تطهير الذاكرة التاريخية .. إنصاف (المستعصمية) على يد هشام أبو النجا في 2026: دراسة أدبية - د. فرغلي هارون

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

مقدمة:
هناك علاقة قوية بين التاريخ والرواية الأدبية، حتى قيل: إن التاريخ هو الرواية التي حصلت، والرواية هي التاريخ الذي كان يمكن أن يحصل. وهو ما أدى إلى ظهور جنس أدبي جديد أُطلق عليه اسم الرواية التاريخية، والتي تمثل مختبراً سردياً معقداً يُعاد فيه إنتاج الماضي وتأويله.
فإذا كان التاريخ يسعى إلى الحقيقة من خلال الوثائق والشواهد والدلائل، فإن الرواية تميل إلى إعادة تأويل الحدث التاريخي الإنساني بما يتجاوز حدود الزمان والمكان. وإلى تقديم صورة أعمق وأشمل لما حدث، أو ما كان يمكن أن يحدث، من خلال أدوات السرد الروائي، وقدرتها على إثارة الأسئلة التي غالبا ما يهملها الخطاب التاريخي التقليدي. فالرواية التاريخية لا تبسط التاريخ فقط، بل تمنحه معناه الإنساني، فهي لا تقف عند حدود المحاكاة الباردة للوقائع، بل تعيد بناء الوعي بالماضي من خلال ترميم التباساته الكبرى، لتجعل القارئ يرى في التاريخ مرآة للحاضر، لا مجرد سجل لما مضى.
ومن هنا، تأتي رواية (المستعصمية) للكاتب الدكتور هشام أبو النجا، الصادرة عن دار الفاروق للنشر بالقاهرة عام 2026، لتضع وعينا التاريخي بحقبة حكم المماليك لمصر، بصفة عامة، وفترة حكم الملكة شجر الدر، بصفة خاصة، موضع المساءلة، باعتباره في معظمه مستمد من السرديات الدرامية للسينما التي تحولت إلى مراجع بديلة لإنتاج الأحكام وإصدار المغالطات التاريخية، فهي بمثابة محاولة جادة لتفكيك السرديات البصرية المشوهة التي رسختها السينما في الوعي الجمعي حول هذه المرحلة التاريخية.
حيث يتوسل الكاتب بمنهج يمزج فيه بين الخيال الروائي الخصب والأحداث التاريخية الموثقة لدى كبار المؤرخين كالمقريزي في (السلوك)، وابن تغري بردي في (النجوم الزاهرة)، والعيني في (عقد الجمان)، ليقدم نصًا يقع في منطقة التقاطع بين الوثيقة والرؤية، بهدف تطهير الذاكرة التاريخية من الشوائب والمغالطات، وتقديم بعض الإنصاف الإنساني والأدبي لملكة ظلمتها الدراما (فيلم واإسلاماه نموذجاً).

 

أولاً: محور النص:
تدور أحداث الرواية في فترة زمنية من أصعب وأحلك فترات تاريخ العالم الإسلامي، الذي تهدده الحملات الصليبية من الغرب والهجمات المغولية من الشرق، حول شخصية (شجر الدر) أو شجرة الدر كما يعرفها الخيال الشعبي، تلك المرأة التي تُعد إحدى أهم الشخصيات النسائية وأبرزها في تاريخ السياسة الإسلامية.
فيتتبع رحلة تلك الفتاة الجميلة الذكية المثقفة عذبة الصوت (أطلق عليها اسم جوزال) من عبدة مملوكة تباع في الأسواق، إلى جارية في قصر الملك الكامل ناصر الدين بالقاهرة، ثم في قصر ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب، لتصبح المحظية لديه والمقربة إلى قلبه، وبعد مواقفها الشجاعة والحكيمة والوفية معه في محنته، يحررها ويتزوجها، ويجعلها ملكة على فلبه وعرشه، ويطلق عليها اسم شجر الدر، وينيبها عنه في اتخاذ القرارات وتدبير الحكم في غيابه، وتتجلى عظمتها وبطولتها وحكمتها بعد موت زوجها في حسن إدارتها للأزمة، وإنقاذ البلاد من الفوضى في مواجهة الحملة الصليبية السابعة، ودعمها للجيش حتى تحقيق النصر، لتجد نفسها بمبايعة المماليك سلطانة على مصر، لتصبح أول امرأة في التاريخ الإسلامي تتولى السلطة في مصر، وأول سلطانة للمماليك في حكم مصر والشام، وبها انتهت الدولة الأيوبية وبدأ حكم المماليك في مصر.
ولكنها تواجه بالرفض من الخلافة العباسية والأيوبيين، ومن الزعامة الدينية ممثلة في الشيخ العز بن عبد السلام الذي رفض فكرة تولي امرأة حكم البلاد، فتضطر إلى الزواج بوزيرها عز الدين أيبك ليكون ستاراً تحكم من ورائه، إلا أنه يتمرد على نفوذها، ويحاول تحجيمه بالزواج من ابنة حاكم الموصل بدر الدين لؤلؤ، فتشتعل الغيرة في قلبها، وتتآمر عليه وتقتله، ثم يتآمر عليها قواد أيبك ومماليكه، فيأسرونها ويسلمونها إلى زوجته الأولى (أم علي) لتنتقم منها وتقتلها بشكل بشع، لتنتهي بذلك حياة الجارية التي استطاعت حكم مصر في فترة من أصعب فترات تاريخها الإسلامي.

