الفارابي بين أفلاطون وأفلوطين ـــ د. عدنان أبو عمشة(1)

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

أنفاسمقدمة:‏
تهتم هذه الدراسة بمتابعة موضوعات فلسفية تناولها ثلاثة من الفلاسفة الأساتذة، عاشوا في عصور مختلفة، ولكنهم واجهوا مشكلات فلسفية ـ اجتماعية متشابهة، فطرحوا لها حلولاً متشابهة.‏
ونظراً لاتساع الموضوعات التي تناولها كل فيلسوف منهم، خلال تقويمه لمذهبه الفلسفي، الأمر الذي يصعب ـ على دراسة محدودة الأغراض ـ الإحاطة بها، وإيفاؤها بما تستحقه من اهتمام ودراسة. وبما أن فلسفة الفارابي، في الأساس، هي محور هذه الدراسة الرئيس، لذلك سنقتصر على تناول الموضوعين التاليين:‏
1 ـ بيان أثر جمهورية أفلاطون في آراء أهل المدينة الفاضلة، للفارابي.‏
2 ـ بيان مدى التشابه بين نظرية الفيض لدى كل من أفلوطين والفارابي.‏
وقبل البدء بتقديم هذين الموضوعين تبدأ الدراسة بتقديم الفلاسفة والتعريف بهم، وفقاً لزمن ظهورهم، على النحو التالي:‏
ـ أفلاطون.‏
ـ أفلوطين.‏
ـ الفارابي.‏
1 ـ أفلاطون:‏
ولد أفلاطون في العام 428 ق.م لأسرة تميزت بالنسب العريق، ونشأ نشأة شباب أثينا الأرستقراطي، وتعلم على السوفسطائيين وسقراط(2).‏
أسس أفلاطون مدرسة في بستان "أكاديموس" فسميت بالأكاديمية التي جاء تأسيسها حدثاً هاماً في حياته وحياة الفكر الغربي بأسره(3). إذ ظلت قائمة ما يقرب من عشرة قرون إلى أن أمر بإغلاقها الإمبراطور الروماني "جوستنيان" عام 549م(4).‏
كان أفلاطون يهدف من تعليمه في الأكاديمية تكوين فئة من الفلاسفة المستعدين لنشر نظريات اجتماعية ـ سياسية في أنحاء بلاد اليونان.‏
تكون في الأكاديمية مذهب سياسي نظري(5)، أخرج سياسيين ومشرعين، وكان لأفلاطون محاضرات يلقيها في الأكاديمية، ومؤلفات أخرى كتبها للجمهور وتعد محاورة الجمهوريَة أهم كتب أفلاطون لما تتضمنه من نظريات مختلفة ارتبطت معاً لتكون نظرة لحياة الإنسان، كان لها في تاريخ الفلسفة، فيما بعد، تأثير لم ير مثله كتاب من كتب الفلسفة.‏

لقد تسربت نظريات الجمهورية إلى كتاب العالم الروماني وفلاسفة العالم المسيحي والإسلامي في العصر الوسيط، ففي العالم الإسلامي عرف الفارابي جمهورية أفلاطون وتأثر بها في مدينته الفاضلة كما تأثر بها "أوغسطين" في كتابه "مدينة الله".‏
كان أفلاطون يونانياً عميقاً، عبرت كتاباته تعبيراً كاملاً عن روح يونانية خالصة، ولكن ثمة نزعة شرقية فيه محببة إلى الأنفس نفذت إليه خلال الفيثاغورية أحياناً وخلال الأورفية أحياناً أخرى، كانت تصبغ كتاباته بالأسرار والتقاليد السحرية القديمة، الآتية من الشرق حتماً. وهذا جذع مشترك بين الفلاسفة الثلاثة كما سيمر في فقرات قادمة.‏
كان أفلاطون وثنياً، تعبر كتاباته عن ذلك، ولكن ثمة نزعة دينية فيه قريبة من المسيحية حيناً ومن الإسلام حيناً آخر، وقد عدّه الأولون فيلسوف خلود النفس، وعدّه آخرون فيلسوف حدوث العالم، وهذا جذع مشترك آخر بين الفلاسفة الثلاثة... لاقى إلى حد كبير ـ رواجاً في مجامعهم وقبولاً في حلقاتهم، ساد أثره في عصر النهضة والعصور الحديثة، فترك فيها ملامحه القوية. وكثير من الفلاسفة المحدثين أفلاطونيون.‏
إن كتب أفلاطون هي من بين كتب الفلاسفة القدماء وحدها التي بقيت كلها وهي في معظمها جاءت على شكل محاورات، يقسمها بعض الباحثين ـ بحسب ترتيبها التاريخي ـ إلى أقسام ثلاثة، تساير حياة أفلاطون في أطوارها، إلى(6):‏
ـ محاورات الشباب، وهي التي يحاول فيها الدفاع عن سقراط وتخليد ذكراه، وهذا ظاهر في محاورة "الدفاع" و"أقريطون" و"أطيفرون" كذلك ينسب إلى هذا الدور المحاورات التي يظهر فيها أثر سقراط واضحاً من ناحيتي المنهج والمضمون، كما هي حال محاورات "خرميدس" و"لاخس" و"ليزس" والمقال الأول من محاورة "الجمهورية" و"جورجياس".‏
ـ محاورات الرجولة، وقد بدأت بتأسيسه "الأكاديمية" فكتب محاورة "منكانس" وفيها بيان برنامج المدرسة الجديدة موضحاً الغاية والمبادئ التي من أجلها، وعلى أساسها، تأسست هذه المدرسة ثم محاورات "أوطيفرون" و"مينون" و"أقراطيلوس" و"فيدون" و"المأدبة" ثم المقالتين الثانية والثالثة من محاورة "الجمهورية" و"أقريطياس" و"تيتانوس" و"برميندس".‏
ـ محاورات الشيخوخة، وترتبط بمحاورات المرحلة السابقة ومنها المحاورات التالية: "السوفسطائي" و"السياسي" و"طيماوس" و"أقريطياس" و"فيلايوس" و"النواميس" أو القوانين.‏
وقد جمعت هذه الكتابات في خمسة مجلدات، ما زالت تعد حتى عصور متأخرة من أعظم المؤلفات الأدبية في العالم، وتشكل مذهباً فلسفياً متكاملاً، فأفلاطون من أوائل الممارسين للفلسفة المبدعين فيها. حتى أن أحد الناقدين قال: الفلسفة هي كتابات أفلاطون.‏
2 ـ أفلوطين:
ولد "أفلوطين" في "ليفوبوليس" (أسيوط حالياً) من أعمال مصر الوسطى في العام 205 م، ولا يعرف شيءٌ عن أهله ووطنه، وتثقف في مدينته على أستاذ كان يعلم القراءة والكتابة والحساب(7).‏
قصد الإسكندرية وهو في الثامنة والعشرين من عمره، وأخذ يختلف إلى أساتذتها، فلم يرقه منهم أحد، حتى قاده صديقه إلى "أمونيوس" السكاس، الذي اعتنق المسيحية حيناً ثم ارتد إلى الوثنية، فأعجبه ولزمه إحدى عشرة سنة. فارتبط به ارتباط أفلاطون بأستاذه سقراط، فاستمر أفلوطين يذكر آراءه على أنها آراء أمونيوس مع أنها أكثر بكثير من مذهب أمونيوس ولا يكاد يوجد منها إلا البذور الأصلية عند المعلم، أما المذهب الكامل فإنه من إبداع أفلوطين(8).‏
التحق أفلوطين بالجيش الروماني الذاهب لمواجهة الجيش الفارسي في سوريا والعراق، وكان غرضه من التحاقه هذا التعرف على الحكمة الشرقية ومن الصدف التاريخية أن "ماني" صاحب الديانة المانوية في الطرف المقابل. فتمكن الجيش الفارسي من صد الجيش الروماني، فهرب أفلوطين إلى مدينة أنطاكية السورية، ومنها انتقل إلى روما، وهو في الأربعين من عمره فبقي فيها إلى أن مات في العام 270 م(9).‏
لم يشرع أفلوطين في الكتابة إلا وهو في الخمسين، وكان تعليمه شرحاً على نص لأفلاطون أو لأرسطو، أو جواباً عن سؤال أو رداً على اعتراض أو تعقيباً على رأي(10).‏
جمع "فروفوريوس" رسائل أستاذه في أربع وخمسين رسالة وقدم لها ترجمة لحياة أفلوطين، ووزعها على ستة أقسام، احتوى كل قسم منها على تسع رسائل أسماها "التساعيات" وكان ذلك تكريماً للعددين الكاملين: ستة وتسعة، في كل تساعية الرسائل التي تعالج الموضوع نفسه(11).‏
امتاز أفلوطين من الناحية الشخصية بسمو أخلاقه ونفاذ بصيرته وبالعفة(12).‏
3 ـ الفارابي:‏
هو أبو نصر، محمد، المعلم الثاني، اشتهر بالفارابي.‏
وقد كُني بأبي نصر، رغم أنه لم يتزوج ولم ينجب أولاداً، ولقب بالمعلم الثاني(13) نظراً لمكانته الكبيرة في الفلسفة ووفرة إنتاجه فيها ومتابعته لدراسات أرسطو وشرحه لنظرياته، فاعتبر أنه أكبر الفلاسفة من بعده، وأعظم شارح وموضح لأفكاره، ولما كان لقب أرسطو المعلم الأول، لذلك أطلق على خليفته في عالم الفلسفة لقب المعلم الثاني.‏
فاشتهر بالفارابي نسبة إلى موطنه الأول، فقد ولد بمدينة "وسيج" في مقاطعة "فاراب" وهي منطقة كبيرة وراء نهري سيحون وجيحون تقع على جانب الفرع الأكبر لنهر "سيحون" في طرف بلاد تركستان(14).‏
يصعب تحديد السنة التي ولد فيها الفارابي، والراجح أنه ولد حوالي سنة 259هـ الموافقة لسنتي (872 ـ 873م)، يستنتج من ذلك استنتاجاً مما ذكره المؤرخون في وفاته، فقد ذكر "ابن خلكان" أنه توفي سنة 339هـ، (950 ـ 951م) بعد أن عاش ثمانين عاماً(15).‏
يرى معظم المؤرخون للفارابي أنه تركي الأصل، مسقط رأسه كان ولا يزال من مناطق بلاد التركستان وهي بلاد ينتمي معظم سكانها إلى الشعب التركي. لقد لف الغموض طفولته الأولى، أما المراحل التالية من عمره، فتظهر من سيرته أنه بعد بلوغه دور التعلم عكف ـ في مسقط رأسه ـ على دراسة طائفة من مواد العلوم والرياضيات والآداب والفلسفة واللغات وعلى الأخص اللغة التركية ـ وهي لغته الأصلية ـ ثم اللغة الفارسية واليونانية والعربية.‏
خرج في العام 310 هـ من بلده قاصداً العراق، وقد بلغ الخمسين من عمره، فأتم دراسته التي بدأها مضيفاً إليها مواد أخرى كثيرة، فدرس في حران الفلسفة والمنطق والطب على يد الطبيب المنطقي "يوحنا بن حيلان" ثم درس الفلسفة والمنطق على "أبي بشر متى ين يونس في بغداد وكان من أشهر الباحثين في المنطق، ومن أشهر المترجمين للكتب اليونانية، كذلك درس في بغداد العلوم اللسانية ا لعربية على ابن السراج وأتيح له فيها أيضاً دراسة الموسيقا ولم يعقْه تقدمه في السن عن متابعة دراساته، فقد ذهب مذهب العلماء في عصره الذين كانوا يطلبون العلم باستمرار.‏
