مقدّمة
تزخر المكتبة العربيّة بالكثير من الروايات عن فلسطين كقضيّة أرض وإنسان وهويّة أصيلة تناولت معظمُها الاحتلال والتهجير ومعاناة الفلسطينيّين. وفي الحديث عن فلسطين في الرواية العربيّة نتناول في هذه الدراسة رواية "شرق النخيل" للأديب بهاء طاهر التي يدور جزء من أحداثها في زمن النكبة العام 1948 وزمن النكسة عام 1967، وإضافة لحكاية النضال الفلسطينيّ وكيف يعمل الاحتلال الإسرائيليّ على سلب الفلسطينيّين حقَّهم بالعيش بكرامة في أرضهم التي لا أرض لهم سواها. وقد تميّزت الروايات العربيّة، ومنها رواية شرق النخيل، بنقل الحكاية الفلسطينيّة بلغة نثريّة وأسلوب فنيّ سلّط الضوء على صدمة النكسة وتأثيرها على الواقع العربيّ وفلسطين، من خلال الحديث عن الحب والسياسة في حياة طلاب الجامعة، وتفاصيل العلاقات الأسريّة حيث فلسطين في الرواية العربيّة هي جزء من تكوين الوجدان الشعبيّ بعيداً عن الأدب الخطابيّ عبر الحكاية والسرد الذي يخترق العقل والعاطفة. وبعد هزيمة عام 1967 استطاعت الرواية العربيّة ترك بصمة مميّزة في تناول سيرة فلسطين ومسيرتها بخاصة في مصر التي هي الأسبق في الحياة الأدبيّة، حيث لم تغب فلسطين عن الحضور في وجدان العرب والمصريّين بالكثير من الروايات، ومنها رواية شرق النخيل التي تناولت ما تعرّضت له قضيّة فلسطين من أكاذيب وإحباط وخيبات أمل، ولكنّها بقيت حاضرة كقضيّة أرض وانتماء وإنسان في الرواية العربيّة التي هي رواية الفلسطينيّين منذ ما قبل النكبة وما بعد النكبة بأقلام المبدعين العرب.الفصل الأول:
حكاية الأرض
تركت نكبة فلسطين واقتلاع الفلسطينيّين من أرضهم ومن ثم النكسة، بصمات مؤثّرة في الرواية العربيّة التي تحدّثت عن كفاح الشعب الفلسطينيّ من أجل الأرض والحريّة والاستقلال في ظل الأطماع الإسرائيليّة بالأرض التي هي محور الصراع، وقد عكست رواية شرق النخيل مرارة الهزيمة، كما أكّدت الإحساس العميق بالقضيّة العربيّة الأولى المتمثلة بضياع أرض فلسطين، ولم يمارس بهاء طاهر الوصف في رواية شرق النخيل بل لجأ إلى الرمز لمنح الرواية سمة الإجلال دون مباشرة أو عظة.