ثانياً: معمارية النص:
تنهض المعمارية السردية للرواية على ثلاثة خطوط/أجزاء رئيسة تتقاطع زمنياً وتتكامل درامياً:
الخط الأول (روح عين جالوت): ويركز على الصراعات السياسية الحادة بين أمراء المماليك (البحرية والمعزية) عقب مقتل فارس الدين أقطاي وعز الدين أيبك. يبرز في هذا الخط دور إيشان التركماني (الشخصية التي ابتكرها المؤلف) كصوت للحكمة، ومحاولاته لتوحيد الصفوف لمواجهة الخطر المغولي الزاحف نحو الشام ومصر. وينتهي هذا الخط بانتصار عين جالوت، واستشهاد إيشان، واغتيال السلطان محمود (قطز)، وصعود الظاهر بيبرس للسلطة.
الخط الثاني (روح المنصورة): يعتمد على تقنية الاسترجاع (الفلاش باك) عبر حوار بين السلطان بيبرس والأمير باريش (الشخصية الثانية التي ابتكرها المؤلف ليكون الراوي للأحداث). يسرد هذا الخط رحلة الأبطال (إيشان، باريش، أرسلان، وجوزال/ شجر الدر) من العبودية والبيع في أسواق النخاسة إلى دخولهم قصور الحكم. ويسلط الضوء على عبقرية شجر الدر في إخفاء خبر وفاة زوجها الصالح نجم الدين أيوب، وإدارتها لمعركة المنصورة ضد جيش لويس التاسع الصليبي ببراعة فائقة.
الخط الثالث (الانكسار وطعنة الكبرياء): يتناول لحظة صعود شجر الدر إلى العرش بعد مبايعة المماليك لها، وما تلا ذلك من أزمات شرعية مع المؤسسة الدينية (العز بن عبد السلام) والخلافة العباسية والأيوبيين. ويعرض الخط مأساة تنازلها الاضطراري عن العرش، وزواجها من أيبك، ثم قرارها بالتخلص منه انتقاماً لكبريائها الأنثوي والملكي المهدور، مما أدى في النهاية إلى مقتلها التراجيدي.