أكثر الفارابي من سفره طلباً للعلم ونشره، وسعياً للإحاطة بشؤون الجماعات، فانتقل من العراق إلى الشام في العام 330هـ واتصل بالأمير "سيف الدولة الحمداني" الذي أكرم وفادته، وقدر له علمه، فعاش في كنفه منقطعاً إلى التعليم والتأليف، وكان خلال إقامته في الشام ينتقل بين مدنها، ثم سافر إلى مصر في العام 338هـ، ورجع منها إلى دمشق حتى توفي سنة 339هـ في شهر كانون الأول من العام 950م(16).‏
كان الفارابي في حياته متقشفاً زاهداً، فلم يتزوج ولم يقتن مالاً بل اكتفى بأربعة دراهم يومياً يقبضها من سيف الدولة الحمداني، وينفقها فيما يحتاج إليه من ضروري العيش، وقد بلغ من تقشفه أنه كان يسهر الليل للمطالعة والتصنيف مستضيئاً بقنديل الحارس، لأنه لم يكن يملك قنديلاً خاصاً به، وأنه بقي على هذه الحال أمداً طويلاً.‏
آثر الفارابي العزلة والوحدة ليخلو إلى التأمل والتفكير، وكان طول مدة إقامته بدمشق يقضي معظم أوقاته في البساتين وعلى شواطئ الأنهار، فلا يكون إلا في مجتمع ماء أو في مكان ما ظليل كثير الأشجار، حيث يؤلف بحوثه ويلتقي طلابه وزملاءه ومساعديه(17).‏
للفارابي مؤلفات كثيرة يصعب حصرها وإحصاؤها، ولم يصل منها إلا القليل، لا يزيد عددها عن الأربعين رسالة، منها اثنتان وثلاثون رسالة بالعربية وست رسائل مترجمة إلى العبرية، وترجمت رسالتان إلى اللاتينية.‏
من رسائله الفلسفية الباقية: "الواحد والوحدة" و"الجوهر" و"الزمان" و"المكان" و"الخلاء" و"معاني العقل" و"عيون المسائل" و"فصوص الحكم"... إلخ.‏
ومن أهم ما وصل من مصنفاته التي تمثل شروحاً وتعليقات على مؤلفات أرسطو وشروحه وتعليقاته على مباحث كتاب "الأورغانون" كذلك وصل من مؤلفاته في شؤون السياسة والاجتماع: "آراء أهل المدينة الفاضلة" و"السياسات المدنيّة"، ومن مؤلفاته في الموسيقا كتاب صناعة علم الموسيقا، وله في إحصاء العلوم كتاب قيِّم، كان موضع إعجاب من قدامى الباحثين ومحدثيهم، فقد عرض كل علم عرض الخبير بحقائقه(18).‏
4 ـ عصور مختلفة ومؤثرات متشابهة:‏
4 ـ 1: عاش أفلاطون في القرن الخامس قبل الميلاد، أي في العصر الثاني من عصور الفلسفة اليونانية, وقد ورث هذا العصر عن سالفه طائفة من المعتقدات الدينية والقواعد الأخلاقية والمذاهب الطبيعية.‏
هذه المعتقدات الدينية كانت لا تقوم على علم حقيقي بالآلهة، ودراسة صحيحة لمذاهب الدين وأوضاعه، كما كانت القواعد الأخلاقية عادات وتقاليد أكثرها شعبي أو عبارات استخلصت عرضاً على يد بعض من يسمون بالحكماء، ولم تكن تكوِّن مذهباً أخلاقياً بالمعنى الصحيح لأنها لم تقم على قواعد من العلم ولا منهج من مناهج البحث العلمي، والفلسفة الطبيعية كانت هي الأخرى فلسفة ذات وجه واحد، إذ كان رجال هذا العصر يكتفون بالنظر إلى صفة واحدة من صفات الوجود ثم يعممون هذه الصفة ويجعلونها الأساس في كل شيء، كما أنهم كانوا واحديين، أي يقولون بمبدأ واحد يرجعون إليه قبل كل شيء في الوجود(19).‏
ولكن الحياة الفكرية والروحية في بلاد اليونان بدأت تتطور تطوراً هائلاً في القرن الخامس قبل الميلاد، إذ أخذت المعتقدات الدينية تفقد ما لها من ثقة ونفوذ عند الطبقة المثقفة بأسرها، واتسع مدى الإنكار عند الكثيرين حتى شمل وجود الآلهة أنفسهم، فلم يعودوا بهم يؤمنون ثار السوفسطائيون على قيم ومعارف سابقيهم من الحكماء وعلى ما تبدى لهم من مظاهر الكون، ولعل ما رآه السوفسطائيون من أوهام وأخطاء وبعد عن الواقع في نظريات من سبقهم، قد دفعهم إلى الثورة عليها، ثم إلى الشك حتى في الوجود، حين لم يلتمسوا الطريق إلى حقائق ثابتة، ومهما يكن من أمر فإنهم أول من فتح الطريق أمام الإنسان، ليقف موقفاً جدياً من مظاهر الوجود، لقد كانوا عنصراً فعالاً في حث الفلاسفة، على المزيد من التعمق والنظر، كي تتكشف لهم الحقائق الثابتة(20).‏
لقد نادى السوفسطائيون أو مهدوا لقيام نوع آخر من الأبحاث، مختلف كل الاختلاف، موضوعه الإنسان، كما أنه من ناحية المعرفة، كانت مصادر المعرفة التي وثق بها السابقون عليها قد تزعزع أساسها إلى حد كبير، فالمعرفة الحسية التي كانت المصدر الأول للمعرفة، قد ثار عليها فلاسفة كثيرون من قبل.‏
لم تكن حركة السوفسطائيين حركة هدم، بل كانت روح بناء جديد، فقد كانت تعبر عن روح العصر وقد كان سقراط منهم إلا أنه ابتعد عنهم وعارضهم عندما انحرفوا وغالوا في نسبيتهم في فهم الحقيقة(21).‏
ثم تقع أثينا تحت احتلال الاسبرطيين، فيتحول بعض من حكامها إلى معادين للديمقراطية فيحكمون على سقراط بتهمة إفساده الأجيال الجديدة، فيزداد جرح أفلاطون، فيتجه بكليته نحو الفلسفة وتربية الحكام(22).‏
4 ـ 2: أما أفلوطين فقد عاش في القرن الثالث الميلادي، وكان عصر اضطراب، شاهد انهيار الوثنية، والحضارة السورية القديمة في سلسلة من الحروب والنكبات وانتشار الطاعون والجوع، مما أفقر الإمبراطورية الرومانية وأنهك قواها، وقد أصبح الحكم في أيدي جماعات بربرية تجهل الفلسفة والآداب والعلوم وتتنكر لها(23).‏
عم الانحطاط جميع مرافق الحياة، وأن الدين الوثني الذي كان سائداً وأساساً للحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية، دخل في دور الاحتضار، وطغت الديانات المشرقية، وتشابكت الشعوب والديانات والحضارات والعادات في وحدة غريبة. وفي الحقل الفلسفي تُرعرُعت أركان المذاهب اليقينية أما صدمات المتشككين العنيفة. ففي مثل هذا الجو من الاضطراب والقلق راحت بعض العقول تسعى وراء السعادة في عالم غير هذا لعالم وتبحث في الفلسفة عن طريق التحرر والخلاص(24).‏
وهكذا لم يكن قصد أفلوطين أن يعلم تلامذته حقائق جديدة بقدر ما كان قصده إعدادهم لحياة سعيدة، فأفلوطين فيلسوف ومتصوف في آن واحد وهو عندما يسعى إلى فهم الحقيقة، يحاول أن يتعدى المادة ويتطهر تطهيراً يصله بالعقل الإلهي.‏
ومن ناحية أخرى، فقد برزت مدينة الإسكندرية عاصمة الدولة المصرية وملتقى الفلسفة بالديانتين اليهودية والمسيحية وأهم مركز للفكر والفن، وملتقى التقاليد المشرقية القديمة وأسرار الأورفيه والفيثاغورية، وشتى نظريات العقل اليوناني وقد اصطرعت فيها التيارات المختلفة والعناصر المتباينة، وكانت في تنافر شديد حيناً وفي هدنة حيناً آخر، وكان ذلك على كل حال مصدر نظريات جديدة وبعث مذاهب مبتكرة. التقى في الإسكندرية الشرق والغرب، الغرب بفلسفته اليونانية مع ما طرأ عليها من تغير في البيئة الرومانية والشرق بما فيه من عقول لم تختمر بعد، ولم تألف الجدل المنطقي فتأخذ بجميع العقائد ولا تفرق بين العقول وما لا يقبله العقل.‏
4 ـ 3: عاش الفارابي في عصر أحدثت الترجمات فيه انقلاباً فكرياً ولغوياً في العالم العربي لا مثيل له في تاريخ الحضارة الإنسانية، وهو انقلاب يفوق ما أحدثته النهضة بأوروبا في القرن الخامس عشر الميلادي، فالعرب في صدر الإسلام لم يهتموا إلا بالعلوم القرآنية. أما العلوم الدخيلة أو علوم الأوائل فلم يكن لها نصيب وافر عندهم، وبقي الحال هكذا إلى أن تيسر للسريان والصابئة الحرانيين البدء في نقل تلك العلوم إلى العربية ونشرها في العالم الإسلامي بحيث أصبحوا الممثل الوحيد للحضارة الإنسانية الرفيعة في القرون الوسطى(25).‏
كان لهذه العلوم الدخيلة أثر عميق في جميع حقول الفكر الإسلامي، وكان لهذه العلوم الدخيلة التي عرفها العرب بفضل الترجمات لأن احتكاك المسلمين بالثقافات والفلسفات الغريبة جعلهم يعرضون على محك العقل جميع العقائد التي تقبلوها في بدء أمرهم في غير جدال ولا نقاش، وهكذا نشأت الفرق المختلفة ونشأت النزعة العقلية التي أحلت العقل في المحل الأول والتي أدت ببعضهم إلى الإلحاد والزندقة وإنكار النبوة والمعجزات.‏
أضف إلى ذلك أن روح الفنوصية كانت شديدة الانتشار فرق صدر الإسلام وقد اقترنت بالروح الأفلاطونية المحدثة، وتغلغلت في صلب التصوف الإسلامي، نظر المحافظون من أهل السنة إلى هذه العلوم وإلى المشتغلين بها نظرة ريب وقلق واتهموا هؤلاء في دينهم ناسبين إليهم الكفر والزندقة، وبلغت كراهية بعض الحنابلة للكتب الفلسفية والعلمية درجة جعلت من اقتناء هذه الكتب خطراً على حياة أصحابها، ويذكر (ابن الأثير) في أخبار سنة 890م أنه كان على النساخ المحترفين أن يقسموا أنهم لن يشتغلوا بانتساخ أي كتاب في الفلسفة.‏