وفلسطين وحكاية الأرض في رواية شرق النخيل ظهرت من خلال تناول الدعاية الصهيونيّة التي اتهمت الفلسطينيّين ببيع أرضهم، وبسبب هذه الدعاية لا يحقّ لهم أن يطالبوا باستعادتها. وهذه الدعاية انتشرت وملأت الأرجاء بين الكثير من العرب، وساعد الإسرائيليّون في نشرها وأصبحت تُتناقل بصفتها اتهاماً يوجّه إلى الفلسطينيّين، رغم الكثير من الحقائق والدراسات التي تنفي حصول ذلك في نطاق ما يُسمّى بالتفريط بالأرض وبيعها والتخلّي عنها. ورغم أن رواية شرق النخيل "تدرس جانباً اجتماعياً مهماً، وهو علاقة الطلبة الجامعيّين بعضهم ببعض، وانعكاس نبض الشارع الجامعيّ إزاء القضايا العامة، وتشكيل مزاجهم العام بعد هزيمة حزيران، القائم على القلق والحماسة وفقدان التوازن وانعدام التقدم"(1)، لكنّها في سرد دعاية بيع الفلسطينيّين أرضهم، تظهر حين يقول سمير في رواية شرق النخيل "كنتُ أقول هذا الكلام لعصام وأنا أمزح معه، أقول له أنتم بعتم أرضكم لليهود فلا داعي للتظاهر بالحزن ولا لعبارات "الوطن السليب" و"عائدون" و"أجراس العودة" وما أشبه، ولكن لا تهتمّ يا عصام فنحن سنحرّر لكم الوطن السليب ونعيدكم إليه رغم أنوفكم، سنحرمكم من الثروات الفاحشة التي تجمعونها وأنتم تتظاهرون بأنكم لاجئون مساكين"(2). وجاء هذا الكلام في سياق الرمز والدلالة ومحاولة الإضاءة على الظروف المحيطة بخسارة الأرض عبر شخصيّات الرواية التي تلتقي وتتصارع بخط بارز يؤرّخ للوعي وسط التداخل بين الزمان والمكان، واللحظات المختلفة بسرد نثريّ بعيد عن نشرات الأخبار والخطب ووصف الأحداث التي تؤكّد بأن الفلسطينيّين يتمسّكون بأرضهم ولا يتنازلون عنها ونصفهم لم يخرج منها حين وقوع النكبة، ونصفهم في الشتات يكافح من أجل العودة إلى الأرض وزراعتها وإنتاج المحاصيل نفسها التي كان يزرعها الأجداد من زيتون وفواكه وقمح وشعير وخضار، بخاصة في الريف الفلسطينيّ الأكثر حفاظاً على الأرض والهويّة بحماسة وجدّيّة مطلقة.
وفي ردّ على كلام المزاح يقول عصام "بصوت مرتفع وهو يشوّح بيديه كأنه يعلّم درساً لطفل. قال لي أنا من قرية اسمها حلحول في فلسطين يا سمير. كان الإنجليز يحتلّون فلسطين ووعدوا اليهود بها يا سمير. بدأوا يهجّرون اليهود لفلسطين ويعطونهم الأرض والسلاح. فثار الناس وحملوا السلاح ليدافعوا عن أرضهم يا سمير"(3).
ثم يستيقظ عصام وكأنه يردّ على الدعاية الصهيونيّة ويؤكد تمسّك الفلسطينيّين بأرضهم من خلال الشرح حول أول ثورة في فلسطين وقريته حلحول، وما فيها من رجال وبنادق ودفاعهم عن الأرض، وما فعله الإنجليز بأهل القرية لتسليم سلاحهم ومن بينهم جدّ عصام، وكيف دعا والده الناس للدفاع عن الأرض، وكيف حمل البندقيّة وقاوم، ثم يسخر عصام لاحقاً من أكذوبة بيع الفلسطينيّين لأرضهم بقوله: "باع أبي أرض فلسطين وفي إشارة بارزة إلى أن الفلسطينيّين يتوارثون عشق الأرض والتضحية من أجلها، تنقطع أخبار عصام ليتفاجأ سمير بصورته معلّقة وتحتها عبارة الشهيد الفلسطينيّ أبو كذا وبين قوسين عصام الفلاني الطالب في هندسة القاهرة، وبهذه العبارة يعود إلى جدّه، كما عاد حسين في رواية شرق النخيل الذي ظل يدافع عن أرضه حتى الموت على يد أولاد الحاج صادق الذين أطلقوا الرصاص على الأب وابنه الذي وقف أمامه ليحميه. فانطلق الرصاص وانكفأ الإبن يحضن الأب والأب يحضن الإبن والدم يجري مع الدم، ورجع دم الإبن إلى أبيه، ورجعا معاً لتراب الأرض متوضئين مُصلّيين طاهرَين"(4).
والتضحية هنا في سبيل الأرض التي ترخص من أجلها الدماء يُظهر نموذج التضحية والفداء "يمثّل هذا النموذج عصام الفلسطينيّ (صديق سمير)، حيث ضحّى بنفسه فداء لوطنه، وقد سبقه في التضحية والده وجدّه، حيث قدّم كل منهم روحه فداء للوطن. يندرج (العم) تحت هذا النمط، فقد ضحّى بنفسه من أجل أرضه وعدم الاستسلام، ويندرج تحته أيضاً حسين الذي ضحّى بنفسه مع أبيه للدفاع عن أرضهم"(5).
