قراءة في كتاب "الماضون إلى الماضي" للدكتور عبد الإله بلقزيز: المصطلح التراثي بين الاحتفاء والإحياء - عبد المطلب عبد الهادي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

مقدمة..

أنْ توظّف المصطلح التراثي القديم في الكتابات الحديثة، يُقلل من قيمتها وقوتها؟ أم أنَّ التّخلّي عن المصطلح القديم وهجرانه والتنكر له بدعوى أنه لا يؤدي أو لا يُوصِلُ إلى المراد والمبتغى من النص، يعطي النص قيمة أكبر وإبداعا؟ وهل أمام التغييرات الطّارئة والوافدة من الغرب، وتسارع النظريات النقدية، وفي إطار ما يُسمّى بالمثاقفة، أصبح من الضروري على الكاتب الانخراط في هذه الموجة بدعوى مسايرة ما جدَّ في عالم الكتابة والنقد لإثبات قدراته على المواكبة والتطور؟

بين الإحياء والاحتفاء..

بما أن الكتابة دعوة إلى اكتشاف الاستثنائي والمنسي في اللغة، ـ إذ، لا يكتب الكاتب إلاّ إذا كان لديه دافع قوي لموضوع جديد، لغة وتيمة ـ  والجميل والمدهش في السرد والحكي، وبما أن اللغة تُميّزُ نصّا عن نص، وتُعلي نصا وتخفض نصّا، بترويض مصطلحاتها واستخراج مكنوناتها الدلالية، وبما أن اللغة هي المُشَكّل الأساس لكل سرد، بل هي السرد ذاته، وبما أن اللغة كائنٌ حي، وانسجامٌ وتناغمٌ ونظامٌ، ونسجٌ يحتاج لقلم درب يشد القارئ دون أن يُشعره بتجوال النص وصراعه بين الحديث من المصطلحات وقديمها، بالحفاظ على المستوى الفني للنص، والخيط الجامع والنّاظم للسرد ليكون لبنة قوية ومتماسكة، وبناء معماريا مترابطا ومتراصّا بعضه ببعض، فإنّ حركية المصطلحات القديمة تحيى زمانها، ويتلاشى بريقها حين يقل استعمالها، وتتطور بتطور الحركات الحضارية أو الفكرية أو العلمية، وكل تحول في المسيرة الإنسانية عموما من تقدم فكري أو علمي يؤثر بالضرورة على المصطلح القديم، لكنه لا يموت، قد يركن إلى الظل، لكنه أبدا يظل في انتظار من يبعث فيه الحياة، ويسمح للمصطلح الجديد أن يحيى زمانه هو الآخر، مؤثّرا ومتأثرا بما يموج من حوله من تفاعلات نقدية وإبداعية وعلمية، مانحا لنفسه مكانة قوية راسخة تتجدد بتجدد اللغة.

إن توظيف المصطلح القديم في الكتابات الحديثة، لا بد أنه عمل شاق يحتاج إلى كاتب يفني أكثر وقته ـ حين كتابة نص ما ـ جُهدا وتمحيصا ومسْحا شاملا مضنيّا وذكيا للمعاجم العربية، لتدقيق المصطلح والمفهوم الدّال على المعنى المراد طرحه، كما يقتضي إلْماما كافيا وتفكيرا بلُغةٍ تمَّ نسيانها وإهمالها، والثقة فيها بأنها ما زالت قادرة على إيجاد صِيغٍ للتعبير وإيصال المعاني، مع استثمار ما تمنحه اللغة من أساليب الكتابة لإنتاج نص جميل بأثر قرائي جميل، وتأثير متميز يجعل القارئ يعود إلى منابع اللغة، والبحث في المعاجم، الشيء الذي افتقدناه حين قراءة أي نص أدبي غني بالمصطلحات.

السّرديّة..

بناء على ما تقدم، استوقفتني سردية الدكتور عبد الإله بلقزيز "الماضون إلى الماضي"[1]، الحافلة بالمصطلحات القديمة، فهي اعترافٌ على بياض، بقيمة المصطلح القديم حين يؤدّي المقصود والدلالة من السرد والكلام، وهي أيضا، محافَظَةٌ على الإرث اللغوي الغني، والرصين والفصيح، وتنويهٌ بقوته، وهي بالتالي، محاولة ربط القارئ بثرات الأجداد، الذي لم يفقد بريقه حين يدخل نصا ينتمي إلى الزمن الحاضر، فيُضفي عليه جمالا ورنقا وقوة أيضا.