من الطبيعي أن يحارب الإسلام الهيات أرسطو وطبيعياته لما فيها من تناقض مع تعاليم القرآن، لكن الحرب التي شنها أ عداء علوم الأوائل شملت هذه العلوم كلها، ولم يصادف علم من علوم الأوائل، ما صادفه علم المنطق من معارضة أهل السنة حتى أنه قيل: من تمنطق فقد تزندق. بعد أن عاش الفارابي في بغداد واشتغل فيها زماناً طويلاً ثم ارتحل عنها إلى حلب، وقد كان خروجه هذا بسبب الاضطرابات السياسية حيث بدأ انحلال الخلافة الإسلامية يتجلى شيئاً فشيئاً وكان سلطان الجنود الأتراك يزداد سيطرة، وأخذت هيمنة البويهيين على الخلفاء تتراخى، واشتدت ثورات العامة في المدن وثورات الفلاحين في الريف وازدادت دسائس أصحاب الطرق في كل مكان، واشتد نزوع الولايات النائية إلى الاستقلال. كل ذلك كان من أسباب سقوط الخلافة أو من علاماته(26).‏
نزل الفارابي مدينة حلب واستقر في مجلس سيف الدولة.‏
5 ـ الفلسفة عند أفلاطون:‏
ليس سهلاً أن يستطيع الباحث تحديد العناصر التي تقوم عليها وبها فلسفة أفلاطون، فالرجل عمل على البحث عن الحقيقة أكثر مما عمل على عرضها والبرهان عليها. بالإضافة إلى ذلك فإن فكر أفلاطون فكر دينامي نامٍ ظل يتطور حتى آخر لحظات وجوده، ومع ذلك فقد أثبت مؤرخو الفلسفة بعض الأفكار الرئيسة(27) منها:‏
ـ مدينته الفاضلة.‏
ـ نظريته في المثل.‏
ـ أدلته على الخلود.‏
ـ مذهبه في الكون.‏
ـ رأيه في المعرفة.‏
5 ـ 1: جمهورية أفلاطون(28):‏
عمل أفلاطون على إحلال نظام سياسي يقوم على العدالة ويسير وفقاً للمبادئ الفلسفية، فقد وضع نظام جمهوريته في عهد ازدهار "أسبرطة" وتغلبها على أثينا" وقد راقه النظام الإسبراطي بما فيه من انضباط هو ثمرة التربية البعيدة عن كل ميوعة، والتمرس البعيد عن كل ضعف.‏
الفكرة الأساس التي ينطلق منها أفلاطون في موضوع الاجتماع هي فكرة العدالة، أي إقامة دولة منظمة تنظيماً تنازلياً، فاستوحى نظرياته الفلسفية لإقامة ذلك النظام، وراح يتدبر النفس البشرية فوجد فيها ثلاث قوى(29):‏
ـ قوة رفيعة هي العقل.‏
ـ قوة النفس الغضبية، ومركزها القلب.‏
ـ قوة النفس الشهوانية، ومركزها البطن.‏
و تتجلّى صحة النفس عندما يتوافر التوازن بين قواها، فإذا سيطر العقل على الشهوات عاشت في طمأنينة وسعادة. ومن هذه الحقيقة استمد أفلاطون لمدينته فكرة الطبقة، فرأى أن في المدينة ثلاث طبقات:‏
ـ الطبقة الذهبية، أي طبقة الحكام ذوي الأمر والتدبر.‏
ـ الطبقة الفضية، أي طبقة الجنود ذوي الحراسة والدفاع.‏
ـ الطبقة النحاسية، أي طبقة العمال ذوي الإنتاج والتعمير.‏
أما الطبقة الذهبية فمؤلفة من أناس يسيطر عليهم العقل، وتتألف الطبقة الفضية من ذوي الشجاعة، وتضم الطبقة النحاسية كل من تسيطر عليهم شهواتهم وتكون العفة فضيلتهم الأولى، ولكي تنعم المدينة بالصحة والسعادة وتخيم في أجوائها العدالة، لا بد فيها من سيطرة ذوي العقل، وهكذا يكاد النظام في المدينة مسايراً لما هو في النفس البشرية، فتخضع الطبقة النحاسية للفضية، والطبقة الفضية للذهبية، ويسير الجميع على هدى العقل النير، وهكذا يكون الحكم للفلاسفة لأنهم أجدر الناس به، وجدارتهم قائمة على المعرفة والفضيلة، فالمعرفة والفضيلة شيء واحد.‏
هذا هو النظام الأساس وهو يتطلب نظاماً آخر، لابد من اتباعه في تنشئة الأفراد الصالحين للمجتمع الصالح، وقد اعتنى أفلاطون بهذه الناحية، فاهتم باختيار الرؤساء، فتحقيق العدالة يرتبط بحسن اختيارهم، فهم يؤخذون من صفوف الجنود، ثم يربون تربية عقل وفن ورياضة، وهكذا يعيش حارس الدولة من السادسة عشرة إلى العشرين حياة الجنود، وبعد ذلك يتدرب على أعمال مهنته مدة عشر سنوات متوالية، وتخصص نهاية المرحلة لتعلم الجدل مدة خمس سنوات يقضي بعدها خمس عشرة سنة في الوظائف والإدارة أو العسكرية، ولا ينتقل إلى طبقة الرؤساء إلا بعد بلوغه الخمسين.‏
وهذا كله لا يكفي، في نظر أفلاطون، لقيام الجمهورية الفاضلة فعلى الرئيس أن يحافظ على وحدة الدولة، والشعور بضرورة هذه الوحدة هو فضيلته الأولى، ولن يتم له ذلك إلا إذا اتبع نظام المعيشة المشتركة، وأن يعيش عيشة أخوة، ويتجلى بالمزايا السقراطية الأربع:‏
الحكمة، الشجاعة، العدالة، العفة.‏
وللحفاظ على وحدة الدولة لا بد من نظام يشتمل على(30):‏
ـ اشتراكية النساء والأولاد.‏
ـ الرياضة البدنية والخلقية للرجال والنساء سواء بسواء.‏
ـ التربية العلمية والسياسية.‏
ـ قيام الفلاسفة بمهام القيادة في الدولة(31).‏
5 ـ 2: نظرية المثل(32):‏
تشكل نظرية المثل نقطة انطلاق ومرتكزاً وأساساً لفلسفة أفلاطون بجملتها، وهي ناتجة عن استخدام الاستقراء السقراطي والجدل الأفلاطوني.‏
ينطلق أفلاطون من التمييز الذي قال به "برمنيدس" بين الحقيقة والظاهر، وبين طريق الحقيقة وطريق الظن، وبتعبير آخر، بين المعرفة والرأي، فالظاهر هو ما يقع تحت حواسنا، ويكوّن الموجودات الجزئية، التي تصف بصفات متضادة، والأشياء الجزئية متوسطة بين الوجود المطلق والعدم المطلق، وهي بالتالي لا تصلح أن تكون موضوعات للمعرفة بل للرأي، فالمعرفة لا تكون إلا بالأشياء الثابتة التي لا يعتريها تغيير ولا تنطوي على الأضداد، وتتعلق بعالم أزلي لا تدركه الحواس، أما الرأي فيكون فيما يتعلق بالعالم المحسوس.‏
يطلق أفلاطون على الشيء المشترك الموجود في جميع الكائنات المتجانسة حتى التي لا تقع منها تحت الحواس مثل العدالة والمساواة اسم "المثال" والمثال عند أفلاطون هو الموضوع الحقيقي للمعرفة، لأن المعرفة تقوم على الموضوع المشترك بين جميع أفراد الجنس والذي لا يولد مع ولادة الفرد ولا يفنى بفنائه، بل هو شيء أبدي تشاركه جميع الأفراد، في طبيعته.‏
إن مثل الأشياء هي وحدها التي تصح أن تكون موضوعاً للمعرفة، وأن لها صفات تحددها منها(33):‏
للمثل أجناس، فهي تعبر عن مجموعة تدخل فيها الأشياء المتجانسة، والمثال عند أفلاطون جوهر ثابت، لا يعتريه تغير فهو لا يخضع للحركة، على عكس الأشياء التي تخضع للتكون والفساد فهي متبدلة كلها.‏
والمثل أعداد تنتظم أنواعاً وأجناساً ويتصل بعضها ببعض من حيث أنها تشترك جميعاً في صفات عامة، فالحكمة والشجاعة والعدالة والعفة تشترك كلها في صفة واحدة هي الفضيلة، وهي ترقى إلى مثال أساس هو بالنسبة لها كالجنس الأول.‏
والمثل عند أفلاطون قائمة بذاتها، فهي الحقائق التي لا حقائق بعدها.‏
5 ـ 3: نظرية المعرفة(34):‏
المثل عند أفلاطون ثابتة أزلية فكيف يتم إدراكها؟‏
إذا كان الأمر كذلك كان من الضروري أن تأتينا المعرفة عن طريق آخر غير الإدراك الحسي، بمشاهدة أفلاطون أن الإنسان كان في حياة سالفة سابقة على حياته الحالية يستمتع بمشاهدة المثل الأزلية. ولكن لذنب اقترفه، فقد هذا النعيم وهبطت نفسه إلى الأرض، وحلَّت في جسدت ترابي أصبح لها سجناً، وفقدت بهذا التجسد معرفة الأشياء الإلهية التي حصل عليها.‏
لكن الأشياء الجزئية عندما تعرض لإدراك حواسه تحيي فيه ذكرى "مثلها وتعيد إليه شيئاً من معرفته الغابرة، وهكذا يفسر أفلاطون في المعرفة علاقة الإنسان بموضوع معرفته.‏
5 ـ4: خلود النفس:‏
النفس عند أفلاطون وجدت قبل الجسد، وهي خالدة، يبرهن على خلودها، كما يلي:‏
ـ كل الأشياء لها أضداد، والضد يولد الضد، فإذا كانت الحياة والموت ضدين فلا بد أن يولد أحدهما الآخر.‏
ـ تعليم المقولات أي المثل لا بد أن يكون بآلة أزلية خالدة مثلها، فالموت إذ يفصل النفس عن غلافها الجسد ويمكّنها من الاتصال بهذه المثل.‏
ـ المعرفة تذكر، وهذا يوجب أن تكون النفس قد شاهدت المثل قبل ميلادها، وما كان أزلياً فلا بد أن يكون أبدياً.‏
ـ المركب وحده ينحل، والنفس بسيطة، كالمثل، لا تستطيع الانحلال فالانحلال يفكك الأجزاء، والنفس واحدة بسيطة لا أجزاء فيها ولا تركيب.‏
ـ الإنسان يتوق إلى السعادة، وهذا التوق من جوهر النفس، وقد لا تتحقق رغبة الكثيرين في السعادة في هذه الحياة، فلا بد من أن تكون ثم حياة أخرى، ينالون فيها السعادة.‏
ـ تفرض الأخلاق العقاب لصانعي الشر، والثواب لصانعي الخير، وليس في هذه الحياة عقاب وثواب عادلان، فلا بد من حياة أخرى تنال فيه النفس جزاء ما فعلت في هذه الدنيا.‏
5 ـ 5: نزعة أفلاطون الصوفية(35):‏