وحضرت فلسطين الأرض في الرواية كمعادل للشرف، حيث تفتخر فتاة الليل (سوزي) إحدى شخصيّات الرواية باتهامها بالانتماء إلى قضيّة فلسطين التي طالتها تداعيات النكسة وأثّرت في حياة شريحة الشباب في المجتمع العربيّ، بخاصة على صعيد المفاهيم والمنطلقات، لتقول (سوزي) بعد كل ما سمعته من سمير "يكلّمني أنا الجاهلة عن السياسة واليهود وفلسطين وأحياناً يبكي، سمير. سمير الذي لم يكن يعرف غير الضحك والفرح، بضع ساعات يبكي، وأنا خائفة عليه"(6).
وافتخرت سوزي عندما عرفت أنها متّهمة بحب الأرض، وكانت هذه هي المرة الأولى التي تسمع فيها من الضابط كلمة (من إياهم) أي أن مظهرها ووجودها في منطقة المظاهرات بالقرب من الطلاب والمناضلين قد يوحيان أنّها تنتمي إلى القضيّة لا إلى فتيات الليل، كما اعتادت أن توجّه إليها الاتهامات بالتعبير ذاته (من إياهم).
وتظهر مسألة التعلق بالأرض في حوار الشخصيّات عن الأرض التي هي المحور الأساس، رغم وجع النكبة وضجيج النكسة، والكثير من الهزائم الصغرى التي لم تمنع الفلسطينيّين من الاستمرار بالنضال دفاعاً عن أرضهم، بخاصة بعد أن استعاد العرب روحهم المعنويّة بعد حرب أكتوبر عام 1973.
أظهرت الرواية قضيّة الأرض عبر اللغة كوعاء إنسانيّ بالحديث عن فلسطين بوصفها أرضاً وشعباً وفكرة سياسيّة واجتماعيّة تسكن قرب هموم الإنسان العربيّ واللحظات اليوميّة والزمن الذي نعرفه، ولكننا لا نلمسه ولا نراه. بل نتحدّث عنه وعن تأثيره في الإنسان والمكان الذي هو أرض وهويّة وانتماء يتجاوز حدود الجغرافيا إلى مدى أوسع حضرت فيه فلسطين في الرواية العربيّة بالكثير من المشاعر والانفعالات.
حكاية الانتماء
لقد تميّزت الرواية العربيّة بجاذبيّة اللغة والواقعيّة الشديدة حول فلسطين، من منطلق تقديم الأسئلة والأجوبة على ألسنة شخصيّات الرواية وترك مسألة فهم المبنى والمعنى للقارئ عبر الحوار بين الشخصيّات والدلالات الرمزيّة في وصف الأحداث وسردها بدون قصد إرشاديّ أو توجيهيّ في بناء متناغم كثيراً ما يستخدم ضمير الغائب، بحيث يكون الراوي هو نفسه البطل والموضوع الذي يمتلك بُعداً ثقافيّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً تجاه فلسطين وفق معايير الأصالة والانتماء.
اهتمّت الرواية العربيّة عن فلسطين بمسألة الأرض والانتماء بعد نكسة عام 1967 ولم يتراجع حضور فلسطين في الرواية العربيّة بل أخذ بُعداً فنيّاً وجدانيّاً حول الماضي المرتبط بالنكبة والنكسة والحاضر والمستقبل الذي يتطلّع الناس إلى ربطه بنتائج حرب أكتوبر عام 1973 التي جعلت القضيّة الفلسطينيّة جزءاً من يوميّات الناس وأحاديثهم عن التحرير والحريّة والنضال والعدالة ورفض الظلم والاحتلال.
