليّا مفتوحا على أسئلة الوجود والكينونة. وقد سعت هذه الدّراسة، في جزئيها، إلى استنطاق الخطاب الشّعري عبر مقاربة تكامليّة تستثمر أدوات التّحليل النّفسيّ والبنيويّ والسّيميائيّ في محاولة للإحاطة بجماليات النّصّ وعمقه.
وقد أفضى تحليل العتبات النّصّية إلى أنّ العنوان لا ينهض بوظيفة التّسمية فحسب، بل يشكّل مدخلا تأويليّا مركزيّا يكثّف رؤية الدّيوان إذ يحيل 'اللّجوء' إلى حالة اغتراب وجوديّ، يجد فيها القلب، بوصفه رمزا، ملاذه في اللّغة الشّعريّة. ومن ثمّ، يغدو الشّعر بديلا رمزيّا عن واقع يفتقد التّوازن، ومساحة لإعادة تشكيل الذّات في علاقتها بالعالم.
كما أكّد تحليل القصائد أنّ التّجربة الشّعريّة لدى سنية مدّوري تقوم على بنية مزدوجة، يتجاور فيها الحسّيّ والإشراقيّ، الظّاهر والباطن، بحيث يتجلّى الحبّ في مستويين: مستوى مباشر يستند إلى المعجم الوجدانيّ، ومستوى عميق يستمدّ رمزيّته من الإرث الصّوفيّ واستثمار معجمه. وقد أفضى هذا التّداخل إلى إنتاج لغة شعريّة مشحونة بالانزياح والدّلالات المفتوحة، تتوسّل بالثّنائيّات الضّديّة (الحضور/ الغياب، اللذّة / الألم، القرب / البعد) لبناء رؤية جدليّة للحبّ باعتباره توتّرا دائما بين الامتلاء والفقد.
ومن منظور التّحليل النّفسيّ، تبيّن أنّ الخطاب الشّعري يمثّل آليّة تصعيديّة بامتياز، حيث تتحوّل الرّغبات المكبوتة إلى طاقة إبداعيّة تتجلّى في الصّور والاستعارات. وهنا يتقاطع البعد النّفسيّ مع البعد الجماليّ، ليؤكّد أنّ الشّعر ليس فقط تعبيرا عن التّجربة، بل هو أيضا وسيلة لإعادة تنظيمها وتجاوزها.
أمّا على المستوى البنيويّ، فقد كشفت القراءة عن حضور لافت لجدليّة الخفاء والتّجلّي، حيث لا يُفصح النّصّ عن دلالاته دفعة واحدة، بل يراوغ القارئ ويدفعه إلى المشاركة في إنتاج المعنى. وهو ما يمنح هذه التّجربة طابعها الحيويّ، ويجعلها قابلة لتعدّد القراءات.
ولم يقتصر الدّيوان على الحبّ في بعده الذّاتيّ، بل انفتح على أبعاد موضوعيّة، حيث تحوّل الحبّ إلى قيمة إنسانيّة شاملة تشمل الوطن، والشّهادة، والذّاكرة الجماعيّة، بما يضفي على التّجربة بعدا إنسانيّا وأخلاقيّا يتجاوز الفرديّ إلى الكونيّ.
إنّ ديوان 'يأتيك قلبي لاجئا' يقدّم في النّهاية، كتابة شعريّة تتأرجح بين الاحتراق والانبعاث، وبين الخفاء والتّجلّي حيث يصبح الحبّ سؤالا لا جوابا، وتجربة مفتوحة على الاحتمال، وفقدا لا حضورا. وبهذا المعنى، تنجح سنية مدّوري في تشييد عالم شعريّ خاصّ قوامه التّوتّر الخلّاق بين الواقع والحلم، وبين الألم والرّغبة في الخلاص.
وعليه يمكن القول إنّ هذه المقاربة، رغم سعيها إلى الإحاطة بمختلف أبعاد النّصّ، تظلّ مجرّد محاولة في أفق قراءة لا نهائيّة، يظلّ فيها النّصّ الشّعري قابلا لإعادة الاكتشاف في كلّ قراءة جديدة، بما يؤكّد ثراءه وعمقه وانفتاحه الدائم على التّأويل.
الخاتمة
أظهرت الدّراسة أنّ ديوان 'يأتيك قلبي لاجئا' يمثّل تجربة شعريّة عميقة يُبنى فيها الحبّ بوصفه لغز الحياة والسّؤال الأكثر حضورا. وأكّدت نتائجها صحّة الفرضيّات المطروحة، وأظهرت غنى النّصّ وقابليّته للتّأويل.
كما سعت الدّراسة إلى مقاربة النّصّ من زوايا مختلفة بالاعتماد على منهج تكامليّ متعدّد المستويات، وخاضت في تجلّيات الحبّ. وانتهت إلى أنّ تجربة سنية مدّوري الشّعريّة تجربة ذات بنية مركّبة تتقاطع فيها الأبعاد النّفسيّة والفلسفيّة والصّوفيّة والرّمزيّة.
الإحالات:
1- فرويد، سيغموند. (1982). الأنا والهو م. ع. نجاتي، مترجم؛ ط. (4). دار الشّروق.. القاهرة. مصر ص 66.