عندما أثبت أفلاطون أن النفس هبطت إلى الجسد، وقال إن الجسد سجنها، جعل الإنسان مركباً من عنصرين مختلفين، أحدهما يسعى إلى المعرفة، والثاني يحول دون هذه المعرفة، لأنه مركز الأهواء والشهوات والمخاوف والأوهام فإذا ما أرادت النفس أن تصل إلى المعرفة وجب عليها أن تمزق حجب الجسد وتتخلص من عبوديته، فالروح في ذاتها هي التي يجب أن تشهد الأشياء في ذاتها. وهكذا إذا ما تخلص الإنسان من الجسد وحصل على النقاوة واستطاع الاتصال بما هو نقي وعرف أين هو النور الصافي، نور الحقيقة.‏
6 ـ الفلسفة عند أفلوطين:
تقوم الفلسفة عند أفلوطين أساساً على فكرة الألوهية، فهي تشغل الجزء الأكبر من مذهبه، إن لم يكن كله، إنها فلسفة تقوم على الوجدان والتجربة الذوقية الصوفية والكشفية، ولهذا أهمل "أفلوطين" نظرية المعرفة، وبكلام أكثر تحديداً، فإن العمود الرئيس الذي تقوم عليه بناء فلسفة أفلوطين هو "الله" أو العالم المعقول، ومن العالم المعقول ينتقل الإنسان إلى العالم المحسوس، ومن هذا الأخير يحاول هذا الإنسان أن يرتفع ثانية إلى الوحدة الأولى(36).‏
الغاية من الفلسفة عند أفلوطين إرشاد إلى الطريق الذي به يصل الإنسان إلى إفناء الذات في الوحدة الإلهية وإلى إيجاد التجربة الروحية التي يستطيع الإنسان بواسطتها أن يتحد بالواحد، والمزاج المكون لهذه التجربة، هو في الأصل، الوجد.‏
أما من الناحية الموضوعية، فيقوم هدف الفلسفة على أساس إنكار كل قيمة للعالم الخارجي، فكل ما هو متناه وكل موجود ـ ما خلا الله ـ متناه زائل، وبالتالي لا قيمة له.‏
إن فلسفة أفلوطين متأثرة منذ البداية بالتجربة الدينية، فنقطة البدء ونقطة الانتهاء والعامل السائد الذي طبع بطابعه الخاص اتجاه هذه الفلسفة هو التجربة الدينية مفهومه على نحو صوفي، وإن ابتعد أحياناً عن الأديان الوضعية.‏
وهذا الطابع غير موجود في الفلسفة اليونانية الحقيقية، فالفروق في الفلسفة التالية على أرسطو وبين الفلسفة الجديدة، مما يمس جوهر كل منهما، يرفع من نسبة ترجيح أن تكون هذه الفلسفة الجديدة منتسبة إلى روح حضارة أخرى، فالرمز الأول لهذه الحضارة هو الذي يطبع هذه بطابعه كل أجزاء الفلسفة الجديدة وما هنالك من مظاهر يونانية لهذه الفلسفة إنما هو في الواقع مظاهر فحسب، لا تمس الجوهر في شيء، ونقصد به الروح السائدة في هذه الفلسفة الجديدة، فالذي يميز هذه الفلسفة هو فكرة إضافة الأشياء إلى قوة خفية(37) وإيجاد نظام عالمي يقوم على أسس هذه القوى الخفية، ونظره في الوجود تسودها التجربة السحرية الروحية وهذا ما ذهب إليه "فاشيرو"(38) بقوله: إن الفلسفة الأفلوطينية كانت فلسفة شرقية بكل معاني الكلمة فهي في روحها وجوهرها وطبيعتها شرقية. وأما المظهر الخارجي لها وإن كان يونانياً فإنه لا يلزم الاعتقاد أن فيها روحاً يونانية، وهذا ظاهر خصوصاً فيما يتصل:‏
ـ بالطابع العام لهذه الفلسفة.‏
ـ في أن كثيراً من الأفكار التي كانت منتشرة في بيئة الهلال الخصيب أي البيئة التي قد ظهرت فيها الحضارة قد أثر كل التأثير في هذه الفلسفة. ففكرة الملائكة أو الوسطاء أو العقول المتوسطة ثم فكرة الصدور خاصة، كل هذه الأفكار شرقية، تجلت منذ أربعة آلاف سنة ونيف في شريعة "أوركاجينا" وشريعة حمورابي" وفي أسطورة الخلق البابلية "اينوما ايليش".‏
ومختصر القول، ففي مذهب أفلوطين عالمان بينهما هوة وترتيب هما عالما المعقول والمحسوس، ويوجد في باب المعقولات ثلاثة مبادئ هي:‏
الله ـ العقل ـ النفس(39)‏
فالله هو الأول، الواحد، المبدع، اللامتناهي.‏
والعقل هو صورة الأشياء الموجودة.‏
والنفس هي ما به يتم تحقق الصور في المحسوسات، أو هي قوة تكون في الواقع وسطاً بين فعل الأول وتحقق العقل بوصفه صوراً.‏
العالم المعقول عند أفلوطين عبارة عن مجموع الصور، وهذه الصور لا تشتق من مبدأ أعلى منها، ولو أن فكرة الخير قد توهم في عرضها بأنها تلعب مثل هذا الدور، فإنه في الواقع تختلط فكرة الخير ببقية الصور حتى لا يمكن أن تعد صورة قائمة بذاتها مستقلة كل الاستقلال، فهناك هوة غير معمورة بينها وبين بقية الصور. في حين يرى أفلوطين ـ بدلاً من الهوة الفاصلة ـ تصاعداً أو تنازلاً في الصلة بين المعقول والمحسوس، أي ترتيباً ونظاماً قمته المعقول من حيث أنه الأول ثم تتلوه بقية الأشياء حتى تصل، في أدنى درجة من درجات هذا السلم إلى المادة الصرفة، فالمادة في النهاية تشتق من الأول فلا نجد أن الصور أو المعقولات أفكار في عقل الله، بل هي الله عند أفلوطين، فالأشياء تترتب بحيث يكون الأول في القمة ويليه العقل الأول، ثم بقية العقول(40).‏
من ذلك نجد أن أفلوطين يجرد فكرة الله من كل ما يوهم اختلالاً في الوحدة أو في الكمال(41) فكرة الوحدة في الله هي الأساس في نظرية الله عند أفلوطين، ولهذه نجده يحاول أن ينفي عن الله كل الأفكار أو كل الصفات التي من شأنها أن توهم بأن هناك تعدداً تركيباً فيه، فنجده ينكر أن يكون الله عقلاً أو أن يكون وجوداً، وينكر كذلك أن تكون له أي صفة من الصفات فالله هو الشيء الذي لا صفة له(42) إنه يؤثر في الكون بقدرته، وهذا يحدث دون ممارسة قدرة من جانبه بالنسبة إلى الأشياء، بل تتحرك الأشياء بقدرته مع استمراره كما هو في سكونه وثباته.‏
إن الله قوة وهذه القوة تفيض بما فيها فتنتج الوجود، ولا يعني هذا الفيض خروج هذه القوة عن نفسها وفيضانها بما فيها في الخارج أو على الخارج وإنما أن تظل كما هي في نفسها وتكون العلية عندها أن تبدل آثارها لا أن تبدل جوهرها. وهذا الفارق الكبير بين العلية حينما يقال على الله أو يقال على بقية الأشياء إذ نجد هنا فكرة عميقة يستخدمها أفلوطين لأول مرة وستصبح فيما بعد مصدراً خصباً لكثير من الأفكار في المسيحية أو في الإسلام.‏
إن المعقول يحدث أثره ولا ينقص هو من ناحيته، فالعلم الذي عندي وأنقله إلى الآخرين لا ينقص بهذا النقل وإنما يظل عندي كما كانت عليه الحال من قبل، لأن الفيض في هذه الحال ـ الفيض الروحي ـ لا يكون على صورة أجزاء ينقل من المؤثر إلى الأثر وإنما يكون دائماً على صورة حضور تأثر في الخارج فحالة أن يكون الشيء متأثراً بشيء آخر هي حالة العلية، إذا ما فهمت من ناحية الكمال، من ناحية التأثير المادي.‏
وكذلك الحال بالنسبة إلى الله يظل كما هو في استقلاله وكماله وهذا التأثير الخارجي الذي يحدث يكون وجوداً ليس منتزعاً، وكأنه جزء من الوجود الأول وإنما أقصى ما يمكن أن يقال عنه أنه حالة تأثر صرف بشيء آخر، والعلية مفهومة على هذا النحو تضاف وحدها إلى الله، وهذه مسألة مهمة عند أفلوطين وعند المذاهب التي تقوم على فكرة الكمال، بمعنى وجود حالة تأثر دون تغيير في المؤثر. فالأشياء أو الوجود بشكل عام ينشأ عن الأول بفيض من هذا الأول لا ينقص من ذاته، وأنه كلما قلت الوسائط بين الأول وبين الحادث كانت درجته ومرتبته في الوجود والكمال أعظم(43).‏
فهنا نجد أن الوجود كله سيتوقف على هذا الأول من حيث أنه يفيض بذاته فينتج عن هذا الفيض وجود متسلسل على طريق تنازلي يبدأ من الأول حتى يصل إلى أبعد الأشياء ونهايتها بالنسبة إلى هذا الأول، وهذا الشيء الأخير سيكون أدنى الأشياء مرتبة وقابلاً لأن يتخذ أية صورة، والذي يحدث في هذه الحالة هو أن الأول يعطي الثاني صورته والثاني يعطي الثالث صورته وهكذا باستمرار حتى تصل إلى آخر الأشياء. وآخر الأشياء لا يكون محدثاً لأي صورة، وتبعاً لهذا لن يكون مالكاً لأي صورة فهو الهيولى و المادة.‏
المهم عند أفلوطين هو القول بوجود الأول بحسبانه عالياً على الكون، وبينه وبين بقية المعقولات والمحسوسات هوة لا تكاد تعبر، وما هنالك من تبعية من جانب العالم المعقول ـ فيما عدا الأول ـ والعالم المحسوس بأكمله بإزاء الله إنما ذلك صادر عن كون هذه الأشياء تقوم بالله أي تتقوم بقوته، ولكن ليس معنى هذا القيام به إنها هي هو.‏
وحدة الوجود عند أفلوطين ذات حد واحد، فالكثرة في الواحد، وليس الواحد في الكثرة(44).‏
تمايز أفلوطين تمايزاً واضحاً عن المذاهب السابقة عليه، وأنه يجب أن يوضع في تيار جديد يعد هو نقطة البداية فيه، ونقطة النهاية في الواقع، يكون هذا التيار الدور الرابع من أدوار تطور الفلسفة اليونانية والمشكلة هنا تتعلق بالصلة بين هذا التيار وبين الروح اليونانية.‏
فقد اعتاد المؤرخون النظر إلى هذا التيار بوصفه تطوراً منطقياً للفلسفة اليونانية في العصور المتقدمة مباشرة وبالتالي أن يضيفوه إلى الحضارة اليونانية وإلى الروح اليونانية.‏