وفي رواية شرق النخيل المكتوبة بسردٍ فنيٍّ بوصلته تأكيد الانتماء لفلسطين، سمح المؤلف لشخصيّات الرواية بالتعبير عن عواطفها وآرائها، وفق الظروف والأحداث المحيطة بهم، وهذا ما يمكن أن نسمّيه بالواقعيّة "فالإنسان منذ بدء يعبّر عن وجدانه، إنما كان يتناول واقعه وواقع مَن حوله من الناس والأشياء"(7). وفي الواقعيّة كمذهب أدبيّ أُنتجت روايات عربيّة عديدة ترتبط بالقضية الفلسطينيّة باعتبارها قضيّة أرض وانتماء باستعارات مختلفة ولغة نثريّة جميلة حيث "نبع الشعر يتدفّق بهدوء صامت في أسلوب لا يستمدّ عذوبته من فصاحة الكلمات ولا من صليل الإيقاع اللغويّ الجهير، إنّما من موسيقى الحياة الحاليّة الأليفة وهي تغمرك بضباب حلوٍ من تفصيلات حيّة تتفتح عنها ذاكرتك وتمتزج بها وأنت تقرأ فتحقق بينك وبينه درجة عالية من التماهي يساعد عليه ضميرُ المتكلّم عندما يعبّر عنك وهو يصف موقفه وشخوصه بصدق بالغ(8).
لقد طغى الأسلوب الدراميّ على الرواية العربيّة عن فلسطين، وفي هذا الأسلوب "يسيطر فيه الإيقاع بمستوياته المتعدّدة من زمانيّ ومكانيّ، ثم يعقبه في الأهميّة المنظور وتأتي بعده المادة المقدَّمة"(9). وفي رواية شرق النخيل يأخذ معنى الانتماء لفلسطين طابعاً شخصيّاً مباشراً بلغة جميلة ورشيقة، واللغة في الرواية حملت كما يجب أن تحمل "رسالة بالمعنى الحقيقيّ، وبالتأكيد ليس بمعنى مجرد إيصال المعلومات، إذ أن من وظائف اللغة الاهتمام بالعلاقات الاجتماعيّة"(10). وفلسطين في الرواية العربيّة ارتبطت بيوميّات الناس كقضيّة أولى، بخاصة الحياة الثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة في مصر. ومصر هنا "ليست فقط أكبر الدول العربيّة من الناحية السكانيّة وأكثرها تجانساً من الناحية الإثنيّة وأشدّها إشعاعاً من الناحية الثقافيّة والحضاريّة، بل هي أيضاً دولة نهريّة تتسم السلطة فيها بمركزيّة شديدة، وشعبها يتحلّى بنوع غريب من الصبر والتحمّل، ولديه قدرة كبيرة على التكيّف وعلى التعبير عن الغضب والثورة العارمة أحياناً. ومصر فوق ذلك كلّه دولة جوار فلسطين ودولة مواجهة لـ"إسرائيل"، وهي من ثمّ أكثر الأطراف تأثيراً في مسار الصراع العربيّ الإسرائيليّ وفي مصير القضيّة"(11).
انطلاقاً من الانتماء والإبداع الثقافيّ لم تستطع الأكاذيب والدعايات الصهيونيّة التأثير على موقع فلسطين ومكانتها في الرواية العربيّة التي استطاعت أن تقدّم الفائدة والمتعة والتسلية والمعرفة والتعبير عن وجدان الشعوب التي ترفض أكذوبة أن الفلسطينيّ باع أرضه، وأكثر مَن ساهم في سقوط هذه الأكذوبة هم القرّاء وانحياز الناس البسطاء لفلسطين التي هي بالنسبة لهم قضيّة حق وأرض وهويّة وانتماء. واستطاعت الرواية العربيّة بسرديّات وأساليب فنيّة مختلفة، تعزيز المعرفة والوعي بواقعيّة رأت أن الرواية العربيّة ليست سوى مجموعة من التفاصيل والجزئيّات.. وهي التي تهب التجربة الفنيّة اليقين والقدرة على البثّ والتأثير والإقناع. من هنا كان حضور فلسطين في رواية شرق النخيل بهدف ترسيخ الوعي والانتماء وليس التوثيق التقليديّ للأحداث، وهذا ما خرجت عنه رواية شرق النخيل بالكثير من الرومانسيّة مع بعض الميل إلى الواقعيّة التسجيليّة، أو الواقعيّة كمرآة عاكسة تسلّط الضوء على الواقع الاجتماعيّ والسياسيّ العام بحس تاريخيّ وأدبيّ تحدّث به بهاء طاهر حول الأسرة الريفيّة التي تتميّز بالتصاقها بالأرض التي تعيش فيها وهذا ما ينطبق على المجتمع الفلسطينيّ الذي ينتمي إلى أرضه أكثر من أي شيء آخر.