 السردية تؤسس للتمسك باللغة الأصل، والإبقاء على حيويتها وقوتها وحضورها في النص الحديث، ونقلها من حالة السكون إلى حالة الفعل، من حالة القدم إلى حالة الجدّة والقوة، وتفجير معانيها ودلالاتها. كما أنها ازدواج جميل وسطٌ بين إحياء لغة قديمة سُجنتْ في مخطوطات ومعاجم قابعة في مكتبات ومؤسسات مهجورة منسية يصعب الوصول إليها، وبين احتفاءٍ بمِهن اندثرت. يقول بلقزيز "وإنّما مُبتغاي من الاحتفاء بهذه القطع البديعة الموشّاة بالكلام المذهَّب التي يحويها تراثنا العربيّ وإعادة الاعتبار إلى المنْسي من ذاك التراث، تماما كما هي السرديةُ تحتفي بحرفٍ قديمةٍ"[2]، ويقول في مكان آخر من السردية، "والنّصُّ، احتفاءٌ باللسان العربي العريق وآدابه، اللسان الذي انفصلنا عنه انفصال الغرباء حتى بِتْنا عنه بمنأًى، وبات لبعضنا ـ لئلا أقول لأكثر ـ طِلمْساً يحتاجُ إلى مَن يفُك إبهامه ![3]، وهي أيضا، وبلُغَة منسية في المعاجم، انقرضت من لساننا العربي، والساكنة سراديب المعاجم والمكتبات، تكريمٌ وتأبينٌ لحِرَفٍ قديمة، في حفل لغوي راقٍ أعطى الكلمة التراثية المتفرّدة، حقها وجمالها وقوتها التي أعطت ـ في نفس الان ـ جمالا وقوة للحِرَف التي اندثرت من حياتنا والتي كانت في زمن ما، عيش الكثيرين من البسطاء من سكان الهوامش من المدن المغربية بقلم دَرِب بعث الروح في دلالاتها ومعانيها.

والسردية مغامرة لغوية أحيت فينا/في القارئ، نظرة جديدة إلى اللغة القديمة الزاخرة بالمصطلحات البليغة، التي تلاشت ـ للأسف ـ واندثرت حين طمسها الماضي أو النسيان، أو غضّ عنها الكاتبون الطرف لأنها ـ في عرف الكثيرين ـ لا تفي المفهوم حقه، أو لا تساير العصر، أو تبخس النص الإبداعي الحديث حقه وقوته، وهو الشي المرفوض والذي أبانت عنه السردية التي امتازت بالدقة التوثيقية للحِرَف المنقرضة، وحذاقة الكتابة الإبداعية.

وهو باستثماره المصطلح القديم وإحيائه، يقترب الأستاذ بلقزيز من قانون الاستعمال والإهمال في علم الأحياء الذي ينُصّ على أن "كل عضو يُستَعمل ينمو ويكبُر، وكل عضو يُهمل يصغُر ويضمُر"، وإصراره على تسليط الضوء على المصطلح ليحيى أولا، وليُظهر أنه مازال في أوجِ تبليغه المعنى والدلالة، وإعطائه نورا متجددا يسير به بين جوانب النص وداخله متوسّلا كتابة إبداعية تأخذ لها منحى القصة، وكل حرفة مستقلة عن الأخرى، تأخذ لها بداية ونهاية، دون تكرار المصطلحات القديمة، تمنحها قيمة جمالية تتابع الإنسان في مختلف حالاته وهو يذوي كما تذوي وتتلاشى حِرَفه مصدر عيشه، مما يدل أولا على غنى وثراء المعجم العربي، وثانيا غنى النص وقوته، وثالثا، وعي الكاتب بالشيء المحكي عنه، وهو هنا سارد فنان، يعرف كيف يُروّض اللغة ويُطَوّعها، ويبعث فيها الحياة، ما يجعل المتلقي ينسى أنه يتعامل مع نص يعجُّ بالمصطلحات القديمة، بل هذه المصطلحات هي التي أعطت السرديات نفسا يُصالحنا معها، ويُجدّدُ نظرتنا إلى الذي مضى من ماضينا لغويا وحِرفيّا. فاللغة السردية، أفصحت عن نفسها وقوتها من خلال المحكي والإنسان، بل أحيتْ ما انقرض من حِرَفه بلغةٍ حكَمَ عليها آخرون بالانقراض والتلاشي، في حين هي من بعثت الحياة فيما مات من حِرَفٍ كانت بالأمس جالِبة للرزق والقوت لأصحابها.