لقد استطاع أفلوطين أن يبين في دقة وأحكام كيفية صدور الموجودات عن الله وأن يتبين آثار هذه القوى الإلهية في الأشياء ويرتب هذا كله في نظام منطقي معقول يكاد يكون نسيجاً واحداً محكم الأجزاء.‏
احتلت التجربة الصوفية ـ تجربة الوجد ـ منزلة رفيعة، فهي الغاية النهائية التي يجب أن تتحدد تبعاً لها وتترتب عليها كل المقدمات المؤدية فمنذ البدء كان مزاج هذه التجربة الروحية والمزاج المحدد لكل معرفة، والتالي الأساس لكل نظرية في المعرفة، كما أنه لأول مرة وإلى الدرجة العليا، استطاع أن يبين ماهية هذه التجربة وأن يحددها كل التحديد، وأن يبين ما فيها من جانب ذاتي، وما فيها من جانب علوي يأتي عن طريق الله وفي هذا المجال يقول أفلوطين يجب علي أن أدخل في نفسي ومن هنا أستيقظ، وبهذه اليقظة أتحد بالله.‏
ويقول أيضاً يجب علي أن أحجب عن نفسي النور الخارجي لكي أحيا وحدي في النور الباطن، وينقل عنه تلميذه "ابرفلس" أن المعرفة تبدأ من الذات وتنتهي إلى الله، والمعرفة الذاتية، هي كل شيء.‏
إن هذا الطابع يكفي وحده لتمييز هذه الفلسفة من الفلسفة اليونانية، الحقيقة، وبالتالي يكفي لإخراج هذه الفلسفة من حظيرة الحضارة والروح اليونانية وإدخالها في حضارة، روح المنطقية.‏
إن فكرة الصدور والفيض فكرة شرقية ومأخوذة عن المذاهب التي كانت سائدة في منطقة الهلال الخصيب ـ كما مر سابقاً ـ فقد كانت العناصر الشرقية تخلق في الأجواء المحيطة بأفلوطين خلال القرون الثلاثة الأولى للميلاد وانتشرت ـ إلى حد بعيد ـ في جميع الأوساط الشرقية التي استوطنت المدن المتوسطة بين الهلال الخصيب والغرب اليوناني وبلاد مصر، فكان هذا كافياً لانتشار هذه الأفكار والمذاهب الشرقية في هذه الأوساط، فلا سبيل إلى إنكار تأثر الأفلوطينية بالعناصر الفكرية الشرقية(45).‏
7ـ الفلسفة عند الفارابي:‏
يعتبر الفاربي المؤسس الحقيقي للدراسات الفلسفية في العالم العربي ومنشئ الفلسفة الإسلامية، ومشيد بنيانها وواضع الأساس لجميع فروعها، فكان أعرف فلاسفة الإسلام بتاريخ الفلسفة ونظريات الفلاسفة كذلك استأثرت شؤون السياسة والاجتماع بقسط كبير من نشاط الفارابي، فنجح في علاج مسائلها وكتب فيها عدداً من الكتب.‏
الموجودات عند الفارابي قسمان(46):‏
ـ واجب الوجود.‏
ـ ممكن الوجود.‏
فواجب الوجود هو الله. وممكن الوجود هو كل مخلوق وكل ما سيخلق وكلما وجد الممكن أصبح واجب الوجود بغيره والله وحده هو واجب الوجود بذاته(47).‏
يعتقد الفارابي أن الممكن الوجود إذا وجد أصبح واجب الوجود بغيره وإذا ظل في مجال الإمكان كان ممكن الوجود فحسب، وأن وجوده وعدمه متعادلان، فمن الذي يرجح أحد الأمرين على التالي(48).‏
يجيب الفارابي: الذي يرجح ذلك هو الواجب الوجود، أو الله الذي لا يفتقر وجوده إلى مرجح. هنا نواجه نظرية الفارابي في الوجود وكيف وجد؟ فهو من القائلين بحدوث العالم، وهذا ما تهتم هذه الدراسة بإبرازه ومقارنته مع نظرية الوجود وكيف وجد عند أفلوطين، فهما من القائلين بنظرية الفيض.‏
8ـ كيف وجد الوجود عند أفلوطين والفارابي؟‏
عند أفلوطين نظرة مزدوجة إلى الواقع.‏
ـ فهناك نظرة تشبه أسطورة النفس، يتوزع فيها الكون إلى مساكن طاهرة وغيرها نجسة، ترتفع فيها النفس أو تهبط، وتصبح فيها الحياة الداخلية للنفس متضامنة مع المسكن الذي تحل فيه.‏
ـ هناك نظرة أخرى يبدو الكون فيها سلسلة من الأشكال يتعلق كل شكل منها بالشكل الذي يتقدمه، بحيث يستطيع العقل فهم نظامه، وتدور فلسفة أفلوطين بأسرها حول البرهان على أن هاتين النظريتين لا تتنافيان، وبالتالي حول إثبات القيمة الدينية للفلسفة العقلية في القمة نجد الواحد، وعنه يفيض العقل، وعن العقل تفيض النفس وكل مرتبة من هذه المراتب تحتوي جميع الكائنات التي ستتميز في المكان فالواحد يحوي كل شيء من غير تمييز، والعقل يحوي جميع الكائنات، إلا أنّها متميزة، متضامنة، بحث يحتوي كل كائن فيها بالقوة على جميع الكائنات الأخرى، أما في النفس، فإن هذه الكائنات تتميز، حتى إذا ما وصلت إلى العالم المحسوس انفصلت وانتشرت.‏
النفس عند أفلوطين هي آخر الكائنات المعقولة، وآخر الكائنات الموجودة في العالم المعقول، وهي أول الكائنات الموجودة في العالم المحسوس وهي بذلك ذات علاقة بكلا العالمين.‏
وللنفس قوى متعددة، وهي بهذه القوى تحتل أول الأشياء ووسطها وآخرها، إنها الرحالة في العالم الماورائي، وفيها توق وحركة.‏
والآن يثور السؤال: كيف يأتي إلى الوجود من الواحد ـ كما هو في نظرنا ـ كثرة ما؟ وكيف لم يبق الواحد في ذاته(49) إن الواحد غير متحرك إذا ليس خارجه حد يتحرك إليه، فإذا جاء شيء بعده، فلا يجيء الشيء إلى الوجود إلا إذا كان الواحد متجهاً إلى ذاته أبداً، ويجب القول إن ما يأتي من الواحد يأتي منه دون حركة أو ميل أو إرادة، وماذا يتصور حوله كان ساكناً؟ نتصور إشعاعاً آتياً منه وهو ساكن، كما يتولد من الشمس، الضوء الساطع المحيط بها وهي ساكنة دائماً، على أن كل موجود، ما دام في الوجود، يحدث بالضرورة حوله، من ذات ماهيته، شيئاً يتجه إلى خارج ويتعلق بقدرته الراهنة، هذا الشيء بمثابة الوجود الحادث منه، يضاف إلى ما تقدم أن كل موجود يصل إلى كماله يلد، فالموجود الكامل دائماً يلد دائماً، يلد موضوعاً سرمدياً يلد موجوداً أدنى منه ولكنه الأعظم بعده، هذا الأعظم بعده هو العقل الكلي الذي هو كلمة الواجد وفعله وصورته، ولكن الواحد ليس عقلاً، فكيف يلد العقل؟ ذلك بأنه يرى باتجاهاته إلى ذاته، وهذه الرؤية هي العقل الكلي(50).‏
ويذهب الفارابي ـ في الإجابة عن السؤال ـ مذهب أفلوطين فيقول:‏
إذا وجد واجب الوجود لزم ضرورة أن يوجد عنه سائر الموجودات على أن وجود هذه الموجودات إنما يحدث فيضاً عن وجود الأول ـ الواجب الوجود، فوجد غيره إذن فائض عن وجوده، فكيف يحدث الفيض؟‏
من الله الواحد يصدر الكل، ومن تعلقه لذاته يصدر العالم، وعلة وجود الأشياء جميعاً ليست هي إرادة الخالق القادر على كل شيء بل علمه بما يجب عنه، فالأشياء ظهرت عنه، لكونه عالماً بذاته لأنه مبدأ النظام الخير في الوجود على ما يجب أن يكون عليه، فعلمه علة لوجود الشيء الذي يعلمه(51).‏
إنّ صدور الموجودات عنه ليس عن قصد يشبه قصدنا، ولا هو على الطبع دون أن يكون له معرفة ورضاء بصدورها.‏
يحدث الفيض التالي على الشكل التالي(52): عن الأول يفيض الوجود الثاني أو العقل الأول، وهذا الوجود الثاني غير متجسم وليس مادة، وهو يعقل ذاته ويعقل الأول ـ الواجب الوجود ـ وعقله لذاته هو عين ذاته، وهو بما يعقل ذاته التي تخصه وبما هو متجوهر بها يلزم عنه وجود السماء الأولى، وهو بما يعقله من الأول يلزم عنه وجود ثالث أو العقل الثاني، ووجود الثالث ليس في مادة، وهو بجوهره عقل، يعقل ذاته ويعقل الأول، وهو بما يعقله من الأول يلزم عنه وجود رابع أو العقل الثالث، وهذا الوجود ليس في مادة ويعقل الأول ويعقل ذاته، فيما يتجوهر بها يلزم عنه كرة المشترى وبما يعقله من الأول يصدر عنه وجود خامس، وهكذا يمضي الفاربي مع نظريته في الفيض ـ سائراً على خطى أفلوطين وأساتذته نومينوس السوري، وأمينون السكاس، فإذا الوجود الخامس يصدر عنه وجود سادس أو العقل الخامس الذي يلزم عنه كرة المريخ والوجود السادس يصدر عنه وجود سابع، والسابع يصدر الوجود الثامن أو العقل السابع ويصدر عنه كرة الزهرة، والثامن يصدر التاسع أو العقل الثامن، ويلزم عنه وجود كرة عطارد، والتسع يصدر عنه العاشر أو العقل التاسع ويلزم وجود كرة القمر والعاشر يصدر عنه الحادي عشر أو العقل العاشر، الذي يدعوه الفارابي "العقل الفعال" أو الروح القدس، وهو الذي يصل العالم العلوي بالعالم السفلي وهو الذي يسبب وجود الأنفس الجزئية والعناصر بمساعدة الكواكب السيارة، وهو ليس في مادة بل هو آخر العقول المفارقة لها(53).‏
8ـ 1: حدوث العالم(54):‏
تصدر في البدء عن العقل "الهيولى" وهي مشتركة بين جميع الأقسام الأرضية، تتأثر هذه الهيولى بدوران الأفلاك المتباينة في الجوهر والنسب والحركات.‏
ومن هذا التأثر يحدث في الهيولى استعدادات مختلفة، عندئذ يفيض العقل الفعال على هذه الاستعدادات صوراً تلائمها، فتتكون في البدء العناصر الأربعة: المادة، التراب، الهواء، النار. وهي عناصر بسيطة غير مركبة.‏