2- مؤلّف جماعيّ. (2021). معجم مصطلحات العلوم التّربويّة والنّفسيّة. مطبوعات مجمع اللّغة العربيّة بدمشق. سوريا. ص 647.
3- مدّوري، سنية. (2026) يأتيك قلبي لاجئا ( ط). دار الفردوس للنّشر والتّوزيع. تونس.
4- الرّبيعي، حنين ضياء عبد الوهاب. (2024، 12 جويلية). مركز التّفكير وجواب لسؤال (الحبّ في القلب أو العقل)). المرجع الإلكترونيّ للمعلوماتيّة. مسترجع من: https://ns1.almerja.com
5- رسلان، عامر. (2024، 10 مارس)). مفهوم الحبّ في الفلسفة والفكر الحديثين). منصّة معنى الثّقافيّة. مسترجع من: https://mana.net
6- مدّوري، سنية. (2026) يأتيك قلبي لاجئا ( ط. 1). دار الفردوس للنّشر والتّوزيع. تونس. ص 50.
7- أبو ديب، كمال. (1984) جدليّة الخفاء والتّجلّي: دراسات بنيويّة في الشّعر (ط. 3). دار العلم للملايين. بيروت. لبنان. ص 19.
8- مدّوري، سنية: شاعرة ومترجمة وروائيّة وناشرة تونسيّة.
9- أبو ديب، كمال. (1984) جدليّة الخفاء والتّجلّي: دراسات بنيويّة في الشّعر (ط. 3). دار العلم للملايين. بيروت. لبنان
10- مؤلّف جماعيّ. (2021). معجم مصطلحات العلوم التّربويّة والنّفسيّة. مطبوعات مجمع اللّغة العربيّة بدمشق. سوريا.
11- جدليّة الخفاء والتّجلّي، مصدر سابق. ص 66.
12- معجم المعاني. (بلا تاريخ). تعريف ومعنى لجأ في معجم المعاني الجامع. مسترجع من: https://www.almaany.com
13- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق. ص 21
14- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق. ص 67
15- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق. ص 79.
16- الدّاهي، محمّد. (بلا تاريخ). ملامح المشروع النّقديّ للباحث النّاقد محّمد مفتاح. موقع الدّكتور محمّد الدّاهي.
مسترجع من: https://www.mohameddahi.net
17- ابن الفارض، عمر. (بلا تاريخ). قصيدة شربنا على ذكر الحبيب مدامة.
موقع الدّيوان. مسترجع من: https://www.aldiwan.net
18- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق، ص 21.
19- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق، ص 49.
20- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق، ص 90
21- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق، ص 49.
22- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق، ص. 90
23- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق، ص 41.
24- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق، ص 79.
25- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق، ص 84
26 - يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق، ص 92
27- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق، ص 21
28- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق، ص 67.
29- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق، ص 79.
30- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق، ص 90.
31- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق، ص 50.
32- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق، ص 38.
33- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق، ص 21
34- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق، ص 21
35- يأتيك قلبي لاجئا، مصدر سابق، ص 92
قائمة المصادر والمراجع
أوّلا: المصادر الأدبيّة
- مدّوري، سنية. (2026). يأتيك قلبي لاجئا ( ط.1). دار الفردوس للنّشر والتّوزيع. تونس.
ثانيا: الكتب والمراجع المترجمة
- أبو ديب، كمال. (1984) جدليّة الخفاء والتّجلّي: دراسات بنيويّة في الشّعر (ط. 3). دار العلم للملايين. بيروت. لبنان.
- فرويد، سيغموند. (1982). الأنا والهو م. ع. نجاتي، مترجم، ط. (4). دار الشّروق. القاهرة. مصر.
ثالثا: المعاجم والمؤلّفات الجماعيّة
- مؤلّف جماعيّ. (2021). معجم مصطلحات العلوم التّربويّة والنّفسيّة. مطبوعات مجمع اللّغة العربيّة بدمشق. سوريا.
- معجم المعاني. (من دون تاريخ). تعريف ومعنى لجأ في معجم المعاني الجامع. مسترجع من: https://www.almaany.com
رابعا: المقالات والمراجع الإلكترونيّة
- ابن الفارض، عمر. (من دون تاريخ). قصيدة شربنا على ذكر الحبيب مدامة. موقع الدّيوان. مسترجع من: https://www.aldiwan.net
- الدّاهي، محمّد. (من دون تاريخ). ملامح المشروع النّقديّ للباحث النّاقد محّمد مفتاح. موقع الدّكتور محمّد الدّاهي. مسترجع من: https://www.mohameddahi.net
- الرّبيعي، حنين ضياء عبد الوهاب. (2024، 12 جويلية). مركز التّفكير وجواب لسؤال (الحبّ في القلب أو العقل). المرجع الإلكترونيّ للمعلوماتيّة. مسترجع من: https://ns1.almerja.com
- رسلان، عامر. (2024، 10 مارس).) مفهوم الحبّ في الفلسفة والفكر الحديثين). منصّة معنى الثّقافيّة. مسترجع من: https://mana.net