تنطوي تجربة الروائي المغربي محمد شكري (1935–2003) على مفارقاتٍ عديدة؛ فقد عاش بدايةً صعبة في كنف أبٍ قاسٍ قتل شقيقه أمامه، ما دفعه إلى الهروب من المنزل ليخوض تجربةً موحشة من التشرد والتسكع والعمل في ظروف قاسية. ولا حاجة بنا إلى التوسع في وصف هذه الظروف، فقد دوّن شكري تفاصيلها القاتمة في روايته ذائعة الصيت "الخبز الحافي"، الصادرة في نسختها العربية سنة 1982.
وتتمثل المفارقة الثانية في سيرة شكري في أن قراره بالتعلّم جاء ردّة فعل على وصفه بالجهل، فقرّر أن يتعلم ويطوي صفحة البؤس والأمية من حياته، مسجّلًا في "الشطار" (1992) تفاصيل رحلته في تعلّم القراءة والكتابة بعد أن تجاوز العشرين من عمره.
غير أن شكري، الذي اعتاد مواجهة الصعاب وتحدي العراقيل وخوض غمار كل جديد، لم يكتفِ بمجرد نزع رداء الأمية؛ إذ قرر أن يصبح كاتبًا له شأنه وسمعته. وقد جاء هذا القرار يوم رأى احتفاء روّاد أحد مقاهي طنجة بقاصٍّ مغربي يُدعى محمد الصبّاغ، فاشترى كتب هذا القاص (أربع كتب صغيرة الحجم) وقرأها في ليلة واحدة. وتحقق حلمه حين نشر أولى قصصه "العنف على الشاطئ" في مجلة الآداب البيروتية سنة 1966، ليُعدّ ذلك إنجازًا كبيرًا في مسيرته.
لستُ معنيًا في هذه السطور بالتجربة الروائية لمحمد شكري، بل ما يهمني هنا هو آراؤه النقدية التي دوّنها في كتابه "غواية الشحرور الأبيض"، الصادر في طبعته الأولى عن دار الجمل سنة 1998. ففي هذا الكتاب يمتشق شكري قلمه ليطرح آراءه النقدية ويؤسس لمفهومه للأدب.
وأول ملاحظة ينتبه إليها القارئ كثرة الإشارات والإحالات إلى النصوص الأدبية العربية والغربية؛ إذ كثيرًا ما يقارب شكري بين أعمال وليم فوكنر وشيكسبير وسومرست موم وستندال وكامو غربياً، وبين المنفلوطي ونجيب محفوظ ومحمد زفزاف وجرجي زيدان عربيًا. كما لا نعدم في الكتاب اقتباساتٍ لشخصيات فكرية وتاريخية مثل ماركس وبوذا. ولعل هذا الإسراف في الاقتباس والإشارة إلى هذا الحشد من الأعلام محاولةٌ لدفع تهمة عدم الأهلية النقدية بحكم تعلّمه المتأخر وعدم حيازته شهادةً جامعية. وقد ضمّ الكتاب خمس مقالات نقدية موسّعة، فضلًا عن مقدمة بقلم الكاتب السوري محيي الدين اللاذقاني.
في مقالته الأولى "البطل والخلاص" ينتقد شكري التعامل البدائي مع أبطال الأعمال القصصية، وإنقاذ الكتّاب لأبطالهم في اللحظات الحاسمة بمعجزات غيبية أو أحداث واقعية غير متوقعة، على طريقة أفلام جيمس بوند. ويبدي ميلًا إلى الأعمال الواقعية التي لا تنسف ميثاق واقعيتها بأحداث لا معقولة تربك المتلقي وتشككه في الترابط المنطقي للعمل. كما ينتقد الأعمال ذات النزوع الرومانسي الغارقة في وصف الطبيعة الحالمة، فيكتب ساخطًا: «إن الإنسان لم يجئ إلى هذا العالم ليتغنّى بالجمال المطلق ويكسب المحبة المجانية» (غواية الشحرور الأبيض، ص 6).
ويتوقف شكري عند رواية "اللص والكلاب" لنجيب محفوظ، منتقدًا طريقة تشكيل شخصية البطل سعيد مهران، الذي يصفه بأنه «بطل مهزوم حتى النخاع، رغم المحاولات التي يكابدها ليجعل من نفسه بطلًا» (ص 12–13). ولا تسلم لغة محفوظ من نقده؛ إذ يسخر من وصف بؤس المساكن على لسان إحدى الشخصيات التي تشبهها بالمساكن في عهد آدم، ليتساءل: وهل كان محفوظ يعرف المساكن في زمن آدم؟ كما يستهجن مفردتي سيدي ومولاي المتلازمتين، إذ يعدّهما من قبيل الترادف المذموم والحشو اللغوي. ويلاحظ هنا أن نقد شكري ذاتيٌّ بحت، لا يستند إلى أساسٍ منهجي، وهو – بشكل عام – يفضّل صورة البطل الواقعي المكافح على صورة البطل الخيالي أو المهزوم.