وتتمازج هذه العناصر بعضها مع بعض، فيحصل من هذا التمازج أجسام تختلط فيما بينها وتختلط بعضها مع بعض العناصر فتحدث امتزاجات أكثر تركيباً وأكثر تعقيدا. ويستمر ذلك شيئاً فشيئاً فتتكون امتزاجات تحدث فيها استعدادات، يفيض العقل الفعال على كل منها صورة تلائمه، فتحصل الأبخرة والسوائل فالجمادات فالنباتات فالحيوانات وأخيراً الإنسان، والإنسان أفضل ما يصدر عن العقل الفعال وأفضل المخلوقات في العالم الأرضي، وحين يوجد الجسم الإنساني، الكامل الاستعداد يفيض عليه العقل الفعال نفساً، فيغدو إنساناً سوياً ويرفض الفارابي قول أفلاطون وأفلوطين القائل أن النفس تنتقل من جسم إلى آخر، فهي تفيض على الجسم من العقل الفعال ساعة يتم حدوث الاستعداد في هذا الجسم، وهي بالتالي غير سابقة على وجود الجسم، فلا يجوز وجود النفس قبل البدن.‏
وخلاصة القول: فإن نظرية الخلق عند الفارابي، تبدأ من الأفضل إلى الأدنى في العالم العلوي، فالله أفضل الوجود، أما في العالم الأرضي فيبدأ الخلق من الأدنى إلى الأفضل، من الهيولى إلى الإنسان أفضل مراتب لوجود الأرضي.‏
8 ـ 2 : الوجود الأرضي(55):‏
إنه كلما حصل استعداد في مادة فاضت عليه من العقل الفعال أو النفس الكلية نفس جزئية، وانفصال النفس الجزئية عن النفس الكلية يجعلها مستقلة استقلالاً تاماً، فهي حين تدخل الجسم المستعد لاستقبالها تكمل وجوده وتستقل فيه،وفي بحث الفارابي عن مصير النفس البشرية، فإننا نجد أنه لا يؤمن بوجود الجنة والنار حسياً وتتخذ منهما رمزاً للسعادة أو الشقاء على الأغلب.‏
إن الأنفس حين تغادر الأبدان، فإذا كانت صالحة تغدو لا حاجة لها إلى المادة، أما الأنفس الشريرة فتبقى في شقائها. وكلما بلغت الأنفس معارفها درجة من الكمال عليا، اقتربت من العقل الفعال، وهو حين تقترب منه تبلغ السعادة وتكتمل النفس عند الفارابي بالفعل، إن الإنسان في الحقيقة هو العقل، وكلما أفاض العقل الفعال على عقل الإنسان من صورة وتكاثرت هذه الصورة فيه صار مشابهاً للعقل الفعال، وكلما اقتربت من هذه الاتحاد، اقترب من الله فحصلت سعادته القصوى، وعندئذ تصبح نفس الإنسان من كمال الوجود بحيث لا يحتاج في قوامها إلى مادة، ويغدو في جملة الأشياء البريئة من الأجسام المفارقة في جوهرها. وهذا عين ما رآه أفلوطين من حصول السعادة في الاتحاد، وهو ما رآه ـ بعد عدة قرون ـ محيي الدين بن العربي" في كتابة "فصوص الحكم" فالعذاب في الآخرة من العذوبة وتكون أكثر كلما كانت النفس اقرب إلى الله والسعادة والشقاء لن يكونا خلوداً في النار، بل اقتراب من الله ومشاهدة له أو ابتعاد عنه في مشهد جليل(56).‏
إن جوهر فلسفة الفارابي مرده إلى المذهب اللاهوتي الأفلاطوني الذي أسسه وتزعمه السوري، نومينوس، من أهل القرن الثاني الميلادي، وكان له مقام كبير عند الأفلاطونيين الجدد في القرن الثالث الميلادي، أخذ من الديانات التاريخية (اليهودية والمسيحية) ودمجها في تعليمه بعد تأويلها تأويلاً رمزياً. ورأى أن الوجود ينقسم إلى مملكتين: مملكة العناية ومملكة المادة، والشر والنقص ليسا من الله وعنه أخذ "أمونيوس الساكاس" 175 ـ 205م، وهو من أبرز أفلاطونيي الإسكندرية في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي، ولكن لم يدون أراءه وفرض على تلاميذه كتمان تعاليمه، وقد حاول التوفيق بين أفلاطون وأرسطو في أهم النقاط وأكثرها ضرورة:‏
ـ صنع الله العالم دون أن يستخرجه من مادة سابقة.‏
ـ وفي العالم، الأجسام خاضعة للأرواح بحيث يتألف من المرتبتين كل مترابط الأجزاء، وبحيث تدير كل سماء السماء التي تلي مباشرة.‏
ـ إن للموجودات جميعاً شعوراً متفاوت الوضوح، بما للحكمة الإلهية من تأمل سرمدي لمعانيها، أو هو انعكاس للنظام الإلهي على عقول متفاوتة النورانية، وأمينوس السكاس هذا هو معلم أفلوطين الذي أخذ عنه أسرار المذهب اللاهوتي الأفلاطوني، الذي قال بصدور العالم عن الله على صورة فيض من العقول، حدث منذ الأزل، فإذا تعقل العقل الأول مبدعه صدر عنه الفلك الثاني، ومن تعقل هذا لنفسه، بما هو متجوهر بذاته لتي تخصه يلزم عنه وجود الفلك الأقصى، ويستمر فيض العقول بعضها مع بعض فيضاً ضرورياً حتى يصل إلى الفلك الأدنى،وهو فلك القمر، وهذا الفيض يتفق مع نظام الأفلاك عند بطليموس، وهو عين ما أخذ به الفارابي من أصحاب هذا المذهب اللاهوتي، لا سيما أفلوطين، وردده في كتبه، لا سيما "آراء أهل المدينة الفاضلة" (ص 19 ـ 20).‏
9ـ العدالة الاجتماعية بين جمهورية أفلاطون ومدينة الفارابي الفاضلة:‏
قصد أفلاطون في محاورة الجمهورية تجديد صورة الدولة المثالية التي تتحقق فيها العدالة الاجتماعية، من حيث هي فضيلة النفس الفردية، ونظام يتعلق بالدولة، فأوجب عليه هذا المقصد، أن يفسر طبيعة الإنسان وبيان تكوين الدولة، على حد سواء، ليتمكن من تحديد الظروف الواجب توافرها كي تتحقق العدالة في كل منهما.‏
لقد تضمنت محاورة الجمهورية الموضوعات التالية:‏
أولاً: تعريف العدالة وتحديد شروط تحققها.‏
ثانياً: بيان مصادر الفساد في الدولة وفي الفرد.‏
ثالثاً: آراء في الفن وفي النفس الإنسانية.‏
في تحديده لمفهوم العدالة يعرض أفلاطون آراء مختلف المتحاورين، ورأى أنها تشكل ثلاثة مواقف من العدالة، وهي:‏
ـ إن العدالة هي معاملة كل إنسان حسب ما يستحق أو معاملة الأصدقاء بالخير إن كانوا أخياراً، والأعداء ـ وهم الأشرار ـ بالشر.‏
ـ والعدالة عند السوفسطائيين تمثل الآراء الجيدة المتطرفة في السياسة فالعدالة ليست سوى العمل بمقتضى مصلحة الأقوى.‏
ـ والعدالة عند المثاليين، ومنهم سقراط وأفلاطون، ترى أن للقيم الأخلاقية وجوداً ثابتاً لا يتغير بتغير الزمان والمكان، فهي مطلقة، لا تحتمل أي تغيير أو تبديل.‏
وفي نشوء الدولة، يرى أفلاطون أن الفرد وحده ضعيف، ومن ثم يكون الاجتماع ضرورة تحتمها الحياة الإنسانية، وعن اجتماع الأفراد نشأت الحاجة إلى تقسيم العمل فيما بينهم من أجل توفير كافة احتياجاتهم الضرورية، ولا تقتصر حاجات الإنسان على متطلبات الحياة المادية، وإنما ينبغي لأهل المجتمع أن يتذوقوا الفنون والآداب، وبارتقائهم في أساليب الحياة يتطلبون الترف، وتزيد حاجاتهم الكمالية فتشتبك المصالح وتنشأ الحروب، ومن هنا ينبغي تكوين طبقة من المحاربين المحترفين يتولون حراسة المدينة والدفاع عنها عند الاعتداء عليها، كما تحتاج المدينة إلى طبقة من الحكام، يوجهون الرعية إلى العمل الصالح ويرشدون المدينة إلى طريق الخير، ويحققون لها العدالة.‏
يؤكد أفلاطون انقسام المجتمع إلى ثلاث طبقات متمايزة، ويرى أن لكل طبقة منها وظيفة هيأتها لها الطبيعة وخصتها بها، بحيث لا ينبغي لها أن تتدخل في العمل الطبقة الأخرى.‏
تختص الطبقة الممتازة في المجتمع بالحكم لا يشاركها فيه أحد من الطبقات الأخرى،وخاصة الطبقة المنتجة، لأنها لا تملك الحكمة ولا التربية ولا التعليم الذي يهيؤها للاشتراك فيه.‏
وتختص كل طبقة بفضيلة:‏
ـ فضيلة الحكام الحكمة.‏
ـ وفضيلة الجنود الحراسة والشجاعة.‏
ـ فضيلة العمال العفة أو الاعتدال، فيعنون بتنظيم ملذاتهم وانفعالاتهم ويتحكمون بشهواتهم.‏
هذه هي شروط تحقق العدالة، فيقوم كل فرد بالدولة بتأدية الوظيفة التي هيأتها له طبقته، ويلتزم بفضيلتها، وبغير ذلك يكون الظلم والشر. فقيام العدالة في جمهورية أفلاطون يقتضي تحقيق ما يلي:‏
ـ ينبغي ألا يمارس أحد إلا عملاً واحداً في المجتمع، هو العمل الذي هيأته له طبقته.‏
ـ انصراف كل فرد إلى عمله دون أن يتدخل في أعمال الآخرين، فالعدالة هي اهتمام كل فرد بما يخصه.‏
ـ القوة التي تلزم بها الدولة أفرادها، كلا على أداء عمله، ستكون على نفس القدر من الأهمية مع فضائل الحكمة والشجاعة والاعتدال.‏
ـ التعدي على أعمال الآخرين، واختلاط طبقات المجتمع الثلاث، يخلق الفوضى، وهو جريمة لا شك فيها.‏
وخلاصة القول فإن أفلاطون يذهب في السياسة مذهباً أرستقراطياً يخالف فيه ديمقراطية "أثينا" حيث يرى أن تدخل الأكثرية في السياسة والحكم يثير الفوضى، ويخالف مفهومه للعدالة الذي يقوم أساساً على تخصص طبقة أرستقراطية في الحكم، لأن لها ـ فوق سواها ـ مواهب الحكمة والشجاعة والعدالة والمساواة يجب أن يقترنا معاً في طبقة الحكام لذلك نادى بالشيوعية وبمساواة النساء والرجال في هذه الطبقة فتشارك المرأة الرجل في جميع الأعمال الخاصة بالطبقة، ونادى كذلك بإلغاء الزواج والأسرة في طبقة الحراس، فلا يختص أحد من هذه الطبقة بزوج أو زوجة أو ولد، إنما ستكون النساء والأولاد جميعهم، مشاعاً بينهم، فيربى الأطفال في دور الحضانة، ترضعهم أمهات صحيحات البدن، وترعى شؤونهم مربيات متخصصات، فتتفرغ الأمهات لأعمالهن والحكام عند أفلاطون يجب أن يكونوا من الفلاسفة، فما لم نر القوى والسياسة تتحد بالفلسفة وما لم تسن قوانين دقيقة. فإذا لم تجتمع هاتان القوتان (الفلسفة والسياسة) فلن تنتهي الشرور من الدول، بل من الجنس البشري.‏