والانتماء لفلسطين في الرواية العربيّة ذو بعد وطنيّ وقوميّ وإنسانيّ ففيها تأكيد وحدة اللغة والثقافة والتاريخ المشترك بحيث تخاطِبُ جماهير متعدّدة "حيث يرى بعض الباحثين أن نتحدّث عن الجماهير لأن مكوّنات الجمهور تختلف اختلافات جسيمة من وجهة النظر الاجتماعيّة وعبر الزمن"(12). ومن منطلق الانتماء المشترك للأدباء والجماهير حملت الرواية العربيّة سرديّة فلسطين المضادّة للمقولة الإسرائيليّة التي تدّعي بأن فلسطين هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
الفصل الثاني
النكبة والنكسة في الرواية العربيّة
1- النكبة
استجابت النصوص الروائيّة العربيّة أكثر من غيرها من الأجناس الأدبيّة إلى ما حصل في النكبة عام 1948، وأغلبها كُتب بلغة مباشرة وخطابيّة توثّق المأساة، واتسم بعضها بطابع التقليد للرواية الغربيّة القائم على الفانتازيا هرباً من الحياة الماديّة، وتشكيل عالم من الخيال غير محدّد بزمان أو مكان.
وفي رواية شرق النخيل استخدم الكاتب اللغة وأسلوب السرد النثريّ والسينمائيّ اللذين وظّفهما باقتدار ووعي وثقافة إنسانيّة واسعة. وهذا يُعتبر عنصراً وأسلوباً مهماً "يقوم على حسن التأليف وصياغة الجمل بطريقة ممتعة. فالأسلوب هو الوسيلة الفنيّة التي يستعملها الأديب لنقل ما في نفسه من أفكار وخيال وعواطف إلى نفوس القرّاء. ولكي يكون العنصر الفنيّ جيداً يجب أن يتميّز بالوضوح (قصد الإفهام). وبالجمال (قصد الإقناع) وبالقوة (قصد التأثير) مع مراعاة أساليب الفصاحة والبلاغة"(13).
وهذا ما تميّز به أسلوب السرد في رواية شرق النخيل، مع ربط فلسطين بالهموم والإشكاليّات المحليّة، بحيث دخل الصراع العائليّ في الصعيد كمعادل للحكاية والحالة الفلسطينيّة والدفاع عنها بنص واقعيّ، يبدأ من زمن الانتداب الإنجليزيّ والنكبة والنكسة دون الخوض بالمواقف الأيديولوجية، كما فعل الكثير من الأعمال الروائيّة العربيّة التي تناولت المأساة الفلسطينيّة وما نتج عنها وما تركته من أثر كبير في الرواية العربيّة التي كان همّها الأول تأكيد أن الفلسطينيّين هم أصحاب الأرض وأن النكبة والتهجير لا يغيّران هذه الحقيقة الثابتة. وزاد اهتمام الرواية العربيّة أكثر بالقضيّة الفلسطينيّة بعد نكسة عام 1967 وصولاً إلى التحوّل النوعيّ الذي حصل بعد حرب أكتوبر عام 1973، حيث أصبحت فلسطين أكثر قوة وحضوراً في الرواية العربيّة ومنها رواية شرق النخيل التي عبّر فيها بهاء طاهر عن هذا التحوّل، بالحديث عن فلسطين إنسانيّاً ووجدانيّاً دون أن يضع ذلك هو أو النقاد تحت مسمّى أدب المقاومة أو أدب القضيّة والثورة أو أدب الهزيمة والنكسة وغيرها من المُسمّيات. ولم يأخذ الصراع في رواية شرق النخيل سوى البعد الإنسانيّ والاجتماعيّ والسياسيّ بشكل فنيّ يساعد القارئ على اتخاذ موقف نبيل ينحاز فيه إلى قيم الحق والعدالة والضمير.