أما في مقالته الثانية "مفهومي للتجربة الأدبية" فينطلق من تقرير قاعدة مفادها أن الإبداع الحقيقي يتجاوز التجارب التسجيلية، لكنه يؤكد في الوقت نفسه على أهمية التجارب الشخصية للمبدع، التي يجب أن تتضافر مع الإبداع اللغوي والأسلوب المميز لضمان الخلود الفني، حتى لو فقدت تلك الأعمال أهميتها الاجتماعية والتاريخية، كما حدث لأعمال بروست وجيمس جويس وفرجينيا وولف.
ويتطرق شكري في هذه المقالة إلى قضايا متعددة، منتقدًا استسهال دور النشر قبول أعمال غير رصينة لأسباب مادية، ومعرّجًا على قضية الهوس بالكمال الذي يصيب بعض المبدعين ويدفعهم إلى حرق نتاجاتهم الأدبية غير المكتملة، كما فعل جبران حين أحرق بعض لوحاته، وغوغول حين أحرق الجزء الثاني من الأرواح الميتة.
أما مقالته الثالثة "الرفض وقبح العالم" فتتخذ منحىً فلسفيًا، إذ تبحث في أصل الشر في العالم، وتناقش أسئلة من قبيل: هل جُبل العالم على الشر؟ وهل الأشرار بلا ضمير؟ وكيف يتقبل الإنسان وجوده في الحياة؟ متخذًا من بعض الأعمال الأدبية ميدانًا إجرائيًا لدراسته، مثل "الشيطان والرحمن" لسارتر و"أقبية الفاتيكان" لأندريه جيد. ويصل في بحثه إلى نهاية وجودية ترى في الإنسان صانع معنى وجوده، وأن خلاصه مرتبط بهدفه في الوجود، وإن لم يصرّح بميله إلى هذه الفلسفة صراحة.
وفي مقالته الرابعة "محاكمة الأدب" يناقش الآراء الرافضة للأدب، التي ترى أنه لم يعد ذا أهمية، فيقدم شكري مرافعة إنشائية لدحض هذه الاتهامات، مستشهدًا بأقوال فلاسفة وعلماء من خارج الوسط الأدبي، مثل فرويد وشوبنهاور ونيتشه.
أما مقالته الخامسة والأخيرة "غواية الشعر وتسامحه" فيخصصها للحديث عن الشعر، الذي يعدّه أفضل صوت لفهم ذواتنا حين يهبنا تسامحه. ويطلق العنان لقلمه ليتحدث عن معايير الفن الشعري، وينثر تعريفاته ومفاهيمه للشعر في نصوص لا تخلو من جمال ودقة تعبير، كقوله: «الشعر الحقيقي نار دون رماد. هو البحث عن الشيء ثم تجاوزه» (ص 125). ولا شك أن هذا المفهوم للشعر يتقارب في بعض جوانبه مع قول البحتري قديمًا:
الشعرُ لمحٌ تكفي إشارتهُ وليس بالهذر طُوِّلت خُطَبُه
وفي المجمل، يمثل هذا الكتاب خلاصة آراء شكري في الأدب، ويكشف عن امتلاكه تصورًا نقديًا خاصًا لا يلتزم بمنهج أو مدرسة محددة؛ فهو نقد انطباعي تجريبي، وإن لم يخلُ من جوانب موضوعية، كما في إقراره بضعف قصته الأولى "العنف على الشاطئ" وسطحيّة شخصية البطل فيها. ويميط شكري اللثام عن قراءاته الواسعة في الأدب العالمي، التي تغطي مساحة زمانية ومكانية شاسعة، فضلًا عن قدرة تحليلية وتأويلية لا تخلو من عمق فكري.
أخيرًا، قد لا يجد القارئ في كتاب شكري "غواية الشحرور الأبيض" فتحًا نقديًا جديدًا أو آراء مبتكرة في الشعر والرواية، لكنه سيظفر – بلا شك – بدراسة نقدية موسعة تشهد تنقلات واسعة بين نماذج أدبية شرقية وغربية. وإذا ما أردنا تصنيف الكتاب، أمكن إضافته إلى جملة الكتب النقدية التي خطّتها أقلام روائية، كالمؤلفات التي كتبها كونديرا وأمبرتو إيكو غربياً، وجبرا إبراهيم جبرا وإدوار الخراط وغالب هلسا عربيًا.