ظن الفارابي أن معاني الجمهورية الأفلاطونية تتخلص في الرئيس الفيلسوف، ورأى أن الناس قد جمعتهم الضرورة، وأخضعتهم لإرادة رئيس واحد، تتمثل فيه المدينة بخيرها وشرها. فتكون فاسدة إذا كان حاكمها جاهلاً بقواعد الخير أو كان فاسقاً أو ضالاً.‏
أما المدينة الخيرة أو الفاضلة، فهي نوع واحد، ويرأسها فيلسوف والفارابي يصف أميره بكل فضائل الإنسانية، وكل فضائل الفلسفة فهو أفلاطون في ثوب النبي محمد(‏
قسم الفارابي كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة" قسمين، خص القسم الأول بمعالجة المبادئ الفلسفية التي يدين بها، والتي سيراعيها إلى حد ما في إنشاء مدينته، وخص القسم الآخر من الكتاب بشرح شؤون هذه المدينة وما ينبغي أن تكون عليه في مختلف فروع حياتها.‏
اشتمل القسم الفلسفي على خمس وعشرين فقرة، شكلت تسع منها فاتحته على البحث في الموجود الأول وبيان صفاته، ثم وقف بقية فقرات هذا القسم على بيان مراتب الموجودات المادية ـ الروحية، وحالات كل طائفة منها وصلتها بالله وصلتها بعضها ببعض وما إلى ذلك.‏
آراء الفارابي في الموجود الأول تتفق كل الاتفاق مع مبادئ الإسلام وما يقرره في صدد الذات العالية وصفاتها، وتنم عن قوة إيمان الفارابي وسلامة عقيدته، فهو يقرر أن الله لا يمكن أن يشوب وجوده وجوهره عدم. لذا هو أزلي دائم الوجود بجوهره وذاته من غير أن يكون به حاجة إلى شيء آخر يمد بقاؤه.‏
والفارابي في آرائه عن الموجودات الثواني ومراتب الموجودات وحالاتها وصلتها بالموجود الأول وصلتها بعضها ببعض وما إلى ذلك، وهي الآراء التي ضمنها الفقرات الست عشرة الأخيرة من هذا القسم، مما مر ذكره في الفقرة السابقة من هذه الدراسة، وبيان مدى تأثره باللاهوت الأفلاطوني كما تمثل عند أفلوطين فذهب إلى ما ذهب إليه هذا اللاهوت من وجود عقول وأرواح تنبثق عن الله وضع الفارابي في القسم الاجتماعي من كتابه تصميماً لمدينته الفاضلة، وقد جاء تصميمه هذا مشابهاً لجمهورية أفلاطون مع بعض فروق يسيرة، تأثر بها الفارابي بمبادئ الدين الإسلامي على الأخص.‏
احتوى هذا القسم على اثنتي عشرة فقرة أعطاها العناوين التالية:‏
ـ القول في احتياج الإنسان إلى الاجتماع والتعاون.‏
ـ القول في العضو الرئيس.‏
ـ القول في خصال رئيس المدينة الفاضلة.‏
ـ القول في مضادات المدينة الفاضلة.‏
ـ القول في اتصال النفوس بعضها ببعض.‏
ـ القول في الصناعات والعادات.‏
ـ القول في أهل هذه المدن.‏
ـ القول في الأشياء المشتركة لأهل المدينة الفاضلة.‏
ـ القول في آراء أهل المدن الجاهلة أو الضالة.‏
ـ القول في العدل.‏
ـ القول في الخشوع.‏
ـ القول في المدن الجاهلة.‏
في كلام الفارابي على حاجة الإنسان إلى الاجتماع والتعاون يقول: إن الإنسان اجتماعي بطبعه من جهة، ويضطر إلى هذا الاجتماع اضطراراً لسد حاجاته من جهة أخرى وأنه من أجل ذلك نشأت الحاجات الإنسانية.‏
والمجتمعات عند الفارابي قسمان:‏
ـ مجتمعات كاملة وهي ما يتحقق فيها التعاون الاجتماعي بوجه كامل لتحقيق سعادة الأفراد، وهي ثلاث مراتب:‏
*أرقاها مرتبة اجتماع العالم كله في دولة واحدة تحت سيطرة حكومة واحدة.‏
*وأقل منها كمالاً اجتماع أمة في جزء من المعمورة تحت سيطرة حكومة مستقلة.‏
*وأقلها جميعاً في الكمال اجتماع أهل مدينة في جزء من الأمة تحت سلطة رئيس.‏
ـ مجتمعات ناقصة، وهي لا يتحقق فيها التعاون الكامل، ولا تستطيع أن تكفي نفسها بنفسها، وهي ثلاث مراتب كذلك:‏
*فأقلها نقصاً وأقربها إلى الاجتماع الكامل، اجتماع أهل القرية.‏
*اجتماع أهل الحي.‏
*اجتماع أسرة في منزل.‏
فمن هذه المجتمعات يتكون سلم متدرج، في قمته العالم الإنساني، مندمجة شعوبه ومكونة دولة واحدة، وفي أدنى درجة منه المجتمع العائلي.‏
أغفل الفارابي النوعين الأوليين من المجتمعات الكاملة، وقصر كلامه على اجتماع أهل المدينة وما يجب توافره في مجتمعها حتى تكون فاضلة سعيدة، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أمرين:‏
ـأنه رأى أن اجتماع العالم كله على الصورة التي ذكرها هو اجتماع مثالي، ولكنه متعذر التحقيق.‏
ـ أن المدينة هي الخلية الأولى للمجتمعات الكاملة، فبصلاحها تصلح هذه المجتمعات وبفسادها يعتريها الفساد.‏
فالمدينة الفاضلة في نظره هي ما تتحقق السعادة للأفراد فيها على أكمل وجه ولا يكون ذلك إلا إذا تعاون أفرادها على الأمور التي تنال بها السعادة، واختص كل منهم بالعمل الذي يحسنه وبالوظيفة المهيأ لها بطبعه. وفي هذا يقول:‏
فالمدينة التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء التي تنال بها السعادة في الحقيقة هي المدينة الفاضلة، فهي تشبه البدن الصحيح الذي يتعاون أعضاؤه كلها على تقييم حياة الحيوان وعلى حفظها عليه.‏
وأهم وظائف المدينة الفاضلة وأكثرها خطراً في نظر الفارابي هي وظيفة الرياسة وذلك لأن رئيس المدينة هو السلطة العليا التي يستمد منها جميع السلطات، وهو المثل الأعلى الذي ينظم جميع الكمالات، ومنزلته من سائر أفرادها كالقلب من أعضاء الجسم، بل إن منزلته فيهم كمنزلة الله من العقول وسائر الموجودات.‏
ولذلك لا يصلح للرئاسة إلا من زود بصفات فطرية ومكتسبة تتمثل فيها أقصى ما يمكن أن يصل إليه الكمال في الجسم والعقل والعلم والخلق والدين.‏
أما الصفات الفطرية فقد اشترط الفارابي أن تتوافر في رئيس المدينة صفات عديدة منها: تمام أعضائه، جيد الفهم والتصور لكل ما يقال له ويتلقاه بفهمه على ما يقصده القائل، جيد الحفظ لما يفهمه ولما يراه ويسمعه ويدركه في الجملة جيد الفطنة ذكياً إذا رأى الشيء ـ بأدنى دليل ـ فظن له على الجهة التي دل عليها الدليل حسن العبارة، محباً للعلم منقاداً له، محباً للصدق وأهله مبغضاً للكذب وأهله.‏
وأما الصفات المكتسبة فق اشترط الفارابي أن يتوافر منها في رئيس المدينة ست صفات هي:‏
ـ يكون حكيماً.‏
ـ يكون عالماً حافظاً للشرائع والسنن والسير التي دبرها الأولون للمدينة محتذياً بها بكل أفعاله.‏
ـ يكون له جود استنباط فيما يحفظ عن السلف من شريعة، ويكون محتذياً حذو الأئمة الأولين.‏
ـ له وجود رؤية ومعرفة في الأمور والحوادث التي تحدث.‏
ـ أن يكون له جودة إرشاد بالقول إلى شرائع الأوليين وإلى التي استنبطت بعدهم مما احتذى فيه حذوهم.‏
ـ أن يكون له جودة ثبات يبديه في مباشرة أعمال الحرب.‏
ويرى الفارابي أن أفراد المدينة أنفسهم لا تتحقق سعادتهم ولا تصبح مدينتهم فاضلة إلا إذا ساروا على غرار رئيسهم وأصبحوا صورة منه، وأن الرئيس لا يعد مؤدياً رسالته إلا إذا وصل بهم إلى هذا المستوى الرفيع.‏
من هذا يظهر أن المدينة الفاضلة التي أقام الفارابي قواعدها في كتابه هي مدينة يرأسها إنسان لا تقل منزلته عن منزلة الأنبياء، ويتألف أفرادها من قديسين، ومدينة كهذه لا يتاح مثلها في عالمنا الدنيوي.‏
1
0ـ خاتمة:‏
أفلاطون والفارابي فيلسوفان كبيران، تتطابق النظرية السياسية لكل واحد منهما مع فلسفته العامة، وكلاهما أرسى دعائم نظرية سياسية خاصة، تعبر عن أزمة العصر الذي عاش فيه، إنها تخريج المعادلة السياسية في إطار الحضارة التي ينتمي إليها الفيلسوف، وذلك ما يشكل الطابع الخاص بالنسبة لكل منهما، لكن هذا التخريج، رغم الصبغة الحضارية الخصوصية يتماثل في النزعة الإنسانية والمقومات العامة التي تتوفر في كل مجتمع من المجتمعات البشرية على الإطلاق، كالعنصر البشري والبيئة ووظائف الأهداف العامة والمؤسسات والنظم والتشريعات التي تهيئ هذه الأهداف الجمعية، وقد تفترق أو تتفق الرؤى والتحاليل والتراكيب حول هذه الأسس العامة بالنسبة لقيام حياة جمعية، وإن أوجه الاتفاق أو الافتراق تؤكد المكانة الخاصة بالنسبة لأي من الفيلسوفين ويمكن تنظيم صيغة للكشف عن هذه المكانة من خلال عرض حدود التقارب والتباعد بينهما:‏