2- النكسة
نكسة العام 1967 تركت تأثيراً كبيراً بالإحباط الذي حفر عميقاً في الوجدان العربيّ، كما أثّرت النكبة في الرواية العربيّة، وهي في الوقت نفسه شكلت دعوة لتجاوز اليأس والإحباط بالأمل على صعيد الثقافة والأدب والإبداع الذي يساعد على فهم التحدّيات والتطلّع نحو الحريّة والتحرّر والاستقلال، رغم ما تركته النكسة من آثار سلبيّة على هذه التطلّعات. مع ملاحظة اهتمام الرواية العربيّة المرتبطة بنكسة حزيران 1967 بالهموم الوطنيّة والقوميّة وتحرير فلسطين، وذلك بسبب تداعيات وتجلّيات فقدان الأرض والحرمان وتطويق فلسطين في الرواية العربيّة بالرومانسيّة المرتبطة بفكرة التحرير والتثوير واسترداد الأرض، مع ظهور ما يمكن أن نسمّيه ببذور اليقظة في الرواية العربيّة بحيث أصبحت تعكس ضمير الروائيّ العربيّ بلغة تعبّر عن آلامه وآماله، رغم أجواء الهزيمة والانكسار. كما تمّ التركيزُ على الجانب الفنيّ. وظهرت "التجربة الفرديّة والتفاصيل الدقيقة للحياة اليوميّة، كما ظهرت الرواية – التشيئيّة والرواية ذات الانعكاس الذاتيّ – الميتافكشن"(14).
وهكذا حضرت في رواية شرق النخيل التجارب الفرديّة وتفاصيل الحياة اليوميّة والمشاكل والظروف المحيطة بشخصيّات الرواية وأنماط سلوكها الفرديّة والمجتمعيّة، دون افتعال قصص البطولة والمبالغة في الأحداث والسرد. وهكذا هي "سمات وملامح الرواية التشيئيّة للبطل المهزوم أو ما يُعرف بالبطل الضدّ أو البطل السلبيّ. وهذا البطل ما هو إلا انعكاس للشرخ والصدع الذي مسّ المجتمع والواقع العربيّ ككل"(15).
وتميّز حضور فلسطين في الرواية العربيّة في زمن صعود شخصيّة الفدائيّ البطل في نهاية ستينيّات القرن الماضي، ولكن حضور هذا البطل كان من خلال الأسئلة في الرواية مثل "سين: لماذا اهتزّ الضمير العالميّ بهذا العنف لمصرع الرياضيّين الإسرائيليّين في ميونخ وصبّ لعناته على الفدائيّين الفلسطينيّين الذين نفّذوا عمليّتهم مع أنّهم ماتوا؟ وأين كان هذا الضمير وهذا العنف عندما أغار الطيّارون الإسرائيليّون الشبّان، بروح رياضيّة، على الأطفال المصريّين في مدرسة بحر البقر وقتلوا منهم العشرات؟ ولماذا كان هذا الضمير نائماً عندما هاجم الإسرائيليّون الرياضيّون قرية دير ياسين وبقروا بطون الحوامل وقتلوا الأجنّة في الأرحام مع الشيوخ والنساء؟"، ثم وبشكل مباشر تجيب الرواية بعبارة "جيم: الضمير العالميّ يتحرّك حسب الطلب، والطلب دائماً في صحف الغرب الصهيونيّ. ولن يشفى هذا المريض العالميّ ويتحرّك لصالحنا إلا إذا أطلقنا كل مدافعنا وحرّرنا كل أرضنا"(16).