وإذا كانت اللغة مسْكن وجوهر الوجود وعمقه، وأداة للتعرف والاقتراب من العالم والذات، فإن ما سعى إليه الأستاذ بلقزيز في سرديته، حين تعريفه عوالم وحرف قديمة انقرضت، وذوات وحيوات الذين عايشوا هذه العوالم وذلك بلغة قديمة، قوية، موصلة، تفيض بالحياة رغماً عن سكونها ظلمة المعاجم، لأن اللغة كائن حي مهما تقدم بها الزمن، وكَشْف المخبوء والمُحْتجب والمسكوت عنه، وما يعيشه أهل هذا الزمان، فقد استطاع، بحذاقته اللغوية، ودُربة قلمه على اقتحام معاقل اللغة، أن يقود القارئ عبر اللغة، واللغة فقط، إلى منابع الكلمة التراثية، ويجعله يفتح كل حواسه إنصاتا وانتباها، لمُلامسة متعة القراءة مع تحريضٍ خفيّ مضمر للذهاب إلى المعاجم للبحث والتصالح مع المصطلح القديم، ومحاولة التّقرب منه وسبر مفهومه وتوظيفه، "ذلك أن الأدب لا ينتسج إلا باللغة، ولا يمثُل إلا في إهابها، فمن كان له لغة، ومن استطاع أن يستثمر هذه اللغة فيُحوّلها من مجرد مفردات منثورة، وألفاظ معزولة، إلى نسيج من القول قشيب، هو الأديب الحق،... أما من لم تكن له لغة، فإنه كالمُفلس، أو الفقير المُعدم، فإنه لا يستطيع أن يبني شيئا من عدم..."[4]

إن الحكي، حين يُخرج اللغة من مخابئها، يصقلها، يُجلّيها، يبني بجمالها معمارية السرديات، وكل سردية مستقلة بذاتها رغم أن السردية في مجملها حكايات عن حِرفٍ اندثرت وتلاشت، سلسا، يستقطب المصطلحات التراثية التي يبني بها جدار الحكي الذي يعلو بتعاقب السرد والانتقال من متاهات ومصاعب ومشاقِّ الحِرَف التي وقفت بأصحابها أمام الأبواب الموصدة حين غزت العالم أمواجُ التجديد فكشطتها ورمت بأصحابها في أتون الفقر والحاجة، وربما التسول ومد اليد.  

السردية، كل سردية، مُنكَّهة بزاد لغوي قوي ومتين يوقف القارئ، بل يسائله عن مصادر ودلالات هذه اللغة التي قال عنها كثير من الحداثيين بأنها لغة لا تفي بالمقصود، وأنها ماتت ولا تساير العصر ومحلُّها المعاجم حيث هي، لكن حضور الموهبة والخبرة والثقافة العالية للكاتب، والشغف بتجاوز المألوف، والمغامرة لاقتحام اللغة في عقر قواميسها للوصول إلى نص جيد ينبض بالحياة، رغما عن موتها الذي يزحف إليها، أعطى المصطلح شرارة تمدها بنُسْغِ البقاء والاستمرار، " فهو ينتقي لغته وكلماته بأناقة ورهافة، وينضدها في جمل وعبارات كما تنضد العقود والأحجار الكريمة"[5].