ثالثاً: البنية الأدبية والجمالية للنص:
على المستوى الجمالي، وظف الكاتب تقنيات سردية ولغوية منحت الرواية كثافة فنية عالية، يمكن ملاحظتها فيما يلي:
1. البنية السردية والزمن الدائري المزدوج:
تجاوز الكاتب السرد التاريخي الخطي المباشر عبر اعتماد بنية سردية دائرية متميزة، حيث جعل باريش راويًا مشاركًا في الأحداث ومستودعًا للذاكرة يسترجع الماضي في مجلس السلطان بيبرس. وينتقل السرد بسلاسة عبر تقنية الفلاش باك ليتحول إلى حركة دائرية تلتقي فيها نقطة النهاية بالبداية. ويتخذ الحوار بين باريش والسلطان بيبرس (المستمع والمرآة في الحاضر) إطارًا لاستحضار التاريخ وجعله حيًّا يتجدد في الوعي. هذا التوازي السردي بين طفولة الأبطال كعبيد مكبلين في الصحراء وصفوتهم كملوك وقادة يحكمون القلعة، يطرح تساؤلاً فلسفياً عميقاً حول الجبر والاختيار ومدى قدرة الإنسان على التحكم بمصيره وصياغته.
2. لغة التشكيل البصري وشعرية الأماكن:
تمتاز لغة الرواية برقة شاعرية وصبغة ملحمية تدعمها الصور البلاغية والرموز الروحية تضفي طابعاً أسطورياً على الأحداث. حيث برع الكاتب في أنسنة وتشخيص الطبيعة والجمادات (الليل ثقيل يتآمر، القمر كعين تسهر، السماء تلبس لون الغبار، الشمعة ترتجف شعورًا بالنداء). كما تحولت الأماكن في النص إلى بنيات دلالية ورموز اجتماعية وسياسية: فالحرملك يتجاوز كونه جناحًا للنساء ليصبح رمزًا للغموض الدفين، وللحواجز والقيود الطبقية والسياسية والعاطفية المفروضة على الأبطال. والصحراء هي فضاء التيه، والانتظار، والتحولات الكبرى، ومسار العبودية الأول. أما القاهرة فقد أبدع الكاتب في وصفها توبوغرافيًا واجتماعيًا؛ فهي ليست مجرد مدينة، بل هي المصير، والخلاص، والمواجهة الكبرى. وهي شخصية حية، (قاسية الملامح، نبيلة الروح، ولدت من الغربة، لكنها صارت وطناً للعالم)، مدينة تجمع بين (يد تبني وتمسك السيف، ويد تزرع الورد).
3. الأبعاد الرمزية للشخصيات:
لم تكن الشخصيات مجرد أيقونات تاريخية، بل نماذج إنسانية معقدة، حيث صاغ المؤلف أبطاله ليكونوا حاملي مبادئ وقيم دلالية متكاملة:
إيشان (الأمير العراب / شخصية من خيال المؤلف): يمثل الضمير الأخلاقي الحي الصارم، البطل الشجاع المخلص الذي يحمل في جوهره قيم الوفاء والعدل والترفع عن شهوة الانتصار الذاتي، فهو المقاتل الذي يبحث عن المعنى الروحي للجهاد بعيداً عن السلطة ويموت شامخاً في عين جالوت دفاعاً عن عقيدة الأمة.
باريش (الراوي / شخصية من خيال المؤلف): رفيق درب شجر الدر منذ الطفولة مع صديقه إيشان، والشاهد على جميع الأحداث والمشارك فيها، ومستودع الذاكرة.
شجر الدر (جوزال / المستمعصمية): الطيف المسيطر على السرد كله حتى قبل ظهورها الجسدي في الجزء الثالث. رسمها الكاتب كامرأة ناضجة تفيض بالمهابة والحضور الملوكي، تجمع بين مكر الجواري ووقار الملكات، وبين سحر الأنوثة وصرامة القيادة، وتجسد عبقرية الدهاء السياسي والوفاء العظيم لزوجها نجم الدين. موضحاً أن انكسارها الأخير جاء بمثابة طعنة كبرياء لإهانة تاجها، فقتلت أنثاها لتبقى سلطانة.
قطز (محمود بن ممدود): السلطان القوي الماكر، الذي يحيك المؤامرات في الخفاء للتخلص من خصومه، ولكنه يقع في شر أعماله فيقتله المماليك استباقاً لغدره بهم. وهو أكثر شخصية تحامل عليها المؤلف، ولم يعطها الفرصة حتى لتبرير أفعالها.
الظاهر بيبرس: القائد الاستراتيجي والدرع الواقي، المحارب الذي لا يهاب الموت، والسياسي الذكي الذي يستمع للماضي ليعيد صياغة حاضر ومستقبل السلطنة.

تقييم في شكل خاتمة:
نجح الكاتب الدكتور هشام أبو النجا ببراعة من خلال روايته في تفكيك السردية الاستهلاكية، والرد على التسطيح السينمائي وإعادة الاعتبار النفسي والسياسي لشخصيات تاريخية ظُلمت، مقدّماً إياهم كبشر يخطئون ويصيبون تتنازعهم طموحاتهم وعواطفهم.
كما نجح في المزاوجة بين التوثيق والتخييل، حيث استطاع سد الفجوات التاريخية (المناطق الصامتة في كتب التاريخ) بخيال درامي محكم، خاصة في تصويره للعلاقة الروحية والعاطفية بين شخصيات إيشان وجوزال (شجر الدر).
كذلك نجح في إضفاء عمقاً فلسفياً على الرواية، فهي ليست مجرد سجل لحروب وصراعات خارجية، بل هي استبطان للحروب الداخلية في النفس البشرية؛ صراع الكبرياء، والحب، والوفاء في بيئة لا تعترف إلا بالقوة.
إلا أنه يؤخذ على الكاتب المثالية المفرطة في بعض الشخصيات، حيث بالغ أحياناً في إضفاء طابع ملائكي مثالي على شخصية إيشان، مما أخرجه في بعض المشاهد من واقعية المحارب المملوكي القاسي إلى صورة الصوفي أو القديس المعصوم، وهو ما يتناقض مع طبيعة التنشئة العسكرية المملوكية.
كذلك يؤخذ على الرواية كثافة الحوارات الفكرية في مشاهد استرجاع الماضي، حيث يبدو الراوي باريش محملاً بوعي فكري وفلسفي يفوق طبيعة شخصيته كجندي مقاتل، مما يجعل بعض الحوارات تبدو وكأنها صوت المؤلف نفسه (تدخل أيديولوجي) وليست نابعة من التطور الطبيعي للشخصية.
وأخيراً، فإن رواية (المستعصمية ) تُعد إضافة نوعية للمكتبة السردية العربية، وعملاً يُقرأ بوصفه إنتاجاً أدبياً يعيد صياغة الوعي الجمعي. لقد برهن الدكتور هشام أبو النجا من خلال هذا العمل أن التاريخ عندما يُقرأ بعين الأديب، يتحول من رماد الماضي إلى شعلة تُضيء عتمة الحاضر، وتطرح أسئلة مصيرية حول بناء الدول، ومخاطر التشظي الداخلي، وثمن السلطة المروّع.