وفي خضم هذه الأسئلة والأحداث يتلقّى البطل في الرواية العربيّة ما يمكن أن نسمّيه دفعة للوراء، و"سرعان ما تلقّى هذا البطل الضربة القاضية على يد أصحاب الرواية الجديدة في منتصف القرن العشرين، فأصبح بطلاً من نوع جديد، ليس فيه من البطولة سوى اسمها، بحيث فقد ما كان يُميّزه سابقاً على المستويات النفسيّة والاجتماعيّة والإيديولوجيّة. وهذا نتيجة التحوّلات والتغيّرات التي لحقت الإشكالات المطروحة على المجتمعات العربيّة، كغياب دولة الحق والقانون والعدالة الاجتماعيّة، واستفحال القمع والحكم الفرديّ، بالإضافة إلى الآثار المهولة للهزيمة الكبرى التي مُني بها العرب سنة 1967"(17).
لقد حدث متغيّر في صورة البطل ما بعد نكسة عام 1967 في الرواية العربيّة على صعيد الفعل والتأثير في الزمان والمكان، ويمكن اعتبار رواية شرق النخيل نموذجاً لذلك بعد أن "مزج فيها صاحبها حكايتين معاً ضمن حبكة مركّبة، بحيث تدور أحداثها بين الصعيد والقاهرة، ففي الصعيد تتحدّث عن قطعة أرض رمليّة تمّ استصلاحها من قبل الراوي لتصبح حديقة كبيرة وجنّة غنّاء، فيقع عليها نزاع عنيف بين العم وأبناء الحاج صادق، أفضى إلى جريمة قتل شنعاء في حق عمّ الراوي وابنه حسين. وفي القاهرة يتمّ تسليط الضوء على الواقع السياسيّ والاجتماعيّ ونقل المجريات والتداعيات ما بعد النكسة من مظاهرات واعتصامات، فاستطاع بهاء طاهر أن يمزج بين حكاية الأرض في الصعيد وحكاية الوطن والسلطة في القاهرة"(18). وهذا ما حاولت الدراسة الإشارة إليه بالربط بين مسألة الأرض والانتماء على الصعيد الاجتماعيّ والسياسيّ، رغم تعدّد الأماكن والحكايات والاهتمامات. والشخصيّات التي اكتسبت أهميّتها من أهميّة القضيّة والفكرة، "فالشخصيّة الروائيّة لا تصبح مهمّة ونموذجيّة إلا إذا عاشت أشدّ قضايا العصر تجريداً وكأنّها قضاياها"(19). وحصلت فلسطين على مكانة عالية في الرواية العربيّة كقضيّة محوريّة ورسالة وحلم يرفض اليأس والاستسلام، وساهمت الرواية العربيّة ومنها رواية شرق النخيل برفع مستوى الاهتمام بقضيّة فلسطين ومأساتها المتمثلة بضياع الأرض وما حملته تلك المأساة من وقائع عن زمن النكبة وزمن النكسة الذي خدش الحلم دون أن يكسره.
خاتمة
إن فلسطين في الرواية العربيّة هي تعبير مكثّف عن مكنونات الثفاقة العربيّة والوجدان الشعبيّ العام، إضافة للموقف والرؤية الفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة تجاه قضيّة فلسطين التي هي مؤثر داخليّ وليس مؤثراً خارجيّاً في الرواية العربيّة، وفي داخلها تحضر حكاية فلسطين كمحور أساسيّ في الحياة الثقافيّة والأدبيّة العربيّة، كما حملت الرواية العربيّة فلسطين الأرض والإنسان إلى القارئ العربيّ وما تُرجم منها إلى العالم قضيّة فلسطين باعتبارها قضيّة عادلة مليئة بالمعاني الإنسانيّة النبيلة في طريق مليء بالصعوبات والتحدّيات.
كما ارتكزت الرواية العربيّة حول فلسطين على القيم الإنسانيّة ومبادئ الحق والعدالة وكرامة الأرض والإنسان واتخذ الأدباء من فلسطين فضاء لأحداث رواياتهم بمواجهة الافتراءات الصهيونيّة بسلاح الأدب والوعي والمعرفة الإنسانيّة والثقافيّة والتاريخيّة.