السرد ينمو ويتجَمَّلُ في كل النصوص، وله أن يتجمّل، لأنه يتّكئُ على الأحداث التي تتنوع من نص إلى آخر في غير ملل، يَنفضُ عن اللغة والحِرف، في نفس الآن، غبار النسيان والإهمال، مُتوسِّلاً لغة تغوص رغم نسيان بعضٍ من مصطلحاتها، إهمالا أو تجاهلا، لغة أصبحت في السردية من مبتدأها إلى منتهاها، حدثا مُلفتا يسير مع بناءها يُحكم بنيانها، يُنمّيها، جاعلا منها حكايات تُقاوم النسيان في زمن امتاز بإعطاء الظهر للإنسان بدعوى تعويضه بالأجود، وهنا، فقط، برزت قوة نصوص السردية، لغة قديمة مهجورة قادرة على تسمية الأشياء، منفتحة على ذاكرة الحِرف المنسية، تتوخّى تحقيق المتعة والمعرفة، والشهادة على مقاومة شرسة للزمن الغلاّب، تعاند، بقوة وبإصرار، لتُعيد إلينا حِرفاً قديمة نسيناها أو أهملناها أو عوّضناها بالجديد، بمعنى، أن اللغة رغم قِدَها أحيتْ، ولوْ لحظةَ السرد والحكي، حِرفا آلت إلى التهميش والزوال ، فانتفضت النصوص، عالما، عوالم تطْفَحُ وتفيض بالحياة والتَّذكُّر والألم، "إن قيمة النصوص لا ترجع فقط إلى مزج المتخيّل بصفحات من التاريخ، بل تستمد تألّقها وغناها أيضا من بنائها المجدول المتضافر، ومن اللغة الدقيقة المتوهّجة بحِسِّية الشعر..."[6]

تلك نقطة حسنة، أن يوظف كاتبٌ من طينة الدكتور عبد الإله بلقزيز المُعجم ليُحيي ما غضضْنا عنه الطرف، بقصْدٍ أو بغير قصد، وبالتالي، وفي معظم كتاباته ينهج نفس النّهج ليضمن للغة سر خلودها بعد أن يمنحها فُرَصاً للحياة، يحتاج من القارئ غوصاً وتأمُّلاً وإيقاظ فكرٍ، واستعداداً ثقافيا حتّى تتبدّد الحُجب عن المصطلح القديم ويؤول إلى الانكشاف والفهم والحياة.

السردية، تُحرّر النصوص من الخوف من الخوض في المصطلحات القديمة، واستخراج مكتنزاتها ونفائس معانيها من منجم معاجمها، في تمازج قوي يحقق اجتماع متعة النص ولذة القراءة. والنّصّ، كل نصٍّ في السردية، ثلاثة نصوص، نص موجود بقوة لغته، ونص متوار في انتظار قارئٍ حصيف، يُحسن تذوّقه ويُحيى ما تكبّده الكاتب وهو يُنشئ لغته ويُطرّزُ أساليبه، فيُسائله ويُحاوره، ونص يتواشج مع النص الموجود بقوة اللغة يحتفي بحِرفٍ بعضها تلاشى او يرفض التلاشي الكلي والانقراض، ولو على سبيل التذكّر وإعادة ترميم جوانبها لتظلَّ شاهدة على أُناسٍ مَضوا إلى زمنٍ مضى عبر الحكي والتذكر، لأن الكتابة عند الأستاذ بلقزيز " ليست تمرينا لغويا أو لهوا أو فرصة لتفريغ ما يتراكم في النفس والذاكرة والجسد، وإنما هي حاجة وجودية لديه، مسكون بقواميسها، وبلغاتها وبإيقاعاتها، يركب صهوتها ويصول في الاتجاهات التي يقرر هو ارتيادها وبالطريقة التي يقرر"[7].

 

[1] عبد الإله بلقزيز، الماضون إلى الماضي، سردية، منتدى المعارف، 2020.

[2] نفس المصدر (ص 16)

[3] نفس المصدر (ص 13)

[4] عبد المالك مرتاض، في نظرية الرواية، ص.127.

[5] نجيب العوفي، عبد الإله بلقزيز عاشق للغة، ص 29. من كتاب جماعي، في ما بين الفلسفة والأدب ـ سلكي إخوان 2023.

[6] محمد برادة، أسئلة الرواية أسئلة النقد، منشورات الرابطة 1996، ط 1 ص 104ـ105.

[7] ، محمد نور الدين أفاية، توثرات الفكر والكتابة، ص 22 ـ كتاب جماعي، في ما بين الفلسفة والأدب ـ سلكي إخوان 2023.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