أ ـ دمج أفلاطون السياسة بالأسرة والاقتصاد، وكانت رؤيته للسياسة كعلم غير واضح، بينما حدد الفارابي موضوع العلم السياسي، وبين العلاقة بين العملي والنظري، وكيفية الوصول إلى قوانين كلية،وترك المجال مفتوحاً أمام النسبية والتغيير في كل مجتمع سياسي بل وفي كل مرحلة تاريخية جديدة.‏
ب ـ نادى أفلاطون بدولة المدينة، ونادى الفارابي بالمدينة الفاضلة، وتجاوز أبو نصر هذا الإطار ليضع دولته على صعيد أممي.‏
ج ـ دعا أفلاطون إلى تكوين طبقة كاملة من الحكام تتصف عموماً بالجمع بين القوتين السياسية والفلسفية في الجمهورية، وعين الفارابي رئاسة للمدينة الفاضلة واشترط توافر خواص عقلية وخبرات مختلفة للوصول إلى السلطة وحدد المهام الرئاسية على صعيدي المدينة والمعمورة.‏
د ـ حدد أفلاطون مجالاً لطبقة الحكام ووضع برنامجاً للإعداد والتكوين والممارسة، وقرر الفارابي تشكيل مجلس رئاسي، وعين له برنامجاً مكافئاً لمطامح وحاجات وآراء أهل المدينة الفاضلة.‏
هـ ـ بين أفلاطون والفارابي معاً مسؤوليات رجال السلطة، وحدد كل منهما العدالة والمصلحة العامة كمعيارين للإشراف على أنماط ممارسة السياسة والإدارية والتشريعية والتربوية.‏
و ـ كانت مفاهيم الدولة وبنيان المجتمع والأنظمة العامة وأدوار الحكام واضحة في ذهن الرجلين، وكان الفارابي يسعى للانفتاح على الواقع الإنساني الأممي أكثر من أفلاطون.‏
كذلك يلتقي الفيلسوفان في كثير من الصفات التي تهيئ شروط الزعامة، فكلاهما يريد لنماذج رؤسائه توافر سلامة البيان وغزارة المعلومات وحسن السيرة والميل إلى العدل والاعتدال وكبر النفس والتكيف، وكلاهما طالب بتقشف الحكام، وإن كان أفلاطون حدد ذلك في إطار مشاعية تمنع الحكام من الملكية والحياة الأسرية، بينما اشترط الفارابي الزهد في المال وسائر أعراض الدنيا.‏
وهكذا تتضح أوجه الاتفاق والافتراق بين الفيلسوفين، ولا مجال للقول بمسألة التأثر، فأما التشابه فتمليه الضرورة الحضارية الإنسانية التي تسود كل المجتمعات أما الافتراق فتقتضيه الضرورة الواقعية لكل حضارة وكل مجتمع في سياق كل مرحلة من مراحل التاريخ.‏

 

المصادر:‏
ـ أفلاطون، عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1954.‏
ـ تاريخ الفلسفة العربية، حنا الفاخوري وخليل الجر، مؤسسة بدران للطباعة والنشر، بيروت 1963.‏
ـ تاريخ الفلسفة في الإسلام ت.ح دي يور، ترجمة عبد الهادي أبو ربدة مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة ط4 ، 1957.‏
ـ تاريخ الفلسفة اليونانية، يوسف كرم، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ط4، 1958.‏
ـ التاريخ النقدي لمدينة الإسكندرية، فاشيرو (6 أجزاء).‏
ـ خريف الفكر اليوناني، عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط3، 1959.‏
ـ دراسات في الفلسفة اليونانية العربية، إنعام الجندي، مؤسسة الشرق الأوسط للطباعة والنشر، بيروت د.ت.‏
ـ كشف الظنون، حاجي خليفة، طبعة ليبزع، 1835.‏
ـ وفيات الأعيان ابن خلكان، ت محمد محيي الدين عبد الحميد، 1369 هـ.‏
(1) كاتب وباحث في التراث.‏
(2) بدوي، عبد الرحمن: أفلاطون مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1954، ص 70.‏
(3) كرم، يوسف: تاريخ الفلسفة اليونانية، مطبعة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ط4، 1958، ص63.‏
(4) بدوي، عبد الرحمن: أفلاطون، مصدر سابق، ص77.‏
(5) بدوي، عبد الرحمن: أفلاطون، مصدر سابق، ص79.‏
(6) كرم، يوسف: تاريخ الفلسفة اليونانية، مصدر سابق، ص 64 ـ 67.‏
(7) كرم، يوسفك تاريخ الفلسفة اليونانية. مصدر سابق، ص 286.‏
(8) بدوي، عبد الرحمن، خريف الفكر اليوناني، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط3، 1959، ص 121.‏
(9) بدوي، خريف الفكر اليوناني: مصدر سابق، ص 121.‏
أيضاً كرم تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص 287.‏
(10) كرم، يوسف. تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص 287.‏
(11) كرم، تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص 289.‏
(12) بدوي، خريف الفكر، مصدر سابق، ص 121.‏
(13) يقول حاجي خليفة في كتابه "كشف الظنون" الجزء الثالث طبعة لينبرغ 1830م، ص98 ـ 99: إن مترجمي المأمون أتموا تراجم لا توافق ترجمة أحدهم ترجمة الآخر، فبقيت تلك التراجم هكذا غير محررة، بل أشرفت أن عفت رسومها إلى زمن الحكيم الفارابي، ثم إنه التمس منه ملك زمانه منصور بن نوح الساماني أن يجمع تلك التراجم، ويجعل من بينها ترجمة ملخصة محررة، مهذبة، مطابقة لما هي عليه الحكمة، فأجاب الفارابي، وفعل كما أراد وسمي كتابه "التعليم الثاني"، فلذلك لقب بالمعلم الثاني.‏
(14) روى ابن أبي أصبيعة: "أن أبا الفارابي كان فارسي الأصل تزوج من امرأة تركية، وأصبح قائداً في الجيش التركي، وذكر أن الفارابي اشتغل بالقضاء في بلدته قبل أن ينكب على دراسة الفلسفة" (ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، الجزء الثاني، ص 143.‏
(15) ابن خلكان، وفيات الأعيان، 681هـ تحقيق محمد، محيي الدين بن عبد الحميد، في ست أجزاء 1369هـ.‏
(16) اتفق القاضي صاعد (ص63) وابن أبي أصيبعة (ج2، ص134)، والقفطي (ص183) وابن خلكان (ج/2، ص1 ـ 2): إن الفارابي قد توفي في سنة 339هـ عن عمر بلغ الثمانين عاماً.‏
(17) ابن خلكان: جـ2، ص 1 ـ 2.‏
(18) الفاخوري، حنا والجر، خليل: تاريخ الفلسفة العربية، مؤسسة بدران للطباعة والنشر، بيروت، ط2، 1963، ص 376.‏
(19) بدوي، أفلاطون، مصدر سابق، ص 1.‏
(20) بدوي، أفلاطون، مصدر سابق، ص 2.‏
(21) بدوي، أفلاطون، مصدر سابق، ص 2 ـ 3.‏
(22) كرم، تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص 107.‏
(23) كرم، تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص 287.‏
(24) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة العربية، ص72 ـ 69 ـ 71.‏
(25) ت، حـ، ديبور: تاريخ الفلسفة في الإسلام. ترجمة: محمد عبد الهادي أو ريدة. مطبعة لجنة التأليف والترجمة، القاهرة، ط4، 1957، ص193.‏
(26) ديبور، تاريخ الفلسفة في الإسلام، مصدر سابق، ص 197.‏
(27) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة العربية، مصدر سابق، ص 41.‏
(28) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة العربية، مصدر سابق، ص 41.‏
(29) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص 42.‏
(30) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة العربية، مصدر سابق، ص 43.‏
(31) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة العربية، مصدر سابق، ص 43.‏
(32) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة العربية، مصدر سابق، ص 44.‏
(33) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة العربية، مصدر سابق، ص 45.‏
(34) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة العربية، مصدر سابق، ص 47.‏
(35) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة العربية، مصدر سابق، ص 49.‏
(36) بدوي، خريف الفكر، مصدر سابق، ص 110.‏
(37) بدوي، خريف الفكر، مصدر سابق، ص 113.‏
(38) فاشيرو، التاريخ النقدي لمدرسة الإسكندر 6 أجزاء، 1846 ـ 1851.‏
(39) بدوي خريف الفكر، مصدر سابق، ص 118.‏
(40) بدوي، خريف الفكر، مصدر سابق، ص 119.‏
(41) بدوي، خريف الفكر، مصدر سابق، ص 125.‏
(42) بدوي، خريف الفكر، مصدر سابق، ص 125.‏
(43) بدوي، خريف الفكر، مصدر سابق. ص 130.‏
(44) بدوي، خريف الفكر، مصدر سابق، ص 132.‏
(45) الفاخوري والجو، تاريخ الفلسفة العربية، مصدر سابق، ص 82 ـ 83.‏
(46) الجندي، إنعام: دراسات في الفلسفة اليونانية والعربية مؤسسة الشرق الأوسط للطباعة والنشر، بيروت، د.ت، ص 78.‏
(47) الجندي، دراسات في الفلسفة، مصدر سابق، ص 78.‏
(48) الجندي: دراسات في الفلسفة، مصدر سابق، ص 78.‏
(49) كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، مصدر سابق، ص 291.‏
(50) كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، مصدر سابق، ص 291.‏
(51) الفارابي، عيون المسائل.‏
(52) الجندي، دراسات في الفلسفة، مصدر سابق، ص 82.‏
(53) الجندي، دراسات في الفلسفة، مصدر سابق، ص 83.‏
(54) الجندي، دراسات في الفلسفة، مصدر سابق، ص 85.‏
(55) الجندي، دراسات في الفلسفة، مصدر سابق، ص 82.‏
(56) الجندي، دراسات مصدر سابق، ص 90.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