الإحالات
1 - سيد أحمد، كريمان عبدالفتاح، أنماط الشخصية في رواية شرق النخيل لبهاء طاهر، دراسة، مجلة إبن خلدون للدراسات، العدد 12/2023، ص. 16.
2 - طاهر، بهاء، رواية شرق النخيل، دار المستقبل العربيّ، 1985، ص. 89.
3 - المصدر نفسه، رواية شرق النخيل، صفحة 90.
4 - المصدر نفسه، رواية شرق النخيل، ص. 69.
5 - سيّد أحمد، كريمان عبد الفتاح، أنماط الشخصيّة في رواية شرق النخيل لبهاء طاهر، المرجع نفسه، ص. 13.
6 - طاهر، بهاء، رواية شرق النخيل، المرجع نفسه ص. 69.
7 - ترحيني، فايز، الأدب أنواع ومذاهب، دار النخيل، 1995، ص. 34.
8 - فضل، صلاح، أساليب السرد في الرواية العربيّة، مركز الإنماء الحضاريّ، 2009، ص. 65.
9 - السروي، صلاح، نقد الرواية العربية بين الاتجاه الاجتماعيّ والاتجاه البنيويّ، موقع ديوان العرب، ٢٠ آب ٢٠١٩.
10 - ماشطة، مجيد، من علم المعاني إلى علم الحداثة، دار المحبة، 2009، ص. 62.
11 - نافعة، حسن، العلاقة المصريّة الفلسطينيّة، رؤية تحليليّة، مجلة الدراسات الفلسطينيّة، العدد 29، 1997، ص. 13.
12 - يسين، السيد، التحليل الاجتماعيّ للأدب، مكتبة مدبولي، 1970، ص. 143.
13 - ترحيني، فايز، المرجع نفسه، ص. 12.
14 - حسن، علي أحمد، لماذا الرواية، موقع أنطولوجيا، 2025.
15 - قويدري، فاطمة الزهراء، صورة البطل المهزوم في الرواية التشيئية، رواية شرق النخيل نموذجاً، مجلة إشكالات في اللغة والأدب، مجلد 13، عدد 2، حزيران 2024.
16 - المصدر نفسه.
17 - قويدري، فاطمة الزهراء، المصدر نفسه.
18 - قويدري، فاطمة الزهراء، المصدر نفسه.
19 - السروي، صلاح، المرجع نفسه.
المصادر والمراجع
الكتب:
ترحيني، فايز، الأدب أنواع ومذاهب، دار النخيل، 1995.
طاهر، بهاء، رواية شرق النخيل، دار المستقبل العربيّ، 1985.
فضل، صلاح، أساليب السرد في الرواية العربيّة، مركز الإنماء الحضاريّ، 2009.
ماشطة، مجيد، من علم المعاني إلى علم الحداثة، دار المحبة، 2009.
يسين، السيد، التحليل الاجتماعيّ للأدب، مكتبة مدبولي، 1970.
الدراسات:
سيّد أحمد، كريمان عبدالفتاح، أنماط الشخصيّة في رواية شرق النخيل لبهاء طاهر، دراسة مجلة إبن خلدون للدراسات، العدد 12/2023.
قويدري، فاطمة الزهراء، صورة البطل المهزوم في الرواية التشيئيّة (رواية شرق النخيل نموذجاً)، مجلة إشكالات في اللغة والأدب، مجلد 13، عدد 2 حزيران 2024.
المقالات:
السروي، صلاح، نقد الرواية العربيّة بين الاتجاه الاجتماعي والاتجاه البنيوي، موقع ديوان العرب، ٢٠ آب ٢٠١٩.
حسن، علي أحمد، لماذا الرواية، موقع أنطولوجيا، 2025.
نافعة، حسن، العلاقة المصريّة الفلسطينيّة، رؤية تحليليّة، مجلة الدراسات الفلسطينيّة، العدد 29، 1997.